تأليف
د. أسامة محمد زهير الشنطي
الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة
بسم الله الرحمن الرحيم
تَلْخيص
يناقش الكتابُ فكرةً تردّدت على ألسُنِ البعضِ وكِتاباتِهم؛ مفادُها: أنّ في أحاديثِ الصّحيحينِ ما يَقدَحُ في مَقامِ النُّبوَّةِ الشّريفةِ، ويَحُطُّ مِن مَنزِلَتِها، وذلك مِن خِلالِ عَرضِ الإشكالاتِ الوَارِدَةِ على هذه الأحاديثِ مَدارِ البَحثِ، وتَحلِيلِها ومُناقَشَتِها، ودِراسةِ أسانيدِ هذِهِ الأَحاديث، ثم النَّظرِ في مُتونِها بِعَرْضِها على كِتابِ اللهِ عز وجل، وسنّةِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم الكريمةِ، وقواعدَ وأصولِ هذه الشَّريعَةِ الغَرّاءَ، للوُقوف على مدى مؤالَفَتِها أو مُخالَفَتِها لِكلِّ ذلك، مَعَ إِبرازِ طرائِقِ عُلماءِ الشَّريعَةِ في التَّعامُلِ مَعَها.
والحمد لله رب العالمين
الفهرس العام
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المقدّمة | 7 |
|---|---|
| الحديث الأول: ما نُسب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن أكْلِه ما ذُبح على النُّصُب | 29 |
| الحديث الثاني: حديث بدء الوحي | 85 |
| الحديث الثالث: إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بالجنابة | 161 |
| الحديث الرابع: بول النبيِّ صلى الله عليه وسلم قائمًا | 213 |
| الحديث الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما رجلٍ من المسلمين آذيته، جلده، أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة» | 317 |
| الحديث السادس: عُروضُ الشيطانِ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم | 389 |
| الحديث السابع: مصير أبوي النبيِّ صلى الله عليه وسلم | 443 |
| الفهارس | 493 |
| فهرس الأحاديث الشريفة | 495 |
| فهرس غريب الحديث | 504 |
| فهرس المراجع والمصادر | 505 |
| الفهرس التفصيلي | 533 |
مقدمة
إنّ الحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ ونَسْتَعينُهُ ونَسْتَغْفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنْفُسِنا وسيئاتِ أَعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضلَ لَه، ومَن يُضْللْ فلا هاديَ لَه، وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمّدًا عَبْدُهُ ورَسولُه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 72].
أما بعدُ،
فإنّ النّاظرَ في صحيحي الإمامينِ البُخاريِّ ومسلمٍ يَجِدُ إلى جانبِ قيامِ هذينِ الكِتابين على سُنَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم القوليةِ والفعليةِ والإقراريةِ أبوابًا عديدةً خَصّصَها الإمامانِ الجليلان رحمهما الله لذِكر ما جاء في أوصافِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الخِلقية منها والخُلُقية، وما يتعلّقُ بذلك، فالبُخاريُّ رحمه الله في كتابِ المَناقِبِ مِن صَحيحِهِ، ذَكرَ بابًا فيما جَاءَ فِي أَسْمَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم(1) وبابًا في خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صلى الله عليه وسلم(2) وبابًا في وَفاتِه صلى الله عليه وسلم(3) وبابًا في كُنْيَتِه صلى الله عليه وسلم(4) وبابًا في خَتمِ النُّبوّة(5) وبابًا في صَفَتِه صلى الله عليه وسلم(6) وبابًا في كَوْنِه صلى الله عليه وسلم كانت تَنامُ عينُه ولا يَنامُ قلبُه(7) وبابًا في عَلاماتِ النُّبوَّةِ(8) وبابًا
في قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146](9) وبابًا في سُؤالِ المُشركينَ له صلى الله عليه وسلم أن يُريَهم آيةً، فأراهُم انشقاقَ القَمَرِ(10)
أضِف إلى ذلك ما أخرَجَهُ في صَحيحه في بَيانِ فَضلِ آل بَيته صلى الله عليه وسلم، بِصورةٍ خاصّةٍ وعَامّةٍ، فقد ذكر رحمه الله بابًا في مَناقِبِ عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه(11) ، وبابًا في مَناقِبِ جَعْفَرِ بنِ أبي طالب رضي الله عنه(12) ، وبابًا في ذِكرِ العبّاسِ رضي الله عنه(13) ، ثم بابًا في مَناقِبِ قَرابَتِه صلى الله عليه وسلم، ومَنْقَبةِ فاطِمةَ عليها السلام(14) ، وبابًا في مَناقِبِ الزُّبيرِ بنِ العَوَّامِ ابن عَمَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم(15) ، وبابًا في مَناقِبِ الحَسَنِ والحُسينِ رضي الله عنهما(16) ، وبابًا فيه ذِكرُ ابنِ عبّاس(17) ، ثم بابًا لمَناقِبِ فاطمةَ عليها السلام(18) .
وبنظرةٍ سريعةٍ كهذه إلى صحيحِ مُسْلمٍ، نَرى بأنّ شرّاحَه قد ذَكروا في كتابِ الفضائلِ منه: بابًا في فضلِ نَسبِه صلى الله عليه وسلم وتسليمِ الحَجَرِ عليه قَبل النُّبوةِ(19) وبابًا في تَفضيلِه صلى الله عليه وسلم على جَميعِ الخَلائقِ(20) وبابًا في مُعْجِزاتِه صلى الله عليه وسلم(21) وبابًا في تَوَكُّلِه صلى الله عليه وسلم على رَبِّه سبحانه وعصمَتِه تعالى له مِن النّاسِ(22) وبابًا في بَيان مَثَل ما بُعثَ به صلى الله عليه وسلم مِن الهُدى والعِلم(23) وبابًا في شَفَقَتِه صلى الله عليه وسلم على أُمَّتِه ومُبالغَتِه في تَحذيرِهم ممّا يَضرُّهم(24) وبابًا في خَتمِ النُّبوَّةِ به صلى الله عليه وسلم(25) وبابًا في كون قَبضِ النّبيِّ في حياةِ أمَّته عَلامةً على رحمةِ الله عز وجل بِهذه الأُمَّة(26) وبابًا في إثباتِ حَوضِه صلى الله عليه وسلم وما جاءَ في وَصْفِهِ(27) وبابًا في قِتال جِبريلَ وميكائيلَ عنه صلى الله عليه وسلم يَوم أُحُد(28) وبابًا في شَجاعَتِه
صلى الله عليه وسلم وتَقدُّمِه للحَربِ(29) وبابًا فيما جاء في سَعةِ جودِهِ صلى الله عليه وسلم(30) وبابًا في كَونِه أحسنَ النّاس خُلُقًا(31) وبابًا فيما جاء في عَدَمِ رَدِّه السَّائل وكَثرةِ عَطائه(32) وبابًا فيما جاء في رَحمَتِه صلى الله عليه وسلم بالصِّبيانِ والعِيالِ وتواضُعِه(33) وبابًا في كَثرةِ حَيائِه صلى الله عليه وسلم(34) وبابًا في تَبَسُمِّه صلى الله عليه وسلم وحُسنِ عِشرَته(35) وبابًا في رَحمَتِه صلى الله عليه وسلم للنِّساءِ(36) وبابًا في قُربِه صلى الله عليه وسلم مِن النّاس وتَبَرُّكِهم به(37) وبابًا في مُباعَدَتِه صلى الله عليه وسلم للآثامِ، واختيارِه مِن المُباحِ أسهَله، وانتقامِه صلى الله عليه وسلم لله عز وجل عِند انتهاكِ حُرُماتِه(38) وبابًا في طِيبِ رائِحَتِه صلى الله عليه وسلم ولينِ مَسِّهِ والتَّبرُّكِ بمَسْحِه(39) وبابًا في طِيب عَرَقِهِ صلى الله عليه وسلم والتَّبرِّكِ بِه(40) وبابًا في عَرَقِه صلى الله عليه وسلم
في البَرْدِ حين يأتِيه الوَحيُ(41) وبابًا في سَدْلِه صلى الله عليه وسلم شَعرَه وفَرْقِه(42) وبابًا في صِفَتِه صلى الله عليه وسلم وأنّه كان أحسنَ النّاسِ وجهًا(43) وبابًا في صِفَةِ شَعره صلى الله عليه وسلم(44) وبابًا في صِفةِ فَمِه صلى الله عليه وسلم وعيْنَيْه وعَقِبَيه(45) وبابًا في كَونه صلى الله عليه وسلم أبيضَ مَليحَ الوجه(46) وبابًا في شَيْبِه صلى الله عليه وسلم(47) وبابًا في إِثباتِ خاتَم النُّبوَّةِ، ومَحلّه في جَسدِه صلى الله عليه وسلم(48) وبابًا في صِفَتِه صلى الله عليه وسلم ومَبْعَثِهِ وسِنِّهِ(49) وبابًا في بَيانِ سِنِّهِ صلى الله عليه وسلم عِند وَفاتِهِ(50) وبابًا في بيانِ المُدَّةِ التي أقامَها صلى الله عليه وسلم في مَكّة والمدينةِ(51) وبابًا في أسمائه صلى الله عليه وسلم(52) وبابًا في عِلْمه صلى الله عليه وسلم وشِدَّةِ خَشيَتِه(53) وبابًا في وُجوبِ اتّباعه صلى الله عليه وسلم(54) وبابًا في تَوقيرِه صلى الله عليه وسلم، وتركِ إكثارِ سُؤالِه عمَّا لا ضَرورة إليه، أو لا يَتَعلّقُ به تَكليفٌ، وما لا يقعُ، ونحوِ ذلك(55) وبابًا في وجوبِ امتثالِ ما قالَه صلى الله عليه وسلم شرعًا، دون ما
ذَكرَه صلى الله عليه وسلم مِن معَايشِ الدُّنيا على سبيلِ الرَّأيِ(56) وبابًا في فَضلِ النَّظرِ إليه صلى الله عليه وسلم وتَمنِّيه(57)
ومن خلال كلِّ ما سَبَقَ؛ وغيرِه الأكثر منه ممّا بثَّهُ عُلماءُ الحديثِ في بُطونِ كُتُبِهم مِن إبرازِ فَضائِلِه صلى الله عليه وسلم وأوصافِه وشَمائِله: إنما أردتُ بإيرادِه الإشارةَ إلى أن هذا الاحتفاءَ الكَبيرَ به صلى الله عليه وسلم مَع كاملِ التّعظيمِ والتّوقيرِ، والحِرصِ على إرشادِ المُسلمين إلى كلِّ ما يتعلّقُ بِسيرَتِه الشَّريفَةِ الكَريمَةِ المُنيفَةِ، وبيانِ وجوبِ اتّباعِه صلى الله عليه وسلم، وإعلانِ أن لا طريقَ موصلةً إلى رضى الرّحمنِ والفَوزِ بالجَنانِ إلا طريقُه صلى الله عليه وسلم: كلُّ ذلك لا يُمكنُ أن يَصدُرَ مِن أُناسٍ يُبطنونَ بُغْضَه صلى الله عليه وسلم، ويَعْملونَ على تَشويِهِ صُورَتِه صلى الله عليه وسلم بِنسبةِ أحاديثَ له فيها كاملُ الانتقاصِ لجَنابِه السَّامي الكَريمِ، ومقامِه العالي الرَّفيعِ صلى الله عليه وسلم، وهي تهمةٌ جائرةٌ لو قِيلَ بِصدورِها مِن بعض عوّامِ المسلمين ممّن لا يَعرفون مِن هَديِه صلى الله عليه وسلم إلا القليلَ، لاشمأزت قُلوبُهم، ولغلا الدَّمُ في عُروقِهم، ولمَلأَ الغَضبُ أركانَهم، ولسارَعوا في إظهارِ كاملِ حُبِّهم ووَلائِهم له صلى الله عليه وسلم.
وقد مَرّت أحداثٌ معاصرةٌ تظافرت فيها جُهودُ أقزامٍ سُفهاء مِن المَلاحدةِ والزّنادِقةِ والكُفّارِ للنيلِ مِن مَقامِه صلى الله عليه وسلم السامِي، بالافتراءِ عليه صلى الله عليه وسلم ومُحاوَلَةِ نِسبة القَبائِح لشَخْصِه الكريمِ المُنَزَّهِ عَن كلِّ سوءٍ، ثارت
على إِثْره ثائرةُ عَوّامِ المُسلمينَ قَبلَ عُلمائِهم في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها، انتصارًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ودِفاعًا عن شَخصِهِ الكَريم، وهَديِهِ القَويم صلى الله عليه وسلم، وإذا بِشِعارِ «إلّا رسولَ الله» يَرتفعُ في كُلِّ أصقاعِ الأرضِ، ويَترَدّدُ في كُلِّ أَرجاءِ المَعْمورةِ، قد مَلأَ السّهل والواديَ والجَبلَ، يتناقَلُهُ المُسلمون بِقلوبِهم ويتداولُونَه بأَلْسِنَتِهم وأقْلامِهم، باذلينَ الغاليَ والثمينَ في سَبيل نُصرةِ رسولِ الله الأكرمِ صلى الله عليه وسلم.
وهذه المواقفُ العَفويةُ الصادِقةُ إنما صَدرتْ مِن عَوّامِ المُسلمين الذين قَضَوا جُلّ أعمارِهِم في مُعتركاتِ الحَياةِ الدُّنيا، مُنْغَمِسين في أعمالٍ ومِهنٍ دُنيويةٍ، غَائبينَ عن كثيرٍ مِن علومِ الشَّريعةِ مِن أصولٍ وفروعٍ، لا يَكادون يَعرِفونَ مِن دِينهم إلا ما يُقيمونَ به فَرائِضَهم، وما هو مَعلومٌ مِن الدِّينِ بالضّرورَةِ، ومنهم مَن يَجهلُ هذا - بعضَه أو كُلَّه -، ثم إذا بِهم عند أولّ تَعرُّضٍ لمقام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الكَريمِ يُظهرون أعلى دَرجاتِ الحُبِّ والتَّقديرِ والتَّعظيمِ والاقتداءِ والدِّفاعِ وبَذلِ المُهَجِ له صلى الله عليه وسلم.
فكيف ستكونُ مشاعِرُ أناسٍ لم يُعرَفوا على مَرِّ التّاريخِ إلا بِحُسنِ الدِّيانَةِ، وكمالِ الأَمانَةِ، وشِدّة تَعظيمِ شَعائرِ الشّريعةِ، قد أكرَمَهُمُ الله وشرَّفَهُمُ لحملِ سُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، فعاشَوا سِنين أعمارِهم الطّويلة مع هذه السُّنَّةِ الكريمةِ، نَشأوا مُنذُ نعومةِ أَظفارِهم في مَجالس سَماعِها، وبذلوا قُوَّتَهُم وقُوْتَهُم وأمَوالَهم وصِحَّتَهم وشَبابَهم في الرِّحْلَةِ في طَلَبِ حَديثِه صلى الله عليه وسلم، وسَماعِه وإسْماعِه وتدوينِه، وتَعلُّمِه وتَعليمِه، والاقتداءِ والتَّشُبِّه بِه، والتَّقرُّبِ إلى الله عز وجل بِحُبِّهِ وتَعظيمِه، وإدمانِ ألْسَنِتِهم وأقْلامِهم الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم، حتى اختلطَ حبُّه صلى
الله عليه وسلم بِعَظْمِهِم ولَحْمِهِم، وصارَ حديثُه صلى الله عليه وسلم والحديثُ عنه شُغلَهُم الشّاغِلَ الذي لا يُفارِقُهم في حِلِّهم وتِرحالِهم، ولَيلِهم ونَهارِهم، بل صاروا لا يُعرفون إلا بِانتسابِهم لَه؟ وقد رفَعَ الله عز وجل شأنَهم، وخَلّد ذِكرَهم، وجعل لهم لِسانَ صِدقٍ في الآخرين، لا يُذكرونَ عند العُقلاءِ مِن أهلِ المِللِ إلا بِكُلِّ خَيرٍ، ولا يُعرفونَ إلا بالإتقانِ وحُسْنِ التَّصنيفِ، وجَمالِ التّأليفِ، وبراعةِ الابتكارِ في الانتخابِ والجَمعِ والتَّرتيبِ، قد انتفعَ مِن تُراثِهم كُلُّ عالمٍ مُنصِفٍ، واتُّخِذتْ طرائِقُهم في التَّقميشِ والتَّفتيشِ والكِتابةِ والتَّدوينِ مناهجَ تَعليميةً تَربَويَةً؛ يَنْتَفِعُ بها كُلُّ مَن سارَ في طَريقِ العُلومِ الشّرعيةِ على اختلافِها وتَنَوُّعِها.
وليست هذه الدعوى بأغربَ من أُخرى سَبَقَتْها زَمانًا وفاقتها شَرًّا وطُغيانًا؛ ادّعى أصحابُها زورًا وبُهتانًا أنّ صَحابةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ارتدّوا عَن آخرِهم وانْقلبوا على أعْقابِهم بعد وفاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إلا نفرًا يسيرًا مِنهم، يُطلقون هذه الدّعوى الجائرةَ في أُناسٍ شَهِدوا مَولِدَ دينِ الإسلامِ، وعاصَروا بداياتِ النُّبوة ومراحِلَها من إسرارٍ وجهرٍ وجهادٍ ونصرٍ وفتحٍ مبينٍ، وشَكّلوا بِأجسادِهم تُرْسًا متينًا يَدفعون بِه عن رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم كُلَّ أذىً ولو دَقّ، مُحيطين به مِن كلّ جانبٍ إحاطةَ القِلادةِ بالجِيدِ، باذِلينَ المُهَجَ في ذلك، مُتقرّبين إلى الله عز وجل بِبَذلِ الغَالي والنّفيسِ في سبيلِ هذا الدّين القويمِ.
كانوا كذلك في حياتِهِ صلى الله عليه وسلم، وازداد هَمُّهم واهتمامُهم بَعد وفاتِه صلى الله عليه وسلم، وقد امتلأتْ قلوبهم حُزنًا وكَمَدًا على فِراقِه، حتى كادت عُقولُ عُقلائِهم أن تَطيش، ولم يُصدِّق بعضُ كِبارهِم وقوعَ ذلك، فثبَّتَهم اللهُ عز وجل بِتَثبِيتِه، وربَطَ على قُلوبِهم، وأعانَهم على حملِ أمانةِ هذا الدِّين العَظيم، ويَسّر لهم سُبُلَ نَشرِه في أرْجاءِ المَعمورةِ، فقاموا بذلك خيرَ قيامٍ، وخرجوا مِن مَدينةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قاصدين رَفْعَ رايةِ الله في أَرضِه، باذلين أنْفُسَهم وأموالَهم وما يَملكون في سبيلِ جعلِ كَلمةِ الله هي العُليا، وكلمةِ الذي كفروا السُّفلى، والله سبحانه وتعالى معهم يُؤيِّدهُم بِتأييدِه، ويَنصُرُهُم بِنصرهِ، ويُمكِّنهم مِن رِقابِ أعدائِهم، فَكَسروا ابتداءً جيوشَ المرتدين مِن جَمْعِ مُسيلمةَ الكذّابِ، وقَتَلَه الله على أيديِهم شَرّ قِتلةٍ، ثم خاضُوا غمارَ حروبٍ مُهلكةٍ لا تُبقي ولا تَذرُ، كانت مادة وَقودِها مِن دِمائِهم وأَشلائِهم وأجسادِهم وأنْفُسِهم وأبنائِهم وأموالِهم، حتى فَتحَ الله عز وجل بهم بلدانًا كانت تَئِنُّ تحت وَطأةِ نِير الكُفْرِ، وكَسر الله بهم جُيوشَ كِسرى، وشَتَّتَ شَمْلَهُم، وفَرَّقَ جَمْعَهُم، وأدالَ دَوْلَتَهُم، وأَطفأَ نارَ مَجوسِيِّتِهم، وأوقعوا مِثْلَه في جيوشِ الرّوم بِعَدِّهِا وعُدَدِها وعَتادها، تِلكمُ الجُيوشُ التي كان مُجرّد ذكرها كفيلًا بِمَلءِ قلوبِ السامعين رُعبًا، فَدَحروهُم وطَردوهُم عَن بُلدانٍ وأراضٍ كانت لا تَعرفُ في دِينها ودُنياها إلا تقديسَ الصّليبِ، وتَعدُّدَ الآلهةِ، وسَطعَ نُورُ الهدايةِ والتوحيدِ على تلك البلدانِ، التي ما زالت ولله الحمدُ والمنّةُ تَنْعَمُ بهذا الدِّين العظيم، ودخل أهلُها في دينِ الله أفواجًا، وعَمّ نورُ الإسلامِ بُلدانًا وأراضيَ شاسعةً كَتبَ اللهُ الهِدايةَ لأَهلِها، وأنعم عليهم
سبحانَه بإخراجِهِم مِن ظُلمات الشّركِ إلى نُور التّوحيدِ، على أيدي تلك العُصْبَةِ الفاضِلَةِ الطّاهرة؛ خيرِ النّاس بعدَ أنبيائِه سبحانه وتعالى، والحمدُ له سبحانَه أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
وممّا يُعَمِّقُ الجُرحَ، ويَزيدُ في إِيلامِهِ، ويُؤخِّر في التئامِه؛ صدورُ هذه الدعوى الجائرِة مِن أناسٍ يَنتمونَ لهذا الدِّين القَويمِ، مِن جِلْدَتنا، ويَتكلّمون بِألِسنَتِنا، ابتدعوا هذه الفكرةَ المُنْحَرِفةَ، وقاموا بِتَغْذِيَتِها عبرَ العُصور، وحَرَصوا على بَثِّها في صفوفِ أتباعِهم، وتَرسيخِها في قلوبِهم، مُوَسِّعينَ بها الشُّقَةَ بين المُسلمين، فتشبّعت أجيالٌ تِلو أجيالٍ بهذه الفِكرَةِ البائِسَةِ، واتّخذوا البَراءَةَ مِن جيلِ الصّحابَةِ دينًا يَتقرَّبون بِه إلى ربّ العزّة سبحانه وتعالى، وعدّوا شَتمَهم وسَبَّهم للصحابَةِ الكِرامِ بابَ أَجْرٍ لهم في دنياهم وآخرتِهم، ولم يُقَصِّرْ واضعو تلك الفِكرةِ البائسة في دَعْمِها بِكلِّ باطلٍ، فنَسبوا للنّبيِّ صلى الله عليه وسلم كُلَّ كَذبٍ وزورٍ، وَوَضعوا على لِسانِه الطّاهِرِ صلى الله عليه وسلم أحاديثَ تَنْسبُ كلَّ شينٍ لأصحابِه، وعَمَدوا إلى نصوصِ الكِتابِ الصَّريحةِ في مدح صَحابة النبيّ صلى الله عليه وسلم فقاموا بِتحريفِ دَلالاتِها، ثُم إلى نصوصِ السُّنَةِ النّبويةِ فَسارعوا بتَكذيبِها ورَدِّها، ورَفضوا رفضًا باتًّا تَصحيحَ نِسبتِها للنّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مع كونِها واردةً في أصحِّ كُتبٍ جَمعتْ حديثَه صلى الله عليه وسلم، وفي مُقدِّمتها صحيحا البُخاريِّ ومُسلمٍ، والسُّننُ الأَربعَةُ، ومُسندُ أحمدَ، وغيرُ ذلك مِن كُتبِ الحديثِ الشريفِ التي نقلت لنا كلَّ ما جاء في سُنّته صلى الله عليه وسلم بأصحِّ الأسانيدِ.
وكم كان لهذه الدّعوى ومثيلاتِها مِن الدعاوى الباطِلةِ أكبرُ الدَّورِ في تَفريق جَمعِ الأُمّة وتَشتيتِ شَملِ أفرادِها، وشَحنِ قُلوب أتباعِها بأشدّ أنواعِ البُغض والكراهية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
ولو تَبَصّرَ مُطلقو هذه الدَّعاوى الباطلة مواقِعَ كلامِهم، وأبعادَ افتراءاتِهم، لرأوا كَمَّ الضَّررِ الهائلِ المُتَرتِّبِ عليها، مِن توسيعِ الشُّقَّة بين المسلمين، وإيغارِ صدور بني المِلَّة الواحدةِ بعضِهم على بعضٍ على مَرِّ العصور، ولو أعادوا التأمُّل في الأبعادِ السّيئَةِ لهذه الأفكارِ المُنْحَرِفَة لعَلِموا أنّها ما عَادت على الإسلام إلّا بِكلِّ ضُرٍّ، وأنّ المُسلمين في مَشارقِ الأرضِ ومَغارِبِها ما حَصدوا مِن هذه الدَّعاوى إلا كُلَّ شرٍّ، ولَرَأَوْا رأيَ العينِ ما تُنْتِجُه هذه الدَّعاوى مِن صدِّ الناس عن دينِ الله، وصرفٍ لطالبي الهدايةِ عنه، إذ لا يُعقلُ أن يُقبِلَ رَجلٌ عاقلٌ على دخولِ دينٍ قد ارتدّ جمهورُ مؤسّسِيه عنه بعد وفاة نَبيَّه صلى الله عليه وسلم!
ولذا؛ لو ادَّعى مُدّعٍ وقال قائلٌ بأنّه لا يُعرفُ على مَرّ التّاريخ أغربُ مِن هذه الدّعوى الجائِرةِ المُتَّهِمةِ لجُمهورِ الصّحابَة بالارتدَادِ عن دينِ الله عز وجل؛ لما أَغربَ هذا المُدَّعي ولا أَبْعدَ ذلك القائلُ، والواقع خيرُ شَاهدٍ على كلِّ ذلك، وقَبول هذهِ الدّعوى الجائِرةِ يعني بَداهةً نَسفَ تاريخٍ عَريقٍ مُتواترٍ مُتوارثٍ مُتداولٍ على مَرّ العُصورِ يُثبتُ فيه فَضلَ الصحابةِ الكِرام، وحُسنَ صِيانَتِهم لدينِ الله المجيد، وكمالَ أمانَتِهم في رفعِ رايَتِه، وعظيمَ أثَرِهم على كُلِّ مَن جاء بَعدَهُم مِمّن كانوا سببًا رئيسًا في هدايَتِه، ونقلِه
من ظُلُماتِ الشرك إلى نور التوحيدِ، رضي الله عنهم وأرضاهُم، وضاعفَ لهم أجورهَم وحَسناتِهم، وجمعنا معهم في جِنان الخُلد، بِصُحبةِ النّبيِّين والصِّدّيقينَ والشُّهداءِ والصّالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
والله سبحانه الحافظُ لدينِه، المُتَعَهِّدُ في كتابِه العزيزِ بإتمامِ نورِه ولو كرِه الكافرون، القائلُ سبحانَه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173]، ما كان ليُحيطَ نَبيَّه صلى الله عليه وسلم إلا بِخيرِ النّاس في زَمانِهم، الجامعينِ للفضائلِ، النّابذينِ للرّذائلِ، مَن اجتمعت فيهم مِن خِصال الخَيرِ والفَضلِ ما تَفرّقَ في غَيرهِم، وساوت أفْرادُهُم أممًا مِن غَيرهم، وسِيَرُهُم خيرُ شاهدٍ على كلِّ ذلك، وَقدْ توارد الثَّناءُ عليهم مِن كُلِّ جانبٍ، وشَهادةُ ربِّ العِزَّةِ تُغني عَمّا سِواها، {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)} [النساء: 166]، فهو القائل في كتابِهِ العَزيزِ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].
والقائلُ سبحانه في الثَّناءِ على المُهاجرين والأنصار والمُتّبِعين لهم بإحسانٍ نسألُ الله أن يَجْعَلنا وسائرَ عِبادِه المُسلمينَ مِنهم {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8 10].
والحمد لله رب العالمين
مادة هذا الكتاب
أقمتُ مادة كتابي هذا على سبعة أحاديث، كلّها ممّا أخرجه الشيخان، إلا الأخيرَ منها فقد انفرَدَ الإمامُ مسلمٌ بإِخراجِه، وهي أحاديثُ انتَقَيْتُها مِن مجموعةِ أحاديثَ أُخر؛ صَوّبَ المُعترضون سِهامَ انتقادِهم إليها، لِما وَجدتُ في هذه الأحاديثَ المُختارَةِ مِن عَوامِلَ مُشتركةٍ متعلِّقةٍ بإثباتِ العِصمة في حقِّ نَبيّنا الكريمِ صلى الله عليه وسلم، ولاحتواءِ فُروعِ تَحلِيلِها ومُناقَشةِ الإشكالاتِ الوارِدَةِ عليها على جوانبَ مُختلفةٍ تَطرُقُ عددًا مِن أبوابِ الشَّريعةِ، وتُبَيِّنُ مواطنَ الخَللِ في الإيراداتِ الوَاردةِ عليها.
ومِن المُلاحظاتِ المَنْهَجيةِ البَيِّنَةِ التي ظَهرتْ بِوضوحٍ وجَلاءٍ مُتَكَرِّرٍ أثناء تَحليلي لإشكالاتِ المُعترضينَ وقَيامي بالرَّدِّ عَليها: عَدمُ انتظامِ المُعْترضينَ في مَناهجَ واضحةٍ يَصدُرونَ مِن خِلالها لنَقدِ ما أشْكلَ عَليهم مِن أحاديثَ السُّنَّةِ النّبويةِ المُشَرَّفَةِ، مِمّا يُوقعُ أفرادَهم ومَجموعَهم في تَناقضاتٍ غريبةٍ لا يُتصوَّرُ وقوعُها مِن مُشْتَغِلٍ بِعلمٍ مِن العلومِ الشّرعيةِ، ومِن آحادِ هذه التّناقُضاتِ:
احتجاجُ بَعضِهم بِحديثٍ في صحيحِ البُخاريِّ لإبطالِ حديثٍ آخرَ
في الصَّحيح نَفْسِه، دون بيانِ أَوجِه التَّرجيحِ. احتجاجُ بَعضِهم بِجزءٍ مِن حديثٍ لإبطالِ الجزء الثاني مِنه، والحديثُ أولُّه وآخِرُه وكلّه في موطنٍ واحدٍ من صحيح البُخاريِّ. رَدُّ بَعْضِهم الحديثَ بِعِلَّةِ انْقطاعِه، ثم احتِجاجُهم بِخبرٍ آخرَ أشدَّ انقطاعًا لإبطالِ حديثٍ مُتَّصِلٍ بأصحِّ الأَسانيدِ. احتجاجُهم بِحديثِ صَحابيٍّ جليلٍ؛ مع كَونِه مِن أكثرِ النّاسِ عُرضةً لشتائِمِهم وسَبّهِم وقَدْحًا في دِينِه، لإبطالِ حَديثِ صَحابيٍّ آخَر.
دَعْ عنكَ مُجازفةَ الكثيرِ منهم أو أكثرِهم في إطلاقِ دَعاوٍ باطلةٍ لا أساسَ لها مِنَ الصّحةِ، دون أن يُرْدِفوا ذلك بِذكرِ ما يعضُدُها ولو كانت شُبهةً مِن دليلٍ!
وسيأتي تَفصيلُ كلِّ ذلك في أثناءِ كِتابي هذا بإذنِ الله تَعالى.
وهذه الأحاديثُ السّبعةُ هي:
الحديثُ الأوّلُ: ما نُسِب إلى النّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن أكْلِه مِمّا ذُبحَ على النُّصُب(58) .
الحديثُ الثاني: حديثُ بَدءِ الوَحيِ.
الحديثُ الثالثُ: إصابةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالجَنابَةِ.
الحديثُ الرّابعُ: بولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قائِمًا.
الحديثُ الخامسُ: قوله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ آذَيْتُهُ، جَلدهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً».
الحديثُ السادسُ: عُروضُ الشيطانِ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في صَلاتِهِ.
الحديثُ السّابعُ: مَصيرُ أبويِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
المَنْهجُ المُتَبَّعُ في دِراسةِ الأحاديثِ:
قَسمْتُ عَملي في كلِّ حديثٍ من الأحاديثِ السبعةِ إلى المطالبِ التّاليةِ:
المطلب الأول: ذكر الحديث.
وذكرتُ فيه مَتنَ الحديثِ موضوعَ البحثِ، مشكولًا، معتمدًا في ذلك على ما جاء في المكتبة الشاملة، مع عرضه على الكتاب المطبوع، ومقارنته به.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
وسلكتُ فيه طريقةً متوسّطةً في التخريج، لم أقتصِر فيها على عزوِ الحديثِ إلى مخرِّجيه، ولم أُغرق في تتبّع مَظانِّه في غير الكتبِ المشهورةِ، وتناولتُ بعضَ هذه الطرق ورواتِها بتفصيلاتٍ تَخدُم موضوعَ بحثنا، وما لا؛ فَلَمْ
أتطرّق إليه.
وإنما أعرضتُ عن الإغراق في التفاصيل الإسنادية مسايرةً لجُلِّ الانتقادات التي وُجّهت لمُتونِ هذه الأحاديثِ لا لأسانيدها، وكي لا يتشتَّت ذِهنُ القارئِ غيرِ المتخصّص بهذه التشعُّباتِ، وليتواصل مع الإشكالاتِ وردّها بأقصرِ السُّبُلِ، وأمّا المُتخصِّصُ فما اكتفيتُ بذكْرِهِ يُعدُّ فائضًا عَن حاجَتِه، وهو أَقْدَرُ على فَهمِ مساراتِ الطرقِ وما يتعلَّقُ برواتها دون الحاجَةِ لكتبٍ غير أساسيّةٍ في علوم الحديث ككتابِي هذا.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث.
اعتمدتُ فيه على المَعاجِم اللُّغَوِيَةِ العَامَّةِ القائمة على شرح مفردات اللغة العربية، وبيان معانيها ومصادر اشتقاقاتها، والمَعاجِمِ اللُّغَوِيَةِ الخَاصّةِ بِشرحِ غريبِ الحَديثِ، مُراعيًا التّرتيبَ الزّمانِيِّ لِوفاةِ مُصَنِّفيها في الأَغْلبِ، إلا إذا كانت عِبارَةُ المتأخِّر أوفى بيانًا وأولى بافتتاحِ بيانِ غَريبِ الكَلِمَةِ بِها، مُتجَنِّبًا التَّصرُّفَ في عِباراتِ الأَئمةِ، مُوصِّلًا بين عباراتِهم بِطريقةٍ سَلِسةٍ مُتناسقَةٍ، لا يَشعُرُ القارئُ فيها بكبيرِ اختلافٍ، أو تنافُرِ سياقٍ، مع عَزوِ كلِّ عبارةٍ لقائِلها، ما استطعتُ لذلك سبيلًا في كلِّ ذلك.
المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
وطريقتي في هذا المطلبِ تقومُ على ذِكرِ إشكالاتِ المعترضِين بكامِلها، مفرِدًا كلَّ جملةٍ ذاتِ فكرةٍ واحدةٍ على حِدَةٍ، مُتْبِعًا إيّاها بِردِّي عليها، وبيانِ أَوجُه الخَللِ فيها،
فإذا فرغتُ من إشكالاتِ المعترضِ الأوّل المتقدّم زمانًا؛ نَظرتُ فيمن جاء بَعدَه وتابَعه في نقدِ الحديث والاعتراضِ عليه، فإن وجدتُ عنده زيادةً على الأوّل ذَكَرتُ ما عندَه وأتبعتُه بردِّي، وإلّا أعرضتُ عن كلِّ ما عنده، ولم أُشِر لاعتراضه جملةً ولا تفصيلًا.
وكان نقلي لكلامِ كُلِّ معترضٍ مِن كتابِه مباشرة، مع العزوِ له في نهاية سياقِ إشكالاته بكاملها.
وإنّما حَرَصْتُ على ذكرِ كلامِ المُعترضِ بأكمَلهِ؛ إبراءً للذِّمّة وإنصافًا له في عرضِ فِكرتِه بتمامِها، وحتى لا يتطرّق لذهنِ القارئِ احتماليةُ وقوعِ بترٍ أو تحريفٍ لكلامِهِ، أو غيرِ ذلك ممّا قد يكونُ سببًا لصرفِ طالبي الحقِّ عن قَبول نقدِ الاعتراضات.
ومَيّزْتُ كَلامَ المُعترضِين بِخطٍّ مُختلِفٍ عَن خطِّ سائرِ الكِتابِ، تَسهيلًا على القارئِ في التمييز بين اعتراضاتهم وردودي عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
وإنما ختمتُ مُناقَشَتي للمُعترضين بِهذا المطلبِ لبيان حُسن فَهم العلماءِ الكِبارِ لأحاديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وجمالِ استثمارِهم لها بِعرْضِها في بابٍ أو أبوابٍ مِن كُتُبهم الحديثِيَّة التي حفِظتْ لنا صحيحَ حديثِ نبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
ثم ألحقتُ بتويباتهم ذكرَ بعضِ الفوائد الجليلةِ التي أبرزها شرّاحُ هذه الأحاديثِ مِن العُلماء الأجلّاء الذين مَلئوا الدُّنيا علمًا، وظهرَ فَضلُهم على كلِّ مَن جاءَ بَعدَهم ممّن أَكرمَه الله بالاشتغالِ بالعِلمِ الشّرعيِّ الكَريمِ.
وكذلك؛ لينظُر القارئ الكريم ويقارِن بين طريقةِ الفريقين في التّعامل مع أحاديثِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم الشّريفةِ: أولئك الذين سارعوا بتَكذيبِها وتكذيبِ ناقِليها، والطَّعنِ في ديانَتِهم ونزاهَتِهم، وهؤلاء الذين أكرَمَهم الله عز وجل واصطفاهم لحِفظِ سنّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونقلِها على أحسنِ حالٍ للمسلمين في كلِّ زمانٍ ومكان، رضي الله عنهم وأرضاهم ورفع درجاتهم في عليِّين.
وبَقِيَ أن أُنبِّه في خاتِمة مُقدّمَتي هذه إلى أنّي حرصتُ أشدَّ الحِرصِ على تخفيفِ عِبارتي في حَقِّ مَن حَكم على هذه الأحاديثِ الشّريفةِ بالوَضعِ، وحَكَمَ على نَقَلَتِها - وعلى رَأْسِهم الصحابةِ الكِرام رضي الله عنهم - بالكَذبِ، وذلك لأسبابٍ:
أنّي رأيتُ أنّ أسلوبَ الشَّتائمِ والسِّبابِ لا يَنْطوي على فائدةٍ تُذكرُ، فهو لا يُحقُّ حقًّا ولا يُبطلُ باطِلًا، ومَعَ كونِه مَقدورًا لكلِّ أحدٍ؛ إلا أنّ العقلاء على مَرِّ العُصورِ يترفّعون عنه، ويُنزّهونَ أنْفَسَهم عن الوُلوغِ فيه. أنّي رأيتُ هذا الأُسلوبَ مِن علاماتِ ضعفِ صاحِبهِ، لكونِه طريقًا لا يُلجَأُ إليه إلا عندَ فُقدانِ الحُجَجِ والبراهينِ على بُطلانِ قولِ المُخالِفِ، ولو كان سالِكُه يُحسِنُ غَيرَه لما لَجَأَ إليه في قَبيلٍ ولا دَبيرٍ.
أنّ في أسلوبِ الشَّتائِمِ إغراقًا للقارئِ بما لا يَنْفَعُهُ، ولا يَهَمُّه، بل بما ضَرُّه أقربُ إليه من نَفْعِه، ممّا يخالِفُ الغَرَضَ الذي مِن أَجْلِهِ أُلِّفَ هذا الكتابُ. أنّ في الإعراضِ عن أساليبِ الشَّتمِ والإقذاعِ توجيهًا لي ولطلبةِ العِلمِ بالحِرصِ على الاهتمامِ بالحُجَّةِ مِن حيثُ هي، وعدمِ سُلوكِ هذه الطُّرقِ المُعْوَجَّةِ في الردَّ على المُخالفينَ. أنّ في هذا تقليلًا لما شاع وفَشا وانْتشرَ في كَثيرٍ مِن كُتُبِ الرُّدودِ مِن تَسْفيهٍ وتَجريحٍ وحَطٍّ وإسفافٍ، ما كان ينبغي أنْ تنْتَشِرَ لولا استرواحُ كثيرٍ مِن المُتَصَدّرين لَه. أنّ في هذا تغليبًا للُغَةِ العِلْمِ، وإظهارًا لها على ما سِواها مِن اللُّغاتِ. أن في هذا ترويضًا لِقلبِ المُخالفِ، وجَلبًا له لقَبولِ الحقِّ وسلوكِ طريقِ الهداية، وصدق الله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. وأَبْلَغُ مِن كلِّ ما مضى: أن عَندَ الله كتابًا لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها، وكلُّ كاتبٍ مسئولٌ أمامَ الله عز وجل عن كلِّ ما كتبَ، وما من أحدٍ «إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ،
وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»(59)
وعندما يَضَعُ ربُّ العِزَّةِ {ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ} [الأنبياء: 47]: سَيظهرُ حينَها المُصلحُ مِنَ المُفْسِدِ، والصادقُ مِن الكاذبِ، وأقربُ النَّاسِ منه صلى الله عليه وسلم، وأبعدُهم عنه - نَسألُ الله السّلامَةَ -، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)} [الشعراء: 227].
سائِلًا اللهَ سبحانه وتعالى أن يَجعلَ عَملي هذا خالصًا لوَجْهِهِ الكَريمِ، وأن يُكرِمَني سبحانَه بأَن يَغفِرَ لي ولوالديّ ولإخواني وأخواتي وزوجي وأولادي وسائرِ أحبابي، وأنْ يَحُطَّ عنّا ذنوبَنا وأوزارَنا، ويكفِّر عنّا سيئاتِنا، وأن يباعدَ بيننا وبين خَطيئاتِنا كما باعَدَ بينَ المَشرقِ والمَغربِ، وأن يُتَمِّمَ علينا سِتْرَه في الدُّنيا والآخرِةِ.
وأنْ يَغْفِرَ للمسلمينَ والمُسلماتِ، والمُؤمنينَ المؤمناتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ، إنّه سبحانَه العفُوُّ الغفورُ الرّحيمُ الكريمُ.
{وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)} [القصص: 70].
الحديث الأول: ما نُسب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن أكْلِه ما ذُبح على النُّصُب
المطلب
الأول: ذكر الحديث. المطلب الثاني: تخريج الحديث. المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث. المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
المطلب الأول: ذكر الحديث
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الوَحْيُ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ».
المطلب الثاني: تخريج الحديث
حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :
رُوي من طريق موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ورواه عن موسى بن عقبة أربعةٌ: زهير ووهيب بن خالد وعبد العزيز بن المختار وفضيل بن سليمان، وهذا تفصيل رواياتهم:
* رواية وهيب عن موسى بن عقبة:
أخرج أحمد (5369) (61110):
وإبراهيم الحربي في الغريب (2/790):
والنسائي في الكبرى (8133) عن أحمد بن سليمان:
ثلاثتُهم (أحمد وإبراهيم وأحمد بن سليمان) عن عفّان حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْوَحْيُ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ».
ثم جاء في ختام الحديث قول الراوي: حَدَّثَ هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
* رواية زهير بن معاوية عن موسى بن عقبة:
وأخرج أحمد (5631)، وابن أبي شيبة (4138):
وابن حبان (5242) عن عبد الله بن المديني عن إسحاق:
ثلاثتهم (أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق) عن يحيى بن آدم حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، «أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْوَحْيُ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ».
وأخرجه الطبراني في الكبير (13169) عن محمد بن النضر عن مالك بن إسماعيل عن زهير به.
* رواية عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة:
أخرجه البخاري (5499) عن مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ
يَعْنِي ابْنَ المُخْتَارِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ، يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الوَحْيُ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ».
ومن طريق معلّى أخرجه الطبراني في الكبير (13169)، والبيهقي في الكبرى (18591).
قلت: في هذه الروايةِ أن السُّفرة إنما قدّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن عمرو فأبى زيدٌ أن يأكل منها، وعلّل سببَ امتناعه عن الأكل منها.
* رواية فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة:
وقد رواه فضيل بن سليمان بغير هذا اللفظ، حيث أخرجه البخاري (3826) في صحيحه من طريق فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة به، وجاء فيه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ».
وفيه كما نلحظُ أنّ السُّفرة قُدّمت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يأكل منها، ثم وقع تعليل عدم الأكل منها من زيدٍ لا من النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
تحليل ألفاظ الروايات السابقة:
جاء الحديثُ المرويُّ مِن طريقِ موسى بنِ عُقبة بروايتين مختلفتين في بعض ألفاظِهما، فالرّوايةُ الأولى جاء فيها: فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ. وهذه رواية كلٍّ من: وهيب وزهير وعبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة.
وأما الرواية الثانيةُ فجاء فيها: فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا. وهي مِن طريق فضيلِ بن سُليمان.
ورواية الجماعةُ عن موسى بن عقبة هي الأرجح، وذلك لكثرتِهم في مقابل فضيل بنِ سليمان، وأيضًا لكون كلِّ راوٍ مِن الثلاثة أوثق منه، فكيف باجتماعهم؟ وهذا عَرْضٌ إجماليٌّ لأحوالهم:
أما فُضيلُ بن سليمان، فقد قال فيه يحيى بن معين: ليس بثقةٍ، وقال فيه أبو زرعة: ليّنُ الحديث، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ليس بالقويِّ، وكان عبدُ الرحمن - أي ابن مهديّ - لا يُحدّث عنه، وذَكَره ابن عديٍّ وابن الجوزيُّ، والذهبيُّ في جملة الضعفاء(60) .
وأما الذين خالفوه، فهم: زهيرُ بن معاوية: وهو في طبقةِ سفيانَ الثوريِّ في الحِفظ والضّبط، وقدّمه شعيبُ بن حرب على شعبة وغيرِه من الحفّاظ، واجتمعت كلِمَتُهم على الثّناء عليه، إلا في روايَته عن أبي إسحاق، كونه سمعَ منه بعد اختلاطِه(61) .
والثاني: وهيبُ بنُ خالد: عَدّه يحيى بن معين مِن أثبتِ شيوخ البصريين، وقدَّمه عبدُ الرحمن بن مهدي على إسماعيلَ بن عليّة إذا اختلفوا، وأكثروا الثّناء على حفظه وضَبطه(62) .
والثالث: عبدُ العزيز بنُ المختار: وثّقه يحيى بن معين، وقال فيه أبو زرعة: لا بأسَ به، وقال فيه أبو حاتم: صالحُ الحديث، مُستوي الحديث، ثقةٌ، وقال فيه الّنسائي: ليس
به بأس، ووثّقه غيرُهم(63)
مع ملاحظةِ أنّ البخاريَّ أخرج رواية فضيلِ والتي جاء فيها: فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ.
أخرجها في كتاب مناقب الأنصار - بَابُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.
وجاء فيها زيادةٌ لم تُوجد إلا من طريقِه، وهو قول الراوي: «وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ».
وأما روايةُ الثلاثة عن موسى بن عقبة، والتي جاء فيها قولُ الراوي: فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ.
فقد أخرجها البخاريُّ في كتاب الذبائح والصيد، تحت باب: مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَالأَصْنَامِ، من رواية عبد العزيز.
ولعلّ البخاريّ إنما أخرج رواية فضيلٍ في الفضائل لما عُرف مِن حاله، وأخرج روايةَ عبدِ العزيز في كتاب الذبائح والصيد، لتعلُّق الأمرِ بالحكم الشرعي، فكان لا بدّ من تقديم الطريق الأقوى هنا.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أكثرَ نُسَخ روايات صحيح البخاري التي نقلت لنا روايةَ فضيل بن سليمان، جاءت بإبهام المقدِّم للسُّفرة - أي جاءت بصيغة (فقُدِّمت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم سفرةٌ)، إلا في نُسخة الجرجاني فجاءت موافقة لما عليه الجماعة، أي بصيغة: (فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ).
وقد ذكر هذا القاضي عياضٌ رحمه الله، فقال: «فقُدِّمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة»، كذا لكافة الرواة، وعند الجرجاني «فقَدَّم إليه النبيُّ سفرةً» والأول إن شاء الله الصّوابُ، ولا يبعد صحة الثاني(64) .
وقال
بنصِّ قولِه ابنُ قرقول، ثم زاد بقوله: ويكون ذلك ظنًّا مِن زيدٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مما يأكل قومه(65)
فتحصّل من جميع ما تقدَّم:
أن روايةَ الجماعة جاء فيها أن الذي قَدّمَ السُّفرةَ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدّمها إلى زيدِ بن عمرو بن نفيل. أن فضيلَ بن سليمان هو الوحيد الذي رواها بصيغة المبني للمجهول، أي أن السُّفرة قُدّمت للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يُسمّ فيها المقدّم، وإنما جاء مُبهمًا. أن فضيل بن سليمان لا تقبلُ مخالفتُه لراوٍ واحدٍ من الرواة الثلاثَةِ الذين رووه عن موسى، فكيف باجتماعِهم على خلافه؟! وعليه؛ فما جاء في رواية فضيل وهمٌ فيما يظهر، والله أعلم.
وأما معناها فقد يتسّقُ مع الرواية الأخرى، كما سيأتي معنا في سياق توجيهات أهل العلم لها.
أن كلّ رواةِ نُسَخِ صحيح البخاريِّ اتفّقوا على ما جاء في رواية فضيل بن سليمان من إِبهام المقدِّم، وكونِ السُّفرة قُدّمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ما جاء من طريق الجُرجانيّ محمد بن محمد بن مكي من أن المقدِّم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ملاحظة أن الجُرجانيّ هذا تكلّموا في
حِفظه، قال أبو نعيم: سمعتُ منه بأصبهانَ بعضَ كتاب الصّحيح، وسمعتُ منه بقيّتَه ببغداد، وقد تكلّموا فيه وضعّفوه(66)
حديث زيد بن حارثة رضي الله عنه :
أخرجه أبو يعلى (7212) والحربي في غريب الحديث (2/751 790) والبيهقي في الدلائل (456) من طرق عن مُحَمَّدُ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ عن زيدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا حَارًّا مِنْ أَيَّامِ مَكَّةَ وَهُوَ مُرْدِفِي إِلَى نُصُبٍ مِنَ الأَنْصَابِ؛ وَقَدْ ذَبَحْنَا لَهُ شَاةً فَأَنْضَجْنَاهَا، قَالَ: فَلَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَحَيَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا زَيْدُ؛ مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ»؟ قَالَ: وَاللهِ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ ذَلِكَ لَبِغَيْرِ نَائِلَةٍ لِي مِنْهُمْ، وَلَكِنِّي خَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ حَتَّى أَقْدمَ عَلَى أَحْبَارِ فَدَكَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، قَالَ: قُلْتُ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَبْتَغِي بِهِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدمَ عَلَى أحبارِ الشَّامِ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، قُلْتُ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَبْتَغِي بِهِ، فَقَالَ شَيْخٌ منهم: إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللهَ بِهِ إِلا شَيْخًا بِالْحِيرَةِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدمَ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللهِ مِنْ أَهْلِ الشَّوْكِ وَالغَربِ، فَقَالَ: إِنَّ الدِّينَ الَّذِي تَطْلُبُ قَدْ ظَهَرَ بِبِلادِكَ، قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ قَدْ طَلَعَ نَجْمُهُ، وَجَمِيعُ مَنْ رَأَيْتُهُمْ فِي ضَلالٍ، فَلَمْ أَحِسّ بِشَيْءٍ بعدُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: وَقَرَّبَ إِلَيْهِ السُّفْرَةَ، قَالَ: فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: «شَاةٌ ذَبَحْنَاهَا لَنُصُبٍ مِنَ الأَنْصَابِ».
قَالَ: فَقَالَ: مَا كُنْتُ لآكُلُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: فَأَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ، قال: وتفرّقنا، فَطَافَ بِهِ وَأَنَا مَعَهُ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ.
قَالَ: وكَانَ عِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ صَنَمَانِ مِنْ نَحَاسٍ أَحَدُهُمَا يُقَالَ لَهُ: يَسَافُ، وَالآخَرُ يُقَالَ لَهُ: نَائِلَةُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا تَمَسَّحُوا بِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَمْسَحْهُمَا فَإِنَّهُمَا رِجْسٌ»، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لأَمَسَّنَّهُمَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَمَسَسْتُهُمَا.
فَقَالَ: «يَا زَيْدُ! أَلَمْ تُنْهَ».
قَالَ: وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِزَيْدٍ: «إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ».
قلت: وفيه محمدُ بنُ عمرو بن علقمة، وهو وإن كان أخرج له الشيخان، إلا أنهما لم يُخرجا له في الأصول، وإنما قرَنه البخاريُّ مع
آخر، وأخرج له مسلم متابعةً(67) وقد وثّقه بعضُ النقاد(68) وتكلّم غيرُهم في روايته، كالإمام يحيى القطان حينما سَأله عنه عليُّ بنُ المديني، فقال يحيى: تريدُ العفوَ أو تُشدِّد؟ فقال ابن المديني: لا بل أشدّد. قال: فليس هُوَ ممن تريد، كان يقول: حدَّثنا أشياخُنا أبو سلمة ويحيى بنُ عبد الرحمن بن حاطب، ثم قال يحيى: وسألت مالكًا عنه فقال فيه نحوًا مما قلتُ لك(69) وقال فيه الإمام أحمد: وربما رفع أحاديث يوقفها غيره، وهذا من قبله(70) وقال أيضًا: كان يُحدّثُ بأحاديث فيرسلُها، ويسندُها لأقوامٍ آخرين، قال: وهو مضطرب الحديث(71)
وقال يحي بن معين: لم يزل الناسُ يتّقون حديثَ محمد بن عمرو. قيل له: وما علّة ذلك؟ قال: كان محمد بن عمرو يحدّث مرةَ عن أبي سلمة بالشيءِ رأيَه، ثم يحدّث به مرةً أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة(72) .
وقال فيه ابنُ سعد: كان كثيرَ الحديث، يُستضْعف(73) ولهذا قال الذهبي في السِّير بعد أن ذكر هذه الطريق: في إسناده محمد؛ لا يُحتج به،
وفي بعضه نكارةٌ بيِّنة(74)
قلت: وبعضُ النّكارة التي أشار إليها الذهبيُّ قد تجري في عددٍ من مَحاورِ هذا الحديث، منها: ما ابتدأه زيدُ بن حارثة مِن كون النبيّ صلى الله عليه وسلم أردَفَه إلى نُصبٍ من الأَنصاب، قد ذَبحا له شاةً، مع أن آخِر الخبر جاء فيه تحذيرُ النّبي صلى الله عليه وسلم لزيدِ بن حارثة من أن يَمسّ الصّنمين؛ معلّلًا ذلك بكونهما رجسًا، وهذا يُشير إلى أن النّبي صلى الله عليه وسلم كان قد نزل عليه التكليفُ بالنُّبوة، هذا إذا اعتبرنا أن وصف زيد بن حارثة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بالنُّبوة في أول الحديث وفي آخره ليس صريحًا لاحتمالِ وصفه بما آل إليه أمرُه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك؛ من حملِه رسالة الله عز وجل.
وهذا يخالفُ ما جاء في الرّوايات الصحيحةِ لخبر زيد بن عمرو، والتي نصّ فيها الراوي بأن هذه الحادثةَ إنّما حصلت قَبل أن يَنزلَ الوحيُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وأما وصفه صلى الله عليه وسلم الصّنمين بالرِّجس، فلا يلزمُ منه أن يكون النّبيُّ صلى الله عليه وسلم قد نُبِّئ، لأنّ رِجسية الصنمين كانت مستقرةً في الفطر السّليمةِ التي لم تدنَّس بكفرِ الجاهلية، وهذا ما حصل لزيدِ بن عمرو في امتناعه عن الأكلِ ممّا ذُبح على النُّصب، وهو ما يَدفعُ أيضًا قيامَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالذّبح لها، وكذا ما نُسبَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم من كونهم ذبحوا الشاةَ للنُّصب، والله أعلم.
وهذا كلّه يُضفي على الخبرِ بمُجمله نكارةَ المعنى، وهذا ما أشار
إليه الذهبيُّ رحمه الله عند نقدِه له، كما تقدَّم نقلُ عبارتِه.
وقد عرض الإمامُ إبراهيم الحربي رحمه الله لمناقَشةِ ما جاء في هذه الطريق، وأنكر أن يكون النّبيُّ صلى الله عليه وسلم باشرَ الذّبحَ بيده الشريفةِ، فقال رحمه الله: قوله: «ذَبَحنا شاةَ لنُصبٍ مِن الأنْصابِ»، لذلك وجهان: إما أن يكون زيدٌ فعلَهُ من غير أمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رِضاه، إلا أنّه كان معه فَنُسب ذلك إليه، لأن زيدًا لم يكن مَعَه من العِصْمة والتوفيق ما كان الله أعطاه نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ومَنعه مما لا يَحِلُّ من أمر الجاهلية، وكيف يجوزُ ذلك وهو قَد مَنع زيدًا في حديثِه هذا بعينِه أن يمسّ صنمًا، وما مَسَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل نُبوّته ولا بعد، فهو ينهى زيدًا عن مَسِّه، ويرضى أن يَذبحَ له؟ هذا مُحالٌ!
والوجه الثاني: أن يكونَ ذبح لِزادِه في خروجِه، فاتفّق ذلك عند صنمٍ كانوا يَذبحون عِنده، فكان الذَّبحُ منهم للصّنم، والذَّبحُ منه لله تعالى، إلا أن الموضعَ جَمع بين الذّبحين، فأما ظاهرُ ما جاء به الحديثُ فمعاذَ الله، وأما حديث ابنِ عمر وسعيدِ بن زيدٍ فليس فيهما بيانُ أنه ذَبح أو أمرَ بذلك، ولعل زيدًا(75) ظنَّ أنّ ذلك اللحمَ مما كانت قريشٌ تَذْبَحه لأَنصابِها، فامتنع لذلك؛ ولم يكن الأمرُ كما ظنَّ، فإن كان ذلك فُعل فبغيرِ أمره ولا رضاه(76) .
وقد نقل الذهبي الوجهين اللذين قالهما الإمامُ إبراهيم الحربي، ثم علّق قائلًا: هذا حسنٌ، فإنّما الأعمالُ بالنِّية، أما زيدٌ فأخذ بالظاهر، وكان الباطنُ لله، وربما سَكت النَّبيُ صلى الله عليه وسلم عن الإفصاحِ خوفَ الشَّر، فإنّا مع علمنا بكراهيتِه للأوثان، نعلمُ أيضًا أنه ما كان قبل النبوة مُجاهرًا بذمِّها بين قريش، ولا مُعلنًا بِمَقْتها قبل المبعث(77) .
وأعود فأقول: وهذه التوجيهات على افتراض صحةِ ما جاء من طريق محمد بن عمرو هذه، ولكن كمّا مرّ معنا فإن إسنادَ هذه الطريق ومتن هذا الخبر، لا يصحّان، والله أعلم.
حديث سعيد بن زيد بن عمرو رضي الله عنه:
الطيالسي (231)، والبزار (1266 - 1267) من طريق الطيالسي وطريق عبد الله بن رجاء، وأخرجه من طريق عبد الله بن رجاء: الطبراني في الكبير (350)، وأخرجه من طريق أبي قطن: الحربي في غريب الحديث (2/790)، كلّهم (الطيالسي وعبد الله بن رجاء وأبو قطن) عن المسعوديّ عن نفيل بن هشام عن هشام بن سعيد عن سعيد بن زيد به، وفيه: فَمَرَّ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا يَأْكُلَانِ مِنْ سُفْرَةٍ لَهُمَا، فَدَعَيَاهُ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ أَخِي، لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، قَالَ: فَمَا رُؤِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ حَتَّى بُعِثَ».
قال البزّار:
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعيد بن زيدٍ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
قال الشيخ الألباني رحمه الله: وأخرجه الإمام أحمد (رقم 5369) من حديث ابن عمر، وقد رواه أيضا من حديث سعيد بن زيد بن عمرو (1648) وفيه زيادة منكرة، وهي تتنافى مع التوجيه الحسن الذي وجّه به الحديثَ حضرةُ المؤلف(78) ، وهي قوله بعد: «إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم. قال: فما رؤي النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أَكلَ شيئًا مما ذُبح على النُّصُب»، وعلّة هذه الزيادة أنها من رواية المَسعودي، وكان قد اختلط، وراوي هذا الحديثَ عنه يزيدُ بن هارون، سمع مِنه بعد اختلاطه، ولذلك لم يُحسن صنعًا حضرةُ الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر حيث صرَّح في تعليقِه على المُسندِ أن إسنادَه صحيح، ثم صرَّح بعد سطورٍ أنه إنما صحَّحه مع اختلاطه لأنه ثبت معناه مِن حديثِ ابن عمر بسندٍ صحيح(79) - يعني هذا الذي في الكتاب -، وليس فيه الزيادةُ المنكرةُ، فكان عليه أن يُنبِّه عليها حتى لا يَتوهمَ أحدٌ أن معناها ثابتٌ أيضاً في حديث ابن عمر(80) . اهـ.
قلت: أصاب الشيخُ الألباني في تعقّبه على العلامةِ أحمد شاكر تصحيحَه لهذه الطريق لكونها مندرجةً في معنى حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فكما بيّن الأولُ رحمه الله أنّ الثاني كان ينبغي أن ينبّه على نكارة هذه الزيادة، حتى لا يُغتر بها، ولا يُرفَعُ شأنُها من الضّعف الذي لا يصحُّ بحالٍ؛ إلى الحكم بصحّتها لكونها موافقةً للحديث الصحيح في المعنى العام.
لكنّ يزيدَ بن هارون لم ينفرد بالرواية عن المسعودي - عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة -، بل رواه عنه أيضًا: أبو داود الطيالسي وعبدُ الله بن رجاء وأبو قطن، وقد نصّ الحافظ العراقي على أن كلاًّ من يزيد بن هارون والطيالسيِّ إنما سمعا منه بَعد اختلاطه، وأن عبدَ الله بنَ رجاء والهيثمَ بن عمرو أبا قطن وغيرَهما قد سمعا منه قبلَ اختلاطه(81) .
وعليه، فالقول بتضعيف هذه الطريقِ بسبب روايته هذا الحديث عن المسعوديّ بعد اختلاطه، لا يسلّم، لكون راويين من الأربعة ثبت سماعُهُما له قبلَ اختلاطه، والله أعلم.
مع التنبيه إلى أن بعض أهل العلم كان يذهبُ إلى ردّ روايات المسعودي كلّها، قبلَ اختلاطه وبعدَه، كابن حبّانٍ، حيث قال في ترجمته: كان المسعودي صدوقًا، إلا أنَّه اختلط في آخر عمره اختلاطًا شديدًا، حتى ذهب عقلُه، وكان يحدّث بما يَجيئُه فيحملُ عنه، فاختلطَ حديثُه القديمُ بحديثِه الأخيرِ ولم يتميز، فاستحق الترك(82) .
وفي الإسناد أيضاً: نُفيلُ
بن هشام، ترجمه البخاري في تاريخه(83) وابن سعد(84) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وترجم له ابن حبان في الثقات(85) وعدّه راويًا لهشام بنِ عروة.
وكذا صنع ابنُ حبان في ترجمة هشام بن سعيد، حيث ذكره في ثقاته(86) من ضمن الذين رووا عن الصحابة رضي الله عنه.
وما ذكره ابن حبان ليس كافيًا في رفع الجهالة عنهما، وعليه؛ فالإسنادُ لا يصح، لكونه من رواية اثنين لا يُعرفان، فضلًا عمّا جاء في الموقف مِن روايات المسعودي، خاصةً بعد اختلاطه، والله أعلم.
حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها :
أبو نعيم في الدلائل (131) من طريق إسحاق بن وهب عن يعقوب بن محمد الزهري عن عبد الله بن محمد عن هشام بن عمرو عن أبيه عن عائشة رضي الله عنه قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَعِيبُ أَكْلَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ، فَمَا ذُقْتَ شَيْئًا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، حَتَّى أَكْرَمَنِي اللهُ عز وجل بِمَا أَكْرَمَنِي بِهِ مِنْ رِسَالَتِهِ».
ثم قال أبو نعيم: وَمِمَّا عُظِّمَ(87) بِهِ صلى الله عليه وسلم وَحُرِسَ مِنْهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّى كَفِعْلِ قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ، وَإِذَا حُفِظَ مِنَ التَّعَرِّي فَمَا فَوْقَهُ أَوْلَى أَنْ يُعْصَمَ مِنْهُ، وَيُنْهَى عَنْهُ.
قلت:
وفيه عبدُ الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير، قال فيه أبو حاتم: متروكُ الحديث، وقال ابنُ حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي عن هشامِ بن عروة ما لم يحدِّث به هشام قط، لا تَحِلُّ كتابةُ حديثه، ولا الرِّواية عنه(88)
والراوي عنه يعقوب بن محمد الزهري، أطلق الإمامُ أحمد القولَ بذمّ روايته فقال: ليس بشيءٍ، ليس يسوى شيئًا(89) .
قلت: ومَن قَبِلَ حديثَه كيحيى بن معين اشترط أن تكون روايتُه عن ثقة، وشيخه هنا هو: عبد الله بن محمد؛ متروكُ الحديث.
وعليه؛ فلا تصحّ هذه الطريق بحال، والله أعلم.
حديث محمد بن إسحاق:
أخرجه في سيرته (118) ومن طريقه ابن عساكر (19/507)، وفيه يقول محمد بن إسحاق: فحُدّثتُ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ وَهو يُحدّث عن
زيدِ بنِ عمرو إن كان لأولّ مَن عابَ على الأوثان ونَهاني عنها، أقبلتُ مِن الطائف ومعي زيدُ بنُ حارثة، حتى مررتُ بزيدِ بنِ عمرو بنِ نُفيل وهو بأعلى مكّة، وكانت قريشٌ قد شهرتُه بفِراق دينِها حتّى خرَج من بينِ أظهُرِهم، وكان بأعلى مكّةَ فجلستُ إليه ومعيَ سُفرةٌ لي فيها لحمٌ يحملُها زيدُ بنُ حارثة؛ من ذبائِحنا على أصنامِنا، فقرَّبْتُها إليه وأنا غلامٌ شابٌّ، فقلتُ: كُلْ مِن هذا الطعام؛ أي عم. قال: فلعلَّها أي ابن أخي مِن ذبائحِكم هذه التي تَذْبَحون لأوثانِكم؟ فقلتُ: نعم. فقال: أما إنك يا ابنَ أخي لو سألتَ بناتِ عبدِ المطّلب لأخبرْنَك أنّي لا آكلُ هذه الذبائِح، فلا حاجةَ لي بها، ثم عاب الأوثان ومَن يعبدُها ويذبَحُ لها، وقال: إنما هي باطلٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، أو كما قال. قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: فما تَمَسَّحْتُ بوثنٍ منها بَعد ذلك على معرفةٍ بِها، ولا ذبحتُ لها، حتّى أكرمني الله تعالى برسالته.
قلت: والواسطةُ التي بين ابن إسحاق والنبيِّ صلى الله عليه وسلم مجهولةٌ، وعليه؛ فلا تصحُّ هذه الطريق.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث
بلدح: بفتح أوّله، وبالدّال والحاء المّهملتين: موضعٌ في ديارِ بنى فَزارة، وهو وادٍ عندَ الجَرّاحية، في طريق التّنعيم إلى مكة(90) .
سُفْرة: السّينُ والفاءُ والرّاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الانكشاف والجلاء(91) ، والسُّفرة بالضّم: طعامٌ يُتَّخذُ للمسافر، ومنه سميت السُّفرة(92) .
النُّصُب: النُّونُ والصادُ والباء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على إقامةِ شيءٍ؛ وإهدافٍ في استواء، والنَّصب: حجرٌ كان يُنصب فيعبد، ويقال: هو النُّصُب، وهو حجرٌ يُنصبُ بين يدي الصَّنم تُصبُّ عليه
المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها
سأقوم بعرض ما وقفتُ عليه من كلامِ موردي الشبه، بِنصِّه ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً، ومختصَرًا متى ما طال بغير فائدةٍ تُذكر، وسأتسلسلُ في الجواب على تلك الإشكالات واحدةً تلو الأخرى بحول الله وقوّته، وأبدأ بشيخِ الشريعة، الذي قال بعد أن ذكر الحديثَ برواياته: « وأيّاً من هذه الروايات قلنا به؛ يوجبُ اثباتَ طعنٍ عظيمٍ على سيِّد النَّبيين وأفضل المرسلين، واثبات أعرفِيَّة زيدٍ بالله وتعظيمه منه صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدلُّ على أن مثلَ هذا الأمر الذي ارتكز قبحُه في عقل زيدٍ الغير المتدين بدينٍ وفي عقول المتقطِّنين وإن لم يكونوا بالشرائع ملتزمين، قد خَفي على سيد البشر، نعوذ بالله من هذه الهذيانات » .
فأقول: لا نكارةَ ابتداءً في وقوعِ عمومِ هذه المسألة، فقد يعلَمُ المفضولُ شيئًا يغيبُ علمُه عن الفاضل، سواءٌ اشتركا في النُّبوة وتفاوتا بالفَضل، كما حصلَ بين الخَضِر وموسى عليهما السلام، أو كان المفضولُ مِن صالحي البشرِ، والفاضلُ خيرَهما، كما هو هنا في حديثنا، وعِلْمُ زيدِ بن عمرو بمسألةٍ ما قد تكون خفيت على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم قَبل بعثته؛ لا يَقدحُ في مَقامه الكريم صلى الله عليه وسلم، خاصةً إذا علمنا أن زيدَ بنَ عمرو، كان على تواصلٍ
مع علماءِ أهل الكتاب؛ بدليل ما جاء في تمامِ الحديث من ارتحالِه في طلب الحق، وهو في هذا كورقةَ بنِ نوفلٍ، إلا أنّ ورقةَ كان أكثرَ اطلاعًا على كتبِ أهلِ الكتاب، كما عُلم من حال الرجلين، والله أعلم.
فالتهويل الخطابيُّ بشأن هذا الأمر، وهو ما بدأ به شيخُ الشريعة لإبطالِ خبرٍ جاء في أصح كتب الحديث؛ لا تعويلَ عليه بحالٍ من الأحوالِ.
ثم تابع شيخ الشريعة قائلًا: « إذ لو قيل بموجب رواية أحمد وأبي يعلى والبزار مِن أكلِه ممّا ذُبِح على الُّنصب، بل مباشرتِه لهذا الذّبح مع زيدِ بنِ حارثة فالأمرُ واضحٌ، ولو قيل بموجب ما رواه البخاريُّ في كتاب الذَّبائح فهو أيضًا لا يخلو من رِضائه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بهذا الأمر الشنيع، وحفظ هذا اللحم في السفرة وعدم إبائه عن أكله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ودعوته لزيد في الأكل منه وإباء زيد وأعرفيّته بالله منه وأورعيّته وأعقليّته » .
قلت: مضى معنا بيانُ الصحيح مِن غيرِه من روايات هذا الحديثِ الشريفِ، وليس في ألفاظ روايات صحيح البخاري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم باشرَ الذَّبح بيدِه، أو شارك زيد بن حارثة في ذلك، وإنما جاء ذلك خارج الصحيح، وقد تقدّم التنبيه على عدم ثبوته، وسيأتي مزيدُ ذلك. ويبقى النظرُ فيما إذا ثبت أكلُه صلى الله عليه وسلم مما ذُبحِ على النصب، وهذا الفرع
يتناوله النظر من نواحٍ ثلاث:
الأول: أن يَثبُت أن هنالك شاةً ذُبحت من أجل النُّصُب.
الثاني: أن يَثبت أن النّبي صلى الله عليه وسلم عِلم أن هذه الشاة ذُبحت على النُّصب.
الثالث: أن يَثبت أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد أكل منها بعد عِلمِه بأنها ذُبحت على النُّصُب.
فأما ما نُسب إلى زيد بن حارثة مِن قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم: (وهو مُردِفي إلى نُصُبٍ من الأَنصابِ وقد ذبَحْنا له شاةً فأنْضجْناها) إلى آخرِ الخبرِ، فقد مضى معنا عَدمُ صحّته وأسبابُ ذلك، مع ملاحظة أنَّ ما أجابَ به زيد بن عمرو لا يطابقُ ما ذكرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فالنّبيُّ صلى الله عليه وسلم كما جاء في الرواية بَيّن لزيدٍ بأن هذه الشاة ذُبحت على النُّصب، فكان المفترضُ أن يكون امتناعُ زيدِ بن عمرو من الأكل منها معلّلًا بقوله: لا آكل ممّا ذُبح على النُّصُّب، لكن جاء جوابُه على امتناعِه عن الأكل منها بقولِه: ما كنتُ لآكل ممّا لم يُذكرِ اسمُ الله عليه(95) والفرقُ واضحٌ بين ما ذبح لغير الله، وبين ما لم يُذكر اسم الله عليه، فقد يَذبحُ الذّابحُ لغير الله ويُسمّي هذا الغيرَ، وقد يَذبحُ الذّابحُ لله عز وجل، وقد يَذبحُ الذابحُ ولا يذكرُ اسمَ اللهِ على ذَبيحِته، إما نِسيانًا، أو غَفلةً عن شَرطِيةِ ذكرِ اسم الله على الذّبيحةِ لحِلِّها عند من يقول بشرطيتها، إلى غيرِ ذلك من الاحتمالات التي يمكنُ أن تَطرأَ على ذلك، فتفرِّق بين الحالين: حالِ الذي ذُبح لغير الله، وحال
الذي ذُبح ولم يُذكر اسم الله عليه.
وسيأتي معنا مزيدُ بيان لهذا الفرق في كلام الإمامِ الخطَّابيّ رحمه الله، وكيف أن أَكْلَ ما لم يُذكر اسم الله عليه، هو الذي أُبيح لأمّة الإسلامِ مِن ذبائحِ أهل الكتاب، لا أكلَ ما ذُبح لغير الله تعالى.
وهذا أيضًا يُضاف إلى أوجه النّكارة التي ذكرتُها إيضاحًا لإشارة الحافظِ الذهبي إلى ذلك.
وجاء في حديث سعيد بن زيد - الذي أخرجه الطيالسيُّ والبزّارُ وغيرُهما - قولُه: وَهُمَا يَأْكُلَانِ مِنْ سُفْرَةٍ لَهُمَا، فَدَعَيَاهُ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ أَخِي، لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، قَالَ: فَمَا رُؤِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ حَتَّى بُعِثَ».
وقد أنكرَ الشيخُ الألبانيُّ رحمه الله هذه الزيادةَ، وعلّق نكارتَها باختلاطِ المسعوديِّ، وكون الراوي عنه وهو يزيد بن هارون ممّن نصَّ الحفّاظُ على روايَتِه عنه بعدَ اختلاطِه، وإنكارهُ جيِّدٌ، ومع ذا: فالصّحيحُ أن هناك من روى هذا الحديثَ عن المسعوديِّ، مِمّن عُرفَ بالرّواية عنه قَبلَ اختلاطِه كعبدِ الله بنِ رجاء والهيثمِ بنِ عمرٍو، وقد سبق ذكرُ ذلك كُلِّه، وسبقَ أيضًا بيانُ جَهالةِ كلٍّ مِنْ نُفيل بن هشام وأبيه هشامِ بن سعيد، وهذا كلُّه يعود على الحديثِ بالرَّدِّ، ومع ذلك، فإن صَحّتْ هذه الروايةُ ولا تصحُّ فإنها تُحْمَلُ على أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يَعلمُ بأنها ذُبحت على النُّصُبِ حتى لو افترضنا أنها ذُبحتْ أمامَه على النُّصُب لأن احتمالَ قَصْدِ
ذابِحها قد يخفى على النّاظرين، ومنهم النّبيُّ صلى الله عليه وسلم، بحيث يُظنُّ أنّ الموافقةَ حصلتَ في المكانِ مِن غيرِ تحضيرٍ مُسبقٍ، ولا نيّةٍ مُبيَّتةٍ، ثم لما نَبَّه زيدُ بنُ عمرٍو على هذا مِن كونِ هذه الذّبيحةِ إنما ذُبحت تقرُّبًا للنُّصُبِ استصحابًا منه لما يراه الأصل في ذلك، أو على وجه الاحتمال كفَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن تناولِ ما هذا حالُه.
وكلُّ هذا الاسترسالِ في إمكانيةِ توجيهِ ما جاء في هذا السِّياقِ؛ إنّما هو على افتراضِ صِحَّتهِ، ولكن تَبيّنَ لنا فيما مضى مِن خلال النَّظرِ في إِسنادِهِ، أنه لا يَصحُّ بحالٍ، لحالِ راويِهِ المَسعوديِّ، وكونِ بعض من رواه عنه سَمع منه بعد اخْتلاطِه، ولجهالةِ اثنين من رواته، وعدمِ الوقوف على تعريفٍ بشيءٍ مِن حالِهِما.
ومع ذا، فإن لم يَقنعْ المعترض بهذه الأجوبةِ، ولم يجد تمامَ بُغيَته في إزالةِ ما بقي من شكّه فيه، فليصبرْ قليلًا حتى يصلَ إلى الجوابِ الأخير الآتي بعد ذِكر إشكالات أصحابِها والردِّ عليها.
ثم تابع شيخ الشريعة قائلًا: « ولو قيل بموجب ما رواه في كتاب المناقب فكذلك اتحاد الحديثين، فلابد من إرجاع الضمير في قوله: (فأبى) إلى زيد، كما هو سياق الكلام والمقام، والحديث يفسّر بعضه بعضاً، كما صرّح به أعيانُ العامة فيلزم جميعُ ما ذكرنا.
ولو تعسّف متعسّف فأرجع الضميرَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فلا أقلَ دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيدًا إلى هذا الأمر القبيح، الذي تقرّرت حرمته في الشرائع السابقة،
بل في شريعةِ إبراهيم، على ما اعترف بعضُ أعيانهم، وارتكز قبحُه في العقول، ولننقل بعض كلمات القوم مما يتعلق بالمقام
قلت: أما على رواية البخاريِّ والتي نصّ فيها الراوي على أن السُّفرة قُدِّمت للنبي صلى الله عليه وسلم فامتنع عن الأكل منها، ثم قال زيدٌ ما قال، فلا إِشكالَ فيها، إذ لا يَبْعُد أن يقال: إنها قُدّمت أولًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يأكلَ منها، ولم يُعلّل امتناعَه، ثم قُدِّمت لزيد بن عمرٍو فأبى، وبيّن سبب إبائِه قائلاً: لا آكلُ ممَّا ذُبِح على النُّصُب، وإن أعوزك الدليلُ على هذا التّرتيبِ، فلك أن تقول: إنها قُدّمت للنّبيِّ صلى الله عليه وسلم وزيدِ بن عمرٍو في وقتٍ واحدٍ، فأبى كلٌّ من النبيُّ صلى الله عليه وسلم وزيدٍ الأكلَ منها، ولم يُعلّل النبيُّ صلى الله عليه وسلم سببَ امتناعِه، بينما قال زيدٌّ ما قال، والجوابُ القائمُ على هذا الترتيبِ هو الذي قال به ابنُ بطّال، ولا تكلُّفَ فيه ولا إشكالَ، وإن عَدَّه الحافظ ابن حجر مُشكلًا، مُقدِّمًا عليه توجيهَ الخطابيٍّ. وللحافظِ ابنِ حجرٍ وغيرِه من علماء المسلمين الحقُّ فيما يختارونَه أو يُرجِّحونَه مِن توجيهاتٍ، ما دامَ موافقًا لقواعدِ الشريعة العامة غيرَ مخالفٍ لها - وهم من أعلم النّاس بها -، ومِن هؤلاء الأجلّاء: العلامّةُ ابنُ بطال، الذي اختار وجهَ ترتيبِ سياقِ الحديثِ الذي أشرتُ إليه آنفًا، ولا غرابةَ فيه - كما سبق معنا - ولا إشكالَ ولا تكلُّفَ، ويعزّز حُسنَ توجيهِه واختيارِه: اختيارُ العلامة ابن المُنيِّر شارحِ البخاريِّ له، وهو المعروفُ بحسن اختياراته وسلامةِ ذَوقِه وتوجيهاتِه.
وكونُ الموضِّح لسبب الرفض هو زيدَ بن عمرو لا إشكالَ فيه أيضاً، فهو قد قال مقولَته بحضرةِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإقرارُه صلى الله عليه وسلم على ذلك تَمثَّل في سكوته، وهو
أي إقرارُه من السنّة المحتجُّ بها عندَ المسلمين علمائِهم وعامّتهم بعدَ بِعثتِه صلى الله عليه وسلم، وهذه الحادثةُ وإن كانت قد حصلت قبلَ بعثَتِه صلى الله عليه وسلم؛ إلا أنّ العاملَ المشتركَ فيها مع حديثنا هنا هو: اعتبارُ إقرارِه صلى الله عليه وسلم موافقةً(96) منه، كان كذلك قبلَ بِعثته، وصار تشريعًا بعدها، والله أعلم.
ثم قد يُضافُ هنا: احتمالُ وقوعِ اختصارٍ في متن الحديث، استُغْنِي عنه بما صَرّح الراوي بِذكرِه، حيث اقتصر على ذكرِ ما قاله زيدُ بن عمرو، دون ما علّق به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، وممّا يقوّي هذا الاحتمال أمران:
الأول: أن الحديثَ إنما سِيق في بيان فضلِ زيد بن عمرٍو وسَبْقِه لقومِه في طلبِ الهداية والرَّشاد، وهو ما بوّب له البخاري رحمه الله بِقوْلِهِ: بَابُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ولذا اقتصر الراوي على ذكرِ قولِه، دون ما قاله النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن الراوي صدّر قولَ زيد بن عمرو بحرفِ (ثُمَّ)، و(ثُمَّ) كما هو معلوم تفيد الترتيبَ مع التراخي غالبًا، فكأن الراوي إنما أشار إلى اختصارِه لجزءٍ من الروايةِ بابتدائه قولَ زيدٍ بهذا الحرف (ثم)، وإلا لو كان زيدٌ قد باشرَ بهذا الجواب، لكان الراوي عبّر على ذلك بقوله: (فقال) أي بتصدير قولِه بالفاء التي تُفيد الترتيبَ مع التعقيبِ، أي يكون قولُ زيدٍ قد وقعَ بعد امتناعه مباشرة، وهو ما لم نَرَه في هذه الرواية، وهذا
كما أسلفت يُقوّي احتمالَ وقوعِ اختصارٍ في هذا الحديث، والله أعلم.
وقد يَسري هذا الاحتمالُ على الروايةِ الأخرى، والتي جاء فيها تقديمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم السُّفرةَ لزيد بن عمرو، ويكون الجزءُ المختصَرُ غير المذكور منها: أن السُّفرة قُدّمت أولًا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكلَ منها، ثم قدَّمها هو لزيدٍ فأبى هو الآخرُ أن يأكلَ مَنها، معلّلًا ذلك بما قالَه.
ويبقى النّظر في أمرين متعلِّقين بهذه التوجيهات:
الأول في سبب تقديمِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم السُّفرة لزيدٍ، إن كان النّبيُّ صلى الله عليه وسلم رافضًا الأكلَ منها أصالةً؟
والثاني في سبب انفراد زيدِ بنِ عمرو ببيان سببِ امتناعِه من الأكل منها، دون النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟
فأما الأول فقد يقال: بأن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أراد أن يَقفَ على صريحِ موقفِ زيدِ بن عمرو مِن المذبوحِ على النُّصب، ويُظهرَ هذا الموقف لغيرِه من كفّار قريش، وقد كان زيدٌ يُظهرُ الحنيفيةَ ويطلبُ التوحيد، فأراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن زيدٍ التصريحَ بذلك، وهذا ما كان.
وأما الثاني، فلعلّ الجهرَ بالموقف مِن ذبائح المشركين على نُصُبُهم لم يكن في مقدورِ كلِّ أحدٍ، ولم يكن ممنوعًا على كلّ أحدٍ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن أهل الفريقِ الأول، وكان زيد بن عمرو من أهل الفريقِ الثاني.
ولا يعني هذا فضلًا لزيدٍ على النّبي صلى الله عليه وسلم، أو زيادةً في شجاعتِه في مقابلِ شجاعةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الأمرَ - الممنوعَ منه والمقدورَ - قد يكون لأسبابٍ اجتماعيةٍ أو عُرفية أو شخصيةٍ، فزيدٌ عُرف ببحْثِه عن دينِ التّوحيد مِن فترةٍ مبكّرةٍ، وكان كما يظهر من الروايات ذا سنٍّ، ومثلُه لا يُخشى مِن انتشارِ قوله فضلًا عن ديمومته، وأما النّبيُّ صلى الله عليه وسلم فكان مِن أعظمِ بيوتِ قريشٍ، وقولٌ يصدرُ من هذا البيتِ الشّريف يُخالفُ ما تعاهدَ الناس عليه وتعارفوا لا شكّ أن وَقْعه وثِقَله سيكونان ذا أثرٍ بالغ، يُحدثُ في المجتمع ما ليس بالحُسبان، ولم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد تقدّم بَعدُ بالسنِّ، ومثلُه قد عُرف بتمامِ الفضلِ، وحُسن القبولِ بين الناسِ، ممّا يجعلُ لقوله ثقلًا وتأثيرًا وقبولًا قد لا يوجدُ في مقولةِ غيره، أضِف إلى ذلك كلّه: كونه صلى الله عليه وسلم لم يكن قد نُبِّئ بعدُ، فضلًا عن الوصولِ إلى مرحلة الجهرِ بإنكارِ المُنكر.
وهذه الاحتمالاتُ وغيرُها إنما يحْسُن سوقها هنا لبيان أن هذه المسألةَ وغيرَها من المسائل الثابتةِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأسانيدِ الصحيحة، قد تختلفُ الأنظارُ في توجِيهها والتأمُّلِ في أبعادها، وغالبًا ما يبقى الخلافُ سائغًا بين العلماء فيها، والأقوال فيها قريبةٌ محتملةٌ، ولا يتجاوز الخلافُ فيها الإنكارَ المناسبَ المُتقبَّل بين الطرفين، أما أن يصل الأمر فيها إلى تكذيب كلِّ طرفٍ للآخر، أو تبديعِه أو تفسيقِه، فضلًا عن تكفيرِه، فهذا كما يقال: نَفَسٌ غريبٌ أجنبيٌّ لا ينبغي أن يكون له وجودٌ في ساحة العلم الشرعي، والله أعلم.
ثم شرع شيخُ الشريعة في بيان أن رجلًا من أهل السنة يقال له: (ابن روزبهان) قد اختلق زيادةً نسبها لهذا الحديث بعد أن ضُيِّق عليه الخناق، وهذه الزيادة هي نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «وأنا أيضاً لا آكلُ من ذبيحَتهم؛ ومِمّا لم يُذكر عليه اسمُ الله تعالى، فأكلا معًا». ثم أعمل شيخُ الشريعة مِبضعَه في تشريحِ ابن روزبهان هذا وبيانِ «كَذِبِه ووضْعِه للحديث، وخيانته وافترائه، وسخافةِ عقْلِه وقِلّةِ إدراكِه» - وكلُّها مِن أوصافِ شيخِ الشريعة - وأطالَ في ذلك، ونقلَ عن التُّسْتريِّ ما يفيد هذا، إلى أن ختم شيخُ الشريعة كلامَه بقول التُّستري: « إنَّ أصحاب الناصبِ بعد ما نبّههم الشيعة على شناعة بعض أحاديثهم، يزيدون على ذلك أو ينقصون عنه، على حسب ما عرض لهم من ضيق الخناق، فلا يعتد بما يرويه أهل الشقاق » .
وأقول تعقيبًا على ذلك كلِّه: لُقّب بهذا اللقب ممّن له اشتغالٌ بالعلم الشرعيِّ من أهل السُّنة عددٌ ليس بالكبير، لكن الذي يريده شيخ الشريعة بكلامه هو المعروفُ بفضل الله بن روزبهان، والذي يُعرف بخواجة ملا، المتوفّى (927 ه)، والمعاصِر للحافظ السخاويِّ رحمه الله، والذي بدوره ترجمَ له في كتابه الضوء اللّامع، وذكر ملازمتَه للجَمال الأردستاني، وتقدُّمِه في فنونٍ من عربيةٍ ومعانٍ وأصلين وغيرِها، مع حُسن سلوكٍ وتوجّهٍ وتقشُّفٍ ولطف عِشرةٍ، وانطراحٍ وذوقٍ وتقنُّع، ثم ذَكرَ السّخاويُّ لقاءَه به في المَدينةِ، وشيئًا مِن شِعرِه، وذكرَ أيضًا أنه أي السخاويُّ أجازَه، وإخبارَ فضل الله بجمعه لمناقب شيخه الأردستاني، ولم يذكر السخاويُّ
شيئًا ممّا يتعلّق بالمؤلَّف المشار إليه في كلام شيخ الشريعة(97)
وترجم لابن فضل روزبهان كذلك: حاجي خليفةُ في كتابه «سلم الوصول»، وذكر تأليفَه «بديع الزمان في قصة حي بن يقظان»، ولم يتطرّق لذكرِ ذلك المؤلَّف المُشار إليهِ آنفًا(98) ، فالله أعلم بحقيقة هذا الكتاب، وصحّة ما نُسب فيه لابن روزبهان، وأما مسألة الوضع على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلا كرامةَ لمن ثبتَ في حقِّه ذلك من أيِّ الطوائف كان، ولا يكفي في ادّعائه على أحدٍ من علماءِ الإسلامِ مجرّد إحالةٍ على مجهولٍ.
ثم نقل شيخُ الشّريعة ما ذكره الحافظُ ابن حجر ونقلَه عَن غيرِه من العُلماء في توجيه الحديث، ونقل كذلك ما قاله الزّركشيُّ في التنقيح، ثم علَّق على كلِّ ذلك بقوله: وبالجملة فرواية نسبة أكل مما ذُبح على النصب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ كما صرّح في رواية أحمد وأبي يعلى والبزار وغيرهم أو دعوته غيره إلى أكله مع أنه ممّا يَجتنب عنه اليهود والنصارى ويختصّ بعابدي الأصنام مما لا تخفى(99) .
قلت: هذا آخر ما خَطّته يدُ شيخِ الشريعة وأوردَه من إشكالاتٍ تتعلّق بهذا الحديث، وقد ظهر معنا بأن ما نُسب للنّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن أكله ممّا ذُبح على النُّصب، لم يأت في روايتي البخاري، وإنما رواه أحمدُ وغيره، ولم يصحّ ذلك بحالٍ من الأحوالِ.
وأما رواية تقديمِه صلى الله عليه
وسلم السُّفرةَ لزيدِ بن عمرٍو بن نُفيلٍ، فهي التي جاءت في صحيح البخاري، وجاءت مرّة أخرى بصيغةِ المجهول، وكان التقديمُ فيها للرّسول صلى الله عليه وسلم، لا منه لزيدٍ، وسبق توجيهُ ذلك كلّه، والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.
وننتقل الآن إلى النّظر فيما قاله جعفرٌ السُّبحانيُّ في نَقدِه لهذا الحديث الشريفِ، لنجد أنه لم يقدِّم جديدًا على ما سبق، إلاّ في قوله: « نعم؛ أخرجه البخاريُّ في كتاب المناقب بصورة أُخرى ربما تكون نزيهةً عن الإشكال، ولكن الرواية فاقدة للانسجام العام، وهي تشهدُ على أنّ الراوي تصرَّف في الرواية لدفع الطعن، وإليك نصّها:
فساق الرواية ثم قال: إنّ الرواية لا تخلو عن تأملات:
أ. قوله: « فقُدِّمَتْ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم سفرة » بصيغة المجهول، فمن المقدِّم لها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فلماذا لم يُذكر؟ وهذا دليلٌ على أنّ الأصل ما ورد في الصورة الأُولى « فقدّم إليه رسول اللّه سفرة » وإنّما حرّفه الراوي لدفعِ الإشكال » .
قلت: لا دليل على دعوى التحريفِ إلا الحرصُ على التّشكيك بِصحّةٍ الرواية، بل والسعيِ إلى إِبطالها، ولو قال: وَهمَ الراوي في ذلك، أو رواها بمعنىً ظنَّه غيرَ مخالفٍ للرواية الأخرى، لكان الأمر قريبًا لا بأس بِقبولِه، أمّا تصويرُ ذلك بأنه تحريفٌ من قِبل الراوي فهذا ما لا يُعرف من أحوال رُواة الصّحيح، وقد سبق معنا ذكرُ أقوال أهلِ العلم في فضيل بن
سليمان، وأنهم تكلّموا في بيان حاله، ووصفوه بما يُظهر وقوعَه في أخطاء بسبب قلّة ضبطه، ولم يتهّمْه أحدٌ بالكذب، لا بالنسبة لحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا بالنّسبة لحديثِ الناس، ولو صحّ عندهم شيءٌ من ذلك، لصاحوا به ولم يَكتموه، وهم الذين عُهد عنهم عدمُ المجاملةِ فيما يتعلّق برواية حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وكيف يُظنُّ فيهم ذلك؛ ومنهم مَن تكلّم في ضبط أقربِ الناس إليه، ولم يكتُمْه(100) وذلك لمصلحةِ حفظِ هذا الدينِ القويم، ولقد اشتهر في أوساطِهم من المقولات التي تعظم شأنَ الإسناد، وتُحذّر من التساهل مع رواته الشيءُ الكثير، ومنها مقولةُ يحيى بنِ سعيد القطّان لمّا قال له أبو بكر بن خلاد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تذكُرُ حديثَهم خصماءَك عند الله يومَ القيامة؟ فقال يحيى: لأن يكون هؤلاء خُصمائي أحبّ إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لم حَدَّثتَ عني حديثًا ترى أنه كَذِبٌ(101)
والأمثلةُ مِن أقوالِهم وأفعالِهم وتقريراتِهم كثيرةٌ، يَصعبُ حصرُها،
ثم يأتي بعد ذلك أُناسٌ لا يعرفون مِن علمِ الجرح والتعديل إلا الشيءَ بعد الشيءَ لكي يزاحِموا أئمة هذا الشأن، بل ويعارضوهم فيما فضّلهم الله عز وجل به على كثيرٍ من خلقه تفضيلًا، وهذا مِن أعجب العجب!
وخلاصةُ القول: إن تحريفَ ألفاظِ الحديثِ النّبويّ الشريفِ لا يصدُر إلا من وَضّاعٍ كذّابٍ، اشتهر أمرُه بين الناس، ورواةُ هذا الحديث في داخل الصحيحِ وفي خارجِه لم يُعرف عن أحدٍ منهم شيءٌ من ذلك، ولا قريبٌ منه، والحمد لله ربّ العالمين.
ثم إنّ ما طرحه السبحانيُّ من إشكالٍ لو أُخذ على ظاهره لأظهر قصورًا في تصوّره للعلوم الشرعية التي يخوضُ غمارَها ويسعى لمنافسةِ أهلها فيها، ذلكم أنه يُظهر خفاءَ نوعٍ من أنواع الحديث عليه؛ تناوب العلماءُ على التأليف فيه على مرّ العصور، ألا وهو المتعلّق بمبهمات الأسماء الواردةِ في الأحاديثِ النبويّة الكريمة، ومِن أشهرِها: كتاب الخطيب البغدادي المسمّى بالأنباءِ المُحكمةِ في الأسماءِ المبهمة، ثم كتابُ الغوامضِ والمُبهمات لابن بشكوال، وكتابُ الإمام النووي: الإشاراتُ إلى بيان أسماء المبهمات، وكتاب المستفادُ من مبهمات المتن والإسناد لأبي زرعة العراقي، فضلًا عن المؤلفات الخاصة بمُبهمات كتبٍ بعينها، ككتاب الإفْهام لما في البخاريِّ من إبهامٍ للجلالِ البُلقيني، وكتابِ سبطِ ابن العَجَمي: تنبيِه المُعلم
بمبهماتِ صحيحِ مُسلم(102) وغيرِ ذلك مِن المؤلَّفاتِ الكثيرة في هذا البابِ، المطبوعِ منها والمخطوطِ والمفقودِ(103) وفيها بيانُ أسباب الإبهامِ الواقعِ في بعض هذه الرواياتِ، أو أكثرِها، وهذا كلّه يعود بالتقليلِ من شأن الإشكالات التي طرحها السبحانيُّ، وإظهارِ عدمِ وجاهتها، فضلًا كما أسلفت في كونه قادحًا واضحًا في دائرةِ معارفِ السبحانيِّ نفسِه، والله أعلى وأعلمُ.
ثم ذكر السبحانيُّ كلامًا يتعلَّق باستشكالِ امتناع النّبيّ صلى الله عليه وسلم من الأكل ممّا ذُبح على النُّصُب، وعدم تعليلِه لامتناعه، ثم تعليلِ زيد بن عمرو لذلك، وقد سبق توجيه ذلك عند ذكرِ اعتراضات شيخِ الشّريعة.
ثم تابع السبحانيُّ ذكر اعتراضاته على الحديث قائلًا: « ثمّ إنّ ابن حجر رجّح الحديث الأوّل على الثاني، فقال في شرح الحديث الثاني: « فقدِّمتْ بضم القاف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم» كذا للأكثر، وفي رواية الجرجاني: فقدَّم إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم سفرة (إشارة إلى النقل الأوّل)، قال عياض: الصواب الأوّل(104) » .
قلت: وهذا مثالٌ ثانٍ يُظهر قصورًا بيّنًا في تَصوُّر المسائلِ العلمية التي يأبى السبحانيُّ إلَّا أن يخوضَ غمارَها، حيث ظنّ السبحانيُّ بأن كلامَ العلماءِ هو في اختلافٍ واقعٍ بين الروايتين من حيث الضبطُ، وأنهم لذلك رّجحوا إحداها على الأخرى، بينما الصوابُ أن كلامَ العلماء هو في
ضبط ألفاظِ كلِّ روايةٍ على حدةٍ، دون عرضِها أو معارضتها بالأخرى، لأن همّهم الأكبرَ الوقوفُ على النصّ الصّحيح في أحاديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم كما رواه صاحبُه، فيُنعمون النّظرَ في نُسخِ الصّحيح، للوصولِ إلى هذه النتيجة، وعليه؛ قاموا فنظروا في ضبطِ رواية فضيلِ بن سليمان على حِدة، كما نظروا في ضبط ألفاظ الروايات الأخرى مِن أحاديث صحيح البخاري، ليقفوا على اختلافهم أو اتفاقِهم عليها، فوجدوا أن رواية فضيلِ بن سليمان قد جاءت في جميع نسخِ البخاري بالمَبنيّ للمجهول أي: (فقُدّمت)، إلا في روايةِ الجُرجانيِّ، فقد جاء ضبطها (فَقدّمها) بالمبنيِّ للمعلوم، وهذا يؤكّد أن فضيلَ بنَ سليمان رواها بالضّبط الذي عليه الأكثرُ، وأن وهمًا وقع في نُسخة الجرجانيِّ، ولعلّ الخللَ منه رحمه الله، فقد مضى معنا نقل أبي نعيم تضعيفهم له.
وهذا الذي قاله القاضي عياضٌ، ونَقلهُ عنه الحافظُ ابن حجر رحمه الله، حيث قال القاضي: «فقُدِّمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة»، كذا لكافة الرُّواة، وعند الجُرجانيِّ «فقَدَّم إليه النبي سفرة» والأول إن شاء الله الصّواب، ولا يبعدُ صحةُ الثاني(105) .
وقد نقل كلامَه هذا الحافظُ ابنُ حجرٍ ثم زاد قائلًا: روايةُ الإسماعيلي توافق روايةَ الجُرجانيِّ، وكذا أخرجه الزّبيرُ بنُ بكّار والفاكهيُّ وغيرهما(106) . اهـ كلام الحافظ.
ثم إن الحافظَ رحمه الله عرض للرواية الأخرى والتي جاءت مِن طريق عبد العزيز بن المختار عن موسى بنِ عقبة، وبيّن بأنه حصل فيها نظيرُ ما حصل في رواية فضيلِ بن سليمان، من حيث اتفاقُ النُّسخ كلِّها على رواية (فقدّمها) إلا نسخةَ الكُشميهني، حيث جاء فيها (فقُدِّمت)، فقال رحمه الله: ووقع فيه من الاختلاف نظيرُ ما وقع في الرواية التي في أواخر المناقب، وهو أنّه وقع للأكثر (فقدَّم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة)، وللكُشمَيْهَني: (فَقُّدِّم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرةٌ)، وجمعَ ابنُ المنيِّر بين هذا الاختلاف بأنّ القومَ الذين كانوا هناك قدَّموا السفرة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقدَّمها لزيدٍ، فقال زيدٌ مخاطبًا لأولئك القوم ما قال(107) . اهـ كلام الحافظُ ابن حجر.
وهذا كلّه يُظهر أن نظرَ العلماء كان في اختلافِ النّسخ أو اتفاقها بالنسبة لكلّ روايةٍ مِن روايات البخاري، ومنها هاتان الروايتان، ليَصلوا إلى الضّبط الأصحّ لكلّ مِن الروايتين، لا مِن أجلِ أن يُرجِّحوا إحدى الروايتين على الأخرى، كما فَهِم السّبحانيُّ؛ وأراد مِن خلالِ فَهمِه الخاطئِ هذا أن يرسّخ مفهومَ وقوع التّحريف في رواية فُضيلِ بن سليمان، والحمد لله رب العالمين.
ثم بعد هذا، نظرنا في كلام النّجمي، فلم نره أتى بجديد، وإنما حام حول ما جاء في كلام السابقين له، إلّا ما جاء في تنبيهِه على أمرٍ رآه خطيراً! وذلك حينما توصّل إلى أن زيد بنَ عمرو هو ابنُ عمّ أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب، وأبو زوجته، وهذا يدلُّ على مدى حِرص الرواة على بيان فضائله، فقال: وأما زيد هذا هو ابن عم الخليفة عمر بن الخطاب وأبو زوجته، وقد أطراه الكثير من المؤرخين وأصحاب التراجم، فقالوا: إنه في الجاهلية كان موحِّدًا، وكان يعبد الله وهو على دين إبراهيم عليه السلام الحنيف، وعما يعتقده عربُ الجاهلية، ويصلّي ويسجد لله تعالى، وذكره في السجود دليل على إيمانه وحنيفيته ثم قال النّجمي: وأعتقد أن هذين الحديثين وُضعا لتبيين فضائل أحد أبناء عمومة الخليفة عمر بن الخطاب، كما اختلقوا مئات الأحاديث والروايات في بيان الفضائل للخلفاء وقبائلهم، وما أرى دافعاً وداعياً لاختلاق مثل هذه الروايات غير التعصب القبلي المفرط، ومما يؤيد رأينا إنه لم يرو هذا الحديث أحد سوى عبد الله بن عمر، ونوفل بن هشام بن سعد وهذا الآخر هو حفيد زيد بن عمرو بن نفيل(108) اهـ المراد نقله من كلام النجمي، وفي رأينا أن عرضَ كلامه يكفي في رَدِّه، لأنه لا يعدو أن يكون تَخرُّصًا ورجمًا بالغيب، واتّهامًا لا يقوم على شبهة دليل، وكلٌّ قادرٌ على أن يسلكَ هذه الطرق المُلتويةِ في الوصول إلى مُراده، ومثلُ هذه الأساليب تُوسّع الطريق أمامَ أعداء الدين للوُلوج من خلالها إلى إبطال ما شاءوا إبطالَه مِن نصوص الشريعة، «وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا
يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»(109)
ولو قيل بأن هذا التّخرُّص وأمثالَه مِن التقوّل والتجنّي لا يَصدرُ إلا ممن تشبّع قلبُه بالحقد على خيرِ القرون، الذين شرّفهم الله بصحبة نبيّه صلى الله عليه وسلم، لما أبعدَ القائل، ولا استُبعِد القولُ، وكيف يُستبعد مثل هذا الاحتمال ونحن نرى كمّيةَ الكذبِ والافتراءات التي تُنسب لصحابةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتتداول في كثيرٍ من الكتب - القَديمةِ منها والحديثة -، والتي لا تؤدّي إلا إلى غايةٍ قبيحةٍ غايةَ القُبح؛ ألا وهي: توسيع الفجوة بين المسلمين في كلّ مكان وزمان، وشحن القلوب بالعداء المستحكِم لسائر المسلمين، ابتداءً من خير القرون إلى زمانِنا هذا، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم.
أقوال أهل العلم:
ولا بد هنا من الإِشارةِ إلى حُسن طريقةِ أهل العلمِ في التعامل مع هذا الحديث، فهُم مع اختلافِهم في مواقِفهم مِن دلالاته، إلا أن أحدًا منهم لم يشدِّد النّكير على الآخَر، بل وسِع كلٌّ منهم الآخر، ولم يتطرّق أحدٌ منهم إلى تبديعِ الآخر أو تجهيله، أو تفسيقه، فضلاً عن تكذيبِه أو تكفيره، وعند الرجوع إلى أقوالِهم، نرى أنه يمكن حصرُها ابتداءً في ثلاثةِ أقوال:
الأول: مَن نفى أكلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم من الذّبيحة.
الثاني: من قال بأكل النبيِّ صلى الله عليه وسلم مَن الذّبيحةِ.
الثالث: من أشكلت عليه ألفاظُ الحديث، ورأى في تعارضها
اضطرابًا لا يُوصل إلى معنى صحيحٍ.
هذا عرضٌ مجملٌ لمواقفِهم، والآن إلى ذكر ذلك بالتفصيلِ:
* الأول: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يأكل ممّا ذُبح على النُّصب:
ذكر هذا غيرُ واحد من العلماء منهم السهيليُّ، حيث قال بعد أن ذكر الحديثَ: وفيه سؤال؛ يقال: كيف وفّقَ الله زيدًا إلى ترك أَكلِ ما ذُبح على النُّصب وما لم يذكر اسم الله عليه، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم كان أولى بهذه الفضيلةِ في الجاهليةِ لما ثبت الله له؟ فالجواب من وجهين أحدهما: أنه ليس في الحديث «حين لقيه ببلدح فقدِّمت إليه السّفرة» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل منها، وإنما في الحديثِ أن زيدًا قال حين قُدّمت السفرة: «لا آكلُ مما لم يذكر اسم الله عليه»(110) .
وقال الكِرماني: جَعْلُه في سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدلُّ على أنه كان يأكلُه، وكم من شَيءٍ يُوضع في سُفرة المُسافر مما لا يأكلُه هو؛ بل يأكلُه من معه، وإنما لم يَنْه الرسولُ صلى الله عليه وسلم مَن معه مِن أكلِه لأنه لم يُوحَ إليه بعدُ، ولم يُؤمر بتبليغ شيءٍ تحليلًا وتحريمًا(111) .
وكان ابنُ بطال قد قال بهذا القول، وعدّ الخلافَ الواقعَ بين الروايتين مُظهرًا للترتيب الواقع في تلك الحادثة، موفّقًا بين الروايتين بأن تقديم السُّفرة كان أولًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأبى
ذلك، ثم قدّمها بدوره إلى زيد بن عمرو فأبى أيضًا ذلك، معلّلًا ذلك بما جاء في روايات الحديث، قائلًا: فالسُّفرة إنما قدَّمتها قريشٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكلَ منها، فقدَّمها النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى زيد، فأبى أن يأكلَ منها، ثم قال لقريشٍ الذين قدّموها إلى النبيِّ: (أنا لا آكلُ مما تذبحون على أنصابِكم)، ولم يكن زيدٌ في الجاهلية بأفضلَ من النبيِّ، فحين امتنع زيدٌ فالنبيُّ الذى كان حباه الله لوحيه واختاره ليكون خاتمَ النبيين وسيّدَ المرسلين أولى بالامتناعِ منها في الجاهلية أيضًا(112)
وهذا الوجه هو الذي ذكره ابنُ الملقّن، ولم يذكر غيرَه، حيث قال رحمه الله: فالسُّفرةُ إنما قدّمتها قريش لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكلَ منها، فقدَّمها عليه السلام إلى زيدٍ فأبى أن يأكل منها، ثم قال لقريش الذين قدّموها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لا آكل ممّا تذبحون على أنصابِكم.
ثم تابع ابنُ الملقّن قائلًا: ولم يك زيدٌ في الجاهلية بأفضلَ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحين امتنع زيد فهو عليه السلام الذي كان حباه الله لوحيه واختاره أن يكون خاتم النبيين؛ أولى من الامتناعِ منها في الجاهلية أيضًا(113) .
وقد تعقّب الحافظُ ابن حجر ما جاء في كلام ابن بطال السابق(114) فقال رحمه الله: وما قاله محتمَلٌ، لكن لا أدري من أين له الجزمُ بذلك، فإني
لم أقف عليه في رواية أحدِ، وقد تَبعه بنُ المنير في ذلك، وفيه ما فيه(115)
قلت: وتعبيرُ الحافظ رحمه الله دقيق في كونِه لم يقف على هذا التّرتيبِ في رواية أحدٍ، والظاهر أنّ ابن بطالٍ لم يدّع وجودَ هذا في رواية واحدةٍ لأحد الرواة، وإنما هو جمعُ ما جاء في الروايتين، واستحسانُ ابن المنيّر لتوجيهِ ابن بطال، وقولُ ابن الملقّن بمثل قولِه يزيدُ مِن قوّة هذا القولِ، رحم الله علماءَ المسلمين.
* الثاني: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أكل منها:
وأصحابُ هذا القول منهم مَن ذكره مُطلقًا دون تقييد، ومنهم مَن ذكره وقامَ بتوجيهه توجيهًا يراه مناسبًا لمقام النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فممّن أطلق القولَ بأكل النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن هذه الذبيحة: الحافظ ابنُ عبد البر رحمه الله، حيث قال: ومرَّ - أي زيد بن عمرو - بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ومعه أبو سفيان بنُ الحارث(116) يأكلان مِن سفرةٍ لهما، فدعواه إلى الغداء، فقال: يا ابنَ أخي، إني لا آكلُ مما ذُبح على النُّصب. قال: فما رُئِي النبي صلى الله عليه وسلم مِن يومه ذلك يأكلُ مما ذُبح على النُّصب حتى بُعث صلى الله عليه وسلم(117) .
وقد بناه الحافظُ ابنُ عبد البر على روايةِ سعيد بن زيد لهذا الخبرِ، وقد مرّ معنا عدمُ صحّة إسناده.
وأما من أثبت أكلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم منها، مع توجيهِ ما جاء في الخبر، فيمكن تقسيمُه بهذه الطريقة:
أ - كانت الذبيحة للنُّصب ولم يكن التحريم قد ورد بشأن ذلك:
وأصحابُ هذا القول ذهبوا إلى أنه إن ثبت أكلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم منها، فلا مؤاخذةَ على هذا الفعل، لأنّ الشرع لم يكن قد نزل بعدُ بتحريم ذلك، وفي هذا يقول السّهيليُّ: الجوابُ الثاني(118) أن زيدًا إنما فعلَ ذلك برأيٍ رآه لا بشرعٍ متقدّمٍ(119) وإنما تقدّم شرعُ إبراهيم بتحريم الميتةِ لا بتحريم ما ذُبح لغيرِ الله، وإنما نزل تحريمُ ذلك في الإسلام(120) وبعضُ الأصوليين يقولون: (الأشياءُ قبلَ ورود الشّرع على
الإباحةِ) فإن قلنا بهذا، وقلنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكلُ مما ذبح على النُّصب فإنما فعل أمرًا مباحًا، وإن كان لا يأكلُ منها فلا إشكال، وإن قلنا أيضًا: إنها ليست على الإباحةِ ولا على التّحريم وهو الصحيح؛ فالذبائحُ خاصةً لها أصلٌ في تحليلِ الشرع المتقدِّم كالشاةِ والبَعيرِ، ونحوِ ذلك مما أحلّه الله تعالى في دين مَن كان قبلنا، ولم يقدح في ذلك التحليلِ المتقدّم ما ابتدعوه حتى جاء الإسلامُ وأنزل الله سبحانه {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، ألا ترى كيف بقيتْ ذبائحُ أهلِ الكتاب عندنا على أصلِ التّحليلِ بالشّرع المتقدّم، ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصلبان، فكذلك كان ما ذبحَه أهلُ الأوثانِ مُحَللًّا بالشرع المتقدِّم حتى خصّه القرآن بالتحريم(121)
ب - كانت الذبيحة على النُّصب، وليس النُّصب محرّمًا لذاته:
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في سياقِ ذِكرِه ما قيل مِن توجيهاتٍ لهذا الحديث: فإن فرَّعنا على القول الآخر؛ فالجوابُ عن قولِه «ذبحنا شاةً على بعضِ الأنْصابِ»
يعني الحجارةَ التي ليست بأصنامٍ ولا معبودةٍ، وإنما هي مِن آلات الجزّارِ التي يَذبحُ عليها، لأن النُّصُب في الأصلِ حَجرٌ كبيرٌ، فمنها ما يكونُ عندهم مِن جُملة الأصنام فيذبحونَ له؛ وعلى اسمِه، ومنها ما لا يُعبد بل يكونُ مِن آلات الذّبح، فيَذبحُ الذّابحُ عليه لا للصّنم(122)
ت - لم تكن قد ذُبحت على النُّصب، وإنما ذُبحت للطعام:
ومن أصحابِ هذا القول مَن ذهبوا إلى أن الذّبيحة أصلًا لم تكن قد ذُبحت من أجل الأصنامِ، وإنما ذُبحتْ مِن أجلِ الطّعام، وأن مشاركَتهم فيما يَطعمون ما دام لم يُذبح لأجل آلهتهم لا ضيرَ فيه، بل، لا استغناءَ عنه لِمنْ كان في زمانِهم ومكانِهم، وفي هذا يقول الإمام الخطابيُّ: امتناعُ زيدِ بن عمرو من أكلِ ما في السُّفرة؛ إنما كان مِن أجل خوفِه أن يكون اللّحمُ الذي فيها مما ذُبح على الأنصابِ، فتنزّه مِن أكله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكلُ مِن ذبائحهم التي كانوا يذبحونَها لأصنامِهم، فأمّا ذبائحُهم لمأكلتِهم فإنا لم نجدْ في شيءٍ من الأخبارِ أنه كان يتنزّه منها، ولأنّه كان لا يرى الذكاة واقعةً إلا بفعلهم قبل نزولِ الوحي عليه وقبل تحريمِ ذبائحِ أهل الشّرك، فقد كان بين ظَهرانيهم مقيمًا مَعهم، ولم يُذكر أنه كان يتميَّز عنهم إلّا في أكلِ الميتة.
ثم ذكر الخطّابيُّ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان قد أنكحَ ابنتَه زينبَ لأبي العاص بنِ الربيع، وهو مشركٌ، وبقيت عنده بعدِ هجرة النّبي صلى الله عليه وسلم مدّةً طويلة إلى أن لحِقت به صلى الله عليه
وسلم بعد ذلك، وأن الأمرَ كان على الحِلّ حتى نزل قوله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]، إلى أن قال الخطّابيُّ: فكان أمرُ الطعام قبل وقوعِ تحريم ذبائح أهلِ الشرك على وتيرةِ أمرِ المَناكح في الإِباحةِ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يَتنزَّه في أمرِ طعامِه وشرابِه عن كل خبيثٍ مِن الأطعمةِ، وذي ضيرِ، أو ذي رائحةٍ كريهةٍ، وعمّا ليس منها بطيِّبٍ في نفسِه في مخرج كَسْبِه(123)
وقد استحسن الحافظُ ابن حجرٍ ما جاء في توجيه الخطابي، فقال بعد أن نقل أهمّ ما جاء فيه: وهذا الجوابُ أولى مما ارتكبَهُ ابنُ بطال، وعلى تقديرِ أن يكونَ زيدُ بنُ حارثة ذبحَ على الحجرِ المذكورة؛ فإنما يُحمل على أنّه إنما ذَبح عليه لغير الأصنام، وأما قوله تعالى {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3]، فالمرادُ به ما ذُبح عليها للأصنام(124) .
ولشيخِ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلامٌ قريب من كلامِ الخطّابي يقرّر فيه جوازَ أكلِ النّبي صلى الله عليه وسلم مِن ذبائحِ أهلِ زمانه، ما دام لم تُذبح لأصنامهم، حيث قال رحمه الله في سياق كلامٍ له طويل في بيان حال الأنبياء عليهم السلام قبل بِعثتهم: فقال قومٌ: لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم على دينِ قومِه، ولم يأكلْ ذبائَحَهم، وهذا هو المنقولُ عن أحمد بن حنبل، قال - أي أحمد -: مَن زعم أنه كان على دينِ قومه فهو قولُ سوءٍ، أليس كان لا يأكل مما ذُبحَ على النُّصُب؟
ثم عقّب شيخ الإسلام قائلًا: ولعلّ أحمدَ قال: أليس كان لا يَعبُدُ الأصنامَ؟ فغلِط الناقلُ عنه، فإن هذا قد جاء في الآثار أنه كان لا يعبدُ الأصنام، وأما كونُه لا يأكل مِن ذبائحهم فهذا لا يُعلم أنه جاء به أثرٌ، وأحمدُ من أعلم الناس بالآثار، فكيف يُطلِق قولاً عن المنقولات لم يرد به نقلٌ؟ ولكن؛ قد يَشتبه بهذا وشركٌ حرمه من حين أرسل، وأما تحريمُ ما ذبح على النُّصب فإنما ذُكر في سورة المائدة، وقد ذُكر في السور المكية كالأنعامِ والنّحل تحريمُ ما أُهِلّ به لغيرِ الله.
فتحريمُ هذا إنما عُرف من القرآن، وقبل نزولِ القرآن لم يكن يعرفُ تحريمُ هذا بخلاف الشّرك، وقد كان هو وأصحابُه مقيمين بمكةَ يأكلون مِن ذبائِحهم، لكن فرقٌ بين ما ذبحوهُ للّحم وما ذبحوه للنُّصب على جهةِ القُربة للأوثانِ، فهذا مِن جنس الشرك لا يُباح قطُّ في شريعةٍ، وهو مِن جنس عِبادة الأوثان، وأما ذبائح المشركين فقد تردُ الشريعةُ بحلِّها كما كانوا يَتزوّجون مِن المُشركات أولاً(125) .
* الثالث: الإشارة إلى اضطرابٍ وقع في ألفاظ الحديث:
ما وقع من اختلاف في روايتي البخاري، حيث جاء التصريح في إحداهما بأن الذي قدّم السُّفرة هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، قدّمها لزيد بن عمرو بن نفيل، بينما أُبهم المقدّم في الرواية الأخرى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقدَّمَ له، أوقع إيهامًا عند بعض أهلِ العلم، جعلهم لا يرجّحون وجهًا من وُجوه توجيه الحديث، وفي هذا يقول الكشميري: وفيها إيهامٌ شديدٌ لخلاف المراد، فإنها تدلُّ على جواز أكلِه عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعدمِ جوازه عند زيد بن نفيل، ولذا أبى أن يأكلَه، وتكلَّم عليه القاضي بدر الدين أبو عبد الله الشبلي في «آكام المرجان»، وأخرج طرقَه، فراجعْها تنفعك في هذا المقام، وإياك؛ وما ذكره الحافظُ ههنا(126) .
وقد عرض غير واحدٍ من أئمة الإسلام إلى مسألةِ الأكل مِن ذبائح غيرِ المسلمين، ونقل أقوالَ الفقهاء فيها - خاصة المتقدّمين منهم -، بحيثُ لا يملك النّاظرُ فيها إلا أن يُسلّمَ لهم بسعةِ الأُفق، والتمرّسِ في الفقه، وحُسن فهمِ مُرادات الشّارع الحكيم، وسَعة الصّدر في التعامل مع المخالف، وتمام الإنصافِ في إنزال المسائلِ منازلها، مِن غيرِ إفراطٍ ولا تفريطٍ، ومِن هؤلاء الكبار: الإمامُ إبراهيم الحربيِّ رحمه الله الذي ذكر ما يمكن به توجيه أحاديث الباب، ثم ختمَ قائلًا: وبعدُ: فإنّ الفقهاء مّن الصحابةِ والتابعين مختلفون فيما ذُبح لصنمٍ أو كنيسةٍ، فرخَّص فيه قومٌ إذا كانت الذكاةُ وقعت موقعَها، ولم يلتفتوا إلى ما أضْمرَهُ الذّابحُ، فرخّص أبو الدرداء وأبو العرباض وعبادةُ، وجماعةٌ من التابعين، وكَرهَهُ ابنُ عمر، وعائشةُ، وجماعةٌ مِن التابعين، وكراهةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصوبُ وأحسنُ مِن غير طعنٍ على مَن رخَّص ولا مُخَطِّئِهِ(127) . اهـ.
وقد نقل مثلَ هذا الخلاف بأوسع منه(128) العلّامة ابن الملقّن، فقال رحمه الله: ومعنى (أُهِلَّ لغيرِ اللهِ بِه): ذُكر عليه غيرُ اسمِ الله من أسماءِ الأوثانِ التي كانوا يعبدونَها، وكذا المسيح وكلّ اسمٍ سوى الله، فالمعنى ما ذُبح للآلهة وللأوثانَ فسُمِّيَ عليه غيرُ اسمِ الله، واختلف الفقهاءُ في ذلك؛ فكره عمرُ وابنُه وعليٌّ
وعائشةُ ما أُهِلّ به لغيرِ الله، وعن النَّخعيِّ والحَسن مثلُه، وهو قول الثوريِّ، وكره مالكٌ ذبائحَ النصارى لكنائسهِم وأعيادِهم؛ وقال: لا يُؤكلُ ما سُمِّيَ عليه المسيح. وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كرههُ مالكٌ من غيرِ تحريم. وقال أبو حنيفة: لا يؤكلُ ما سُمِّي المسيحُ عليه. وقال الشافعيُّ: لا يَحلُّ ما ذُبَح لغيرِ الله، ولا ما ذُبِح للأصنام. ورخص في ذلك آخرون؛ رُوي ذلك عن عبادَة بنِ الصامت، وأبي الدَّرداء، وأبي أُمامة، وقال عطاءٌ والشعبيُّ: قد أَحلَّ اللهُ ما أُهِلَّ به لغيرِ الله؛ لأَنَّه قد علمَ أنهم سيقولون هذا القولَ وأحل ذبائحهم.
وذهب الليثُ وفقهاءُ أهلِ الشّام، مكحولٌ وسعيدُ بنُ عبد العزيز والأوزاعيُّ قالوا: سواءٌ سمَّى المسيحَ على ذبيحتِه، أو ذبحَ لعبدٍ أو كنيسةٍ، كلُّ ذلك حلال؛ لأنه كتابيٌّ ذبحَ لدينِه، وكانت هذه ذبائِحُهم قبلَ نزولِ القرآن، وأَحلَّه الله تعالى في كتابه(129) .
وأختمُ بذكرِ ما ختم به الإمامُ الذهبي تعليقَه على حديثِ الباب، حيث ذكر روايةَ امتناع النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن الأكل ممّا ذُبح على النُّصب بعد أن تبيّن له ذلك، ثم علّق قائلًا: فهذا اللّفظ مليحٌ، يُفَسّر ما قبلَه، وما زال المصطفى محفوظًا محروسًا قَبلَ الوحي وبَعدَه، ولو احتمل جوازُ ذلك، فبالضّرورةِ نَدري أنه كان يأكلُ مِن ذبائح قريشٍ قبلَ الوحي، وكان ذلك على الإباحةِ، وإنما تُوصف ذبائحُهم بالتّحريم بعد نزول الآية، كما أن الخَمرة كانت على الإباحةِ
إلى أن نزلَ تحريمُها بالمدينة بعدَ يومِ أُحُدٍ.
والذي لا ريب فيه أنه كان معصومًا قبل الوحيِ وبعدَه وقبلَ التشريعِ من الزنى قطعًا، ومن الخيانةِ، والغدرِ، والكذبِ، والسُّكرِ، والسُّجود لوثنٍ، والاستقسامِ بالأزلامِ، ومِن الرذائلِ، والسّفهِ، وبذاءِ اللسانِ، وكشفِ العورةِ، فلم يكن يطوفُ عُريانًا، ولا كان يقفُ يومَ عرفةَ مع قومِه بمُزدلفة، بل كان يقفُ بعرفة.
وبكل حالٍ، لو بدا منه شيءٌ من ذلك، لما كان عليه تَبِعَةٌ، لأنه كان لا يَعرفُ، ولكن رُتبةُ الكَمال تأبى وقوعَ ذلك منه صلى الله عليه وسلم تسليمًا(130) . اهـ كلام الذهبيُّ رحمه الله وهو جامعٌ كافٍ وافٍ في معناه.
والحمد لله رب العالمين.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه
جاءت تبويبات أئمةِ الإسلام على هذا الحديث بما يلي:
أما البخاري فقد بوّب له مرّة بقوله: حديث زيد بن عمرو بن نفيل(131) .
وبوّب مرّة أخرى بقوله: باب ما ذُبح على النُّصب والأصنام(132) .
وبوّب النسائي له بقوله: زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه(133) .
وأما ابن حبان، فقد بوّب له قائلًا: ذكرُ الخبر الدالّ على أن الجُبْن الذي أكلَه المصطفى صلى الله عليه وسلم كان مِن عملِ المُسلمين(134) .
وبوّب له البيهقي بقوله: باب ما ذُبح لغير الله(135) .
وبوّب له في دلائل النبوّة قائلًا: ذِكرُ حديث زيد بن عمرو بن نفيل وورقةَ بن نوفل، وما في حديثهما من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم(136) .
الفوائد:
فيه قوةُ يقظةِ زيدِ بن عمرو بنِ نفيل وجودة فهمه(137) . دلالة العقل والفهم السديد على وجود الخالق سبحانه وتعالى، واستحالة الشريكِ والندّ في حقّه(138) . خُصّ الْغَضَب باليهود واللعنة بالنصارى؛ لأن الْغَضَب أردى من اللَّعْنَة، فكان الْيَهُود أَحَق به لأَنهم أَشد عَدَاوَةً لأهل الحق(139) .
الحديث الثاني: حديث بدء الوحي
المطلب الأول : ذكر الحديث. المطلب الثاني: تخريج الحديث. المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث. المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
المطلب الأول: ذكر الحديث
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} [العلق: 1] حَتَّى بَلَغَ {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5]»(140) «فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ: «يَا خَدِيجَةُ، مَا لِي» وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، وَقَالَ: «قَدْ
خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ لَهُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، فَيَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ» فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فِيمَا بَلَغَنَا، حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]: «ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ».
المطلب الثاني: تخريج الحديث
مدارُ هذا الحديث على الإمامِ الزُّهريِّ الذي يَرويهِ عِن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، الرّاوي له عن عائِشة رضي الله عنها، وقد رواه عن الزهري كلٌّ من:
عُقيلٍ، ويونُسَ، ومَعْمرٍ، ومحمدِ بنِ إسحاق، وصالحِ بن ابي الأخْضر، والنُّعمان بنِ راشدِ.
وتفصيلُ هذه الطُّرق كما يلي:
* طريقُ عُقيلٍ عن الزُّهريِّ:
رواها كلٌّ من: أحمد (25865) عن حَجّاج:
والبخاريِّ (3) (4955) عن يحيى بن بكير:
والبخاري أيضًا (3392) (4957) (4653) عن عبدِ الله بنِ بوسف:
ثلاثتُهم (حَجاجٌ، ويحيى وعبدُ الله بنُ يوسفَ) عن اللَّيثِ.
ونصّه: قال: يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق: 2]» فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا
تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ؟ واللفظ للبخاري.
مع الإشارةِ إلى أنّ البخاريَّ عَلَّقه مَرّةً عن اللّيثِ (4956)، قارنًا هذا التّعليقَ بِما أسنَدَه مِن حديثِ مَعْمرٍ عن الزُّهري، وسيأتي.
* طريقُ يونُس بنِ يزيدَ عن الزُّهريِّ:
رواها كلٌّ مِن: البخاريِّ (4953) عن سعيدِ بنِ مَروان عن مُحمّدِ بنِ عبدِ العزيزِ عن أبي صالح سلمويه عن عبدِ الله - وهو ابن المبارك -:
ورواه مسلمٌ (252) عن أحمدَ بن عمرو:
وأبو عوانة (328) عن يونُس بنِ عبدِ الأعْلى:
كلاهما (أحمدُ بن عمرو ويونس بنُ عبد الأعلى) عن ابنِ وهبٍ.
وابنُ وهب وابنُ المُبارك كلاهُما عن يونسَ عن الزُّهريِّ.
ونصّه: عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ
مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ قَالَ: وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ المَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: 2] الآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [العلق: 5]» فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، فَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، قَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا، أَبْشِرْ فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا
تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا، ذَكَرَ حَرْفًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا أُوذِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً، حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
واللفظ للبخاري.
* طريقُ مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ:
رواه عبدُ الرزاق (9719)، ومِن طريقِه كلٌّ من:
أحمد (25959) وإسحاق (840):
ورواهُ البخاريُّ (4956 - مختصرًا) و(6982 - مطوّلًا) عن عبدِ الله بنِ مُحمّد:
ورواه ابنُ حبّان عن محمدِ بن الحسن بن قُتيبة عن ابنِ أَبي السَّريِّ:
أربعتهُم (أحمدُ وإسحاقُ وعبدُ الله بنُ محمد وابنُ أبي السَّرِي) عن عبدِ الرّزاق عن معمر به.
ونَصُّه هو المذكورُ في بِدايةِ هذا الحديثِ، وفيه ذِكْرُ هَمِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالتَّردِّي مِن شواهقِ الجِبالِ، وأخرجّهُ بطولِه بهذِه الزِّيادة: أحمدُ وإسحاقُ
والبخاريُّ في هذا الموطنِ وابنُ حبّان.
وعندهم جميعُهم جاء قولُ الرّاوي (فيما بَلَغَنا) قبل ذِكرِ هَمِّه صلى الله عليه وسلم بالتّردّي من شَواهقِ الجِبالِ.
وقد رواه عن معمرٍ أيضًا: عبدُ الله بنُ معاذٍ، أخرج روايتَه: الأزرقيُّ في أخبارِ مَكّة (2/204) عن مهديِّ بن أبي مهديٍّ عنه.
وأخرجه أيضًا: ابنُ أبي عاصم في الآحاد والمّثاني (3002) عن يعقوبَ بنِ حُمَيدٍ عَنه.
وروايةُ عبدِ الله بنِ معاذ مُخْتصرةٌ مقتصرةٌ على ما جرى في الغارِّ مِن تَعليم جبريلَ عليه السلام لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم فواتِحَ سورةِ العَلَقِ.
* من طريق محمدِ بنِ إسحاقَ عن الزُّهريِّ:
رواه مِن هذه الطّريقِ: التّرمذيُّ في سُنَنِهِ (3632)، فقال: حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ أَرَادَ اللهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ العِبَادِ بِهِ أَنْ لَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ، فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ، وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلْوَةُ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ».
ثم قال الترمذيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ».
* من طريقِ صالحِ بن أبي الأخضر عن الزُّهري:
الطيالسي (1570) (1572)، ومن طريقه: الآجري في الشريعة (968)، ونصُّه قولُ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَارِ حِرَاءٍ، انْتَهَى إِلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزُمِّلَ، ثُمَّ قَالَ: «يَا خَدِيجَةُ وَاللهِ لَقَدْ أَشْفَقْتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَبْشِرْ فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَصِلَ الرَّحِمَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلِقْ فَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى وَرَقَةَ، وَكَانَ شَيْخًا أَعْمَى، يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، فَقَالَتْ: أَيِ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مَا يَقُولُ ابْنُ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: مَاذَا تَقُولُ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: هُوَ وَاللهِ النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى فَلَيْتَنِي حَيًّا يَوْمَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَأَنْصُرَكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا قَالَ: «وَمُخْرِجِيَّ قَوْمِي؟» قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَأُوذِيَ، فَلَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا.
وفي رواية الطيالسيِّ الأُخرى: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ، لَا يَرَى فِي مَنَامِهِ رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَمْكُثُ الْأَيَّامَ فِي غَارِ حِرَاءَ يَتَعَبَّدُ حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ يَوْمًا وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ».
* من طريقِ النُّعمان بنِ راشدٍ الجَزَريِّ عن الزُّهريِّ:
أخرجه ابنُ أبي عاصم في الآحاد والمَثانيِّ (603) عن المُقَدّمي عن وهبِ بنِ جريرٍ عن أبِيه عن النُّعمانِ بِه.
ونصّه عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: فَانْطَلَقَتْ خَدِيجَةُ رضي الله عنها، إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، فَقَالَتِ: اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى لَيْتَنِي أَكُونُ فِيهَا جَذَعًا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ» قُلْتُ: وَمُخْرِجُوهُ هُمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ رَجُلٌ بِمِثْلِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، إِلَّا وَأُوذِيَ وَعُودِيَ إِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا».
وقد روي من غير طريقِ عروةَ عن عائشةَ رضي الله عنها، رواه يزيدُ بنُ بَابنوس عنها، وأخرج هذه الرواية: الحارثُ بنُ أبي أُسامة (928 زوائد) عن حمّاد بنِ سلمةَ عن أبي عِمرانَ الجَوْنِيِّ عنه، ونصُّ روايته: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، ثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا هُوَ وَخَدِيجَةُ بِحِرَاءَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَسَمِعَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ قَالَ: «فَظَنَنْتُهَا فَجْأَةَ الْجِنِّ، فَجِئْتُ مُسْرِعًا حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ فَسَجَّتْنِي ثَوْبًا وَقَالَتْ: مَا شَأْنُكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللهِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَظَنَنْتُهَا فَجْأَةَ الْجِنِّ، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ يَا ابْنَ عَبْدِ اللهِ، فَإِنَّ السَّلَامَ
خَيْرٌ»، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى الشَّمْسِ جُنَاحٌ لَهُ بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ لَهُ بِالْمَغْرِبِ»، قَالَ: «فَجَفُلْتُ مِنْهُ، فَجِئْتُ مُسْرِعًا، فَإِذَا هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَابِ، فَكَلَّمَنِي حَتَّى أَنِسْتُ بِهِ، ثُمَّ أَوْعَدَنِي مَوْعِدًا، فَجِئْتُ إِلَيْهِ فَأَبْطَأَ عَلَيَّ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ، فَإِذَا أَنَا بِهِ وَبِمِيكَائِيلَ قَدْ سَدَّا الْأُفُقَ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ، فَبَقِيَ جِبْرِيلُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَخَذَنِي جِبْرِيلُ فَسَلَقَنِي بِحَلَاوَةِ الْقَفَا، ثُمَّ شَقَّ عَنْ قَلْبِي فَاسْتَخْرَجَهُ، ثُمَّ اسْتَخْرَجَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْتَخْرِجَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَكْفَأَنِي كَمَا يُكْفَأُ الْأَدِيمُ أَوِ الْآنِيَةُ، ثُمَّ خَتَمَ فِي ظَهْرِي حَتَّى وَجَدْتُ مَسَّ الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا قَرَأْتُ كِتَابًا قَطُّ، فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقْرَأُ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ مَا أَقْرَأُ؟ فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق: 2] حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى خَمْسِ آيَاتٍ مِنْهَا، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ، ثُمَّ وَزَنَنِي بِرَجُلٍ فَوَزَنْتُهُ، ثُمَّ وَزَنَنِي بِآخَرَ فَوَزَنْتُهُ حَتَّى وُزِنَتْ بِمِائَةِ رَجُلٍ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ مِنْ فَوْقِهِ: أُمَّةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ فَجَعَلْتُ لَا يَلْقَانِي حَجَرٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَتِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ».
وهذه الطريقُ لا تصحُّ بحالٍ، لحالِ راوِيها داودَ بنِ المُحبَّر، الذي قد وُصف بأقذْعِ الأوْصافِ، حيث جاء في وَصفِه أنّه متروكٌ يضعُ
ومع ذا، فقد نُقل عن يحيى بن معين توثيقُه له، حيث قال في روايةِ الدُّوريِّ عنْه: داودُ بنُ مُحبّر ليس بِكذابٍ، وقد كتبتُ عن أبيِهِ المُحبّر بنِ قَحذم، وكان داودُ ثقةً ولكنه جَفا الحديثَ، ثم حدَّث(143) .
إلا أنّ الناظرَ في هذا التوثيقِ، يجده مقيّدًا في فَترةٍ مُبكّرةٍ مِن رواية داودَ، لأنّ ابنِ معينٍ أتبع ذلك ببيانِ جفاءِ داودَ للحديثِ، ثم عودتِه للتّحديثِ بعدَ ذلك، ممّا يُشير إلى عدمِ ضَبطِهِ لمَروِياتِه السّابقَة، ممّا جَعله عُرضةً للجَرحِ الواقعيِّ الواقع مِن النُّقاد له، وقد فَصَّل يحيى بنُ معينٍ أكثرَ في بيانِ سُوءِ ما آلَ إليه حالُه في الرّواية، فقال رحمه الله: داودُ بنُ المُحبّر ليسَ بكذّابٍ، ولكنّه كان رجلًا قد سَمِع الحديثَ بالبَصرَةِ، ثم صار إلى عِبادان، فصارَ مع الصُّوفيّةِ يعملُ الخُوص والأَسْل، فنسيَ الحديثَ وجَفاهُ، ثم قَدِم بغدادَ، فجاءَه أصحابُ الحديثِ، فجعل يُخْطئُ في الحَديثِ؛ لأنّه لم يُجالسْ أصْحابَ الحَديثِ، ولكنّه كان في نَفْسِه ليس يَكذِبُ(144) .
قلتُ: وهذا التفصيلُ من يحيى بن معينٍ يقضي على توثيقه السابقِ له، وتبنّيه عدم نسبَتِه للكذبِ؛ لم يُتابَع عليه من كبيرِ أحدٍ، لأن النّاظر في ترجمةِ داودَ يرى مخالفةَ النُّقادَ لذلك، كونِهم لم يقفوا عندَ تضعيفِه
بل نسبُوه إلى وضعِ الحديث كما سبقت الإشارة له، ولوضوحِ سوء حالِه قال الخطيبُ البغداديُّ رحمه الله بعد نقله لبعض ما قاله يحيى بن معينٍ في داود: حالُ داود ظاهرةٌ في كَوْنِه غيرَ ثِقةٍ، ولو لمْ يكنْ لَه غيرُ وَضعِه كتابَ العَقلِ بِأسْرِه لكانَ دليلًا كافيًا على ما ذكرتُه(145)
وسوءُ حال داود أدَّت إلى طرحِ حديثِه بالكامِل، فلا يُعتبر بِحديثِه فَضلًا عن أنْ يُحْتجَّ بِه، حتى مَع عَدمِ مُخالفَتِه لأحدٍ، كما نصَّ على ذلك الإمامُ الدارقطني(146) -، فكيف في روايَتِه هذهِ التي خالفَ فيها الأئمةَ الجَبالَ الثِّقات في رواياتِهم؟!
ثُمّ إنّ الحديث فضلًا عمّا سَبق في بيانِ وَهاءِ إسنادِه، فإنّ مَتْنَهُ كذلك في غايةِ النّكارةِ، وهذا ذِكرٌ لأهمّ ما جاء في حديثِه هذا من مناكيرٍ:
1 - فيه: مشاركةُ خديجةَ رضي الله عنها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الاعتكافِ في غارِ حِراء، وهذا لا يُعرفُ في غيرِ هذا الخَبرِ.
2 - فيه: أنّه صلى الله عليه وسلم سَمِعَ صوتَ جِبريلَ عليه السلام خارجَ حِراءٍ، مع أنّ المشهور أنّ ابتداءَ ظهورِه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الغارِ.
3 فيه: أنّ طمْأنةَ خديجةَ رضي الله عنها للنبيّ صلى الله عليه وسلم كانت في الغارِ، وهذا يخالفُ السّياقَ المَشهورَ في كونِ هذا الأمر إنّما حصل في بَيتِهِ صلى الله عليه وسلم، بَعد إسراعِه في
الرّجوعِ إليه ترجُفُ بوادِرُه يقول: زمّلوني زمّلوني.
4 - فيه رؤيتُه صلى الله عليه وسلم لجِبريلَ عليه السلام مرةً ثانيةً خارجَ الغار، في أولِّ مرّة يلتقيه فيها، وهذا يخالفُ المشهور من كونه صلى الله عليه وسلم رآه مرّة ثانية في وقتٍ آخر؛ من فَتْرَةِ الوَحْيِ، والتي يقول فيها صلى الله عليه وسلم: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ... الحديثَ(147) .
5 - فيه حيلولةُ جِبريلَ عليه السلام بين النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبينَ دخولِهِ الغارَ، والمشهورُ أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان داخلَ الغارِ لما فَجِئَه الوحيُ، ولم يكن خارجَه.
6 - وفيه ضربُ جبريلِ عليه السلام موعدًا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم يأْتِيهِ فيه، وهذا ممّا تفرّدتْ به هذه الرّواية.
7 - وفيه ظهور ميكائيل مع جبريل عليهما السلام أولّ الأمرِ، وهذا شيءٌ لا يُعرَفُ في غير هذه الرّوايةِ.
8 - وفيه أنّ شَقَّ صَدرِه الشريفِ صلى الله عليه وسلم كان في تِلك اللّحظةِ، وهذا يُخالفُ المَشهورَ الصّحيحَ مِن أنّ صدْرَه الشريفَ شُقّ مَرّتين، مَرّةً في صِغَرِه، والأخرى قَبلَ شُروعِه في رِحلَةِ الإسْراءِ والمِعراجِ.
9
وكذا فيما يتعلّقُ بِختْمِه بخاتمِ النُّبوةِ في تلك الحادِثةِ.
10 - وكذا فيما يتعلّقُ بِتعرُّفِ الحَجَرِ والشّجرِ عليه بعدَ تلك الحادِثةِ.
11 - ثم ما جاء في خِتامِه مِن إقرارِ خديجةَ رضي الله عنها للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بالرّسالة قبل أن يُخبرَها هو بذلِك.
والراجحُ أن سببَ وقوعِ هذه المناكيرِ في سِياقِ هذه الروايةِ هو الخَلطُ الواقعُ فيها بينَ عددٍ من الأحاديثِ النّبوية الثّابتةِ عنه صلى الله عليه وسلم، والواقِعةِ في عددٍ مِن المناسباتِ المختَلِفَةِ، كحادثَةِ الإسراءِ والمِعراج، وحادثَةِ نزول الملكينِ: جبريلَ ومَلَكِ الجِبالِ عليهما السلام على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في طريقِ عودَتِه مِن الطّائفِ، وكذا ما جاء في تَسليمِ الحَجر والشّجر عليه في بعض الأحاديث الأخر، وكذا فيما يتعلّق بِخاتمِ النبوّة أيضًا، فجاء هذا الراوي المطعونُ في ضَبطِهِ وعدالتهِ، فساقَها كلَّها مساقًا واحدًا في حديث واحدٍ بهذِه الهيئَةِ المُنْكرةِ، وصنيعُه هذا إما أن يكونَ بسببِ انشغالِه عن الحديثِ وجَفائِه له كما مرّ معنا في تفصيلِ يحيى بنِ معين لحالِه، وإمّا أن يكونَ من أجلِ الإغراب وإبهارِ المُستمعينَ، وكلا الحالين لا يعودُ إلّا بالذمّ على صاحِبِه، والله أعلم.
مع التّنبيهِ إلى أنّ الطيالسيِّ قد روى هذا الحديثَ في مُسندِه (1643) عن حمّاد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن رجلٍ عن عائشة.
وكذا رواه إسحاقُ في مُسندِه (1689) عن النّضرِ بنِ شُميلٍ عن حمّادَ بنِ سلمةَ بِه.
أي أنّ الراوي عن عائشةَ كان مُبهمًا لم يُسمّ، وهذا يعودُ على هذه الطريقِ بالردِّ وعدمِ القَبولِ، ولا يَشفعُ لها طريقُ داودَ بنِ المُحبَّر، لسوءِ حالِه هو وروايَته كما مرّ معنا.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث
الوحيُ(148) : أصلٌ يدلُّ على إِلقاءِ عِلمٍ في إخفاءٍ أو غَيرِه إلى غَيرِك، فالوحيُ: الإِشارةُ والكتابُ والرّسالةُ، وكلّ ما ألقيتَه إلى غيرِك حتى عَلِمَه فهو وحيٌ كيف كانَ، وأوحى اللهُ تعالى وَوَحى، وكل ما في بابِ الوحي فراجعٌ إلى هذا الأصلِ(149) ، والإشارةُ والإيماءُ والكتابةُ تُسمّى وَحيًا(150) .
ويقالُ للكَلمة الإِلهية التي تلقى إلى أَنبيائِه وأوليائِه وحيٌ، وذلك إمّا برسولٍ مُشاهَدٍ تُرى ذاتُه، ويُسمع كلامُه، كتبليغِ جبريلَ في صورةٍ مُعيَّنة، وإمّا بسماعِ كلامٍ مِن غيرِ معاينةٍ كسَماعِ موسى كلامَه تعالى، وإمَّا بإلقاءٍ ما في الرُّوع كحديث
«إن جبريل نفثَ في روعي»(151) وإما بإلهامٍ نحو {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7]، وإما بتسخيرٍ نحو {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، وإما بمنامٍ كما دلّ عليه حديث «انقطع الوحي وبقيت المبشراتُ رؤيا المؤمن(152)(153)
وقيل: أصلُه الإسراعُ، لكونِه يأتي النّبيَّ صلى الله عليه وسلم على عَجَلٍ، فسُمِّيَ وَحيًا، وسُمّيتْ أنواعُ الإلْهاماتِ وَحيًا تشبيهًا بالوَحْيِ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وسُمّيَ الخَطُّ وحيًا لسُرْعَةِ حركةِ يدِ كاتِبِه، ووحيُ الحاجبِ واللَّحظِ: سرعةُ إشارتهما(154) .
الرّؤيا: الرّاءُ والهمزةُ والياءُ أصلٌ يدلُّ على نظرٍ وإبصارٍ؛ بعينٍ أو بَصيرةٍ(155) ورأى في منامِهِ رُؤيا؛ على فُعلى؛ بلا تنوين، وتُجمعُ على رؤىً بالتّنوينِ، مثلُ: رُعىً(156) والرُّؤيا كالرُّؤيةِ، غير أنّها مُختصّةٌ بما
يكون في النّومِ؛ فَرْقًا بينهما كالقُرْبَةِ والقُربى، وهي انطباعُ الصورةِ المُنْحدرةِ مِن أفقِ المخيلة إلى الحِسّ المُشترك، ورأى رؤْيا: اختصّ بالمنام، ورؤْية: بالعينِ، ورؤيا: بالقلبِ(157) والرأيُ: رأيُ القلب، ويُجْمع على الآراءِ(158)
فلق الصبح: الفَلْق أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فُرجةٍ وبينونةٍ في الشيءِ، وعلى تعظيمِ شيءٍ، مِن ذلك: فَلقتُ الشيءَ أفلُقه فَلْقًا. والفلقُ: الصُّبح؛ لأنّ الظلامَ يَنفلِقُ عنه(159) ، وهو أكبَرُ مِن الشَّق، لأنَه يُطلقُ على أمرٍ كبيرٍ، ولهذا قال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، ويقالُ: فَلق الحَبةَ عن السُّنبلةِ، وفلَق النواةَ عن الخلة، ولا يقولون في ذلك شَق(160) ، وقول عائشة رضي الله عنها في الحديث: «مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» يعني: انشقاقَه وبيانَه وخروجَه من الظّلامِ، شبّهها به لبيانِها في إنارتِه وضُوئِه وصِحّته، ويقال: فرَق الصّبح أيضًا بالرّاءِ(161) .
التَحنُّث: الحاءُ والنّون والثاء أصلٌ واحدٌ، وهو الإثِم
والحَرجُ، يقال: حنثَ فلانٌ في كذا(162) ويقالُ: فلانٌ يَتَحَنّثُ أي: يَتعبَّدُ، ومعناه أنه يُلقي الحِنثَ وهو الإثم عن نَفسِهِ بِعبادَتِه(163) وقال ابنُ سِيدَه: هذا عندي على السَّلبِ، كأنّه يَنفي بذلك الحِنثَ الذي هو الإثْمُ عَن نَفسِه، كقوله عز وجل: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]، أي انْفِ الهُجودَ(164) عن عَينَيك، ونظيرُه تَأثّم وتَحوّب، أي نفى الإثمَ والحَوبَ عن نفسه، وقد يجوز أن تكون ثاء يَتحنّث بدلًا من فاءِ يتحنّف(165)
أشهرها على الإطلاق، وهو يقع في شرقي مكة إلى الشمال، فيه الغار الذى كان يتعبّدُ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم(168)
الغطّ: غَطَّهُ يَغطُّه فِي الماءِ غَطًّا: إذا غوّصه فيه(169) ، ومنه: العصرُ الشّديدُ والكَبْسُ(170) ، وقيل: إنّما غَطَّهُ جبريلُ عليه السلام لِيخْتبرَه: هل يقولُ من تِلقاء نَفسِه شيئًا(171) .
الجهد: الجَهد والجُهد: الطاقةُ، وقيل: الجَهد: المشقة، والجُهد: الطاقة(172) ، والجَهد بالفتح لا غير: النّهايةُ والغايةُ(173) .
التزميل: الزاء والميم واللام أصلان: أحدُهما يَدلُّ على حَملِ ثُقلٍ من الأثْقالِ، والآخر صوتٌ(174) ، والتزميلُ: الإخفاءُ، واللّف في الثّوبِ، وتزمّل: تلفّف(175) ، وكلُّ ملفوفٍ فِي ثِيَابٍ فَهُوَ مُزَّمِّل(176) ، ومنه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1]، وأصلُه المُتَزَمِّل، ولكنّ التّاء تُدغمُ في الزّاي لقُربِها مِنها(177) .
الكَلُّ: العِيالُ والثقْلُ. قال الله تعالى: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ} [النحل: 76]، والجمع الكُلولُ، والكَلُّ: اليَتيمُ، والكَلُّ: الذي لا وَلد له ولا والد(178) ، ويُطلق على الواحدِ والجميعِ والذّكرِ والأُنْثى، وقد جمعه بعضُهم (كلولًا)، ومعناه الثّقل، ومَن لا يقدِرُ على شيءٍ؛ كاليتيمِ والعِيال والمُسافر المُعييِّ(179) ، وهذا أصلُه من الكلال، وهو الإِعياء، ثُمّ استُعملَ في كل ضائعٍ وأمرٍ مُثْقل(180) .
القِرى: القاف والراء والحرف المُعتلُّ: أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على جمعٍ واجتماعٍ، مِن ذلك: القَريةُ، سُمّيتْ قريةً لاجتماعِ النّاس فيها، والمِقراة: الجَفنة، سُمّيت لاجتماعِ الضّيفِ عليها، أو لما جُمع فيها مِن طعامٍ(181) ، وقَرَيْتُ الضّيفَ قِرىً وقَراءً: أحسنُتُ إليهِ، إذا كسرتَ القافَ قَصَرت، وإذا فَتحت مَدَدَتَ(182) .
النّاموسُ: للنّمس معانٍ منها: ما يدلُّ على سترِ شيءٍ، ونَمَسَ: قال حديثًا في سِرٍّ وسِترٍ(183) ، والنّاموسُ هو صاحبُ سِرّ الرّجلِ، الذي يُطْلِعُه على باطنِ أمرِهِ؛ ويَخُصُّهُ بما يَسْتُرُه عَن غَيرِه(184) ، وأهلُ الكِتابِ يُسمّون جبريلَ عليه السلام: النّاموس(185) ، وقيل: النّاموسُ: صاحبُ سرّ الخَيرِ، والجاسوسُ: صاحبُ سِرّ الشّرِّ(186) .
مؤزّر: الأَزْرُ: الظَّهرُ، وآزَرَهُ أي: ظَاهرَهُ وعاوَنَهُ على أمرٍ(187) و«نَصرًا مؤزّرًا» أَي بَالغًا(188) شديدًا(189) قيل: كأنّ الألِفَ سَقطَ مِن أمامِ الواوِ، فكان في الأصلِ موازرًا مِن قولِهم: وازَرْتُه، بمعنى: عاونتُه، فأمّا المُؤَزَّر، فالذي أُزِّرَ بالإِزارِ، إلا أن يكون فاعل
المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها
ستكون طريقةُ ردّي على الإشكالاتِ في هذا الحديث: التّسلسلَ مع صاحِبها فيما يورده على الحديث من إيرادات، والإجابةَ عليها واحدًا واحدًا، مرتّبًا سردَها بحسبِ وفاةِ أصحابِها، مكتفِّيًا بذكرِ ما زادَه المتأخّرُ على المتقدّم، متبّعًا الطريقةَ التَسُلْسُلِيّة نفسَها في سِياقِ الإشكالات والإجابةِ عليها بحولِ الله وقُدرتِه، وأبدأُ بالمُظفَّرِ فهو أقدمُهم وفاةً، حيث قال: « وهذا الحديث أحقّ بأن يجعل مسخرة للناظرين لا رواية للراوين! وذلك لأمور:
الأوّل: إنّه كيف يقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مراراً: « ما أنا بقارئ » ويتحمّل المشاقّ، ولم يسأل جبرئيل عمّا يراد قراءته؟! وهل هو من كتاب أو غيره؟! فلعلّ له بأحد الوجوه علماً أو عذراً » !
قلت: كون النبيِّ صلى الله عليه وسلم نفى عن نفسِه القراءةَ هو المنسجِم مع حالِه صلى الله عليه وسلم، وهو المناسبُ لطلبِ جبريلَ عليه السلام، فإنّ جبريلَ عليه السلام قد طلبَ منه القراءةَ بإجمالٍ، ولم يوضِّحْ له ما المطلوبُ قراءِتُه، فأجاب النبيُّ صلى الله عليه وسلم جوابًا مُجملًا يوافقُ إِجمالَ السُّؤالِ، ويُظْهِرُ عدمَ قدرته على القراءة، حيث لم يَتعلّمْها قَبلَ ذلك، وهو ما أكّده اللهُ في كتابِه بقوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48]، وهذا أيضًا ما دفَعَه لتَكرارِ بيانِ عَدمِ قُدرَتِه على القِراءَة، ولم يُنقلْ في خبرٍ صحيحٍ ولا غيرِ صحيحٍ أنّ جِبريلَ عليه السلام كان يَحملُ لوحًا يُشيرُ به إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكي يَقرأَ ما خُطَّ فيهِ، وإنما طلبَ جبريلُ عليه السلام من النبيِّ صلى الله عليه وسلم شيئًا ليس في مقدوره، فأجابَ صلى الله عليه وسلم ببيان عدمِ قدْرَتِهِ على القراءة، فأينَ النّكارةُ التي ظهرتْ للمُظفّر في هذا السِّياقِ، ولم تظهَر لغيره من رواة الحديثِ والمتلّقين له، والمصنّفين المُدرجينَ له في كتُبُهم، والناقلين له على مرّ العصورِ؟!
وليس فيما سبق ما يُوهم نقصًا في فَهم الرسول صلى الله عليه وسلم وحاشاه، فهو المبرّأ من كلِّ نقيصةٍ أو قصورًا في بيانِ جبريل عليه السلام وحاشاه كذلك، فهو الملَك المُكرَّم المرسَلُ بأوضح البيانِ لرسل الله عليهم السلام كما احتملَهُ أحد المعترضين على هذا الحديث!(193) إذ ليس هناك ما يُمكنُ أن يُفهَم مِن كلامِ جبريلَ عليه السلام غيرُ الذي فَهِمَه النّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وليس لِقولِ جبريلَ عليه السلام باطنٌ خَفِيَ على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل قولُهُ ظاهرٌ بيّنٌ طلبَ فيه من النبيّ صلى الله عليه وسلم القراءة التي لا يعرِفُها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولا يستطيعُها، وحالُ جبريلَ عليه السلام مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في تِلك اللحظةِ كحالِ مَن سألَ آخرَ أن يَتكلَّم بِلُغَةٍ لا يُتْقِنُها، فيجيبُه المَسئولُ على ظاهِرِ سؤالِه بقولِه: ما أنا بمتكلِّمٍ لهذهِ اللُّغةِ. وهو
في معنى قولِهِ: لا أُحسنُ التّكلُّمَ بهذِه اللُّغةِ، فيُعقّبُ السائلُ بِقوْلِه: أنا أُعلِّمك الكلامَ بِهذهِ اللُّغة. فأيُّ عيبٍ يقعُ على أيٍّ مِنهما؟! وهل يُعدُّ السائلُ عَييَّاً عن توضيحِ مُرادِه، أو المُجيبُ قاصرًا عن فَهمِ مُرادِ الطّالب؟!
ولا بُد مِن استحضارِ احتمالِ كونِ جوابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم المباشرِ على سؤالِ جبريلَ عليه السلام، كان مَعَ رؤيتِهِ لجبريلَ عليه السلام على صُورَتِهِ الحَقيقيةِ(194) وإنْ شئتَ قلتَ: مع ما رافقَ ذلك مِن شدّة خوفِه صلى الله عليه وسلم مِن هذا الذي ظهر له فجأةً، ومع ذلك فقد كان جوابًا سديدًا موفّقًا، مُوافقًا لطبيعة السُّؤال، ومن اعتبر هذا الجواب صادرًا عن عجلة؛ قبل أن يُبدي جبريلُ عليه السلام مرادَه للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فَعليه أن يتأمّل ويُنعمَ النظرَ في ملابساتِ الأمرِ، حيث دواعي الخوفِ قد وُجدت بتمامِها في ذاك المشهد، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم وحيدًا في غارٍ لا جليسَ فيه ولا أنيسَ، والغارُ في جبلٍ بعيدٍ عن أعينِ النّاس ومسامِعِهم، في ليلٍ مظلمٍ دامِسٍ، ثم إذا بِه يفاجأُ بمخلوقٍ يَظْهَرُ له لا يُشْبه البشرِ، ذو خِلقةٍ عظيمةٍ وصفَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم حينما رآه بعدُ
بوصفٍ لم يطرأْ على قلبِ بشرٍ في كلِّ زمان، حيث وُصَفَ بأنه قد سَدّ الأُفُقَ(195) جالسٌ على كرسيٍّ بين السّماء والأرضِ(196) وله سِتُمائة جَناحٍ(197) وقد ظهر له فجأةً وطَلبَ منه أن يقرأَ كلُّ ذلك من غيرِ مقدّماتِ-!، فهل كان ينبغي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو أعْقَلُ النّاس أن يَستَفْصِلَ عن مُرادِ المَلَكِ؛ لو افترضنا عدَمَ وضوحِ مُراده-؟ أم يُجيبُ مُباشرةً بهذا الجوابِ الموافقِ لِواقِعِه صلى الله عليه وسلم؟ وهو الذي أخبرَنا به هذا الحديثُ الشريفُ.
ولو تذكّرنا خوفَ إبراهيمَ عليه السلام مِن ضيوفه الذين أتَوْهُ بصورةٍ اعتياديةٍ، في وقتٍ لا يُستبعدُ فيه قدومُ الضيوفِ، حينما رأى أيديَهم لا تصلُ إلى ما قُدّم لهم من طعام ف {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: 70]: وقارنّاه بما حَصَل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لوجدْنا أن جوابَه صلى الله عليه وسلم بَهذه الكلماتِ كان نتيجةً طبيعيةً مناسبةً لخَوْفِه، موافقةً لواقِعه؛ مِن عدمِ قدرتِه على القراءَة، ولما كان في هذا أيُّ غرابةٍ؛ تدعو صاحبَها إلى السُّخريّة من هذا الحديثِ الشريف، كما حاول المظفّر إن يصوّره ويهوّلَ به!
ثم قال المظفر: « ثمّ كيف يجوز لجبرئيل إيذاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وترويعه وهو يراه عاجزًا عن إتيان ما أمره به؟ فهل جاء معنِّفاً أو معلّماً » ؟!
أقول: نرى المظفّرَ هنا قد اعترف من حيث لا يشعُر بأن جَبريلَ عليه السلام قد تبيّن له عدمُ قدرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم على إجابةِ طلبِه، بتصريحِه أن النبيّ صلى الله
عليه وسلم كان عاجزًا عن فِعل ما طُلِبَ منه، وهذا يعني أن سؤالَ جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم كان واضحًا بيّنًا، وأن جوابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان كافيًا شافيًا، وهذا الذي عدّه المظفّر تًرويعًا، هو في حقيقةِ الأمر: تهيئةٌ لاستقبالِ أعظمِ كلامٍ سيطرقُ سمعَه الشريف صلى الله عليه وسلم، كلامِ ربِّ العزّة سبحانه وتعالى الذي لو أنزل {عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].
فكان لا بُد لمثلِ هذه المقدِّمات المُمهّداتِ من جِبريل عليه السلام لمثلِ هذا الأمرِ الجللِ، فضَمَّه مرّة ثم أخرى ثم ثالثة، بِقوّة بلغت الجَهد من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كلُّ ذلك لتسكينِ رَوعِه صلى الله عليه وسلم، وتَثبيتِ قلبِه، وتَهدئةِ بالِه، وطَمأنةِ نَفْسِه، ثم لمَّا تَهيَّأ صلى الله عليه وسلم لهذا الأمرِ العظيمِ، وبدأ عنصرُ المفاجأةِ في التلاشي شيئًا فشيئًا، أسمَعَهُ جبريلُ عليه السلام كلامَ ربِّه سبحانه وتعالى، مُبيّنًا له أنّه إنما يقرأ باسم ربِّه الأكرم، {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 4، 5].
والله سبحانه وتعالى قد وصفَ ما سيحمِّلُه نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالقَولِ الثقيل، فقال سبحانه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5]، ووصف لنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم طُرقَ نزولِ الوحيِ عليه، وبيَّن شدّتها عليه في كلِّ مرّةٍ يتنزّل عليه فيها، بحيث كان جبينُه صلى الله عليه وسلم يتفصَّدُ مِن العَرَقِ في اليومِ الباردِ شديدِ البُرودَة(198) مما كان يعالِجُه مِن شدَّةٍ عندَ تلقّي الوحيِ الكريم عليه
السلام.
فما عدّه المظفّر تَعنيفًا وتَرويعًا يكاد يُوجدُ في أكثر صُورِ وُرودِ الوَحي على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وما كان قد أَشكلَ على المظفّرِ في أولِّ الأمر تَكرَّر مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم طُوالَ فَترةِ بِعثَتِه، ولو قال قائلٌ بأنه يلزمُه أن يَسْتَهْجنَ كلَّ تلك الصُّورِ كما استَهْجَنَ الصورةَ الأولى لَما أبْعدَ في قولِه، مع ملاحظةِ خُطورةِ هذا الإيرادِ وسوءِ دَورِهِ في التّشكيكِ في المصدرِ الأساسِ لتلقّي هذهِ الشّريعة، ولا يَخفى مدى خطورةِ هذا الإيرادِ، وما يَفْتحُه من بابٍ واسعٍ يَلِجُ مِن خِلاله أعداءُ الإسلامِ بِخيلِهم ورَجْلِهم للطّعن في دين الله عز وجل، والله سبحانهَ هو الحافظُ لدينِه، لا حافظَ سِواه.
ثم قال المظفّرُ: « وليت شعري ما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستسلم بين يديه مراراً ويرجف فؤاده؟! ألم تكن له عند القوم شجاعةُ موسى فيلطِم جبرئيل؛ كما لطم موسى ملكَ الموت » ؟!
أقول: مع صُعوبةِ التغاضي عمّا أظهره المظفّر من سُخرية واستهزاءٍ بعُلماءَ كبارٍ لا يُعرفون عِندَ العقلاءِ المُنْصفين على اختلافِ مذاهبِهِم ومِلَلِهم إلا بتمامِ العَقلِ وحُسن الدّيانة، وصِدقِ الإخبارِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكمالِ الأمانَةِ في نَقلِ سنَّتِه المُشَرّفَةِ، إلا أن الأَنفعَ للقارئ الاشتغالُ بالنّظرِ في الجوابِ على ما ساقَه المظفّر من إشكالاتٍ واهيةٍ لا تثبُتُ أمام
النّقد الصحيح، ومنها هذا الإشكال الذي عقد فيه مقارنةً بين ما حصلَ مع نبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلم ونبيِّ الله موسى عليه السلام، وادّعى فيه أن شجاعةَ موسى عليه السلام تفوقُ شجاعةَ نبيّنا صلى الله عليه وسلم على حسبِ ما جاء في هذا الحديث الشريف، وفي الجوابِ عليه أقول وعلى الله الاعتماد: أما خبرُ موسى عليه السلام مع ملَكِ الموت، فقد مضى معنا ذِكرُه وتخريجُه وعرضُ ما حيكَ حوله من شبَهٍ، ونقضُها كلَّها بتوفيق الله عز وجل ومنّه وكَرمِه في كتابي: أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلام(199) والحمد لله ربّ العالمين، لكنّي أحتاج هنا للتذكيرِ بأنّ موسى عليه السلام إنما فقأَ عينَ مَلَكِ الموتِ وهو يَظنُّه بشرًا قد دخل بيتَه بغير استئذان، لِيُوْقعَ به أذىً ما، ففعلَ موسى عليه السلام ما فَعل، فلمّا تبيّن له أنه مُرسلٌ من ربّه، سمع لأمر ربّه سبحانه وأطاع، وآثر الموتَ على الاستمرارِ في حياةٍ طويلةٍ لا يعلمُ منتهاها إلا الله سبحانه وتعالى(200)
أمّا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فقد رأى أمامَه جَبريلَ عليه السلام على صورَتِهِ الملَكِية(201) في
الظروف التي أشرنا إليها آنفًا، مما يُبعد صحةَ عقد المقارنةِ ابتداءً بين الحالتين، ولعلّ ظهورَ الملَكِ على صورته الحقيقيةِ هو ما جَعلَ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم يطمئِنُ بعد خَوفِه الجِبِلِيِّ الأوّل أكثرَ فأكثرَ إلى أنه مبعوثٌ مِن عندِ الله عز وجل، وهذا ما قرّرَه المظفَّرُ حينما عَدّ مِن إشكالاتِ الحديثِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بَقيَ شاكًّا مع كونِه يعلمُ أنّه رسول الله، وهو تناقضٌ واضحٌ من المظفّر! فهو من جهة يثبتُ أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَعلمُ بكونِه مرسلًا مِن رَبِّه، ومِن جِهةٍ يطلبُ من النّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يُدافِعَ عن نَفسه، بِضربِ هذا الملَكِ المُرسلِ مِن ربّه!
وقد بنى المظفّر معرفةَ النبي صلى الله عليه وسلم المسبقة بذلك على: استحالةِ سَبقِ مَعرفةِ الكُهّانِ والرُّهبانِ بِنبوّةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وخَفائِها على النبيِّ صلى الله عليه وسلم نَفسِه!
وما أحال المظفّر وقوعَه ليس محالاً في حقيقة الحالِ، بل ولا غرابةَ فيه بحالٍ من الأحوال، لأنّ الكهّان إنّما عَلموا ذلك عن طريقِ إخبارِ الجِنِّ لهم، باستراقِهم سَماعَ خبرِ السّماء، وأمّا الرُّهبانُ فقد عَلموا بقدومِ نَبيِّ آخرِ الزّمانِ عن طريقِ الكُتُبِ السّابِقة التي بشَّرت بَمبعثِه صلى الله عليه وسلم، وكِلا الأمرينِ لم يَكنْ ممّا يتعاملُ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم لم يَكنْ له رِئْيٌ من الجنِّ، ولم يكن أيضًا يقرأُ ما كُتب بِالعربيةِ فضلًا عما كُتب بِغيرها، ولهذا نصّ الحديثُ على أن ورقةَ بنَ نوفل كان يقرأُ الكتابَ العِبراني، ومن هذه الكتبِ عَلم ورقةُ بأن ما أَتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما هو الوحيُ، الذي كان يتنزَّل على موسى عليه السلام، وبهذا التوجيهِ يُجاب أيضًا على تهويلِ المُظفّر المُتكلّفِ في كون ورقةَ وخديجةَ رضي الله عنها كانا السّببَ في تَثبيتِ النّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يؤدِّي عندَه! إلى كونِهما أعلمَ منه صلى الله عليه وسلم!
مع كونِ أحدهما نصرانيًا والثاني امرأةً!
وعلى ما سبق: فلا ضيرَ في كلِّ ذلك، فَوَرقةُ إنما قال ما قاله لِعلمِه بما في كتبِ أهلِ الكتابِ مما يتعلقُ بالوحيِ ونبيِّ آخر الزمان، وخديجةُ رضي الله عنها قالت ما قالت لِعلمها بحالِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، الصادقِ الأمينِ الكريمِ المُسارعِ لكلّ خيرٍ، المُباعِدِ عن كلِّ شرٍّ، ومثلُه لا يُسلِمُه الله عز وجل للشياطين، ومع ذلك، أرادت خديجةُ رضي الله عنها أن تُطلعَ ورقةَ على حاله، لِعلمها بسَعةِ عِلمه، واطّلاعِه على ما سُطر في كتب الأوّلين، وليكون عاملًا أساسًا في طَمأَنَةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وبيانِ الحِكْمَة المترتّبة على ذلك، وكونه طريقًا سار فيه من قَبلَه ممّن اصطفاهم الله واجتباهم وهداهم إلى صراطٍ مستقيم، ورفع قَدرَهم وذِكرَهم بحمل رِسالاته سبحانه وتعالى إلى خَلقه.
فالذي كان سببًا في طَمأنةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الاثنان مَعًا: خَديجةُ رضي الله عنها باطّلاعها على خاصّة أمرِهِ صلى الله عليه وسلم، وشديدِ معرَفَتِها بكمالِ أهلِيّتهِ صلى الله عليه وسلم لِحملِ هذا الشرفِ العَظيمِ، وورقةُ بنُ نوفل بشمولِ اطّلاعه على كُتبِ أهلِ الكتاب بما فيها مِن علوم تشملُ جوانبَ الشّريعةِ عامةً، وأخبارِ أنبياءِ الله عليهم السلام خاصةً، والتي منها: اقترابُ ظُهورِ النّبيّ الأُمّي صلى الله عليه وسلم، وإرسالِ الله عز وجل له {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} [التوبة: 33]، فاجتمع قولُهما على أن ما نَزل عليه صلى الله عليه وسلم هو الوَحيُ الذي لا يَنزِلُ إلا على أمْثالِه صلى الله عليه وسلم.
وإليك نصُّ كلامِ المظفَّرِ المجابِ عليه في الفقرةِ السابقة، والذي استشكل فيه دورَ كلٍّ مِن خديجةَ رضي الله عنها وورقةَ في تثبيتِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنهما بهذا - كما زَعم - يَكونان أكثرَ أهليةً لحمل رسالةِ الإسلام مِن سيد وَلدِ آدم نبيِّنا محمّد صلى الله عليه وسلم!(202) - حيث قال: « الثاني: إنّه لا يمكن أن يجهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه رسول الله، وقد علم برسالته قبل وقتها الكهّان والرهبان، ولو جهل بها لكان غيره أولى بالجهل بها في تلك الحال، فيلغو فيها إرساله، أيجوز أن يبعث الله من لا يدري برسالة نفسه ولا يعلم ما هو؟! وهو سبحانه قد بعث عيسى وهو في المهد وعرّفه أنّه نبيّه وأنطقه برسالته! ولا أدري أيّ نبوّة لمن يخشى على نفسه من رسول الله إليه؟! وأيّ رسالة لمن يحقّقها بقول نصراني، ويتعرّفها بقول امرأة، حتّى تثبّته عليها بذلك الطريق الوحشي؟! ولعمري إنّ امرأة تثبّت نبيّاً نبوّته وتعلِّمه بها لأحقّ منه بالنبوّة! وعلى ذلك يكون ورقة وخديجة أوّل الناس إسلاماً والسابقين فيه، حتّى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا بالخرافات والكفر أشبه » ! اهـ.
والحقيقة: إنّ تَعجُّبَ المظفّرِ هو الجالبُ للعَجَب! إذ كيف يَتعجَّب مِن فكرةِ بعث الله نبيًا؛ لا يَعلمُ قَبلَ تَبشيرِه بالنبوَّة بِذلك؟! ولقد حاولتُ أن أفهم مأخذَه فصَعُب عَلَيَّ مُرادُه، إذ ما الذي أنكرَه؟ أأنكرَ أن لا
يعلمَ النّبيُّ قَبلَ تكليفِه بأنّه سيكلّفُ؟ فإن كان هذا مرادَه! فتلك كارثةٌ كبرى، لأنّ ما أنكرَه هو بَعينه وتَمامِه الذي حصل للأنبياء عليهم السلام كافّة، فكلُّهم عليهم الصلاة والسلام لم يَعرفْ أحدٌ منهم أنه نبيٌّ حتى أعلمَه الله بذلك، وفي كتابه سبحانه وتعالى الكريمِ عرضٌ لتفاصيلِ تكليفِه لموسى عليه السلام، فهل كان موسى عليه السلام عالمًا بأنّ الله سَيكلِّمه وسَيكلِّفه بالنُّبوةِ عندما رأى النّار في طريق عودتِه إلى بَلدِه؟ وهل كانت مريمُ عليها السلام(203) تعلمُ بأنّها ستحملُ بعيسى عليه السلام مِن غير زوج؟ وأنّ حملَها هذا سيكون رسولًا {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)} [آل عمران: 45]؟ ولو كان مرادُ المظفّر هذا لمَا كان في استدراجِ موسى عليه السلام إلى مَوقعِ النّار فائدةٌ تُذكر، فموسى عليه السلام على ما يَلزمُ مِن كلام المظفّر كان يعرف بأنه سيكونُ نبيًّا قبل ذهابِه إلى الشّجرةِ، وهذا يودِّي إلى نسبةِ نبيِّ الله موسى عليه السلام إلى التَّظاهر بِعدمِ مَعرِفَته بما قد أنبأهُ الله بِه وحاشاهُ وقلْ مِثلَ ذلك في مريمَ عليها السلام، حيث يلزمُ على ما أورده المظفّرُ مِن إشكالٍ أن نُهمّش كلَّ الأحداثِ التي سِيقت لمريمَ عليها السلام مِن بداية انتباذِها من أهلِها مكانًا شرقيًا، إلى ظُهورِ جبريل عليه السلام لَها، ونفخِه فيها مِن رُوحِ الله عز وجل، وكذا مِن دعائِها بالموتِ قبل أن يقعَ لها ما وقع، إلى أن أقرَّ الله عينَها بإنطاقِ عيسى عليه السلام، وتوَّليه أمرَ توضيحِ نبوّتِه عليه السلام لقومِه، وفي هذه الإلزاماتِ المَبْنيةِ على إشكالاتِ المظفّر من المَحاذيرِ
ما لا يخفى على ذي بصيرةٍ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
ثم إن ما صرّح به المظفّرُ مِن عدم استحقاقِ النبوة لمن خافَ على نفسِه مِن رسول الله المُرسلِ إليه؛ كلامٌ خطيرٌ، يُودي بقائِله إلى الاعتراضِ على نُبوّة غيرِ واحدٍ من الأنبياء عليهم السلام، فموسى عليه السلام خافَ ووّلى مُدبراً ولم يعقّبْ عند رؤيته عصاه تتحول إلى حَيّةٍ تسعى، مع سماعه لكلامِ الحقِّ سبحانه وتعالى له، فهل يكونُ موسى عليه السلام بذلك غيرَ مستحقٍ للتّكليفِ بالنّبوّة عند المظفّر ومَن قالَ بقوله؟ مع ملاحظة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما خافَ من دخول الملَك عليه، بدون مقدّمات، بينما موسى عليه السلام قد خافَ مِن الحَيّة التي تسعى، بعد سماعِه لكلام الله سبحانه وتعالى إليه، وبيانِه سبحانه له باصطفائِه لحمل رسالتِه الكريمةِ.
وعلى هذا: فما أورده المظفّرُ هنا واردٌ - لا محالة، وبصورةٍ أشدّ - على تكليفِ موسى عليه السلام، وهذه مجازفةٌ ما كان للمظفّر أن يطرُق بابها، لِيَصِلَ من خلاله إلى كلِّ هذه المحاذير، والله العاصم.
ثم قال المظفّر: « الثالث: إنّه كيف يريد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلقاء نفسه من شواهق الجبال وهو فِعل من لا عقلَ له، وقد حرّمه الشرع كتابا وسنّة! حتّى روى أحمد عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: « من تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو يردى في نار جهنّم خالداً مخلَّدا فيها » .
فيا حسرة لسيّد النبيّين صلى الله عليه وآله وسلم ويا أسفا على شأنه من شانئيه! مرّة ينسبونه إلى الهُجر في القول، ومرّة إلى الهُجر في
العمل، لعمر الله لقد فضحَنا هؤلاء المتسمُّون بالمسلمين عند الملل الخارجة!
فيا هل ترى: إذا جاء الرجل منهم وفتح أصحّ كتاب بعد كتاب الله بزعم جمهور من يدّعي الإسلام، ونظر إلى أوّلِ صفحة منه، ورأى فيها هذه الخرافة والشناعة، كيف يقع في ذهنه الإسلام؟! وفي أيّ محلّ يجعل النبيّ الأطيب من الصدق والمعرفة والعقل » ؟!
وقبل الشروع في الجواب على إيراد المظفّر هذا، أنبّه القارئ الكريم إلى ما يتضمّنه كلام المظفّر من تلويحٍ يقرُبُ من التّصريح بكُفرِ النّاقلين لهذا الحديثِ، القائلين بِصِحّته، فهم عنده (مُتسَمّون بالمسلمين)، وهم كذلك (جُمهورُ من يدّعي الإسلام)، وهذا نذير شؤم يؤدّي إلى مزيدٍ مِن تفتيتِ الأمّة، وتقويض بنيانِ لُحمتِها، والله المستعان.
وأما الجواب على ما أورده المظفّرُ مما يتعلّق بشبهةِ هَمِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحار لتأخّر الوحي عنه، فأعتمدُ في ردّها على الله عز وجل قائلًا:
قبحُ الانتحار وشناعتُه: هل هو مستفادٌ مِن العَقلِ الصريح، أم مِن النقلِ الصّحيح، أم منهما معًا؟ والثالثُ هو ما ذهب إليه المظفَّرُ، وأصابَ في ذلك، إلا أنّه أخطأَ في الاستدلال بحديثِ النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره، ذلكم؛ أنه يعرفُ - هو وغيرُه - أن هَمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، كان قبلَ أن يُوحى إليه بهذا النّصّ المحرِّم له، وبالتالي: قَبلَ أن يُحدّث به أصحابَه الكرامَ رضي الله عنهم، الذين نقلوه لنا، وعليه يقال: كيف يُستدلُّ على قبحِ الانتحار وسوءِ مآل فاعِله وأليمِ عاقِبته بهذا النصِّ المتأخِّر عن تلكم الحادِثةِ؟
وقل مثل ذلكَ بالنّسبة لقولِه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29](204) ، فهذه الآيةُ الكريمةُ مِن سورةِ النّساء، وسورة النّساءِ كما هو معلومٌ مدنيةٌ، أي أنّها نزلتْ بعد هذه الحادِثةِ بسَنواتٍ وسنواتٍ.
وهذا أمرٌ أقربُ ما يكونُ للبَدَهياتِ، لو تَنَبَّه المظفّرُ لذلك لما وَقعَ فيما وَقعَ فيه، إذ لم يُعرف في طُرُقِ الاستدلالِ تَحريمُ الفِعلِ المتقدّمِ زمانًا بِنصٍّ مُتأخّرٍ عليه!
وهذا يعني: أن ما همَّ به النّبيُّ صلى الله عليه وسلم - لو صَحّ عنه - لم يكن قد نُهي عنه بَعدُ في شَرعِنا، وكلُّ ما صحّ مِن النصوص في النّهي عنه إنما جاء بعد ذلك.
وعليه: فإن لم يَكنْ قد ثبتَ تحريمُه شرعًا؛ فلا مؤاخذةَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، إلا على قول مَن ادَّعى له العِصمةَ حتى قَبلَ مَبعثِه، ومن كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، وفي هذا نقاشٌ كبيرٌ، يطولُ بنا المقامُ في تقريرِ خِلافِه، لكن يكفي في تقريرِه الوقوفُ على نَقلين مِن إمامين من أئِمة الإسلامِ، الأولّ: ما قالَه الإمام الباقلاني وأقرّه عليه الآمدي بنقله إياه ونقلِ موافقةِ جمهور الأصحابِ عليه، بل وبتصريحِه بتصحيحه، كما سيأتي، والثاني: هو قولُ شيخ الإسلام ابنِ تيمية، فأمّا قولُ الباقلانيّ فقد صدّره الآمديُّ عِند عرضِه لما ذُكر في عِصمةِ الأنبياءِ عليهم السلام، قائلًا: أمّا
قبلَ النّبوةِ: فقد قال القاضي أبو بكر وهو الباقلاني لا يَمتنعُ عقلًا ولا سمعًا أن يَصدُرَ مِن النبيِّ قبل نُبوّته مَعصيةٌ، وسواءٌ كانت صغيرةً أو كبيرةً، إذ لا دَلالةَ للمُعجزةِ على عِصمتِه قبلَ ظهورها على يدِه، بل ولا يَمتنع عقلًا إرسالُ مَن أسلمَ بعد كُفرِه.
ثم قال الآمِديُّ: ووافقَه عليه أكثرُ أصحابِنا، وكثيرٌ من المعتزلة، إلى أن قال الآمديُّ: والأصَحُّ ما ذكره القاضي؛ لأنّ السَّمع لا دلالةَ له على العِصمةِ قبلَ البِعثة، ودلالةُ العقلِ فمبنيةٌ على الحُسن والقُبحِ، ووجوبِ رعاية المَصلحةِ، وقد سبقَ إبطالُه(205) .
والثاني قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرِضِ حديثِه على طلبِ كفّار مَدين مِن شعيبٍ عليه السلام أن يعودَ في مِلّتهم، وهو ما قصّه الله عز وجل علينا في كتابه العزيز، قائلاً سبحانه: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88]، حيث قال شيخُ الإسلام: وأما قولُهم: إن شعيبًا والرسلَ ما كانوا في مِلَّتهم قط، وهي ملَّة الكفر: فهذا فيه نزاعٌ مشهورٌ، وبكلّ حال فهذا خبرٌ يَحتاجُ إلى دليل سمعيٍّ أو عقليٍّ، وليس في أدلّةِ الكتابِ والسّنة والإجماعِ ما يُخبر بذلك، وأما العقلُ ففيه نزاعٌ، والذي عليه نُظّار أهلِ السُّنة أنه ليس
في العقل ما يمنع ذلك.. إلى أن قال رحمه الله: وأمّا تحقيقُ القول فيه: فالله سبحانه إنما يَصطفي لرسالِته مَن كان مِن خِيار قومِه،... ومَن نشأ بين قومٍ مُشركين جُهّال؛ لم يكن عليه مِنهم نقصٌ ولا بُغضٌ ولا غَضاضةٌ؛ إذا كان على مِثل دينِهم، إذا كان عندهم معروفًا بالصّدقِ والأمانةِ وفعل ما يعرفون وجوبه واجتناب ما يعرفون قبحه، وقد قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15] فلم يكن هؤلاء مستوجبينَ العذابَ قبل الرسالة، وإن كان لا هو ولا هم يَعرفونَ ما أُرسل به، وفرقٌ بين من يَرتكب ما عُلم قبحُه وبين من يَفعل ما لم يَعرِف؛ فإنّ هذا الثاني لا يَذمُّونه ولا يَعيبون عليه، ولا يكون فِعلُه ممّا هُم عليه منفّرًا عنه؛ بخلاف الأول(206) اهـ
والمقصود من إيراد ما سبق: بيان ضعفِ ما قرّره المظفّرُ في سياقِ إنكارِه لهذا الحديثِ، فلا العقلُ يوجبُ ابتداءً ما أوجبَه هو أو غيرُه من إِثباتِ العِصمةِ للأنبياءِ عليهم السلام قَبلَ مبعثِهِم، ولا النّقلُ كذلك.
ثم إنّ النّظر في ورودِ جُملةِ هَمّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالانتحارِ يُوقفُ النّاظرَ ابتداءً على أنها سُبقت بقول الراوي: (فبلغني) والبلاغُ هنا هو مِن الزهريِّ كما سبق معنا في سياقِ طُرُقِ الحديث فهو النّاقل لهذه الجملةِ المتعلّقة بهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء نفسِه من الشّواهق، دون أن يَذكرَ الزهريُّ مصدَره في ذلك، وأهلُ العلم وشرّاح الحديث لم يُغفلوا الكلامَ على هذه الجُملةِ مِن جُملِ الحديث الشريفِ، حيث بيّنوا أنها من مُدْرجاتِ الزهري، وعليه: فلا ضيرَ يَلحقُ
البخاريَّ في إخراجِ الحديث بكامِلِه مُتَضِمّناً هذه اللفظةَ، لأنه رواه كما سمِعَه، وأبقى هذه الجملةَ كما هي، وكما صدّرها قائلُها وهو الزُّهريُّ بلفظةِ (بلغني) للدّلالةِ على ما كان مرفوعًا مِن حديثِ بَدءِ الوّحيِ، وما لم يكن كذلك.
ويَحسُنُ التّنبيهُ هنا إلى أن الإمامَ البخاريَّ إنما أخرجَ هذه الرواية التي هي مِن طريق معمرٍ عن الزُّهريِّ في كتاب التَّعبيرِ مِن صَحيحِه، ولم يخرّجْها في أولّ صحيحِه، وإنما أخرجَ في أولِّ صحيحِه هذا الحديث الشريف مِن طريقِ عُقيلٍ عن الزّهريّ، وليس فيه هذه الزيادةُ المذكورةُ، وإنما ذَكرتُ ذلك لبيانِ وَهم المظفّر فيما ادعاه وهوّش به - مُظهرًا شدّةَ حِرصه على صورةِ الإسلام مِن أن تُشوّه بِمثلِ هذه الأحاديث التي تَصدُّ النّاس - بِزعمه - عن هذا الدّين العظيمِ - كون هذا الحديث في أولّ صفحةٍ مِن صفحاتِ صحيح البخاري، وذلك في قولِه - الذي سبق معنا بتمامه -: ... « إذا جاء الرجل منهم وفتح أصحّ كتاب بعد كتاب الله بزعم جمهور من يدّعي الإسلام، ونظر إلى أوّلِ صفحة منه » ... إلى آخر كلامه.
وهذا إن أظهرَ شيئًا فإنما يُظهر قلّةَ بضاعتِه في التعاملِ مع كتبِ السُّنة، أو يُظهِر اعتمادَه على غيرِه ممّن سبقه في نقلِ مثلَ هذه الشبهة دون تحقيق النّظر فيها، أو يُظهِرُ كيدًا متعمّدًا يهدفُ مِن خِلالِه إسقاطَ أصحّ كتبِ الحديثِ النبويّ الشريف، بأيِّ طريقٍ كان!
وحتى نُوفي البحثَ حقَّه، دعونا نَنظرُ أولًا فيما قالَه شُرّاحُ الحديثِ الكرامُ في توجيه هذه اللّفظة، ثم نُتمّم بما يَفتحُ الله به، ومِن هؤلاء الشُّراحِ الأفاضلِ:
القاضي عياضٌ رحمه الله، إذ يقول في توجيهِ هذه الجملة من الحديث: وقولُ معمرٍ في فَترةِ الوحيِ (فحَزِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فِيمَا بَلَغَنَا، حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ): لا يقدحُ في هذا الأصلِ، لقول مَعمرٍ عنه (فيما بلَغنا)(207) ولم يُسنِدْه، ولا ذَكرَ رُواتَه، ولا من حدَّث به، ولا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَه، ولا يُعرف مثلُ هذا إلا مِن جِهةِ النّبي صلى الله عليه وسلم، مع أنّه قد يُحمَل على أنه كان أولّ الأمر كما ذكرناه، أو أنه فَعلَ ذلك لما أخرجه من تكذيبِ من بلغه كما قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]، ويصحّح معنى هذا التأويل: حديثٌ رواه شريكٌ عن عبد الله بنِ محمدِ بن عَقيل عن جابرِ بنِ عبد الله: أن المشركين لما اجتمعوا بدار الندوةِ للتشاورِ في شأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، واتّفق رأيُهم على أن يقولوا إنه ساحرٌ، اشتد ذلك عليه، وتَزمّل في ثيابه وتدثّر فيها، فأتاه جبريل فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1]، {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]، أو خافَ أن الفترةَ لأمرٍ أو سببٍ منه، فخشيَ أن تكونَ عقوبةً مِن ربِّه، ففعل ذلك بنفسِه، ولم يَرِدْ بعدُ شرعٌ بالنَّهيِ عن ذلك فيُعترض به، ونحو هذا فرارُ يونُس عليه السلام خشيةَ تكذيبِ قومِه له، لِما وعدهم به من العذاب(208)
وقال العلامة أبو شامة: هذا مِن كلامِ الزُّهريِّ، أو غيرِهِ، غير عائشة والله أعلم، لقوله:
«فيما بلغنا»(209)
وممّن توسّع في التأكيد على كون هذا القولِ من بلاغات الإمام الزهري: الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمه الله حيث قال: وقوله هنا (فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فِيمَا بَلَغَنَا) هذا وما بعده مِن زيادة مَعمرٍ على رواية عُقيلٍ ويونس، وصَنيعُ المؤلِّفِ يُوهِمُ أنه داخلٌ في رواية عُقيلٍ، وقد جرى على ذلك الحُميديُّ في جَمعِه فَساقَ الحديثَ إلى قوله: (وفتر الوحيُ)، ثم قال: انتهى حديثُ عُقيلٍ المُفردِ عن ابنِ شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عنه البخاريُّ في حديثه المقترِن بمعمرٍ عن الزهريِّ، فقال: (وفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ) فساقَهُ إلى آخره(210) .
ثم قال الحافظُ رحمه الله: والذي عندي أن هذه الزيادةَ خاصّةٌ برواية مَعمرٍ، فقد أخرج طريقَ عُقيل: أبو نعيم في مستخرَجِه من طريق أبي زرعة الرّازي، عن يحيى بن بكيرٍ شيخِ البخاريٍّ فيه، في أولِّ الكتاب بدونِها، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمرٍ، وبيَّن أن اللفظ لمَعمرٍ، وكذلك صَرَّح الإسماعيليُّ أن الزيادةَ في روايةِ مَعمرٍ، وأخرجه أحمدُ ومسلمٌ والإسماعيليُّ وغيرُهم؛ وأبو نعيم أيضًا مِن طريق جمعٍ من أصحابِ اللّيث عن اللّيث بدونها، ثم إنّ القائلَ: (فيما بَلَغَنا) هو الزُّهريُّ، ومعنى الكلامِ أنّ في جُملةِ ما وَصلَ إلينا مِن خبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في هذه القَصةِ، وهو
مِن بلاغات الزُّهريِّ وليس موصولًا، وقال الكرماني: هذا هو الظاهر(211) ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في التفسير مِن طريقِ محمدِ بن كَثيرٍ عَن مَعمرٍ بإسقاطِ قولِه: (فيما بلغنا)، ولفظُه: (حَزِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حُزْنًا غَدَا مِنْهُ) إلى آخره. فصار كلُّه مدرَجًا على رِواية الزُّهريِّ، وعن عُروة عن عائشةَ، والأولُّ هو المعتمد(212) اهـ كلام
الحافظ بطوله.
ثم خَتمَ المُظفَّرُ ما أوردَه مِن شُبهٍ على الحديث قائلًا: « وممّا يُكذّب هذا الحديث ما رواه البخاري في تفسير سورة المدّثّر عن أبي سلمة قال: سألت جابرَ بن عبد الله: أيّ القرآن أُنزل أوّل؟ فقال: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ). فقلت: أُنبئت أنّه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). فقال: لا أخبرك إلَّا بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كنت في حراء، فلمّا قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فأتيت خديجة فقلت: دثّروني وصبّوا عليّ ماءً بارداً، وأنزل عليّ: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ).
فإنّه صريح في تكذيب الحديث السابق المبنيّ على أنّ أوّل آية نزلت قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، وقد يقال: إنّ الحديثين متكاذبان فيُلغيان،
وهما باللغو متشابهان(213)
قلت: دَعْكَ مِن أسلوبِه الاستفزازيّ، وتأمّلْ كيف صَرَفَهُ أسلوبُه هذا عن التأمِّل في هذا الحديث الذي احتجّ به لإبطالِ حديثِ بَدء الوَحي، ولو تأمّل يسيرًا وتنحّى عن الهوى المسيِّرِ له قليلًا لأبْصَرَ كيف أنَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُخبرُ عن شيءٍ رآه مِن قَبلُ، وهو الوحيُ الكريمُ الذي جاءَه قبلَ ذلك بغارِ حِراء، وهو ما جاء صريحًا في قولِه صلى الله عليه وسلم: فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ(214) ، وهذه الروايةُ تقعُ في صحيح البخاريِّ بعد الروايةِ التي ساقَها المظفّرُ مباشرةً، فالعَجبُ كلّ العجبِ مِن اكتفائِه بتلك الرّواية للتّهويشِ بها في وَجهِ الروايةِ الصّحيحة وعدمِ النظرِ فيما قرُب منها من رواياتٍ للحديث نفسه، ليقفَ على مجموعِ ألفاظِها، ليُعْلم أن فيما أورده اعتراضًا على الحديثِ الصحيحِ شينًا له لا للحديث، وإظهارًا لقلّة اطّلاعٍ، أو سوء طويّةٍ تعمّد بسببها إخفاءَ هذا اللفظ الصريح.
ومع ذا، فلو لم يأتِ تصريحٌ بالروايةِ التي سُقتها بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبرَ عن المَلَك الذي رآه أولّ مرّة بحراء، لكان سياقُ الرّوايةِ التي اكتفى المظفّرُ بإيرادِها مظهرًا لذلك، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم يُخبر - كما أسلفتُ - عن رؤيةِ شيءٍ قد رآه قبلَ ذلك، فعرفَه بمجرّد أن رآه مرّة أخرى، وهذا يقوّي قولَ جماهيرِ العلماءِ القائلين: بأنّ المُدثِّرَ لم تكن أولَّ ما أُوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وجابرٌ رضي الله عنه
لم يُصرّح بأولّية سورة المدثّر في النّزولِ، وإنما أخبرَ السّامعَ بما أخبرَه به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولو سَلّمَنا بأن جابرًا رضي الله عنه كان يقولُ بأولِّيتها، لعُدّ هذا القول خاصًّا به، لم يُتابَع عليه مِن كبيرِ أحدٍ، وأنّ القولَ الأولّ هو المشهورُ المتداوَلُ، قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله: فإن أولّ ما أُنزل من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] عندَ جماهيرِ العلماء، وقد قيل {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] رُوي ذلك عن جابرٍ، والأولّ أصحّ(215)
ثم ذكر شيخُ الإسلامِ الأجوبةَ على ما جاء في حديثِ جابرٍ، وبيّن بأنّ في بعض روايات الحديث أن ذلك كان في (فترةِ الوَحيِ)، أي: انقطاعِه، وهذا أيضًا ظاهرٌ في أوليَّةِ نزولِ فواتحِ سورةِ العَلقِ، مما يزيدُ في تأكيدِ صحّة حديثِ البابِ.
بل، لو أنعم المظفّرُ نظرَه قليلًا وسعى في التوفيقِ بينَ ما تعارضَ في ظاهرِ الحديثين، لوجد سبيلًا أو سُبلًا إلى ذلك، منها أن يقال: بأن أوليّةَ فواتحِ سورة المدثّر متعلِّقة بأمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالإنذارِ، فتكونُ على ذلك أولِيّةً نسبيّةً، بينما أوليّةُ فواتحُ سورة العَلَق هي أوليَّةٌ مطلَقةٌ عن أيِّ تقييد، وتكون بذلك أولّ ما نزل من كتاب الله عز وجل على نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
وقد أشار إلى هذا التوفيق شيخ الإسلام ابنُ تيمية فقال رحمه الله: فإن قولَه {اقْرَأْ} [العلق: 3]، أمرٌ بالقراءةِ لا بتبليغِ الرسالة وبذلك صار نَبيًّا، وقولُه {قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} [المدثر: 2] أمرٌ بالإنذارِ وبذلك صارَ رسولًا منذرًا(216) .
أضف إلى ذلك: أن كلا الروايتين أخرجَهما البخاريُّ في صحيحه على التوالي: حديثَ عائشة في نزول الوحي في غار حراء أولًّا، ثم حديثَ جابرٍ في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام بتلك الحال، وقد جاءه بآياتِ سورةِ المُدَّثر، وهذا يعني عدمَ غَفلةِ البخاريِّ عن دَلالة الحديثين، ولو رأى فيهما معارضةَ أحدهِما للآخَر؛ لصرّح بذلك أو لَمّحَ كعاداتِه في مَثيلاتِ هذه الصورة، ولو ظهر له صحةُ أحدِ الحديثين وضعفُ الآخر، لاكتفى بإخراجِ الصحيح، ولأقصى الضعيفَ فلم يُسنده، وإنما يذكره - إن احتاجَ لذكره - مُعلّقًا مع بيانِ ضعفه، أو مبوَّبًا به(217) ، وهو إمامُ هذا الشأن، وخيرُ من أحسنَ إخراجَ حديثِ النبي صلى الله عليه وسلم، وانتقاءَ الأصحّ منه، رحمه الله.
وقد ظهر معنا في أكثرِ مِن مِحورٍ مِن محاورِ النّقاشِ مدى اضطرابِ المظفّرِ في المَنهجيةِ المُتّبعة عنده في نَقد هذا الحديثِ على الأقل حيث رأيناه يُنكرُ ويكذِّبُ ما جاء في حديث بَدءِ الوحي عند البخاريِّ، ويستدلُّ على نقضِه بحديثٍ آخرَ أخرجه البخاريُّ مباشرةً بعدَ الحديثِ المنتَقَدِ عنده،
دون أن يُظهرَ القاعدةَ التي ينطلقُ من خلالها لقبولِ أو ردّ الأحاديث: أهي الصّنعةُ الحديثية التي هو أبعدُ الناس عنها؟ أم موافقةُ ما صحّحه لما نَشأ عليه من اعتقادٍ ومخالفةُ الآخرِ لذلك؟ أم ركوبُ ما تيسّر له مِن وَسيلةٍ لوصوله إلى هدفِه الأكبر المُتمثِّل في إسقاطِ صحيح البخاري وما جَمَعه بين دَفّتيه مِن صحيح أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، بأسانيد قامت على روايات أوثقِ النّاسِ وأحفظِهمِ؟ أم غيرُ ذلك ممّا لا يكاد يخطُر على قلبِ بشرٍ(218)
ويرى الناظرُ المنصف بصورة واضحة بيّنة لا غبش فيها أن الجوابَ الثالثَ هو الأليقُ والأنسبُ بحال المظفَّرِ، وأنّه لا يترك شاذّةً ولا فاذّةً يستطيع مِن خِلالها التوصّلَ إلى هدفِه الأدنى في هِدمِ كتابِ صحيح البخاريِّ إلا وأبرزَها وأظهرَها وزخرَفَها وزيَّنها، مضى معنا شيءٌ كثيرٌ مِن ذلك، وسيأتي معنا شيءٌ أكثر مِنه في الأحاديث التالية في كتابِنا هذا.
وإتمامًا للإنصاف: لا بُدّ أن يَشمل هذا الجوابُ كُلَّ مَن سار على هذه الطريقَةِ اللّامنطقيةِ في إيرادِ الشبه حول صحيح أحاديث النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فليس هذا الأمر خاصًّا بالمظفّر، بل هو شاملٌ له ولغيره ممّن سارَ بسيرِهِ من أيِّ الطوائف والمذاهبِ الإسلاميةِ كان، والأمثلةُ القادمةُ في كتابِنا هذا تزيدُ الصورةَ تجليةً ووضوحًا أكثرَ فأكثرَ.
وممّن اعترض على هذا الحديث: عبدُ الحسين شرفُ الدّين، وكان فيما أوردَه مِن شُبه قولُه: «
وذلك أنها(219) كانت كثيرًا ما تُرسلُ عنه صلى الله عليه وسلم من الحديث ما لا يمكن أن يصحّ بوجه من الوجوه » .
ثم ذكر عبدُ الحسين حديث بَدء الوحيِ، ثم قال: « تراه نصًّا في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان - والعياذ بالله - مرتابًا في نبوّته بعد تمامها، وفي المَلَك بعد مجيئه إليه، وفي القرآن بعد نزوله عليه، وإنه كان من الخوف على نفسه في حاجة إلى زوجته تشجّعه، وإلى ورقة الهرِم الأعمى الجاهلي المتنصِّر يثبِّت قدمه، ويربط على قلبه، ويخبره عن مستقبله إذ يخرجه قومه، وكل ذلك ممتنع محال » .
قلت: ولم يزدْ عبدُ الحسين على ما سبق في كلامِ المظفّر شيئًا إلا فيما يتعلّق بمراسيل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وسيأتي الكلامُ على هذه الجزئية، وكذا فيما يتعلّق بادّعائه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مرتابًا بالنُّبوة بعد تمامِها، وهو قريبٌ ممّا دَندنَ به المظفَّرُ، إلا أنّه زاد جزمًا بأن هذا الخبرَ يُفيدُ بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بقي مرتابًا في نُبوَّته حتى بعد تيقُّنه بأنه نبيٌّ كريم مُرسلٌ مِن ربّ العالمين، والنّاظرُ في هذا الحديث الشريف وما تَبِعه من أحاديث انقطاعِ الوَحي، وسيرةِ النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة، لا يصلُ إلى صحّةِ ما استنتجه عبد الحسين لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، بل يعلمُ الناظرُ المنصفُ طالبُ الحق علمَ اليقين بأنّ ما وَقعَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن
خوفٍ وعدمِ تيقّنٍ إنّما كان في بدايةِ ظهورِ الوحيِ له، ثم بدأ اليقينُ يملأ قلبَه شيئًا فشيئًا بما يَسّرَه اللهُ عز وجل له مِن أسبابٍ، والتي مِن ضِمنها تأكيدُ خديجةَ رضي الله عنها له بأن مَثلَه لا يُضيّعهُ الله عز وجل، وتأكيدُ ورقةَ بنِ نوفلٍ له بأن ما أتاه هو مِن جِنسِ ما أتى الأنبياءَ الكرامَ عليهم السلام قبلَه، فأين وجد عبدُ الحسين بُغيتَه في هذه الأحاديثِ الكريمة، والتي توصَّل مِن خلالها إلى ما ادّعاه؟
وقد كان يصحُّ إيرادُ هذا الإشكالِ مِن عبدِ الحسين لو كان أخرجَ لنا خبرًا يُظهرُ ما ادّعاه ظُهورًا بيّنًا أو حتى يُشير إلى ذلك، كأن يذكُرَ لنا خبرًا جاءً فيه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بقي شاكًّا في أمرِ نبوّته حتى بعدَ اصطفاءِ الله عز وجل له، وتكرُّرِ نزولِ جبريلَ عليه السلام عليهِ بالقرآن، ودعوتِه صلى الله عليه وسلم لقومِه ليلًا ونهارًا، جَهْرًا وإسْرارًا، وتحمّله الأذى النَّفسيَّ والجسديَّ في ذاتِ الله عز وجل، وخوضِه المعركةَ تِلوَ الأُخرى مع كفّارِ قريشٍ ومَن شايعَهُم على ضَلالِهم، فمثلُ هذا الخبرِ - لو وُجدَ لكان هو الذي يُوصلُ إلى مثلِ تلك النّتيجة التي جَزمَ بها عبدُ الحسين، وهيهاتَ أن يوجد مثلُ هذا، أو تصحّ نسبةُ شيءٍ منه إلى النّبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم، وذلك لِما عُلم من مخالفة هذا الافتراضِ لضرورياتِ هذا الدين القويم.
وقد سبق معنا توجيهُ طمأنةِ خديجةَ رضي الله عنها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بأن الله لنْ يَخْذُلَه، لِما رأتْهُ فيه من اجتماعِ أفضل الصّفاتِ التي يُمكنُ أن يَتحلّى بها بشرٌ، وسبق كذلك توجيهُ طمْأَنَةِ ورقةَ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بأنّه يَسيرُ في طريقِ الأنبياء عليهم
السلام، لتشابُه الإرهاصاتِ التي حصلت له بِما حصلَ لهم عليهم السلام، وعليه؛ فما هَوّلَ به عبدُ الحسين شرف الدين لا قيمةَ له، ولا امتناعَ من حصولِ هذا في حالةِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم، والله الهادي.
ثم استمر عبدُ الحسين في طريق إنكار هذا الحديث، مكرّرًا ما أورده المظفّر، مما سبق الجواب عليه، إلا أنه عاد فاتّكأَ على عدمِ معاصرَةِ السيدة عائشةَ رضي الله عنها لهذه الحادِثَةِ، مما يعني انقطاعَ إسنادِ حديثِها، والمنقطعُ كما هو معلومٌ مِن أقسام الحديثِ الضّعيف، وهذا نصُّ كلامه: « فالحديث باطل من حيث متنه، وباطل من حيث سنده، وحسبك في بطلانه من هذه الحيثية كونه من المراسيل، بدليل أنه حديثٌ عما قبل ولادة عائشة بسنين عديدة، فإنها إنما ولدت بعد المبعث بأربع سنين في أقل ما يفرض، فأين هي عن مبدء الوحي؟ وأين كانت حين نزول الملَك في غار حراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فإن قلت: أي مانع لها أن تسند هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعته ممن حضر مبدأ الوحي؟
قلنا: لا مانع لها من ذلك، غير أن هذا الحديث في هذه الصورة لا يكون حجة، ولا يوصف بالصحة، وإنما يكون مرسلًا، حتى نعرف الذي سمعَتْه منه، ونحرزَ عدالته، فإن المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا كثيرين، وكان فيهم من يخفى نفاقه على عائشة، بل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101].
والقرآن الكريم يُثبت كثرة المنافقين على عهد النبيِّ، وإخواننا يوافقوننا على ذلك، لكنهم يقولون: إن الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأجمعهم عدول، حتى كأنَّ وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم كان موجبًا لنفاق المنافقين منهم، فلمّا لحق بالرفيق الأعلى، وانقطع الوحي، حسُن إسلام المنافقين، وتمّ إيمانهم، فإذا هم أجمعون أكتعون أبصعون ثقات عدول مجتهدون، لا يُسألون عما يفعلون وإن خالفوا النصوص ونقضوا محكماتها، وهذا الحديث يمثل سائر مراسيلها (يا ليت قومي يعلمون)(220) » . اهـ كلام عبد الحسين.
قلتُ: وقبلَ الشّروعِ في الجوابِ المتعلِّقِ بمرسَل الصحابيِّ، وبعدَ غضِّ الطّرْفِ عن الإنشاءِ والتّطويلِ المَعهودينِ مِن عبدِ الحسين، يتبادرُ إلى الذهن أسئلةٌ كثيرةٌ لا بد أن أُشاركَ القارئَ الكريمَ ببعضها، وأولّ هذه الأسئلة أن يُقال: هل عَدّ أحدٌ مِن المسلمين - عوامِّهم وعلمائِهم - كُلَّ مَن كان على عهدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عُدولًا لا يجوزُ الطّعنُ في عَدالَتِهم؟ أم كان تعديلُهم خاصًّا بمن ثبتتْ صحبَتُهم للنّبيّ صلى الله عليه وسلم؟ وهل غَفلَ المسلمون على مِرِّ العُصورِ عن وجودِ منافقينَ في عَهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبقائِهم بعد مَماته صلى الله عليه وسلم على نفاقِهم، والقرآنُ يُبدئ ويعيدُ بِذكرِ أوصافِهم وأقوالِهم وأفعالِهم وأخبارِهم وصورِ كيدهم؟
ألم يعلمْ عبدُ الحسين بأن هذا القرآنَ قد أُنزل على النّبيّ صلى الله عليه
وسلم، مُتضمّنًا أخبارَ أهلِ زمانه، فاضحًا للمنافقين منهم، كاشفًا لسوءِ حالهم ومآلهم، والصحابةُ الكرام رضي الله عنهم مُطلّعون على ذلك كلّه، عارفونَ بأسبابِ نزولِ هذه الآيات، معاصرونَ لتلك الأحداثِ، ممّيزونَ لأعيانِ كثيرٍ مِن أولئك المنافقين، ونقلوا ذلك لمن جاء بعدَهم مَن التابعين، وهلمّ جرًّا إلى علماءِ المسلمين، الذين دوّنوا كلّ ذلك في كتبهم، وتوارثوها جيلًا بعد جيلٍ؟
ألم يشتهر بين الصحابةِ الكرامِ رضي الله عنهم ثم من جاء بعدهم بأنّ من أسماءِ سورة التوبةِ: الفاضحة(221) ، لأنها فضحت المنافقين، وكشفت زيفَهم وخيانَتهم؟
إلى غيرِ ذلك من الأسئلة التي تدور حول هذا المعنى، والتي تنتهي بالناظر فيها إلى التعجّبِ التّامِ مِن هذه الدعوى العريضةِ التي أطلقها عبدُ الحسين مِن تعديلِ المسلمين لكلّ مَن كان في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعَدِّهم إياهُم مِن الصحابةِ الكرام!
أليس في هذا امتهانٌ لعقولِ القرّاء، وسعيٌّ حثيثٌ منه لصرفِهم عن الحقائقِ والبَيِّنات؟ وصدِّهم عن جيلِ الصحابةِ الكرامِ، الذين بذلوا الغاليَ والنّفيس في سبيل إقامةِ بنيان هذا الدين القويم، مقتدين بهديِ خيرِ المرسلين نبيِّنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم،
مستحقينَ بذلك أحسنَ الثناءَ على مرِّ العصور والأزمان؟
وأمّا بالنسبة لردّ عبد الحسين الحديثَ لكونه مرسلًا، والمرسلُ - كما هو معلومٌ - لا يُقبل حتى يُعرف الراويَ الساقطَ من الإسناد: هل هو ثقةٌ فيُقبل خبرُه، أو غيرُ ذلك فيسقطُ الاحتجاجُ بخبرِه، فأقول: ليتَ عبدَ الحسين ومَن سار بِسَيرِهِ في إيراد الشُّبه؛ التزموا ردَّ الخبر المُرسلِ على الدّوام، ولو فَعلوا ذلك لوفَّروا علينا وعلى القارئِ الكريم ردَّ كثيرٍ من الشُّبه التي ساقها هو وغيرُه مِن الحريصين على هدمِ أصحّ كتبِ الحديث النبويّ الشريف، وإسقاطِ رُواتِه الكِرام مِن الصحابة الأجلاء إلى مُصنّفي هذه الكتب.
وإنما تمنّيتُ ذلك لوقوفي على أشدِّ صور التّناقضِ في طرقِ إيراد الشُّبه من قِبل المعترضين، فهم متى ما أرادوا إسقاطَ خبرٍ أجلبوا بِخيلهم ورَجْلهم كلَّ ما يُمكن أن يَتوصّلوا مِن خلِاله لهدفِهم هذا، ومِن ضمن هذا ما يتعلّق بالمرسَل، الذي لم يسيروا في التعاملِ معه على قاعدةٍ مُطرّدة، فهم أحيانًا يُلوّحون بإشهار إرسالِ الخبر لإسقاط الاحتجاجِ به، كما صنعوا هنا حيث عدّوا هذا الخبرَ من مراسيل أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي رَوَتْ حدثًا لم تشهدْه.
وهم أحيانًا يُعرِضون ويَغضُّون الطرف عمّا هو أشدُّ انقطاعًا من المُرسل؛ إن كان غضُّهم عن ذلك موصلًا لهُم إلى مُرادِهم، كما صنعوهُ
هنا حينما أغْمضوا عن اعتبارِ الجُملة التي جاء فيها همُّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بإلقاءِ نَفسِه مِن شواهقِ الجِبالِ بأنّهما من بلاغاتِ الزُّهريِّ، وأنّ البلاغَ لو كان يَعقلون أشدَّ انقطاعًا من المُرسَل، فأتَوا على بلاغِ الزُّهريِّ هذا فاتّخذوه ذريعةً لإبطالِ حديث بَدء الوحيِ المتّصل المسلسلِ بأوثقِ الرُّواة، لأن هذا الحديثَ بزعمهم يُسيءُ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم لهمّه بذلك.
فلو كان عبدُ الحسين مُطرّدًا في قاعدته هذه لما احتَجْنا إلى طولِ بيان في ردّ شبهته وشبهةِ مِن سبَقه ولحِقهُ حول الفقرةِ المتعلّقة بِهَمِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحارِ، لأنه لو أعملَ هذه القاعدةَ في ردّ الخبرِ، لتوقّف عند تصريحِ راوي الحديث - وهو الزُّهريُّ كما سبق معنا - بأن هذه الفقرةَ المتعلّقةَ إنّما هي مِن البلاغاتِ(222) ، والبلاغُ أضعفُ مِن المرسَل باتفاقٍ، لأن الساقطَ في المرسَل إنما يكون واحدًا بحسبِ تقسيماتِ أهل الحديثِ، ولو زاد على ذلك على التّوالِي لصار معضلًا، أو على غيرِ التّوالي صارَ منقطعًا(223) ، وهكذا، وأمّا البلاغ فنحن نعلم ابتداءً بانقطاع الإِسناد، لكن لا نعلمُ عددَ الرّواةِ الذين أُسقطوا مِن السند.
وهذا كان لا بد أن يَظهر لعبدِ الحسينِ باديَ الرأي، بدلًا من أن يُتعب ذِهنَه وقلمَه في تسطير شبهٍ لا قيمةَ حقيقية لها، ولا أثرَ لها إلا تشكيك النّاس بدينِهم، ومصادرِ تلقّيه، ولاقتصر على الرّوايات الأخرى التي أخرجَها البخاريُّ في صحيحه، وليورد حينها من الاشكالاتِ
التي تطرأُ على ذِهنه، واحتارَ فيها عقلُه ما شاء من المُشكلات، وليطْرحها على مائدِة البحث العلمي، وليسألِ الله صادقًا أن يَهديَه سواءَ السّبيل، ليفعل كلّ ذلك ومِثْله مَعَهُ لكن: دون أن يتناقض تناقضًا يُظهر مدى تمكّن الهوى في توجيه التابعِ له.
ولنعد إلى الموقف مِن مُرسلِ الصّحابي(224) فهو من المسائل العِلمية التي ينتَفِعُ بها القارئ، فنقولُ: ذهب جمهورُ أهل العلم إلى الاحتجاج بمرسل الصحابيِّ، ولم يخالف في ذلك من المتقدِّمين إلا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني(225) العالمُ الأصولي المَعروفُ، وتبِعَه على ذلك بعضُ
الأصوليين.
وأما من المُحدّثين، فكذلك: لا يُعرف عن المتقدّمين ردُّ خبرِ الصحابيِّ في هذه الحالةِ، وإنما وُجد عند أحدِ المتأخّرين زمانًا، وهو: ابنُ القطّان الفاسيّ(226) حيث وَصفَ بعضَ أحاديث الصّحابة الكِرام
التي لم يُدرِك رواتُها زمانَ وقوعها، ولم يصرّحوا فيها بسَماعها مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنها مِن المراسيل(227) ويظهرُ مِن صنيعِه هذا عدمُ الاحتجاج بها لذلك، ولذا تعقَّبه غيرُ واحدٍ من أهل العلم بذلك(228) معتبرًا صنيعَهُ هذا بأنه من قبيل ردِّ هذه الأحاديث وعدم العملِ بها.
وعليه، فإن عامّة المحدّثين والأصوليين على قَبولِ هذا النّوع من الرّوايات، وعدم رفضِها، قال الحافظُ العراقيُّ: إنّ المحدّثين وإن ذَكروا مراسيلَ الصحابة فإنّهم لم يختلفوا في الاحتجاجِ بها، وأما الأصوليون فقد اختلفوا فيها؛ فذهبَ الأستاذ أبو إسحقَ الإسفراييني إلى أنه لا يُحتجُ بها، وخالفه عامةُ أهلِ الأصول فجزَموا بالاحتجاج بها، وفي
بعض شروحِ المنار في الأصول الحنفية دعوى الاتفاق على الاحتجاجِ بها، ونقلُ الاتفاق مردودٌ بقولِ الأستاذ أبى إسحق، والله أعلم(229)
وقبلَ الحافظ العراقيِّ؛ قال الإمامُ النوويُّ: وأما مُرسلُ الصحابيِّ وهو: روايتُه ما لم يُدركْه أو يَحضرْه، كقول عائشةَ رضى الله عنها: «أولّ ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن الوَحيِ الرُؤيا الصالحةُ»، فمذهب الشافعيِّ والجماهيرِ أنه يُحتجّ به، وقال الأستاذُ الإمامُ أبو إسحاق الإسفرايينيُّ الشافعيُّ: لا يُحتج به، إلا أن يَقول: إنّه لا يروي إلا عن صحابيٍّ، والصواب الأول(230) .
وقد عُلّل قَبولُ روايةِ ما اصطُلح على تسميته بمرسلِ الصحابيِّ بأنّه في حُكمِ الموصولِ المُسند، لأن روايةَ هذا الصحابيِّ إنّما هي عن صحابيٍّ آخر، والجهالةُ بالصحابيِّ غيرُ قادحةٍ، لأنّ الصحابةَ كلَّهم عدولٌ(231) .
وعودًا لمناقشة عبدِ الحسين فيما ذهب إليه من عدم الاحتجاجِ بهذا الخبر كونه من مراسيل الصحابة الذين لم يدركوا هذه الحادثة، نقول: لو سلمّنا - تنزُّلًا - بعدمِ الاحتجاجِ بمرسلِ الصحابيِّ إلحاقًا له بسائر المراسيل، لما أنزل تسليمُنا بذلك الخبَرَ إلى مَصافِّ الأخبارِ الموضوعة المكذوبة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي لا تقبل بحالٍ من الأحوال، كما يطمعُ عبدُ الحسين ومن نحا نحوَه في السعيِ لإبطالِ الاحتجاجِ بهذا الحديث، وإنما قُصارى الأمر أن يُتوقّف في قبوله، أو يُحكمَ بضعْفِه شأنه في ذلك كشأن سائر المراسيل(232) ، لكن أن يُحكمَ بوضعه لمجرّد كونه مرسلًا؛ فهذا يخالفُ ما تعارف عليه المحدّثون وتناقلوه في كتبِ روايةِ الحديث، بل وما تعارفَ عليه سائرُ العلماء في سائرِ فنونِ الشريعة، لأن الصحابةَ رضي الله عنهم أبعدُ الناس عن نسبة خبرٍ مكذوبٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونصُّ أهل العلم على عدم جوازِ رواية الموضوع لمن كان عارفًا بِوضعه؛ إلا لبيان وضعه، وإن كان هذا قد عُمل به في القرون التي أعقبت قرنَ الصحابة، فمن باب أولى أن يمتنعَ الصحابةُ عن رواية ما لا يَصحُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمرُ أقرب إلى كونِه من البَدَهيات، التي لا يُحتاج إلى التدليل عليه؛ عند من سَلِم عَقلُه من الاختلالات الذّهنيةِ، وطهر قلبُه من الشُّبهات المهلكةِ.
وإذا كان أهلُ العلم لم يَحكموا بوضع مراسيلِ التابعين، لأنهم يعلمون
أهلُ العلم والتابعون من قبلهم بحُرمةِ نسبةِ الخبرِ الموضوعِ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أيُعقل أن يَحكموا بوضع خبرٍ رواه صحابيٌّ من صحابةِ النبي صلى الله عليه وسلم، لم يُدرك تلك الحادثةَ التي روى خبرها؟
خاصةً؛ بأن المرسلَ أمرُ انقطاعِه ظاهرٌ، لا تدليسَ فيه؛ وكلّ من اطّلع عليه يعلمُ أن راويَه لم يسمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما سمِعَه بواسطة، أَغْفلَ هو ذِكرَها لمقاصدَ عدّةٍ مختلفة، وهذا يستدعي منه - ابتداءً - أن يَتحرّز من رَفعِ خبرٍ موضوع ونسبَتِه للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وإلا اشتَهر أمرُه في أوساطِ المحدّثين بأنه يروي الموضوعات، فإذا كان هذا مستبعدًا أشدّ الاستبعادِ عن عصر التابعين، ألا يكونُ أولى بالاستبعادِ عن عصر الصحابةِ الكرام رضي الله عنهم؟!
وهذه كلّها تفريعاتٌ واجترارات ساقنا إليها صعوبةُ توضيح الواضحات، وكون هذا من أشكلِ المُشكِلات، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه.
وممّن انتقد هذا الحديثَ مِن علماء الإمامية: محمد صادق النّجميُّ، الذي قال في كتابِه «أضواء على الصحيحين»: « في هذا الحديث الذي أخرجه الصحيحان فإن جملة (وإني خفت على نفسي) مبهمة ومجملة، ومتعلق الخوف فيها محذوف، وأما ابن سعد أخرج هذه القصة في حديثين بشكل واضح وصريح، وذكر متعلّق الخوف فيه أيضًا، وقال: وإني خشيت أن أكون كاهنًا، وإني أخشى أن يكون فيَّ جنن » .
قلت: رواية ابن سعد رواها عن شيخه الواقديّ، عن إبراهيم بن
إسماعيل بن أبي حبيبة(233) عن داودَ بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما(234) ولو غضَضنا الطّرفَ عن موقفِهم مِن مرويات الواقديِّ في غيرِ المغازيّ(235) وعن تليين إبراهيمَ بنِ إسماعيل مِن قِبل غير واحدٍ من كِبارِ النُّقاد، لما استطعنا أن نغضّ الطّرفَ عن موقِفهم مِن رواية داود بن الحُصين عن عِكرمةَ، فهم أي النُّقادُ وثّقُوه في غيرِ روايته عن عكرمةَ، أما عن عكرمةَ فقد نصّ ابن المديني على نكارتها، وقال أبو داود: أحاديثُه عن عكرمة مناكير، وأحاديثُه عن شيوخِه مستقيمةٌ(236) وهو هنا يروي هذا الخبر عن عكرمة.
مع ملاحظة أن في الخبرِ نفسِه؛ بعضَ ما سيأتي إنكارُه في كلام النَّجميّ، وهو تثبيتُ كلٍّ من خديجةَ رضي الله عنها وورقةَ بنِ نوفل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فهل يليقُ بعاقلٍ أن يَحتجّ بجزءٍ من خبرٍ، ويَردَّ جزءًا آخر في نفس الخبرِ، وهو مرويٌّ بالسند نفسه؟
وأما ما جاء في الرواية الأخرى، وما نُسب فيها للنبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يَا خَدِيجَةُ، إِنِّي أَسْمَعُ صَوْتًا، وَأَرَى ضَوْءًا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ».
فقد رواها ابنُ سعد عن شيخيه يحيى بن عباد، وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عمارُ بن أبي عمار، قال يحيى بن عباد: قال حمّاد بنُ سلمة: أحسِبه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال...فذكر الخبر(237) .
ونحن نرى أن شكًّا وقعَ مِن حمّاد في كون عمّار رفع ذلك لابن عباس، أو رفع ذلك مباشرةً للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى كلا الحالين، فالخبرُ سواءٌ كان من روايةِ ابنِ عباس أو من رواية عمّار بن أبي عمار، فكلاهما مرسلٌ عند الجميع، أما ابنُ عباس فمُرسلُه مرسلُ صحابيٍّ مقبولٌ عند الجماهير كما مرّ معنا، وليس مقبولًا عند المعتَرضين على هذا الحديث، كعبدِ الحسين شرف الدين، والنَّجميّ، وإن كان مرسلَ تابعيٍّ فهو أبعدُ وأبعدُ عن القبول عندهما، فعلام يُحتجُّ بمثل هذا المرسلِ في ردّ ما هو أصحّ منه باتّفاق الموافقِ والمُخالف من العُقلاء المُنصفين؟ والله أعلم.
ثم تابع النجميُّ قائلًا: « ونقلها الطبريُّ كذلك في تاريخه عن عبد الله بن زبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولم يكن من خَلْق الله أبغض إليَّ من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما. قلت: إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبداً لأعمدن إلى حالق من الجبل، فلأطرحن نفسي منه، فلأقتلها ولأستريحن، قال: فخرجت أريد ذلك، حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويظهر من تصريح ابن سعد والطبري؛ وما ورد في صدر الحديث
الذي أخرجه البخاري وذيله تأييد للمعنى المراد؛ من أنه خشي على نفسه من التكهُّن والشعر والجنون(238)
قلت: روايةُ الطبريِّ هذه إنما رواها عُبيد بنُ عُمير(239) ، وهو مِن كبار التابعين، يروي عن الصّحابة الأجلاء، ولمّا لم يذكر مصدرَ سَماعِه لهذا الحديث، صار مرسلًا غيرَ محتجٍّ به عند النّجمي، ومن سار بسيره، بل عند الجميعِ.
دع عنك ما يحتويه الخبرُ مِن معانٍ جاءت مُثبتةً في حديث البخاري، وكانت سببًا في تضعيفِ عبدِ الحسين والنّجميّ وغيرِهما للحديث، كامتناعِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن القِراءةِ، وغطّ جبريل عليه السلام له، وغير ذلك ممّا أنكرَهُ النّجمي وغيره ممن تعرضّوا لنقدِ هذا الحديث المتفّقِ على صَحّتِه.
وأما بالنسبة لما خافه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقد عَرض شرّاحُ الحديثِ له، وذكروا أقوالًا عدّة، أوصلَها الحافظ ابنُ حجر رحمه الله إلى اثني عشر قولًا، وذهب إلى أن أصحّ الأقوالِ وأولاها بالقبول هو أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خاف في تلك اللحظة من الموتِ، وذلك لما لقي من شدّة الرّعب صلى الله عليه وسلم(240) .
وهو وجهٌ وجيهٌ كافٍ لِمن تأمّله، لأنّ ما وقع للنبيّ صلى الله عليه وسلم، شيءٌ لا مثيلَ له
ولا نظير، إلا في مجتمعِ الأنبياء عليهم السلام، على تفاوتٍ منهم في ذلك، فخبرُ نبوءة موسى عليه السلام تَحقّق فيها عنصر المفاجأة، وهذه المفاجأةُ مع ما وافقها مِن ظروف تتعلّق بِعتمة اللّيل في طريق سفرٍ موحش، ولا مُعين لموسى عليه السلام في دفع شرٍّ طارئ، بل المسؤوليةُ بأكملِها معلّقةٌ في عُنُقه، كلّ ذلك أدّى إلى أن يولّي مُدبرًا ولا يعقّب مِن شدّة الخوف، حينما سِمع كلام ربِّ العزّة، ورأى عصاه تتحوّل إلى حيّةٍ تسعى.
وقريبٌ منه في تحقّق الخوفِ الشّديد القائمِ على عُنصر المفاجأة: ما جاء في خبرِ تبشيرِ مريم عليها السلام بنبوءة ابنِها عيسى عليه السلام، وهو ما أدّى بها بعد ذلك، أي - بعد تَحقّقِ صِدق الوحيِ، وصِدق حملِها بكلمة الله عيسى عليه السلام - إلى أن تَتمنى المَوتَ، من شدّة ما وقعَ لها، وما علمتْ بأنه سيقع عليها عند ملاقاةِ قومها.
فما خاف منه نبيُّنا صلى الله عليه وسلم غير منافٍ لطبيعة البشرية، التي جُبلت على الخوفِ من المَجهول، والدَّهشةِ عند وقوع المفاجأةِ، وغيرِ ذلك مما هو مركوزٌ في طباع البشرِ كافّة، على تفاوت فيهم بين مقلٍّ ومستكثرٍ.
وبهذا يتمّ الجوابُ على ما زاده النّجمي مِن شُبهٍ تتعلّق بحديث بدء الوحي، ولم يُسبق له من قبلُ، والله تعالى أعلى وأعلم.
وبه نختمُ الحديثَ على هذا الحديث الشريف، والشّبهِ التي نُسجتْ حولَه مع نقضها بفضل الله وحولِه وقوّته.
والحمد لله رب العالمين
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه
أخرج الإمامُ البخاري هذا الحديثَ في سبعة مواضع من صحيحه، وجاءت عناوين هذه الأبواب كما يلي:
كيف كان بَدءُ الوحيّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم(241) ؟ باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 51](242) . سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق(243) . باب قوله: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2](244) . باب قوله: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} [العلق: 3](245) . باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة(246) .
وأما صحيح مسلم، فقد بوّب بعض شراحه، فقالوا: باب بَدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(247) .
وبوّب الآجري في كتابه الشريعة، فقال: باب كيف نزل عليه الوحيُ صلى الله عليه وسلم(248) .
وقال أيضًا: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها(249) .
وبوّب ابن منده في كتابه الإيمان لهذا الحديث قائلاً: ذِكرُ وجوبِ الإيمان بما أتى به المصطفى عليه السلام عن الله عز وجل من الكتاب والحكمة(250) .
وبوّب الحاكم في المستدرك لهذا الحديث قائلًا: تفسير سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق(251) .
وبوّب أيضًا قائلاً: ومنهم(252) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى رضي الله عنها(253) .
وبوّب اللالكائي لهذا الحديث، فقال: سياق ما روى النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الوحي، وصفته، وأنه بعث وأنزل إليه وله أربعون سنة(254) .
وبوّب أبو نعيم لهذا الحديث في كتابه دلائل النبوّة، فقال: في ذكر بدء الوحي وكيفية ترائي الملك وإلقائه الوحي إليه وتقريره عنده أنه يأتيه من عند الله وما كان من شق صدره صلى الله عليه وسلم(255) .
وبوّب البيهقي لهذا الحديث، فقال: باب ما كان مطالبًا برؤية مشاهدة الحق مع معاشرة الناس بالنفس والكلام(256) .
وقال أيضًا في السّنن الكبرى: باب مبتدأ البعث والتنزيل(257) .
وبوّب البيهقي لهذا الحديث في دلائل النبوّة، فقال: باب مبتدأ البعث والتنزيل، وما ظهر عند ذلك من تسليم الحجر والشجر وتصديق ورقة بن نوفل إياه(258) .
الفوائد(259) :
فيه
دليلٌ على أنّ المُستحبَ في مبالغةِ تكريرِ التّنبيهِ والحضِّ على التّعليمِ ثلاثَ مرّات، وقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قال شيئًا أعادَه ثلاثًا للإفهام، وقد استدل بعض الناس(260) من هذا الحديث أن يُؤمر المؤدِّبُ أن لا يَضربَ صَبّيًا أكثرَ مِن ثلاثِ ضَربات(261) فيه تنبيهٌ على فضل الخَلوة والعُزلة، وثمرةِ التفرُّغ لِذكر الله، فإن ذلك يُريح السِّرَّ من الشّغل بغيرِ الله، ويُقلّ الهمّ بأمور الدّنيا، ويُخلي القلبَ عن التّعلقِ والرّكون لأَهلِها، فيَصفو وتَنْفَجِرُ ينابيعُه بالحِكمة،
وتُشرقُ جوانبُه بالحقائقِ والمَعرِفةِ، ويُفيض عليه مِن نفحاتِ فضلِ الله وأنوارِ رحمَتِه ما قُدَّر لَه(262) فيه: أنّ مَن نزلتْ به مُلِمَّةٌ أَن يُشَارك فيها مَن يثق بِنُصْحِه ورأْيِه(263) فيه إِشارة إلى أَن الدُّنيا لا بدَ فيها من التَّرَدُّد فِي التزّود(264) ينبغي للمُعلِّم والواعظِ أن يَحتاطَ في تَنبيه المُتعلِّم، وأمْرِه بإِحضارِ قلبِه(265) يؤخذُ من الحديث: إن الفازِعَ لا ينبغي أن يُسأل عن شيءٍ حتى يَزولَ عنه فزَعُهُ، حتى قال الإمام مالك: إنّ المذعورَ لا يلزمه بيعٌ ولا إقرارٌ ولا غيرُه(266) فيه: أنّ مكارمَ الأخلاق وخصالَ الخير سببٌ للسّلامة مِن مصارعِ السّوء والمكارِه، فمن كثُر خيرُه حَسُنَت عاقبتُه، ورُجي له سلامةُ الدين والدّنيا(267) فيه
جوازُ مدحِ الإنسانِ في وَجهِهِ لمصلحةٍ، وشرطُه في غير الأنبياء عليهم السلام: انتفاءُ الفتنة أيضًا(268) ينبغي تأنيسُ من حصلت له مَخافةٌ مِن أمرٍ وتبشيرُه، وذكرُ أسبابِ السّلامة له، وأنّ مَن نزلتْ به نازلةٌ له أن يُشاركَ فيها مَن يثقُ بنُصحِه ورأيِه(269) فيه جواز ذكرِ العاهةِ التي بالشّخصِ، ولا يكون ذلك غيبةً(270) فيه دلالةٌ واضحةٌ على أنّ أوّل ما نزل مِن القرآنِ (اقرأ)(271) فيه دليلٌ على كمال خديجة رضي الله عنها وجزالةِ رأيها، وقوةِ نفْسها، وثبات قلبها، وعِظمِ فقهها(272) فيه
تنبيهٌ على أن فقرَهُ صلى الله عليه وسلم كان مرضيًّا اختياريًا؛ لا مَكروهًا اضطراريًا، ومنشؤه كمالُ الكرمِ والسّخاوةِ(273) هذه الصفاتُ المذكورةُ والنّعوتُ المسطورةُ كانت له صلى الله عليه وسلم جِبِلِيّةً خِلْقيةً قبلَ بِعثته الباعثةِ لتتميم
مكارمِ الأخلاق(274)
الحديث الثالث: إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بالجنابة
المطلب الأول: ذكر الحديث. المطلب الثاني: تخريج الحديث. المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث. المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
المطلب الأول: ذكر الحديث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ.
وفي رواية: ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ.
المطلب الثاني: تخريج الحديث
رُوي هذا الحديث عن عددٍ من الصّحابةِ الكرامِ رضي الله عنهم، وهم: أبو هريرة، وعليُّ بنُ أبي طالب، وأنسُ بنُ مالك، وأبو بكرة رضي الله عنهم، وروي مرسلاً عن كلٍّ من: سعيدِ بن المسيّب، وعطاءِ بن يسار، وبكر بن عبد الله المزني، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وتفصيل هذا الإجمال كما يلي:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه :
رواه كلٌّ من أحمد (7238) (7515) (7804) (8466) والبخاريّ (275) (639) (640) ومسلم (605) وأبو داود (235) والنسائي في الكبرى (869) (885) والصغرى (792) (809) وابن خزيمة (1628) وأبو عوانة (1342) (1343) (1344) والسراج (919) والطحاوي
في المشكل (625) (626) (627) وابن حبان (2236) والبيهقي (2/557) وابن المنذر في الأوسط (4/211) من طرقٍ عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ.
وقد رُوِي الحديث عن أبي هريرة بغير هذا المعنى، حيث جاء فيه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم تذكّر كونَه على جنابةٍ بعد أن دخل في الصلاة، ثم اغتسل وعاد فأتمَّ بهم الصلاة الأولى، ولم يستأنف صلاةً جديدةً، وهذا المعنى وإن كان قد روي من غير طريق أبي هريرة رضي الله عنه كما سيأتي معنا، إلا أن هذه الطريق التي سنذكرُها هنا من حديث أبي هريرة هي طريقٌ معلولةٌ لا تصِحُّ بحال، حيث أخرج كلٌّ من الإمام أحمد (9786) والدارقطنيّ (1361) والبيهقيّ في الكبرى (2/556) والمعرفة (3/346) من طريق وكيع قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ: أَيْ كَمَا أَنْتُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ».
وآفةُ هذه الطريق: أسامة بن زيد الليثي ، فهو وإن وثّقه يحيى بن معين، إلا أن يحيى بن سعيد ترك حديثه بأخرة، وبيّن أحمدُ أن من تأمّل حديثه عرف فيه النُّكرة والاضطراب، ورماه غيرُ واحد بالوهم والخطأ، والظاهر أن هذا الحديث من أوهامه، وفيه نكارةٌ واضحةٌ، والله أعلم(275) .
وجاءت هذه الزيادة أعني كون النبي صلى الله عليه وسلم كبّر ثم تذكر في
طريق أخرى رُويت عن أبي هريرة، أخرجها الطبراني في الأوسط (5420) والصغير (806) والبيهقي في الكبرى (2/556) من طريق أبي الربيع عبيد الله الحارثي عن الحسن بن عبد الرحمن الحارثي عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ بِهِمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَرَجَعَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَنَسِيتُ».
ثم قال الطبرانيُّ: لم يروِ هذا الحديثَ عن ابنِ عونٍ إلا الحسنُ بنُ عبد الرحمن، تفرّد به: أبو الرّبيع.
وقال البيهقيُّ: تفرَّد به الحسنُ بن عبد الرحمن الحارثي، ورواه إسماعيلُ بن علية وغيره، عن ابن عون، عن محمد، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وكذلك رواه أيوبُ وهشامُ عن محمّد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو المحفوظ. اهـ.
قلت: والحسنُ المذكور في كلام البيهقيِّ؛ ترجم له البخاري في التاريخ الكبير، وقال: سمع من ابن عون. ولم يذكر البخاريُّ فيه جرحًا ولا تعديلًا(276) ، وكذا صنع ابنُ حبان في كتابه الثقات(277) ، ومثلُه لا يحتمل تفرّده، فضلًا عن مخالفته لإسماعيل بنِ علية وأيوب وهشام، وهم من أخصِّ النّاسِ بمحمد بن سيرين، والأعلم بحديثه.
وطريقُ كلٍّ
من ابن عون وهشام عن محمد المرسلة، أخرجها أحمدُ بن منيع عاطفًا لها على حديث أبي بكرة الذي سيأتي معنا حيث قال أحمدُ بن منيع: وثنا يزيد: ثنا ابن عون وهشام، عن محمد، عن النّبي صلى الله عليه وسلم مثله(278)
حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
رواه كلٌّ من أحمد (668) (669) من طرق عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الله بن زرير الغافقي عن عليِّ بن أبي طالب.
ورواه أحمد (777) من طريق ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن زرير به.
وأخرج حديث ابن لهيعة هذا: البزّارُ في مسنده (890) والطبرانيُّ في الأوسط (6390)، إلا أن ابن لهيعة في هذه الطريق جمع بين عبد الله بن هبيرة والحارث بن يزيد عن عبد الله بن زرير به.
وقال البزّار عقبها: وهذا الحديث لا نحفظه يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه؛ بهذا الإسناد.
وعقّب الطبراني قائلاً: لا يروى هذا الحديث عن عليٍّ إلا بهذا الإسناد، تفرّد به ابن لهيعة.
ونصُّ هذه الرواية: عن عليِّ بنِ أبي طالب: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَائِمًا يُصَلِّي بِهِمْ إِذ انْصَرَفَ فَأَتَى وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَقَالَ: إِنِّي قُمْتُ بِكُمْ ثُمَّ
ذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ جُنُبًا وَلَمْ أَغْتَسِلْ فَانْصَرَفْتُ وَاغْتَسَلْتُ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْكُمْ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَنِي أَوْ وَجَدَ فِي بَطْنِهِ رِزًّا فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَغْتَسِلْ أَوْ يَتَوَضَّأْ.
واللفظُ للبزار.
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه :
رواه الطحاويُّ في مشكل الآثار (624) والطبرانيُّ في الأوسط (3947) والدارقطنيُّ (1362) والبيهقيُّ (2/557) من طرقٍ عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه معاذ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ وَكَبَّرْنَا مَعَهُ فَأَشَارَ إِلَى الْقَوْمِ أَنْ كَمَا أَنْتُمْ، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى أَتَانَا نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدِ اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً.
وقد قال الطبرانيُّ معقِّباً على هذه الطريق: لم يَرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد، ولا عن سعيدٍ إلا معاذُ، تفرّد به عبيد الله بن معاذ.
وقال البيهقي: خالفه عبدُ الوهّاب بن عطاء، فرواه عن سعيدٍ عن قتادة عن بكر بن عبد الله المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
قلت: وسيأتي ذكر هذه الطريق عند إيراد الروايات المرسلة.
حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه :
رواه أحمد (20420) (20426) (20459) وأبو داود (233)
والطحاوي في المشكل (623) وابن حبان (2235)، والبيهقي في الكبرى (2/559) (3/134) والصغرى (1/198) ومعرفة السنن والآثار (3/347) وابن المنذر في الأوسط (4/211) من طرق عن حمّاد بن سلمة عن زيادٍ الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا.
وجاء في بعض روايات أحمد وغيره: أن ذلك كان في صلاة الفجر.
وقال البيهقيُّ بعد إخراجه لهذه الطريق في كتابه معرفة السنن والآثار (3/347): هذا إسناد صحيح، وقد أخرجه أبو داود في كتاب السنن.
من مرسل سعيد بن المسيب رحمه الله :
رواه عبد الرزاق في مصنفه (3660) من طريق رجل عن أبي جابر البياضي عن سعيد بن المسيب قال: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَصْحَابِهِ مَرَّةً وَهُوَ جُنُبٌ فَأَعَادَ بِهِمْ.
ورواه ابن أبي شيبة (4568) في مصنفه والدارقطنيُّ في سننه (1369) من طريق البياضي، إلا أن الراوي عنه عندهما هو ابن أبي ذئب، ولعله هو المبهم في إسناد عبد الرزاق.
ومن طريق الدارقطنيِّ: رواه البيهقي في الكبرى (2/559).
وقد علّق الدارقطني على هذه الطريق بقوله: هذا مرسلٌ، وأبو جابر البياضي متروك الحديث.
وذكر البيهقي مثل ذلك عن البياضي، وزاد: كان مالكُ بن أنس لا يرتضيه(279) ، وكان يحيى بن معين يقول: أبو جابر البياضي كذاب(280) .
من مرسل بكر بن عبد الله المزني:
رواه الدارقطنيُّ في سننه (1363) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن بكر بن عبد الله المزني: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم «دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ مَنْ خَلْفَهُ، فَانْصَرَفَ فَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَيْ كَمَا أَنْتُمْ، فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ».
قال عبد الوهَّاب: وبه نأخذ.
من مرسل عطاء بن يسار رحمه الله :
رواه مالكٌ في موطئه (79 - يحيى الليثي) (171 - محمد الشيباني) (133 - أبو مصعب) عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عطاءِ بن يسار قال: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنِ امْكُثُوا، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ.
وأخرجه من طريق مالكٍ: البيهقيُّ في الكبرى (2/556) ومعرفةِ السنن (3/345).
من مرسل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
رواه من هذه الطريق: عبدُ الرزاق في مصنفه (3642) عن معمرٍ عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: «مَكَانَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ قِيَامٌ فِي الصُّفُوفِ، وَرَأْسُهُ يَنْطُفُ مَاءً.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث
ينطف: النُّطفة والنّطافة: القليلُ مِن الماءِ، ونَطَف الحبُّ والكوز وغيرُهما، ينطُف وينطِف(281) نطفًا، ونطوفًا، ونطافًا، ونطفانًا: قطر(282) ، ونطف الشّعر وغيره ماءً أو رطوبة ينطِف: قَطَر، وليلةٌ نَطوف: دائمة القطر(283) .
وقيل: إن النُّطفة تطلق أيضًا على الكثير(284) وقيل: هو من الأضداد، وقيل:
النطفة الصافي، قليلاً كان أو كثيراً(285)
أومأ: الإيماء: الإشارةُ بالأعضاء كالرأسِ واليدِ والعينِ والحاجب، وقد جاءت في الحديثِ غيرُ مهموزةٍ على لغة من قال في قرأت: قريت، وهمزة الإيماء زائدة، وبابها الواو(286) ، ويقال: وَمأَ إليه يَمَأُ وَمْأً: أشار، مثل: أومأ، وقد تقول العرب: أومأً برأسه، أي قال: لا(287) ، ويُسمَّى الإيماء وحيًا إن كان صادرًا من البشر، كما في قوله تعالى عن زكريا عليه السلام: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)} [مريم: 11](288) .
رِزًّا: هو في الأصل: الصوتُ الخفي؛ ويريد به القرقرة، وقيل: هو الحَدَثُ وحركَتُه للخروج(289) ، ووجدت في بطني رِزًّا، ورِزِّيزَى، وهو الوجع(290) ، ونقل أبو عبيد قولَ أبي عمرو: إنما هو الأرْزُ؛ مثل أرْزِ الحيّة وهو دورانها وانقباضها، فشبّه دورانَ الرِّيح في بطنه بذلك، ثم نقل قول الأصمعي: هو الرزُّ يعني: الصوت بالبطن من القرقرة ونحوها، ثم قال أبو عبيد: والمحفوظ عندنا ما قال الأصمعيُّ، وعليه جاء الحديث، إنما هو الرِزُّ، وكذلك كلُّ صوت ليس بالشديد نحو ذلك من الأصوات؛ فهو رزٌّ(291) .
جُنُب: قال ابنُ فارس: اختلف
النّاسُ في هذا الاسم، مِن أي شيءٍ أُخِذ، فكان الشافعيُّ رحمه الله، يذهب إلى أن ذلك مأخوذٌ من المُخالطة، وقال: معلومٌ في كلام العربِ أن يقولوا للرجل إذا خالطَ امرأته: قد أَجنَب، وإن لم يكن منه إنزالٌ، وكان يقول: ذلك موجودٌ في التقاء الختانين، وإن لم يكن ثَمَّ إنزال.
وقال قوم: الجنابةُ مأخوذةٌ من البُعد، لأنَّ الجُنُبَ بعيدٌ مما كان جائزًا له فعلُه من الصلاةِ وغيرِ ذلك، قالوا: وتقولُ العربُ: رجلٌ جُنُب: إذا كان بعيدًا، وأتيت فلانًا عن جنابةٍ، أي: عن بُعد، والمَعنيان كلاهما يرجِعان إلى أصلٍ واحدٍ، لأن المرادَ إذا خالطَ أهلَه لم يَجُز له إتيانَ الصلاة حتى يغتسلَ، فالمعنى الأولُّ وهو: المخالطةُ بَعَّدَهُ عما كان مباحًا له(292) . اهـ.
المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها
قال الحِلِّي بعد أن ذكر هذا الحديث: « فلينظر العاقل: هل يَحسن منه وصف أدنى الناس بأنه يحضر الصلاةَ ويقوم في الصف وهو جنب؟ وهل هذا إلا من التقصيرِ في عبادة ربه؟ وعدم المسارعة إليها؟ وقد قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، فأي مكلَّف أجدر بقبول هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم(293) » ؟؟ .
الجواب: قد يقعُ هذا الأمرُ مِن عمومِ النّاس على اختلاف طبقاتِهم، أعني: نِسيانَ الوُضوء، وتَذكُّرَ ذلك عند القيامِ إلى الصلاة، ولا ينافي هذا بحالٍ من الأحوال ما جاء في الآيات الكريمات من المسارعةِ والمسابقةِ لفعلِ الخيرات، وإنما كان غيرَ منافٍ لذلك؛ لأن الأمرَ لم يكن مقصودًا متعمَّدًا، بل هو ناتجٌ عن نسيانِ، وأما نفيُ وقوعِ سهوٍ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فهذا ما سنناقِشُه في كلام المظفّر إذ يقول شارحًا كلام الحِلّي ورادًّا على الفضل(294) بيّنّا فيما سبق امتناع وقوع السهو من النبيّ في العبادة، وبطلان التشريع بالأفعال الموجبة لنقصه كما في المقام، فإنّ سهوه عن
الغسل حتّى يشارف على الدخول في الصلاة أو يدخل فيها نقص ظاهر، إذ هو خلاف المحافظة على العبادة والسبق إلى الخير، ومناف لما حثّ به على كثرة تلاوة القرآن التي تكره من الجنب، بل تحرّم إذا كان من العزائم
الجواب: أما ادعاءُ امتناع وقوع سهوٍ من النبي صلى الله عليه وسلم؛ والاكتفاءُ في ذلك بالعُمومات للقول بدوامِ العصمةِ فغيرُ مُسَلَّمٍ، ويُقالُ هنا: هل هذه الدعوى خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم أم تشملُ جميعَ الأنبياء؟ فإن كان الثاني فكيف يقال هذا وربُنا سبحانه وتعالى ينصُّ في كتابه العزيز على نِسيان آدم عليه السلام؟ وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، ومن تأوّل هذا النسيان بغيرِ النسيان المعروف، فقد تكلّف في دعواه، وتَجشَّمَ المصاعبَ في ادّعاءِ ما لا يستطيع هو ولا غيرُه إثباتَه، لأن سياقَ قصة آدم عليه السلام تُبيِّن أنه نَسِي ما أُمر به مِن ربِّه، وإن كانت هذه الدعوى خاصةً بنبينا صلى الله عليه وسلم فعلى مدَّعيها إثباتُ هذا بالأدلةِ الخاصةِ، لأن دعوى العِصمةِ في هذا الأمرِ غيرُ كافية، فهي عند القائلين بها تَشملُ جميعَ الأنبياء، بل وتتعدّى ذلك إلى الأئمةِ الاثني عشرية، وعلى هذا، فلا يَصحُّ التفريقُ بين المتماثلات، فإّما إثباتُ العصمةِ لجميع الأنبياء عليهم السلام، وإما القولُ بجوازِ وقوع النسيان مِن جميع الأنبياءِ عليهم السلام.
ودعوى أن إثباتَ وقوع السهو على الأنبياء يعودُ على الشرائعِ بالبُطلان، دعوى فارغةٌ من أيِّ مضمون، لأنّ هذا السّهوَ عارضٌ؛ لا يستمر
مع أيٍّ من أنبياء الله عز وجل، بل يُرفع مباشرة، خاصةً إذا تَعلّق الأمر بتشريعٍ، فالأنبياءُ عليهم السلام وإن وقعَ منهم سهوٌ ونسيانٌ، إلا أنهم لا يُقرّون على ذلك، بل يُصحِّحُ الله سبحانه وتعالى أفعالَهم، ويرفعُ السَّهوَ ومتعلّقاته عنهم، ومثلُه في ذلك: وقوعُ بعضِ المخالفاتِ اليسيرةِ مِن بعضِهم مع عدم إقرارهِم عليها، وهذا على أصحِّ الأقوالِ فيما يتعلّق بِعِصْمَتهم، حيث إن العصمةَ الثابتةَ لهم عليهم السلام هي العصمةُ من الاستمرارِ على الخطأِ، أمّا وقوعُه ابتداءً مِن أحدِهم، فهذا لا مانعَ فيه؛ لا شرعًا ولا عقلًا، ولا واقعًا، ثم يُصَوّبُ الله عز وجل فِعلَهم، ويرفعُ عنهم كلّ ما يَتعلّقُ بهذا الخطأِ، ولا يُبقي له عينًا ولا أثرًا.
والكمال التام له سبحانه وتعالى وحده {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255].
وهو الذي لا يقع منه سبحانه سهوٌ ولا نسيان {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)} [طه: 52، 53]، وما سواه معرّضٌ لهذا بأمره سبحانه وتعالى وإذنه، لحكمٍ ظاهرةٍ وخفية، وسيأتي ذكرُ بعضِها معنا في خِتام حديثِنا عن هذا الحديث الشريف.
ثم إن الناظرَ فيما ادعاه المظفَّر من نفي وقوعِ السّهو عن نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، ودعواه إقامةَ الأدلّةِ على ذلك، يَسبقُ إلى ذهنِه أن هذا القول هو القولُ الوحيد المُعتمدُ المُجْمعُ عليه عند السابقينِ واللاحقين من علماء الإمامية، بينما النّاظر في كتبِ القوم يتبيّن له عكسُ ذلك تمامًا، إذ يقفُ على أقوال طائفةٍ من متقدّمي الإمامية يصرّحون بجوازِ وقوع السهوِ من نبيّنا صلى الله عليه وسلم، بل ويجعلون هذا هو القولَ المُعتمدَ الذي لا ينبغي أن يُذكر غيرُه،
ويعدّون من قال بخلافه من الغُلاةِ، وقد كنت عرَضتُ لهذه المسألةِ في كتابي الآخر المتعلِّق بالأحاديث المنتقدة المتعلِّقة بالأنبياء عليهم السلام، وأطَلْتُ في عرضِها ومناقشةِ المخالفين فيها، ونقلتُ فيما نقلت قولَ أبي الصّلت للرِّضا: يا ابنَ رسول الله، إنّ في سواد الكوفة قومًا يزعُمون أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم الله، إن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو(295)
وقال الصّدوقُ: إن الغلاة والمفوِّضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وسلم(296) ، وكان شيخُنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله يقول: أولَّ درجةٍ في الغلوِّ نفيُ السَّهو عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولو جازَ أن تُردَّ الأخبارُ الواردةُ في هذا المعنى لجازَ أن تُردَّ جميعُ الأخبارِ، وفي ردِّها إبطالُ الدينِ والشريعةِ، وأنا أحتسبُ الأجرَ في تصنيفِ كتابٍ منفردٍ في إثباتِ سهوِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والردِّ على مُنكِريه؛ إن شاء الله تعالى(297) . اهـ كلام الصدوق.
ثم أتبعتُ نقلي ذلك بقولي: فإنْ قيلَ: بأن ما ذكرَه الصدوقُ كان مذهبًا قديمًا للإمامية، سُرعانَ ما تراجعوا عنه، أو: أن ما صَدرَ من الرِّضا في إثباتِ سهْوِ الأنبياءِ عليهم السلام إنما كان سدًّا لذريعةِ المُغالين في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يصل الأمرُ بهم إلى تَأْلِيههم، قلنا: لو سلَّمنا بكلَّ هذا - مع ظهور التحكّمِ الواضح، والتحريفِ الجلّي لكلِّ ما سبق - فيلزمُ عبدَ الحسين(298) أن يحاكِم كلّاً من الصّدوق وشيخه ابن الوليد، بل والرضا أيضاً، كما حاكم أبا هريرة رضي الله عنه، لروايته حديث سهو النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته.
ثم ذكرت شيئًا من إساءة عبد الحسين للصحابيِّ الجليل أبي هريرة رضي الله عنه بسبب روايته لحديث سهوّ النبيّ صلى الله عليه وسلم في صلاته(299) . اهـ.
ثم قال المظفّر: « على أنّه معرّض لنزول الملائكة عليه، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه جُنُب، كما استفاض في أخبارهم، فكيف يؤخِّر غُسلَه هذا التأخيرَ حتّى ينسى » ؟!
الجواب: نعم، فهو صلى الله عليه وسلم معرَّضٌ لنزول الملائكة عليه في كلِّ وقت وحين، ولكنّ الناظرَ في سنَّته صلى الله عليه وسلم يرى أن الوحيَ قد امتنعَ مِن النُّزول عليه في بعض الأَحيان؛ لبعضِ الأسباب، كما حصل حينما كان في بيته صلى الله عليه وسلم صورةٌ وجروُ كلبٍ،
مما جعل جبريل عليه السلام يمتنع من الدخول عليه حتى يتمّ التخلّص منهما، هذا، مع التذكيرِ بأن جبريل عليه السلام لم يكن دائمَ النزول على نبيّنا صلى الله عليه وسلم في كلّ وقتٍ وحين، بل كان نزولُه بحسبِ الحاجة، حتى إن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما طلب منه الإكثار من زيارته قائلاً: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا»، فَنَزَلَتْ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} [مريم: 64](300) فلعلّ ما حصل للنبيّ الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث تزامنَ مع عدم نزولِ جبريل عليه السلام في ذلك الوقت، فلم يكن في تأخيرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم الاغتسالَ من الجنابة أيُّ تأخيرٍ لتشريعٍ يأتي عن طريق جبريل عليه السلام، على أن نبيّنا صلى الله عليه وسلم بيّن لنا في بعض الأحاديث أن مَن جامَع ثم أراد النّوم وقد كَسِل عن الغسل، فيكفيه أن يتوضأ، وذلك عندما سأله عمرُ رضي الله عنه: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ»(301) وعلّل بعضُ العلماءِ هذا الفعلَ بأن فاعِلهُ يَبيتَ على إِحدى الطّهارتين، بينما عَدَّهُ البعضُ الآخرُ أمرًا تعبُّديًا(302) والمقصودُ هنا هو احتمال كون النبي صلى الله عليه وسلم توضَّأ من أجلِ نومه، ونام على إحدى الطّهارتين، وهذا هو الذي ينبغي أن لا نَعتقد سواه، فهو معلّم النّاس كلَّ خيرٍ، وأولاهم بفعلِه، ولعلَّ هذا الوضوء يكون سببًا في نزول الملائكةِ، وعدم احتجابها عمّن تلبَّس بالجنابة إذا دعت الحاجةُ لنزولها خاصةً
على القول بأن الجُنُبَ المتوضّئَ ينالُ إحدى الطهارتين، فإن افترضنا هذا خرجْنا مِن إشكاليةِ عدمِ نزول الملائكةِ على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حال عدمِ اغتسالِه مباشرةً مِن الجَنابةِ، مع ملاحظةِ: أن من أراد الاغتسال من الجَنابة، لا بُد أن ينتظرَ وقتًا لجلبِ الماء وتجهيزِه وتسخينِه خاصةً في الأزمنة المتقدِّمة وهذا كلُّه مما يُبقي صاحبَه جُنُبًا، وبالتالي؛ يؤدِّي إلى امتناع الملائكة من الاقتراب منه، ومع ذلك، فلا قائل بمؤاخذتِه، فضلًا عن ذَمِّه، ثم مع ذلك كلِّه: ما الذي أدرى المعترضَ أن إِخبارَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم باحتجابِ الملائكة عن الاقتراب ممّن تلبَّس بالجنابة كان قبلَ هذه الحادثة، أَشَهِد هذا المعترضُ التنزيلَ؟ وعاين وقت كلِّ حديثٍ أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ أم هو الحرصُ على إبطالِ صِحّة هذا الحديث بشتّى الوسائل حتى لو كانت بغير وَجه حقٍّ؟ ولو سُئل هذا المعترضُ عن مصدرِ هذا الحديث؛ ومن الذي أخرجه؟ لسُقط في يده ولم يَحِر جوابًا، ولهُرع إلى البحث في الموسوعاتِ ليقف على مصدرها، وكان الأولى به؛ إذا أراد أن يُحكِمَ شبهته أن يذكرَ مصدرَ هذا الحديث، وفي أيِّ الكتب أُخرج، حتى يقطعَ على النّاظر في كلامِه كلَّ وسيلةٍ لعدم قبول شبهته؟ إذ قد يتبادرُ إلى الذهن عند عدمِ عزوِ الحديثِ لمصادرِ تخريجِه عدمُ صحته، أو عدمُ إخراج أصحاب الصحاح له، وقد يكون في الصحيحين أو أحدهما، والاحتمالان الأول والثاني لا يُمَكِّنان المعترضِ من إِحكام شبهته، فالضعيفُ لا يُردُّ به الصحيح، وكذا ما كان خارجَ الصحيحَ لا يقوى على مدافعةِ ما أخرجاه أو أخرجه أحدُهما، وعند النظرِ في الحديث الذي
أورده المعترضُ، نجدُ أن هذا الحديثَ قد وردَ بألفاظٍ مختلفة:
فعند أبي داود من حديث عمار بن ياسر مرفوعاً: «ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ، وَالْجُنُبُ؛ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ»(303) .
وهذا الحديثُ بهذا اللفظ لا إشكالَ فيه، فقد سبق معنا أمرُ النبي صلى الله عليه وسلم للجُنُبِ أن يتوضأَ إذا أراد أن ينامَ قَبل أن يغتسل، ولا شكّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ قبلَ نومِه إذا لم يغتسلْ من الجنابةِ، فهو المُسارعُ المبادرُ لفعلِ الخيراتِ، لا سابق له إليها، لكنَّ الحديثَ قد أُعلَّ بالانقطاع، لكوِنه مِن رواية الحسنِ البصريِّ عن عمّارِ بنِ ياسرٍ، وهو لم يسمعْ منه(304) .
ثم إن الحديث ورد عند البزار (4446) من طريقِ عبد الله بن حكيم - وهو الدّاهريّ - عن يوسف بن صهيب عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ثَلاثَةٌ لا تَقْرَبُهُمُ الْمَلائِكَةُ السَّكْرَانُ والمتمضخ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْحَائِضُ، أَوِ الْجُنُبُ.
وهذا الحديثُ لا يصحُّ بحالٍ، لحالِ عبد الله بن حكيم؛ فهو منكرُ الحديث ليس بثقةٍ ولا مأمون(305) وقد ورد أيضًا بصيغةِ الشّكِّ فيما يتعلّقُ بالجُنب،
هل هو المنصوصُ عليه أم جاء الحديث في حقّ الحائض، لا في حقّه؟
وللحديث طرقٌ أخرى، ذكرها العلامةُ الألبانيُّ في سلسلة الأحاديث الصحيحة(306) ، وذهب على إثرِها إلى تصحيحِ الحديث، ومع التسليمِ بذلك؛ يرى القارئُ بوضوحٍ أن طرق هذا الحديث لا تُداني - فضلًا عن أن تُساوي - طُرقَ حديثِنا هذا المُخرّجِ في الصحيحين، والإنصافُ يقتضي أن تتساوى الأدلة من حيث الثبوتُ - أو تتقاربَ على الأقلِّ - ثم بعد ذلك يُنظر فيها للوقوفِ على إمكانية التوفيقِ أو الترجيحِ.
ثم إنّ أهل العلم قد بيّنوا المراد بالجُنب في هذه الأحاديث، فقال العلامةُ ابنُ الأثير: وأراد بالجُنُب في هذا الحديث: الذي يَتركُ الاغتسالَ من الجنابةِ عادةً، فيكون أكثرَ أوقاتِه جُنُبًا، وهذا يدلُّ على قِلَّة دينِه وخُبْث باطِنِه(307) ، وقيل: أراد بالملائكةِ هاهنا غيرَ الحفظةِ، وقيل: أراد لا تحضُرُه الملائكةُ بخيرٍ، وقد جاء في بعض الروايات كذلك(308) . اهـ.
ونحن نرى في هذه التوجيهات التي ذكرها العلامة ابنُ الأثير رحمه الله؛ حُسنَ تعاملٍ مع أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعدمَ ضربِ بعضها ببعض، بل العَمل على التوفيق بين دلالاتها متى ما صحّت أسانيدُها، وهي طريقةُ العلماء
الراسخين في هذه العلوم الشريفة.
وقبل أن أنتقل إلى الفقرة الآتية، أبيّنُ للقارئِ أن كُتبَ أصحابِ المعترِض قد روت لنا هذا المعنى - وهو كون النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان يُصاب بالجنابة، ثم يمكث مدّة من الزمان حتى يغتسل -، وهو المعنى الذي أثار حفيظة المظفّر وغيرِه ممّن اعترضوا على هذا الحديث، وحرّك فيه الغيرَةَ والحميّةَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك، لم نر من المظفّر وغيرِه ما رأيناه من شدّة إنكارهم وجودَ هذا الحديث في أصحّ كتب الحديث الشريف، وهذه الرّواية ذكرها ابنُ بابويه بقوله: « وسأل حمّادُ بنُ عثمان أبا عبد الله عليه السلام عن رجلٍ أجنبَ في شهرِ رمضان مِن أوّلِ اللّيل، وأَخَّر الغسل إلى أن طَلَع الفجرُ؟ فقال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يُجامع نساءه من أوّل اللّيل، ثمّ يؤخِّر الغُسل حتّى يطلُع الفجر، ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب: يَقضي يومًا مكانه(309) » .
وقال الطوسيُّ: « سعد عن محمد بن الحسين ومحمد بن علي عن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن حبيب الخثعمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي صلاةَ الليل في شهر رمضان، ثم يُجنب، ثم يؤخِّرُ الغُسل متعمّداً حتى يطلع الفجر.
ثم قال الطوسيُّ: فليس فيه أيضًا أنه أخَّر الغُسل متعمِّدًا لغير عُذر،
ويجوز أن يكون إنما أخَّر الغسل لعذرٍ من الاعذار، إما لاستحضار الماء أو لتسخينِه عند البرد أو سببٍ عارض، لأن عند حصول شيءٍ من هذه الاعذار يجوزُ تأخير الغسل ولا يلزمُ القضاءَ ولا الكفارة، وقد بيَّنا فيما تقدم ما يدلُّ على هذا المعنى، فلا وجه لإعادته(310) اهـ.
قلت: وما ذهب إليه الطوسي من احتمالِ كون النبي صلى الله عليه وسلم أخّر الغسل لعُذر كإحضار الماء أو تسخينه، قد لا يُسلّم دائماً، وقد مضى مثلُ هذا التوجيهِ في كلامنا السابق، ومع ذا، لو افترضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخِّر غسلَه دائمًا من أجل هذا العذرِ، فلازمُ الإشكال الذي أورده المظفَّر يبقى قائمًا، فالملائكةُ على رأيه ستحتجبُ أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يُزيل هذه الجنابة، سواءٌ أزالها مباشرةً أم انتظرَ حتى يتحصّل على مرادِه من الماء، وقد يقولُ قائل: بأن هذا اللازم لو كان قائمًا دائمًا لحرص النبيُّ صلى الله عليه وسلم على إحضارِ الماء وتسخينه قبل التلبُّس بالجنابة، حتى لا ينقطعَ نزول الملائكة عليه، والجواب عليه أن يُقال: إن هذا كلّه من التكلُّف الذي ضيَّق به المظفَّر على نفسِه وعلى أتباعه به.
ونحو هذا التكلُّف المرفوض: تكلّف الطوسي في دعواه أن هذا الفعل من النبيِّ صلى الله عليه وسلم قد يكون على سبيل التَقيَّة(311) لكون رواة هذا الخبر هم من أهلِ السنة!
ولا يخطر على بالِ القارئ عند نقل مثل هذا الكلام، إلا أن يسأل الله السلامةَ والعافيةَ ممّا ابتُلِي به غيرُه.
ثم قال المظفّر: « وأيضا: قد تضافرت الأخبار - كما سبق - بأنّه تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبه، فكيف ينامُ عن عبادة ربّه وهو يقظان » ؟!
الجواب: لا علاقةَ فيما يبدو بين هذا الحديثِ الذي ذكره المظفّر، وحديثِنا الذي انتقده، فالله عز وجل جعل من خصائص نبيه صلى الله عليه وسلم أن عينيه تنامان ولا ينام قلبُه، لكن هذا لا يعني بحالٍ من الأحوال أن السَّهوَ مرتفع عنه، وقد مضى معنا أن الموصوفين بالغُلاةِ هم الذين نَفَوا وقوع السَّهوِ من النَّبي صلى الله عليه وسلم، فضلاً؛ عن ظهورِ عدمِ الانضباط في منهج المُظَفّر ومَن سار بسيرِه في طريقةِ الاستدلال بالأحاديث أو ردّها، والذي ظَهر ويظهرُ معنا في كونهم يحتجّون بالحديث إذا كان موافقًا لمرادِهم، ويردّون الحديث إذا كان مخالفًا له، دون النَّظر في كلا الحالين إلى إسنادِهما، وتمثيلُ هذا هنا هو في احتجاج المظفّر بحديثِ عدم نومِ قلب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وانتقاده حديثَ سهوِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، دون إبداء وجه الاحتجاج بأحدهما دون الآخر، مع أن كليهما مخرّجٌ في الصحيح، وهذا اضطرابٌ واضحٌ يصعبُ دفعُه، والله المطّلع على السرائر، لا تخفى عليه خافية، سبحانه.
وأما قوله: ولا يمكن أن يسهيه الله طلبا للتشريع؛ فإنّ نبيّه أشرف عنده من أن يجعله عرضةً للنقص ومحلًّا للانتقاد بأمر عنه مندوحة، وهي
التشريع بالقول، ودعوى أنّ التشريع بالأعمال الفعلية آكد لا نعرف وجهها، بل الأمر بالعكس؛ لأنّ الفعل يحتمل خصوصية النبيّ بخلاف القول العامّ
ففضلاً عن كونه تحكُّماً من المظفّر بشرعِ الله عز وجل، وإملاءً منه على الله عز وجل بالطريقة الأنسب في تعليم النّاس دينَهم، وحَصرَه لطرق التعليم في طريقٍ واحد، ألا وهو التعليم بالقول، فهو يُظهر فقرًا عظيماً منه في الاطّلاع على نصوصِ الشرع الحكيم، سواءٌ منها ما كان في كتاب الله عز وجل، أو في سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم هي الآياتُ والأحاديثُ التي تحدَّثت عن وقوعِ بعض الأفعال من أنبياء الله عز وجل والتي أوخذوا على أثَرِها من الله رب العالمين، وعلى فهمِ المظفّرِ كان يمكن أن يُمضيَ الله حِكمَته دون أن يُعرِّض أحدًا من الأنبياء عليهم السلام لما يؤاخذُ به، فإنزالُ آدم عليه السلام من الجّنّة كان يُمكن أن يَتِمَّ دون أن يَأكلَ من الشَّجرة، بل كان يمكن الاستغناءُ عن كلِّ ذلك، بأن يَخلقَ اللهُ عز وجل آدم عليه السلام من أولِّ الأمر خارجَ الجنة، وإظهارُ حُجَّة إبراهيمَ عليه السلام على قومِهِ كان يُمكنُ أن تتِمَّ دون إظهاره لسُّقمٍ ومَرَضٍ ونسبةِ تكسيرِ الأصنامِ لأكبرِها، والتقامُ الحوت ليونُس عليه السلام بسبب ظنِّه أن لن يُقدر عليه؛ كان يمكنُ أن يَتِمّ بطريقة أخرى يُقرِّرها المظفَّرُ وأمثالُه، دع عنك نصوصَ الابتلاءِ الخالصةِ التي أراد الله عز وجل من ورائها إظهارَ الحِكمِ الرَّشيدة، فأمرُ الله عز وجل لإبراهيمَ عليه السلام بأنْ يَذبحَ ابنَه إسماعيلَ عليه السلام، ليُظهر مدى انقيادِه لأمرِ ربِّه، كان يمكنُ أن يَظهرَ بغيرِ هذه الطريقةِ التي لا نظائر لها في الأوّلين والآخرين، وتمكينُ الله عز وجل ليوسفَ عليه السلام في الأرضِ كان يُمكن أن يَتمَّ
دون تلك الُمقدِّمات المؤلِماتِ التي قَصّها اللهُ عز وجل علينا في كتابِه العزيزِ؛ من إلقاءِ إخوة يوسفَ له في الجُبّ، ثم بيعِه رقيقًا بثمنٍ بخسٍ بعد أن كان حُرًّا معزَّزًا مُكَرَّماً، ثم تُسلُّطِ امرأةِ العزيزِ عليه لإيقاعِه في الفاحشةِ الكبرى، ثم استنصارِها على ذلك بجمعِ النسوة اللاتي قطّعن أيديهن بعد رؤيتهنّ له عليه السلام، ثم سَجنِه بعد ذلك بِضعَ سنين، ليخرجَ بعد ذلك ويُصبح مكينًا أمينًا قائمًا على خزائن مِصر، مع ما سبّبه ذلك كلُّه من حزنٍ شديدِ ملأَ قلبَ يعقوبَ عليه السلام، وكان من تبعاتِه أن ابْيَضَّت {عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)} [يوسف: 84]، وصبرُ أيوب عليه السلام كان يمكنُ أن يُظهرَه ربُّ العزَّة لنا بطريقٍ غير تلك الطريق التي تمّ ابتلاؤُه فيها بمرضٍ طال عهدُه به، واشتد أمرُه عليه، حتى لجأ إلى ربّه متضرّعًا قائلًا: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83، 84]، وقُل مثلَ ذلك في كلِّ مراحلِ سيرةِ نبينا صلى الله عليه وسلم، والتي عانى فيها ما عانى، وتَعرَّض فيها لشتى صنوف الأذى، وكلُّ ذلك كان يُمكن أن يَتِمَّ بطرقٍ أخرى يقترحها المظفّر ومن اقتنع بقوله، بدلًا من حصولِها بما قدّره الله عز وجل وقضاه، وهذا استدراكٌ قبيحٌ على صنيع الله عز وجل لا يتوقّع صدوره من عامّة النّاس، فكيف يُقال ممّن أُدرج في قائمة العلماء، وتصدّر للردود على سائر فِرق المسلمين؟!
وأما احتجاجُ المظفّر بكونِ فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم قد يُحمل على الخصوصية، دون قولِه صلى الله عليه وسلم الذي يُحمل دومًا على العموم: فهو تهويشٌ منه بما لا ينفعهُ في مثلِ هذا الحديثِ، إذ ما علاقةُ
هذه القاعدةِ بحديثِنا هذا، وهل يَخطُر على بالِ أحدٍ أن تَذَكُّرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كونه على جنابةٍ ثم اغتسالَه، ثم رجوعَهُ إلى الصَّف، يَحتملُ الخصوصية؟ وهل هذا إلا عينُ الاستكثار المذموم من إيراد وحشدِ كلِّ ما يخطر على البالِ من شُبهات مهما تدنّت درجتُها في الوهن من أجل الوصولِ إلى الهدف الأدنى، ألا وهو: تضعيف أحاديث أصحّ الكتب بعد كتاب الله عز وجل؟!
وقد تابع المظفّر سردَ شبهته قائلًا: « ولو تنزّلنا عن هذا كلّه، فلا نتصوّر حاجةً للتشريع في أمرِ الغسل؛ لأنّ الواجب المؤقّت الذي لم يفُت وقته، أو غيرَ المؤقّت، لا يحتاج إلى التشريع بعد النسيان، لكفاية الأمر الأوّل في لزوم الإتيان به » .
ليس في هذا الحديث أيُّ تشريعٍ جديدٍ، وإنما فيه إظهارُ بعضِ الأمور التي قد تخفى على بعضِ المسلمين، كتعرُّضِ النبي صلى الله عليه وسلم للنِّسيان، وأن الإمام إذا تذكَّرَ إصابَتَه بالجنابةِ فعليه أن يُبادر بالذهاب للاغتسالِ - ويُقاس عليه إصابتُه بالحدَث الأصغر، وذهابه للوضوء - وعلى المأمومين أن ينتظروه، وأقلُّ ما يُمكن أن يُحملَ عليه حكمُ انتظارهم هو الاستحباب، اقتداءً بالصحابة الكرام رضي الله عنهم فيما فعلوه في تلك الحالة، وإقرارِ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وسلم لهم على ذلك، ويبدو أنّ المُدّة لم تكن طويلةً، فاغتسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم على عَجَلٍ؛ ثم رجع وصلّى بهم، وهذا الذي ينبغي أن يَسْلُكَه من تلبّس بمثل هذه الحالة من الأئمة.
ثم قال المظفّر: هذا،
ولا يخفى أنّ حديث الجنابة الذي ذكره المصنّف رحمه الله لم يُصرّح بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الجنابةَ بعد الدخول في الصلاة، ولكنّ حديث أحمد عن أبي هريرة صرّح به، قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى الصلاة، فلمّا كبّر انصرف، وأومأ إليهم أي: كما أنتم ثمّ خرج فاغتسل، ثمّ جاء ورأسُه يقطر فصلَّى بهم، فلمّا صلَّى قال: إنّي كنت جنبا فنسيت أن أغتسل
وكذا حديث أحمد عن عليّ عليه السلام ، قال: « صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومًا، فانصرف ثمّ جاء ورأسُه يَقطر ماء، فصلَّى بنا، ثمّ قال: إنّي صلَّيت بكم آنفًا وأنا جنب، فمن أصابه مثل الذي أصابني، أو وجد رزّا في بطنه، فليصنع مثل ما صنعت » .
ومثله في كنز العمّال، عن الطبراني.
ونقل في (الكنز) أيضًا في صفحة قبل الصفحة المذكورة عن ابن عساكر عن أبي بكرة: « أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كبّر في صلاة الفجر، ثمّ أومأ إليهم، ثمّ انطلق فاغتسل، فجاء ورأسه يقطر فصلَّى بهم » .
ونحوُه في موطَّأ مالك، تحت عنوان: إعادة الجنب الصلاة وغسله إذا صلَّى ولم يذكر... إلى غير ذلك من أخبارهم » . اهـ.
قلت: رُوي حديثُ الباب على صورتين: الأولى منهما: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تذكّر الجنابةَ قبل أن يَدخلَ في الصلاة، فأَعْلمَ أصحابَه بذلك، وطَلبَ منهم أن يَنتظروه، فذهبَ واغتسلَ ثم عاد إليهم، فَصلّى بهم، وهذا هو
المُخَرَّج في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وطريقُه عند البخاري من رواية: صالح بن كيسان عن الزُّهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به، وطريقه عند مسلم من رواية: وهبِ بن يونُس عن الزُّهري به.
وأما الصورة الثانية: فهي التي جاءت الرواية فيها بإثبات أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كبَّر للصلاة، ثم أشارَ إليهم بالمكوثِ بعد أن تَذكّر أنه على جنابةٍ، وذهب واغتسل ثم عاد وصلَّى بهم، وهم ما زالوا ينتظرونه.
وهذه الرواية أخرجها أحمد (9786) وابن ماجه (1220) والدارقطني (1361) والبيهقي (2/556) من طريق: أُسَامَة بْن زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ - أَيْ كَمَا أَنْتُمْ - ثُمَّ خَرَجَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ».
وأُعلَّت هذه الرواية بأسامة بن زيد وهو اللّيثي، فقد تكلَّموا في حفظه، ولا يُحتمل تفرّدُه في مقابل الثقات(312) .
وروي من غير هذه الطريق: أخرجه البزّار (9922) قائلًا: حَدَّثَنا عبيد الله بن مُحَمَّد أبو الربيع، حَدَّثَنا الحَسَن بن عبد الرحمن بن العريان، حَدَّثَنا ابن عون، عن مُحَمَّد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خرج للصلاة فلما اصطفت الصفوف أومأ إليهم بيده ثم دخل فرجع وَرَأسُه يَقطرُ فصلَّى بهم.
ثم قال البزار: وهذا الحديث لم نَسمعْهُ إلا مِن أبي الرَّبيع، وكان ثقةً مأمونًا.
وأخرجه من طريق أبي الربيع: الطبرانيُّ في الأوسط (542) والصغير (806) والبيهقي (2/556) ثم قال الطبراني: لم يروِه عن ابنِ عون إلّا الحسنُ بن عبد الرحمن، تفرَّد به أبو الربيع الحارثي.
وعلّق البيهقي قائلًا: تفرَّد به الحسنُ بن عبد الرحمن الحارثي، ورواه إسماعيل ابنُ علية وغيرُه، عن ابنِ عون، عن محمَّد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وهو المحفوظ ، وكلُّ ذلك شاهد لحديث أبي بكرة. اهـ
ويُستفاد من كلام البيهقي أمران: أنَّ الأصحَّ في هذه الروايةِ هو الإرسال، وهو ما رواهُ غيرُ واحدٍ عن ابنِ عون به، بخلاف وصلِ الحسنِ بنِ عبد الرَّحمن الحارثيِّ لها، وهو لا يُعرف.
والثاني: أن هذا الحديث قد رُوي عن أبي بكرة.
أما روايات الإرسال التي أشار إليها البيهقيُّ فقد أخرجها هو نفسُه في معرفة السنن والآثار (3/346) ثم أشار إلى رواية الوصلِ هذه، قائلًا: والأول - يعني الإرسال - أصحُّ.
وكان أبو داود قد أشار إلى ذلك أيضاً، فقال في سننه (234): ورواه أيوبُ وابنُ عونٍ وهشامٌ عن محمَّد مرسلًا عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية أبي بكرة رضي الله عنه حيث جاء فيه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا». أخرجه أحمد في المسند (20420) ومواطن أُخر، وكذا أبو داود في سننه (233)، والطحاويُّ في شرحِ المُشْكل (623) وابنُ حبان (2235) والبيهقيُّ في الكبرى (2/556) من طرق عن حمَّاد بن سلمة، عن زيادٍ الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة به.
والحسنُ لم يسمع من أبي بكرة، قال الحافظ ابنُ رجب: وحديثُ الحسن عن أبي بكرة في معنى المُرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين(313) . اهـ.
قلت: ومع ذا، فقد صحَّحه البيهقي(314) !!
ورُوي من حديث أنسٍ رضي الله عنه، قال فيه: «دَخَلَ النَّبِيُّ عليه السلام فِي صَلَاةٍ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرْنَا مَعَهُ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقَوْمِ أَنْ كَمَا أَنْتُمْ فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى أَتَانَا، وَقَدِ اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً».
أخرجه الطحاويُّ في المُشكل (624) والطبرانيُّ في الأوسط (3947) والدارقطنيُّ (1362) والبيهقيُّ (2/557) عن معاذٍ العَنبري عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ عن قتادةَ عن أنسٍ رضي الله عنه به.
قال البيهقيُّ: خالفه عبدُ الوهاب بن عطاء، فرواه عن سعيدٍ عن قتادةَ عن بكرِ بنِ عبدِ الله الُمزَنِيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مرسلًا. اهـ.
وكان الدارقطنيُّ قد أشار إلى هذا الخلافٍ قائلًا: خالفه عبدُ الوهاب.
ثم أخرج الدارقطنيُّ هذه الرواية من طريق عبد الوَهّاب عن سعيدِ بنِ أبي عَروبة عن قتادةَ، عن بكرِ بنِ عبدِ الله المُزنيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم «دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ مَنْ خَلْفَهُ، فَانْصَرَفَ فَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَيْ كَمَا أَنْتُمْ، فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ».
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَبِهِ نَأْخُذُ(315) .
وقد تعقّب الشيخُ الألبانيُّ ما سبق قائلًا: عبدُ الوهاب تُكُلِّمَ فيه مِن قِبَلِ حِفظه؛ فإن كان حَفِظَ هذا فهو إسنادٌ آخرُ لقتادةَ مرسلٌ؛ وإلا فروايةُ معاذِ والدِ عُبيد اللهِ أَصحّ؛ لأنه ثقةٌ حُجّةٌ اتفاقًا.
ثم نقلَ الشيخُ الألبانيُّ أفضلَ ما قيل في معاذٍ العنبري، ثم قال: وفي هذا غايةُ المدحِ بالضَّبط والحفظِ والإتقانِ؛ فمثلُه إذا خولف فهو
المُقدَّم، وروايتُهُ هي الراجحةُ بلا شكٍّ(316)
وقد روي عن عطاء بن يسار مرسلًا، أخرجه مالكٌ في موطئه (79)، وجاء فيه قولُ عطاءٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنِ امْكُثُوا، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ.
وقد رُوي الحديثُ أيضًا عن عليِّ بن أبي طالب مرفوعًا: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُصَلِّي إِذِ انْصَرَفَ وَنَحْنُ قِيَامٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى لَنَا الصَّلاةَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي ذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ جُنُبًا حِينَ قُمْتُ إِلَى الصَّلاةِ لَمْ أَغْتَسِلْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ فِي بَطْنِهِ رِزًّا، أَوْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَلْيَنْصَرِفْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ، أَوْ غُسْلِهِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى صَلاتِهِ».
أخرجه أحمد (668 - 669 - 777) والطبرانيُّ في الأوسط (6/272 - رقم 6390) والبزار (890) من طريق ابن لهيعة، حدَّثنا الحارثُ بن يزيد، عن عبدِ الله بن زريرٍ الغافقيِّ، عن عليِّ بن أبي طالب به.
قال البزار: وهذا الحديث لا نحفظه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
وقال الطبرانيُّ: «لا يُروى هذا الحديث عن عليٍّ إلا بهذا
الإسناد، تفرَّد به ابن لهيعة».
قلت: وأخَّرت ذِكرَ هذه الطريق مع كونها مرفوعةً، لاحتمال المنازعةِ في دَلالتها على المقصود، إذ ليس فيها التصريحُ بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أتمَّ لهم تلك الصلاةَ التي كان قد افتتحها، ثم تذكَّر بعدُ أنه على جنابة، أو ابتدأ بهم صلاةً جديدة.
فضلاً، عن حال عبدِ الله بن لهيعة مدار هذا الحديث، فهو متكلّم في حفظه كما هو معلومٌ.
ثم يبقى النّظر بعد ذلك في مجموعِ هذه الطرق، هل تَصلُح لتقوية بعضها بعضًا، مما قد يؤدِّي إلى تصحيحِ هذا اللَّفظ، والذي فيه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كبّرَ؛ ثم تذكَّر فذهب فاغتسل ثم أتمَّ بهم تلك الصلاة؟ أم أنّ هذه الطرق مع كَثرتها لا تغني شيئًاً، ولا تعني صحّةً، إذ أن أقوى طرقها: مراسيل؟ وهي تُخالف ما في الصحيح، والقاعدةُ: تقديم ما في الصحيح على غيرِه عند التعارض، إذا تكافَأت الأسانيدُ من حيثُ الصحة، فكيف إذا كان ما في الصحيح موصولًا؛ موافقًا لقواعد الشريعة، وما في خارج الصحيح مرسلًا يخالف المعروفَ المعهودَ المعمولَ به في الشريعة؟!
والجوابُ: أن طائفة من أهل العلم اعتبروا ما جاء في هذه الروايةِ حادثةً ثانيةً حصلت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، غيرَ تلك التي حصلت في رواية أبي هريرة، فكان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حالان: الأولى تذكّر فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم كونَه على جنابةٍ قبلَ أن يدخُلَ في الصلاةِ، وهي رواية الصحيحين، والثانية: تذكَّر فيها النبيُّ صلى الله عليه
وسلم كونَه على جنابةٍ بعد دخوله في الصلاة، وفي الحالتين ترك مكانَه وذهب واغتسل، ثم عاد، فصلّى بهم، صلاةً: ابتدأها في حديث أبي هريرة وهي رواية الصحيحين وصلاةً: أتمّها في حديثِ أبي بكرة ومراسيل غيرِه، وهذه الطريقة أعني تعدُّدَ الواقعة، قال بها طائفةٌ من أهلِ العلم كالإمام ابن حبّان رحمه الله؛ الذي قال بعد إخراجه للروايتين: هذان فِعلان في موضعين متبايِنِين، خرج صلى الله عليه وسلم مرة فكبَّر، ثم ذكر أنه جُنُبٌ فانصرف فاغتسل، ثم جاء فاستأنَف بهم الصلاةَ، وجاء مرةً أخرى فلما وقف ليكبِّر ذكر أنه جُنُبٌ قبلَ أن يُكَبِّر، فذهبَ فاغتسل ثم رجع فأقامَ بهم الصلاةَ، من غير أن يكون بين الخبرينِ تضادٌّ ولا تهاتُرٌ(317)
وأما القاضي عياض فقد قال في شرحه على صحيح مسلم: وقولُه في الحديث: «قبلَ أن يُكَبِّر» دليل بيِّن أنه لم يكن دخلَ في الصلاة، وفى البخاريِّ: «وانتظرنا تكبيرَهُ»، وقد ذكر أبو داود الحديثَ، وفيه: أنه كان إذا دخل في الصلاة فأومأ بيده أن مكانكم، واستُدل منه على جواز صلاةِ من صلَّى خلف الجُنُب، ويَجِب أن يُجمع بين الأحاديث، وأن معنى دخولِه في الصلاة أي: للصلاة، كما قال في الرواية الأخرى في الأمّ: «حتى إذا قام في مُصلّاه»، «وقام مَقامه» في الأخرى، ثم بيَّن وفسّر بقوله: «قبل أن يُكَبِّر»، فأثبت وزاد ما أغفله غيرُه ونَسِيَه، أو ترك بيانَه(318) .
وقد ذكر الحافظُ ابنُ حجرٍ روايةَ أبي بكرة التي مرّت آنفًا، ثم قال: ويُمكنُ الجمعُ
بينهما بحملِ قولِه: «كبَّر» على: أراد أن يُكبِّر، أو بأنهما واقعتان؛ أبداه عياضٌ والقرطبيُّ احتمالاً، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابنُ حبَّان كعادته، فإن ثبت؛ وإلا فما في الصحيح أصح(319)
قلت: لم يظهر لي من كلامِ القاضي عياضٍ أنه يَميلُ إلى اعتبارِها واقعتين، بل نَصُّه السابقُ يُظهِر فيه تقديمَه لرواية الصحيحِ على ما سواه، ولم أَقف على كلامٍ له يُخالِف هذا، وأما النوويُّ فإنه نَقَل كلامَ القاضي عياضٍ هذا، ثم أتبعه قائلاً: ويحتمل أنهما قضيَّتان، وهو الأَظْهر(320) .
وقال الحافظُ ابنُ رجب: وليس في الحديث أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بنى على ما مضى من تكبيرةِ الإحرام وهو ناسٍ لِجنابته، فإن قُدِّرَ أن ذلك وقع فهو منسوخٌ؛ لإجماعِ الأمةِ على خِلافه، كما ذكره ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُه، فلم يَبق إلا أحدُ وجهين:
أحدهما: أن يكون صلى الله عليه وسلم لما رجع كبَّر للإحرامِ، وكبَّر الناسُ معه، وعلى هذا التقديرِ، فلا يبقى في الحديثِ دلالةٌ على صِحَّة الصلاةِ خلفَ إمامٍ صلّى بالنّاس مُحدِثًا ناسيًا لِحَدَثِه.
والثاني: أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم استأنفَ تكبيرةَ الإحرامِ، وبنى الناسُ خلفه على تكبيرِهم الماضي.
وهذا هو الذي أشار إليه الشافعيُّ، وجعله عمدةً على صِحَّة صلاة المتطهِّر خلفَ إمامٍ صلّى مُحْدِثًا ناسيًا لِحَدَثِه(321) . اهـ.
ثم قال المظفّر: وهي بظاهرها باطلة؛ لإفادتها أنّهم لم يَنْقضوا صلاتَهم، وأتمّوها مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما اغتسل وصلَّى، وهذا ضروريّ البطلان؛ للفصل الطويل الواقع في أثناء صلاتهم؛ ولأنّ الجماعة لا تنعقد مع سبق المأمومين تكبيرة الافتتاح، فتزيد أحاديث نسيان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للجنابة إشكالا فوق إشكال، فاتّضح أنّها كاذبة على سيّد المرسلين(322) !
قلت: سبق ما ذكره الحافظ ابن رجب احتمالًا من كونهم استمروا على تكبيرِهم بينما كَبّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تكبيرًا جديدًا وصلّى بهم، ولا دليل على طول الفصل بين التكبيرتين الأولى والثانية، بل الظاهر قِصَرُ الفصلِ لانتظار الصحابة الكرام في مصافِّهم، ولو طال الفصلُ لفارقوا الصلاةَ، وهذا ما استظهَرَه القاضي عياضٌ حيث قال في أثناء شرحِه للحديث: «أشار إلينا مكانَكم، فلم نزل ننتظره قيامًا حتى خرج وقد اغتسل، فكبّر وصلّى بنا»: بَيَّنَ في هذه الروايةِ أن انتظارَهم له كان وَهُمْ قيامٌ في مصارفهم(323) ولم يذكر أنه أعاد الإقامةَ، ولعلّ هذا لقُرْبِ رجوعِه وسُرعَةِ ظُهورِه بدليلِ قولِه لهم: «مكانَكم» وبقائِهم قيامًا، وبهذا قال مالكٌ: إنَّ من انصرف مِن صلاتِه أو قطَعَها لعُذرٍ؛ أنه إن كان لم يَطُلْ فإنه يعود إليها بالإقامةِ الأولى، وإن كان قد طالت صلاتُه أو عملُه فيبتدأُ إقامةً أخرى(324) . اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وقد بنى الشافعيُّ على روايةِ من روى: أنه صلى الله عليه وسلم كان كبَّر ثم ذَكَر، ووافقه الإمامُ أحمد في رواية الأثرمِ وغيرِه، وهؤلاء استدلوا بهذا الحديث على أن مَن صلَّى خلفَ مُحْدِث ناسٍ لحدَثِه أن صلاتَه مجزِئَةٌ عنه، ويُعيد الإمامُ وحده إذا ذَكر بعد تمامِ صلاتِه، كما رُوي عن عُمرَ وعُثمان، وقيلَ: إنه لا مخالفَ لهما من الصّحابة، بل قد رُوي مثلُه عن عليٍّ، وابنِ عُمر أيضًا، وهو قولُ جمهورِ العلماء، منهم: النخعيُّ، وسفيانُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمد،
قال ابنُ مهديٍّ: قلتُ لسفيانَ الثَّوريِّ: تعلم أنّ أحدًا قال: يُعيد ويُعيدون عن حمّاد؟ قال: لا.
وهذا إذا استمرَّ نسيانُ الإمام حتى فرغَ مِن صلاتِه، فأمّا إن ذَكر في أثناء صلاتِه فخرج، فَتطهَّر ثم عاد، فإنّ الإمامَ لا يَبني على ما مضى من صِلاته بغيرِ طهارةٍ بغيرِ خِلاف، فإنّ من صلّى بغير طهارةٍ ناسيًا فإنّ عليه الإعادةَ بالإجماع؛ لقولِ النّبي صلى الله عليه وسلم: لا يَقبلُ الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ. وقولِه: لا يَقبل اللهُ صلاةً بغيرِ طهور(325) . اهـ.
قلت: وكذا هو عندنا في الإمام إذا تذكَّر أنه مُحدِث بعد تكبيرِه، أو أحدَث بعد تكبيرِه،
فإنه يفارقُ الصلاةَ ويستخلفُ أحدًا غيرَه يصلِّي بالناس، وفي هذه الحال، فإنّ المأمومين يستمرُّون في صلاتِهم بالتكبيرةِ الأولى، وهذا يوافقُ ما جاء في توجيهِ الحافظِ ابنِ رجب وغيرِه مِن أهلِ العلم؛ مِن أنّ الإمامَ يغتسلُ ويعودُ ويستأنفُ التكبيرَ، بخلافِ المأمومين فإنّهم يتبعونَه على تكبيرتِهم الأولى، والله أعلم.
وكان ابنُ طاوس - وهو المتقدِّم على الحِلِّي والمظفّرِ زمانًا - قد قال في الطرائف بعدَ أن ذكرَ هذا الحديثَ وغيرَه مما فيه سهوُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : قال عبدُ المحمود: انظر رحمك الله إلى هؤلاء القوم السفهاء؛ كيف شهدوا لرجل أنه أكمل الأنبياء وأعقل العقلاء، وإن عنده من الفطنة والبصيرة ما لم يبلغ إليه أحد ممن كان قبله ولا يأتي بعده مثله، ثم يصدِّقون مثل هذه الغفلة عنه ويصحِّحون أن ذلك وقع منه؟ ولو سمعوا مثلَ ذلك عن أبي بكر وعمر كذبوا قائله ولعنوا ناقله، احمد الله على السلامة من الاقتداء بهم والاتباع لهم، ولا سيّما عترة نبيهم الذين أمرهم الله بالتمسك بهم متفقون إن هذا ما جرى منه وإن نبيّهم منزّه عنه فلم تلتفت الأربعةُ المذاهب إلى من زكّاه وصدقوا من ذمّه ورووا عنه ما حكيناه(326) . اهـ.
قلت: لم ينفردْ ابنُ طاووس بشيءٍ ذي قيمة يستحق الردّ، وما سبق في الردِّ على الحلّي والمظفّر يتضمّن الردّ على ما جاء في كلامِه، فشبهتُه لم تجاوِز ما مرّ معنا من كلامِهما، إلا أنه نسب لأهل السنة أمرًا هم منهم
بُرءاء، وهو نسبته لهم أنهم يردُّون مثل هذا الخبرِ لو كان قيل في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويقبلونه في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذه دعوى عريضة لا محلّ لها على أرض الواقع، وقائلُها قد سَقط في سِلك التقوّل والافتراء على علماء المسلمين، لأنّ أهل السنة قد رووا نحوًا من هذا الخبر بل أشدّ منه في حقِّ عمرَ وعثمانَ رضي الله عنهما، واستدلّوا بأخبارِهم هذه على أحكامٍ عدَّة؛ منها ما مرّ معنا من أن الإمام إذا تذكّر أنه على غيرِ وضوءٍ بعد انقضاء الصلاة فإنه يُعيد لوحدِه، ولا يُعيد من صلّى خلفَه، ومرّ معنا قريبًا قولُ الحافظ ابنِ رجب: وهؤلاء استدلوا بهذا الحديثِ على أن من صلّى خلف مُحدِثٍ ناسٍ لحَدثِه أن صلاتَه مجزئةٌ عنه، ويُعيد الإمامُ وحده إذا ذَكر بعد تمامِ صلاته، كما رُوي عن عمرَ وعثمان. اهـ.
قلت: وقد جاءت عن عمر رضي الله عنه أخبارٌ عدّةٌ في ذلك، منها ما أخرجها الإمام مالك في موطئه من حديث زُييد بن الصلت، أنه قال: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى الْجُرُفِ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدِ احْتَلَمَ، وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ. فَقَالَ: وَاللهِ مَا أُرَانِي إِلاَّ قَدِ احْتَلَمْتُ وَمَا شَعَرْتُ، وَصَلَّيْتُ وَمَا اغْتَسَلْتُ. قَالَ: فَاغْتَسَلَ، وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ، وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ. وَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ. ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى مُتَمَكِّناً(327) .
وأوضحُ منه في الدّلالة على مُرادنا هنا، ما أخرجَه الدارقطني في سننه عن الشريد الثقفي: أن عمر صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَأَعَادَ وَلَمْ
يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا.
ثم أخرج الدارقطنيُّ عن محمّد بن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ «صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَمَّا أَصْبَحَ نَظَرَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا، فَقَالَ: «كَبِرْتُ وَاللهِ أَلَا أَرَانِي أَجْنُبُ ثُمَّ لَا أَعْلَمُ»، ثُمَّ أَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا.
قلت: والأثران رُويا من طريقِ عبدِ الرّحمن بن مهدي، الذي علَّق قائلاً: وهو هذا المجتمعُ عليه؛ الجُنُب يعيدُ ولا يُعيدون، ما أعلمُ فيه اختلافًا(328) . اهـ.
وكان الدارقطنيُّ قد أخرجَ عن عليٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ صَلَّى بِالْقَوْمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَعَادَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَأَعَادُوا. ثم ضَعّف الدارقطني هذا الأثرَ بقولِه: عمرو بن خالد هو أبو خالد الواسطي، وهو متروكُ الحديث، رماه أحمد بن حنبل بالكذب(329) . اهـ.
وقال ابنُ عبد البر: وأما اختلافُ الفقهاءِ في القومِ يُصلّون خلفَ إمامٍ ناسٍ لجنابَتِه؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما والثوريُّ والأوزاعيُّ: لا إعادةَ عليهم، وإنّما الإعادةُ عليه وحدَه، إذا عَلِم اغتسل وصلَّى كلَّ صلاةٍ صلاّها وهو على غير طهارةٍ، ورُوي ذلك عن عُمر وعُثمان وعليٍ على اختلافٍ عنه
وعليه أكثرُ العلماء، وحَسبُك بحديثِ عُمر في ذلك فإنّه صلَّى بجماعةٍ مِن الصحابةِ صلاةَ الصُّبح ثم غدا إلى أرضه بالجرف فوجَد في ثوبِه احتلامًا فغسَله واغتسلَ وأعادَ صلاتَه وحدَه، ولم يأمرْهم بإعادةٍ، وهذا في جماعتهم من غيرِ نكيرٍ، وقد رُوي عن عمرَ أنه أفتى بذلك... إلى آخر كلامه رحمه الله(330)
ثم من أواخر من اعترض على هذا الحديث ممن له قَبولٌ عند أتباعه: عبدُ الحسين شرف الدين، إذ يقول في سياق عرضِه لشُبهته: ومن سخافات الرجل قولُه: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه ذكر أنه جُنُب... الحديث.
نَبرأُ إلى الله منه وممّن يجيزُه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان في جميعِ أوقاتِه على طهور، وكان الوضوء على الوضوء عنده نوراً على نور، وأنبياء الله كافّةً منزّهون عن مضمونه، معصومون عما هو دونه مما لا يليق بالصديقين وصالحي المؤمنين(331) .
قلت: مع أن عبد الحسين لم يأت بجديدٍ في شبهته هذه، إلا أنه زاد شيئًا يصعُب تصوُّر صدورِه عن أحدٍ من العقلاء! وهو نفيُ وقوع الجنابةِ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كلِّ أحوالِه، وهذا ما يدلُّ عليه ظاهرُ كلامِه
على أقلّ تقديرٍ فإن كان عبد الحسين يقولُ بهذا حقيقةً، فهو قولٌ مردودٌ لا حظَّ له في سَداد القول، ولا يقترِبُ منه بحالٍ من الأحوال، ولو طُرِد هذا القول لهوى بمعتَقِده إلى أسفل سافلين، نسأل الله السلامةَ والعافيةَ، ذلكم أن الإجماعَ قد انعقد على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان له ذريةٌ من خديجةَ رضي الله عنها، وهُنّ بناتُه الأربعُ: زينبُ ورقَيّةُ وأمُ كلثومٍ وفاطمةُ، فضلًا عن أولادِه الذّكور الذين لم يُكتب لهم طولُ عُمُر، وكذا أنجبت ماريةُ رضي الله عنها منه ولدَه إبراهيم، والذي مات صغيرًا أيضًاً، ولقائلِ هذا القول الغريبِ أن يتصوّر مخاطر أبعادِه، وما يلزمه من إلزامات، {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)} [طه: 44]!
بل لم يقصر عبد الحسين قولَه الباطل على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، بل عمّمه ليشمل به سائرَ الأنبياءِ عليهم السلام.
وما أوصل عبدَ الحسين ومن سار بسيره إلى هذه الأقوال الشاذّة إلّا غلوّهم في مسألة العصمة، التي اتخذوها تُرسًا يدفعون به كلّ خبرٍ يخالف ما تقرّر عندهم فيها، ولو كان هذا الخبرُ مرويًّا بأصح الأسانيد، وأقوى الطرق، ولو كان تَعرُّضه أو تعارُضُه مع مسألة العصمة - عندهم - من طرفٍ خفيٍّ!
وكم ذمّت شريعتنا الغرّاء الغلوّ، وحذّرت من تبعاته، وبيّنت مسالك الضلال التي اندرج فيها أهلُه، ومن ذلك قوله تعالى مخاطبًا أهل الكتاب: {لَا
تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة: 77].
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُهُ»(332) .
وبعرض شبهة عبد الحسين وبيان خطرها وأبعادها - فضلًا عن ضعفها - نكون قد أتينا على أهمّ الإشكالات التي عرضت لهذا الحديث الشريف الكريم، وجلّينا وجه الحقّ في كلِّ ذلك، بفضلِ الله وبرحمته، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه
أخرج الإمام مالك هذا الحديث في ثلاثة مواطن من الموطأ، قال في الأول منها: بابُ إعادةِ الجُنُب الصلاةَ، وغُسلُه إذا صلّى ولم يَذكر، وغسله ثوبه(333) .
وقال في الثاني: بابُ الحَدَث في الصّلاة(334) .
وقال في الثالث منها: بابُ غُسل الجُنُب إذا صلّى ولم يغتسل(335) .
وبوّب عبدُ الرزاق لهذا الحديث فقال: باب الرجلِ يؤمُّ القومَ وهو جُنُب أو على غيرِ وُضوء(336) .
وقال ابنُ أبي شيبة: الرّجلُ يُصلّي بالقومِ وهو على غيرِ وضوء(337) .
وأخرج الإمامُ البخاريُّ هذا الحديث في مواطن من صحيحه، فقال في الأول منها: بابُ إذا ذَكر في المسجدِ أنّه
جُنُب، يَخْرجُ كما هو، ولا يَتيمَّم(338)
وقال في الثاني: بابٌ: هل يخرجُ مِن المسجدِ لِعِلّة(339) ؟
وقال في الباب الثالث: بابٌ: إذا قال الإمامُ: (مكانَكم) حتى رجع؛ انتظروه(340) .
وبوّب شرّاح مسلم لهذا الحديث فقالوا: باب متى يقومُ الناسُ للصّلاة(341) .
وبوّب أبو داود لهذا الحديث فقال: بابٌ في الجُنبِ يُصَلّي بالقومِ وهو ناسٍ(342) .
وأخرج النسائي هذا الحديث في سننه الكبرى مرّتين، فقال في الأولى منهما: الإمامُ يذكُرُ بعد قيامِهِ في مُصلاّه أنّه على غيرِ طهَارةٍ(343) .
وبوّب في المرّة الثانية بقولهِ: إقامةُ الصُّفوف قبلَ خروجِ الإمام(344) .
وبوّب ابنُ خزيمة لهذا الحديث بقوله: بابُ افتتاحِ غيرِ الطّاهر الصلاةَ ناويًا الإمامةَ، وذِكرُه أنه غيرُ طاهرٍ بعدَ الافتتاح، وتَركُه الاستخلافَ عند ذلك، لِينتظرَ المأمومون رجوعَه بعد الطهارةِ فيؤمّهم(345) .
وبوّب أبو عوانة
لهذا الحديث بقوله: بيانُ النّهي عنِ القِّيام إذا أُقيمت الصلاةُ في المسجدِ من المأمومين حتى يرَوا الإمامَ، وما يعارضُه من الأخبارِ الدّالةِ على إباحةِ القيامِ إذا أُقيمت الصلاةُ، وأنّ الناسَ يقومون في مَصّافهم، ثم يقومُ الإمامُ في مقامِه(346)
وبوّب ابنُ المنذر لهذا الحديثِ فقال: ذِكْرُ الإمامِ يَذكرُ بعد افتتاحِ الصلاةِ أنه جُنُبٌ، وانتظار مَن خلفِه رجوعَ الإمام إليهم بعد الاغتسالِ لُيِتمّ بهم بقيةَ صلاتِهم(347) .
وبوّب الطحاويُّ لهذا الحديث فقال: بابُ بيانِ مُشْكلِ ما رُوي عنه عليه السلام في صُفوفِ النّاس وراءَه للصلاةِ، وفي قيامِه منهم مقامَ المصلّي بهم، وذِكْرِه بعد ذلك أنه كان جُنُبًا، وإشارتِه إليهم: أيْ كما أنتم، حتى أتاهم قد اغتسل ورأسُه يَقطرُ ماءً: هل كان ذلك مِنهُ بعدَ أن كان كبّر للصّلاةِ أو
قَبل تكبيرِه كان لها(348)
وبوّب ابن حبان لهذا الحديث قائلًا: ذِكْرُ الإباحةِ للإمامِ إذا أحْدَثَ أن يَتركَ تَوليةَ الإمامةِ لغيرِه؛ عند إرادتِه الطهارةَ لِحدَثَه(349) .
وبوّب الدارقطني لهذا الحديث قائلًا: بابُ صلاةِ الإمامِ وهو جُنُبٌ أو مُحْدِثٌ(350) .
وقال البيهقيُّ: بابُ إمامَةِ الجُنُب(351) .
وبوّب له مرّة أخرى قائلًا: بابُ الصلاةِ بالنّجاسةِ، وموضع الصلاة من المسجد وغيره، إمامة الجنب(352) .
فوائدُ الحديث:
فيه جوازُ الإقامةِ والإمامُ في مَنزله إذا كان يسمعُها(353) فيه أن القيامَ للصّلاةِ لا يَلزمُ بالإقامةِ، ولا بقولِ المُقيمِ: قد قامت الصلاةُ أو: حيَّ على الفلاح(354)
مَن انصرفَ مِن صلاتِه أو قطَعَها لعُذرٍ: إن كان لم يُطِل فإنه يَعودُ إليها بالإقامةِ الأُولى، وإن كان قد طالت صلاتُه أو عملُه فيبتدأُ إقامةً أُخرى(355) قد يَحتجُّ بهذا الحديثِ من يرى أنّ إقامةَ أهلِ المسجدِ تُجزي
الحديث الرابع: بول النبي صلى الله عليه وسلم قائماً
المطلب الأول : ذكر الحديث. المطلب الثاني : تخريج الحديث. المطلب الثالث : بيان الغريب الواقع في الحديث. المطلب الرابع : ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس : ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
المطلب الأول: ذكر الحديث
عن حذيفة رضي الله عنه قال: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ».
المطلب الثاني: تخريج الحديث
رُوي هذا الحديث من طريق الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه به:
أخرج هذا الحديث كلٌّ من: الطيالسيِّ (406) وابن أبي شيبة (1317) وأحمد (22734) والحميديِّ (447) والبخاريِّ (224) ومسلمٍ (273) والترمذيِّ (13) وأبي داود (23) والنسائيِّ في الصغرى (18) (26) (28) والكبرى (18) (23) (224) وابن ماجه (305) (306) والبزّار (2863) (2865) وابنِ قتيبة في تأويل مختلف الحديث (88) وابن شاهين في ناسخ الحديث (73) والطبريِّ في التفسير (8/208) وابن المنذر في الأوسط (252) وأبي عوانة (499) وابن خزيمة (61) وابن حبان (1424) (1425) (1427) (1428) وأبي نعيم في المستخرج (625) والبيهقيِّ في الكبرى (1/101) (1/274) وابن عبد البر في التمهيد (11/145) والاستذكار (85) والخطيب في التاريخ (7/99) (8/360) وابن عساكر في تاريخه (40/473) والرافعيِّ في التدوين (300) من طرق كثيرة عن الأعمش: سمع أبا وائل، عن حذيفة رضي الله عنه: أَتَى رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ «فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: فَذَهَبْتُ أَتَبَاعَدُ فَدَعَانِي حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: وسقطت على أبي كلمةٌ(369) .
ونقل الترمذيُّ في سننه قولَ وكيعٍ: هذا أصحُّ حديثٍ رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في المَسحِ(370) .
وقال النسائيُّ: قال سليمانُ في حديثه: ومَسحَ على خُفَّيْه، ولم يذكر منصورٌ المسحَ(371) .
وتابع الأعمشَ: منصورُ بن المعتمر، حيث أخرج روايته كلٌّ من: الطيالسي (407) وأحمد (23248) والبخاري (225) (226) (2471) ومسلم (273) وأبي داود (23) عن أبي وائل قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، وَيَقُولُ: «إِنَّ: بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ».
فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ «أَتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا».
وقد جمع بعضُ الرّواة بين الأعمش ومنصورٍ في إسناد واحد، حيث أخرج هذه الطريق: النسائيُّ في الكبرى (23) والصغرى (28) وأبو نعيم في الحلية(372) ، فقال:
حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: ثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، سمع أبا وائل شقيقًا، عن حذيفة، ح:
وحدثنا محمد بن جعفر بن الهيثم، قال: ثنا جعفر بن محمد الصائغ قال: ثنا قبيصة قال : ثنا سفيان عن منصور والأعمش عن أبي وائل عن حذيفة: «أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا».
زَادَ الْأَعْمَشُ: «ثُمَّ تَنَحَّى فَأَتَى بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
ثم قال أبو نعيم: رواهُ الناس عن الأعمش، ورواه عن أبي وائل: منصور، وعاصم، وحصين؛ في آخرين. اهـ.
قلت: جاء في التدوين للرّافعي(373) قولُه: روى أبو الحسين أحمد بن فارس في بعض الأجزاء عن عليِّ بن مهرويه البزاز إملاءً سنةَ تسعٍ وعشرين وثلاثمائة: ثنا المنسجرُ بنُ الصلت: ثنا عبدُ الكريم بنُ روح البصري: ثنا شعبة عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
وجاء في رواية أخرى إقران منصور بسيَّار، أخرج هذه الرواية: أبو
نعيم في الحلية(374) حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن أحمد الرازي بمكة: ثنا إسحاق بن محمد بن كيسان: ثنا المستمر(375) بنُ الصلت: ثنا عبد الكريم بن روح ثنا شعبة أخبرني منصور وسيّار، عن أبي وائل، عن حذيفة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
ثم قال أبو نعيم: غريب من حديث شعبة عن سيّار، تفرّد به عبد الكريم.
قلت: وعبدُ الكريم هذا، قال فيه أبو حاتم: مجهول، ويقال: إنه متروك الحديث، فلم أسمع منه(376) ، وقال فيه ابنُ حبان: يخطئ ويخالف(377) ، وضعّفه الدارقطني(378) .
وقد روي هذا الخبرِ من طريق عبد الكريم هذا:
* من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه :
أخرج ذلك: الخليلي في الإرشاد(379) قال: حدثنا الحسينُ بنُ عليِّ بنِ
محمد المذكر، وعبد الله بن محمد الحافظ، وغيرهما، قالوا: حدثنا علي بن إبراهيم القطان، حدثنا المنسجر بن الصلت، حدثنا عبد الكريم بن روح، حدثنا سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني، عن المغيرة بن شعبة أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
ثم قال الخليليُّ: حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ، سليمانُ التّيمي رواه عند جماعة ، غريبٌ من حديث الثوري عنه، لم يروه عنه غير عبد الكريم، واختلف على سليمان، منهم من رواه عنه عن بكر مرسلًا عن المغيرة، ومنهم من جوَّده، فرواه عن المغيرة عنه. اهـ.
وقد رُوي من غير طريق أبي وائل، أخرجه الإمام أحمد في مسنده (23345) قائلاً: حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس يعني ابن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن نهيك بن عبد الله السلولي، حدثنا حذيفة قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا».
وقد ذكره البخاريُّ في تاريخه الكبير (8/122) في ترجمة نَهيك بنِ عبد الله السلولي حيث قال فيها: سمع حذيفة بن اليمان، روى عنه أبو إسحاق، يعد في الكوفيين، (بالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قائِمًا)، قاله لنا أبو نعيم عن يونس بن أبي إسحاق.
وكذا رُوي الحديثُ عن عاصمِ بن بهدلة عن أبي وائل، أخرجه البزّار (2890) من طريق يزيد بن هارون، قال: أنبأنا شريكٌ، عن عاصم، عن أبي وائل، عن حذيفة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ
فَبَالَ قَائِمًا، وَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
ثم علَّق البزار قائلًا: وهذا الحديثُ إنما يرويه أصحابُ عاصمٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة.
ثم قال البزار (2891): وأخبرناه فضالة بن الفضل العطار الكوفي، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائلٍ، عن المغيرة بن شعبة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقد أخرج الإمام أحمد في العلل هذا الحديث فقال: سَمِعت أَبَا دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا.
وَمَا هُوَ كَمَا يَقُولُ الأَعْمَشُ، مَا حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ إِلا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ كنت قد سَمِعْتُ حَدِيثَ الأَعْمَشِ مِنْهُ؛ فَلَقِيتُ مَنْصُورًا فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِيهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا(380) .
قلت: ومفاد هذه الطريق أن عاصمًاً كان يخطِّئ الأعمش في جعل هذا الحديث من رواية حذيفة، ويرى عاصمٌ أن الحديث هو حديث المغيرة،
ويصرّح بذلك فيقول: ما حدثنا أبو وائل إلا عن المغيرة بن شعبة.
إلا أن شعبة لم يقنع بذلك، حيث كان قد سمع الحديث من الأعمش منتهيًا به إلى حذيفة، فعاد وسأل منصورَ بن المعتمر على ذلك، فأكد له حديث الأعمش، وأن الحديث حديثُ حذيفة لا غير.
وقد أخرج الحديث من طريق عاصمٍ: الترمذي في علله الكبير(381) ، ولم يذكر قولَ عاصمٍ في تخطئة الأعمش، وإنما ذكر قولَ شعبةَ في سؤالهِ لمنصور عن ذلك، ثم قال الترمذي: وروى حمّاد بنُ أبي سليمان عن أبي وائل عن المغيرة بنِ شعبة مثل روايةِ عاصم، والصحيح ما روى منصور والأعمش. اهـ.
وذكر ابن أبي حاتم هذا الحديث في العلل، وبيّن أنه عرض اختلافَه على أبيه وأبي زرعة، والاختلاف الذي عرضه يتعلّق بروايتين، الأولى: أن أبا بكر بن عيّاشٍ قد جمع بين عاصم والأعمش في إسنادٍ واحد عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة، فبيّن أبو حاتم وأبو زرعة أن أبا بكر بن عياشٍ إنما وَهِم في هذا الإسناد، وأنه أراد إسنادًا آخر.
وهذا نصُّ ما جاء في العلل، وهو قول ابن أبي حاتم: وسألت أبي وأبا زرعةَ عن حديثٍ رواه سفيانُ الثوريُّ، وشعبةُ بنُ الحجاج، وجريرُ بن حازم، وأبو معاوية الضرير، ويحيى القطانُ، وابنُ عيينة، وجماعة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ في المسح
على الخفين، ورواه أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش وعاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأيهما الصحيحُ من حديث الأعمش؟
قال أبي: الصحيحُ من حديث هؤلاء النفر: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وَهِم في هذا الحديث أبو بكر بن عياش؛ إنما أراد: الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن المغيرة، ولم يميِّز حديث أبي وائل من حديث مسلم.
قلت لأبي زرعة: فأيهما الصحيح؟
قال: أخطأ أبو بكر بن عياش في هذا؛ الصحيح من حديث الأعمش: عن أبي وائل، عن حذيفة.
ورواه منصور، عن أبي وائل، عن حذيفة؛ ولم يذكر المسح، وذكر أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بال قائمًاً.
قلت: فالأعمش؟ قال: الأعمش ربما دلّس.
ثم سأل ابنُ أبي حاتم عن حديث عاصم عن أبي وائل عن المغيرة، فقال: وقلت لأبي وأبا زرعة: حديثُ الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، أصح، أو حديث عاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة؟ قال أبي: الأعمش أحفظ من عاصم.
قال أبو زرعة: الصحيحُ: حديث عاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم(382) .
قلت:
ويتبيّن مما سبق أن الخلاف في تعيين راوي هذه الطريق من الصحابة قويٌّ ومشكلٌ، والأكثر على جعله من حديث حذيفة رضي الله عنه، وتصويبِ الأعمش في روايته له، مما يعني تخطئةَ عاصمٍ في تخطئتِه للأعمشِ في ذلك، والله أعلم.
ومن الطرق المُشْكلة لهذا الحديث ما رواه الطبراني في معجميه: الأوسط (4961) الصغير (752) عن شيخه القاسم بن عفّان(383) عن عمّه أحمد بن مسلم(384) قال: حدثنا عيسى بن يونس عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبيِّ عن شقيق - وهو أبو وائل - عن حذيفة قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، فَدَعَانِي فَقَالَ: «لِمَ تَنَحَّيْتَ عَنِّي؟ فَجِئْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
ثم قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا زكريا، ولا عن زكريا إلا عيسى بن يونس، تفرد به: أحمد بن مسلم
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث
سُباطة: السين والباء والطاء أصلٌ يدل على امتداد شيءٍ، وكأنه مقارِبٌ لبابِ الباء والسين والطاء، يقال شعر سبْطٌ وسبِطٌ، إذا لم يكن جعدًا، ويقال أسبط الرجل إسباطًا، إذا امتد وانبسط بعدما يضرب، والسُّباطة: الكُناسة، وسمِّيت بذلك لأنها لا يحُتفظ بها ولا تحتجن(387) .
وقد قيل في وصفها بأنها: الموضعُ الذي يُرمى فيه الترابُ والأوساخُ وما يُكنس من المنازل، وقيل: هي الكُناسة نفسُها(388) .
المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها
ملخّص الشبه التي أثيرت حول هذا الحديث الشريف:
سأقوم بتلخيص الأفكار التي دارت حولها الشبهات قبل سياقها بألفاظ أصحابها، وذلك على هيئة النقاط التالية:
الزعمُ أن هذا من فعل السفهاء. هذا الحديث يظهر أنّ حذيفة رضي الله عنه هو من يُعلِّم النبيَّ صلى الله عليه وسلم آدابَ قضاء الحاجة. هذا الحديثُ معارِضٌ لما صَحّ عن عائشةَ رضي الله عنها في نفيِ بول النبيِّ صلى الله عليه وسلم قائمًا منذ أن بُعث. هذا الحديث يعارِضُ ما نُقل من نهيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه عن البولِ قائمًا. لا بد أن يُصيب من بال قائمًا شيءٌ من رَشاش البولِ النَّجِس. معارضةُ هذا الحديث لما جاء من وعيدٍ في عددٍ من الأحاديثِ في شأنِ مَن تساهلَ في الاستبراءِ مِن بَولِه.
أن هذا الحديث موضوعٌ، وضعه الصحابةُ الذين ورِثوا هذه الفِعلةَ مِن الجاهليةِ ولم يستطيعوا تركَها! لا يليق بمقام نبيٍّ أن يبول قائمًا عند مزبلةٍ. في هذا الحديثِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تعدّى على مُلك جماعةٍ، حيث بال في المزبلةِ التابعة لهم، دون استئذانهم بذلك.
هذه خلاصة الشبهة التي قدَّمها أصحابها للطعن في صحّة هذا الحديث، وما يُبنى عليه من نسبة الصحابة كلّ قبيحٍ للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذا إثبات وقوع الموضوعات في صحيح البخاري، وغير ذلك من لوازم هذه الشبه، والتي ستظهر معنا من خلال مناقشتنا لأصحابها.
وقبل أن أبدأ بالردِّ على هذه الشبه الواحدة تلو الأخرى بحول الله تعالى، أُحب أن أبدأ بذكر شرحٍ لأحد علماء الإسلام أجابَ فيه عن جُلِّ هذه الشبهة، وذلك عند تعرّضه لبيان معنى كلمة (سُباطة) من حيث اللّغة، وهذا العالم هو: جمال الدين الفَتَّنِي الهنديُّ الُمتوفى في القرن العاشر، حيث قال في كتابه مجمع بحار الأنوار: والكُناسة موضعٌ يُرمى فيه التُّرابُ والأوساخُ وما يُكنس من المنازل، وقيل: هي الكُناسة.
وإضافُتها إلى القوم للتخصيصِ لا للمِلكِ، لأنها كانت مَواتًا مُباحة، وبال قائمًا لأنه لم يجد موضعًا للقعود، لأنّ الظاهرّ أن لا يكون موضعُ السُّباطة مستويًا، أو لمرضٍ منعَه عن القُعود، أو للتّداوى من وجع الصُّلب؛
وفيه أن مُدافعةَ البول مكروهٌ، لأنه بال قائماً فيها ولم يؤخِّرْه، ط(389) وهى تكون مرتفعةً عن وجهِ الأرضِ غالبًا لا يرتدُّ فيها البولُ على البائلِ، ويكون سهلًا. تو(390) وهذا لبيانِ الجوازِ فلا يُنافي ح(391) أنه إذا ذهب المذهبَ أبعد، ولأنَّ أمْرَ البولِ أخفّ، ولحصولِ الاستتارِ بإرخاءِ الذَّيل. ك(392) هي بضمِّ مُهمَلةٍ وخفةِ مُوّحَدة، خلف حائطٍ أي: بستان(393) اهـ.
قلت: فكلام هذا العالم الجليل أجابَ فيه عن عددٍ من الشبهات من حيث لا يقصِد، فهو أجابَ عن شُبهة لزوم ارتداد رشاش البول على من بال قائمًا، لكون هذه السباطة غالبًا ما تكون مرتفعة، يأمنُ
من بال فيها من أن يتلطّخ بشيءٍ من هذا البول، وأجاب أيضاً عن شبهة من ادّعى أن هذا الحديث يلزمُ منه اعتداء النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أملاكِ غيرِه، حيث بال في مزبلةٍ تابعة لهم، فبيّن هذا العالم الجليل أن الإضافةَ هنا إنما هي من بابِ التخصيص لا من باب المِلْكية، فالأرض مواتٌ لا مالكَ لها، وكذا أجابَ في كلامِه السابق على من ظنّ أن في هذا الحديثِ كشفًا للعورة ومخالفةً لما صحّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من كونه إذا أراد المذهب أبعد، لاختلاف حال البول عن التغوّط، سواءٌ في انكشاف العورة، أو في انبعاثِ الرائحة، وكلُّ ذلك منتفٍ في حقِّ نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خاصة، وفي سائر أحواله صلى الله عليه وسلم العامّة.
ومع كون كلام جمال الدين الفتَّني ألصق بالفصل السابق - أعني شرح غريب الحديث -، إلا أني آثرتُ ذِكرَه هنا لاشتمالِه على عددٍ من الأجوبةِ الشافيةِ على تلك الإشكالاتِ الآتية، واتخذتُه مدخلًا للردِّ عليها، وسأبدأُ بِذكرِ إشكالات المعترضين، مُتْبِعًا كلّ إشكالٍ بالردِّ عليه، وكعادتي أبدأُ بذكر قولِ الأقدمِ منهم، ثم الذي يليه، إن كان عنده زيادة:
قال ابن طاوس: (قال عبد المحمود): انظر أيَّدك الله إلى قومٍ رووا في كتبهم: إن نبيهم علَّم الناس الآدابَ في البول والخلاء وسائر الأمور الدينية والدنيوية، وإنه لا يبول قائمًا كما يفعله السفهاء، ويتباعد عن الناس وقتَ بوله، ثم يصدِّقون ويصحِّحون أنه بال قائماً كما يفعل السفهاء والأراذل.
قلت: المقدِّمةُ الأولى صحيحةٌ، فأهلُ
العلم هم أحرصُ الناس على رواية السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم ما ترك صغيرةً ولا كبيرةً تقرِّبنا إلى ربّنا سبحانه وتعالى إلاّ وأرشدَنا إليها، وقد علّمنا صلى الله عليه وسلم آدابَ قضاءِ الحاجة، وكيفيةَ التَّطَهُّر وإزالة النّجاسة المترتّبة عليها، وكتبُ الفقهِ دائمًا ما تَبدأُ بكتُب الطَّهارةِ، والحالُ كذلك في غالبِ كُتُبِ الحديث، لكن ما بناه عبدُ المحمودِ المذكور من كون هذا يلزمُ مِنه عدم بولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قائمًا، وأن هذا مِن فِعل السُّفهاء، فهو مِن كِيسه وتقريراته التي لا علاقة للشريعة المحمّدية بها، وهو محضُ استحسانٍ خالفَ به ما صحّ عن نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وأعظمُ علماءِ هذه الأمة بعد الصحابَة والتابعين، من أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة، وغيرهم من الأكابر قد صحّ عنهم دعوَتُهم إلى نبذِ آرائهم إن هي خالفت الكتابَ والسُّنة، فكيف يُقبل مثلُ هذا من عبد المحمود وأمثالِه؟!
ثم تابع ابن طاووس قائلًا: « والله ما بلغ أعداؤهم إلى هذه الحال، وإني سمعت جماعةً من أهل الملل يشهدون أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان بهذه الصفات، وإنه كان مؤدَّبًا منزَّهًا عن هذه الأمور المنقصات » .
قلت: مثلُ هذه التعميمات لا ينبغي أن تصدُر ممّن له أقلّ اطلاعٍ على علوم الشريعة، بل لا ينبغي أن تصدُر من إنسانٍ عاصر وشاهَد ما يَمكُره أعداءُ الإسلام لهذا الدين الحنيف، وعاينَ مدى حرصهم على استهداف شخصِ نبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ومحاولة إلصاقِ كلِّ شائنةٍ فيه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم.
ولذا،
حينما يقف الناظر على مثلِ هذا الكلام الصادرِ من رجلٍ يشارُ له بالبنان من قبل علماء الإمامية قَبل عَوامّهم، وتُتداولُ كتبُه وأقوالُه واختياراتُه بينهم، يعجبُ أشدّ العجب، ويرى أن أهون ما قد يقال في قائله: إنه مبالغٌ أشدّ المبالغة في تهوينه من شرور أعداء الإِسلام، وعدم مبالاته لكلّ ما يصدرُ عنهم من إجرامٍ في حقّ المسلمين، وفجورٍ منهم في عداوةِ دينهم القويم، ونبيِّهم الكريم صلى الله عليه وسلم، ومتحاملٌ أشدّ التحامل في الحطِّ على علماء الإسلام ونسبتِهم إلى إلصاقِ القبائح بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، حاشاه صلى الله عليه وسلم من أن يُنسب له شيءٌ من السوء، وحاشا علماءَ الإسلام أن يُظنَّ بهم هذا الظنّ الخبيث.
مع أن ابن طاووس يعرفُ هو وأمثاله - وإن لم يعترف -: أن أهلَ العلم هُم أكثرُ النّاس تعظيمًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأحرصُ النّاس على اتِّباع هديه وسنته وسمته وطريقته، وأعلمُ النّاس بما صَدر عنه من أقوالٍ وأفعالٍ، وأقدرُ النّاس على دفع كلِّ شينٍ عنه، صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم.
ويعرف - ابن طاووس - كذلك أن أعداء الإسلام هم أكثرُ النّاس حرصًا على هدمِ هذا الدين العظيم، وأجرأُ النّاسِ على نسبة كلِّ قبيحٍ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأحرصُ النّاس على تشويهِ صورته الكريمة، والتَّنفيرِ من اتّباعه صلى الله عليه وسلم وسلوكِ طريق الهداية الذي أرشد النّاس إليه صلى الله عليه وسلم، {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم: 35، 36].
ثم إن استشهاد ابن طاووس على فضلِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم بتزكيةِ جماعةٍ مِن أهلِ الملل:
هو استشهادٌ بما لا قِيمة له في ميزانِ الشهادات، خاصةً في هذا الباب، ألا وهو باب: الطهارةِ والنظافةِ وإزالةِ النّجاسات، لأن القومَ أكثرُ الناس تلبُّساً بالنَّجاسات، وأبعدُ الناس عن كلِّ طهارةٍ حسية، فكيف يُقدِّم ابنُ طاووس رأيَ مَن يداوم على التلبُّس بالنجاسات، على سنةٍ ثابتةٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بأصحِّ الأسانيد، رواها لنا الصحابيُّ الجليلُ حذيفةُ بن اليمان رضي الله عنه؟
أليس هذا السبيل في الاستدلال من أبعد السبل عن مصادر تلقّي هذا الدين العظيم من كتابٍ وسنّة وإجماعٍ وقياسٍ صحيح، وما يَلحق ذلك من أصولٍ معتبرةٍ في أحوال دون أحوالٍ، قالت بها طوائفُ من أهل العلم، وتركها آخرون، وليس منها في كلِّ الأحوال هذه الطريق المعوجّة التي سلكها ابنُ طاووس، وحاول من خلالها تقريرها على غيرِه من المسلمين.
بل من تأمَّل كلامَ ابنِ طاووس ظهر له أنه يسيرُ في طريقٍ مخالفٍ تمامًا لطرائق أهل العلم في الاستدلال، فأئمةُ الإسلام يأخذون مِن أحكامِ أهل الكتاب ما وافقَ شرعَنا ويجعلونه من قبيل المعتَضَدُ به من الأدلة وابنُ طاووس يأخذ من أحكامِ أهل الكتاب ما خالف شرعَنا، ويُخضعُ أحكامَ الإسلام لها، فيجعل أحكام هذه الشريعة تابعةً لأحكام أهل الكتاب، لا متبوعةً، وهو بهذا الصنيع كأنّه يقرّر قاعدة جديدة، ألا وهي: اعتمادُ أحكامِ ديننا والعملُ بها إن هي وافقت أحكامَ أهل الكتاب، وإلا؛
فلا اعتبار لكلِّ ما انفردت به شريعتنا من أحكام!
وقد قال الله عز وجل في وصف هذه الشريعة المحكمة: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18 - 20].
وقال في وصف كتابه العزيز: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 48 - 50].
وقد جاء في بيان معنى هيمنة القرآن على ما سبقه من كتب أهل الكتاب، قول ابن جريج: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا خَالَفَهُ مِنْهَا فَهُوَ بَاطِلٌ(394) .
وهذا القول وحده كافٍ في نقدِ طريقة ابن طاووس في الاستدلال، ومبيّنٌ للموقف السليم الذي ينبغي أن يسلكه كلّ مسلمٍ في التعامل مع كتاب الله عز وجل وتقديمه على
ما سواه، ومثله في ذلك سنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
ثم؛ كان مِن تمام ما جاء في كتاب ابن طاووس قولُه: ثم العجب من هذا الحديث أن حذيفةَ يَعلمُ أن الأدب في التباعد عن نبيِّهم، فكيف يُقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَه بالدنوِّ منه عند عقبيهِ وأن يَتركَ الأدب، ثم وأي غرضٍ يُمكن أن يكون للنبيِّ في الاطلاع عليه عند هذه الحال؟ أما استحيا أما خاف أهل الإسلام في رواية هذا المحال(395) .
ونقول في الجواب على شبهته هذه: بأن لا منافاةَ بين تعليمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه الكرام: التباعدَ عند قضاءِ الحاجة، وبين أمرِه صلى الله عليه وسلم لحذيفةَ بأن يقتربُ منه، ذلكم، أنّ التباعدَ يكون عند التبرُّز، خشيةً من انكشافِ العورة، وأبعدَ لوصول الرائحةِ إلى الآخرين، وأما البولُ فمعلوم أنه يخالفَ البراز في ذلك(396) وما دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم حذيفةَ إلا ليستترَ به عن أعينِ الآخرين، ولعله أيضًا لمنع الآخرين من الدُنُوِّ منه صلى الله عليه وسلم، فأين التعارض بين الأمرين؟ وإن كان هذا هو سببَ إنكارِهم خبرَ بولِه صلى الله عليه وسلم قائمًا، أي بسببِ أمره صلى الله عليه وسلم لحذيفةَ أن يدنو منه، ورتّبوا على ذلك انكشاف عورته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من افتراضاتهم، أقول: إن كان هذا هو سببَ نكارةِ هذا الخبرَ بزعمهم فماذا سيقولون عن صنيع جعفر الصادق رحمه الله
المشابِهِ لما جاء في هذا الخبرِ؟ وهو ما أخرجه الكُلينيُّ في الكافي عن روح بن عبد الرحيم قال: بال أبو عبد الله عليه السلام وأنا قائمٌ على رأسه ومعي إداوة أو قال: كوز فلما انقطع شخب البول قال بيده هكذا: إليَّ، فناولته بالماء، فتوضّأ مكانه(397)
وهل يجد القوم المُنكرون لخبرِ حذيفة فرقًا فيما يتعلّق باقتراب حذيفة من النبيّ صلى الله عليه وسلم أثناء بوله، واقترابِ المدعو روح بن عبد الرحيم من أبي عبد الله أثناء بوله؟!
وهل يقبل أصحابُ هذه الشبه أن يُنزّهوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن هذا الشَّين - بزعمهم - ويُثبتونه في حقِّ جعفر الصادق رحمه الله؟
وهل يَعِي أولئك المنكرون أبعادَ هذا التفريق في نفيِهم وإثباتِهم لهذا الفعل المشين في نظرهم وتقريراتهم؟
أم هو مجردّ حشدٍ لكلّ ما طالته أيديهم من شبهات في سبيل تكذيب خبرٍ ثابتٍ عن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، واردٍ بأصحّ الأسانيد، وفي أصحِّ كتب الحديث النبويِّ الشريف؟ ولو أوقعهم هذا في شتى صور التناقض والاضطراب؟
وقبل أن أنتقل للنّظر في كلام الحلِّي وهو الثاني زمانًا من المعترضين على هذا الحديث الشريف؛ أتساءل فأقول: هل تَعبَّدنا اللهُ عز وجل بهيئةٍ معيَّنة
لا بُدّ من التزامها عند قضاء الحاجة؟ كاشتراط التبوّل قاعدًا، أم أن الأمر متاحٌ بحسب الحاجة والقدرة؟
والقائل بالقول الأول لا بد أن يؤيّد اختيارَه بدليلٍ صحيحٍ صريحٍ في ذلك، حتى يتسنّى من خلاله تقريرَ هذا الشرط، والمنعَ من أيِّ هيئةٍ أخرى يقضي بها الرّجل حاجته، فإن فعل سُلّم له تقريرُه وإنكاره على من تلبسّ بخلاف هذا الدليل.
أما إن لم يجد ما يسعفُه في ذلك من الأدلّة، فلا يبقى لإلزامه أيُّ قيمة ابتداءً، ويبقى النّظر في مسألة البولِ قائمًا يدور بين الجواز والكراهة في أشدّ الأحوال - إذا رافقه ما يؤدي إلى ذلك، وسيأتي معنا بعض صوره -، أما التحريمُ وتقبيح الفعل؛ وإدراجُ صاحبه في مصافِّ السفهاء؛ وتشديدُ النّكير على قائله وناقله: فهو كلّه من قبيل التحكّمات القائمةِ على الآراء؛ الخاليةِ مِن كلّ دليلٍ وبرهان.
وبهذا التقريرِ يتمُّ الجواب على ما أوردَه ابنُ طاووس على لسان من سمّاه بعبد المحمود، والحمد لله رب العالمين.
والآن لننظر فيما زاده الحلّي من اعتراضات على هذا الحديث الشريف:
حيث قال في معرِض ذكره للمكروهات في البول: الثّالث: البول قائمًا لئلَّا يترشّش عليه، قال عمر: ما بلتُ قائمًا منذ أسلمت. وقال ابن مسعود: من الجفاء أن تبول وأنت قائم. وكان سعد بن إبراهيم لا يُجيز شهادةَ
من بال قائمًا.
قلت: وقبل أن نقف على ما قاله الحلِّيُّ في بولِ النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا، دعونا نتناول كلامه هذا بشيءٍ من التحليل، فنجد أنه عَدّ البول قائمًا في المكروهات، ولم يتعرَّض لتحريمِه، وعليه؛ يرد السؤال: إذا كان البول قائمًا مكروهًا لا يصل إلى التحريم، فلم أقام - هو ومَن سبقه ولحقه - الدنيا ولم يُقعدوها على نسبةِ هذا الفعل للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ ألم يعلم الحليُّ ومن سار بسيْرِهِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد يفعلُ المكروهَ من أجلِ بيان حكمِ مسألةٍ تتعلّق بهذا الفعل، وحينها لا يكون الحكم في حقّه صلى الله عليه وسلم مكروهًا، بل سببًا لنيلِهِ الأجورَ الكثيرةَ، لأنّه في حالِهِ هذه يكون مُعَلِّمًا مُبيّنًا لهذا الحكم الشرعيِّ، وذلك كشُربِهِ صلى الله عليه وسلم مِن فِيِّ السِّقاء، وقد نَهى عنه(398) ، وكلا الحكمين ثابتان عنه صلى الله عليه وسلم - أعني الشربَ من فِيِّ السّقاء والنهيَ عن ذلك، وهذه المسألةُ يعرفها كلُّ من له اشتغال - ولو كان يسيراً - بأصول الفقه، وفي هذا يقول صاحبُ مراقي السعود:
| ورُبّما يفعلُ للمكروهِ | مُبَيِّناً أنّه للتَنْزِيهِ |
|---|---|
| فصارَ في جانِبِه مِن القُرَبْ | كالنهيِ أن |
| يَشرَبَ مِن فَمِ القِربْ(399) |
ثم ذكر الحليُّ ما رُوي عن عمرَ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنهما في عدمِ فِعلِ ذلك، أو لِنَقُلْ: في ذمِّهما أيضًا لذلك، والسؤالُ الذي لا بد أن يُذكر هنا: هل قول الصحابيِّ حُجَّةً؟ عندنا أو عند الحلِّي؟ أما عند الحلِّي فمذهبُه معروفٌ وموقفُه واضحٌ مِن الصحابة رضي الله عنهم - أقوالًا كان الصادرُ عنهم أم أفعالًا - خاصةً إذا كان الصحابيُّ المحتجُّ به هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه! والذي صدّر الحلِّيُّ إشكالَه بالاحتجاج بقولِهِ! فالحِليُّ كما هو معروفٌ لا يَحتجُّ إلا بما جاء مِن طريق أهل البيت، من صحابةٍ كرامٍ ثم من جاء بعدهم من نَسلهم المبارك.
وعليه؛ فلا وجهَ لإيرادِ الحليِّ لآثار الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وسياقِهم في معرض الاحتجاج بها، لكونِها - في حقيقة الأمر - لا تساوي شيئًا عنده.
فإن قيل: إنما أورد الحِليُّ هذين الأثرين لإقامةِ الحُجَّة علينا نحن معاشرَ أهل السنة؟ فالجوابُ: أن قول الصحابي حجَّةٌ على الصحيح من أقوال أهل العلم ما لم يخالِف صحابيًا غيرَه، فإن خالفَ طُلبَ الترجيح، وقُدّم الراجحُ على غيره، ومن باب أولى ما لم يخالف نصًّا من نصوص الشريعة،
فيقدّم النصُّ الشرعيُّ على ما عُدّ مخالفًا له من قولِ الصحابيِّ أو فعلِه، وعلى هذا جمهورُ أهل العلم.
وعلى كلا الموقفين من قولِ الصحابيِّ أو فعلِه: فلا وجهَ لإيراد ما أورده الحليُّ هنا من آثار الصحابة الكرام في خلاف ما ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلا هو يقول بدلالتهما - كما سبق تقريره -، ولا نحن نقدِّمُهُما على ما صحّ عن نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.
وممّا يلاحَظ هنا أنّ هذه الآثار التي أوردها الحلِّيُّ لردِّ ما ثبت عن النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة إنما أخذها من كُتبِ علمائنا، أيْ: أن علماءَنا روَوا هذه الآثارَ في كُتُبِهم، وتداولوها في مصنّفاتِهم، وقارنوا بين ما ظاهرهُ التعارضُ مِنها، وقاموا بالتوفيق بين المتعارِضَينِ أو بترجيح بعض الأخبار على بعضها، فالحلِّيُّ لم يأت بجديدٍ لا يعرفه علماؤنا - سواءٌ في ثبوته أو دلالته -، وإنما هي بِضاعتُنا رُدّت إلينا، وليت الحلِّيَّ إذ نقل هذه الآثار من كتب علمائنا الأجلّاء اقتدى بهم واتبع حُسن سبيلهم في التعامل مع سنّة نبيّنا الكريم عليه الصلاة والسلام، أو على الأقلّ تأنّى وتأمّل قبل إيراده لهذه الإشكالاتِ المكرّرة التي أجاب عنها علماؤنا الكرام، إما استقلالًا أو تضمينًا، رحمهم الله ورفع درجاتهم في عليّين.
دع عنك؛ عدمَ اكتراثِه ببيانِ حُكم أسانيد هذه الآثار، هل صحّت أم لم تصحّ؟ ممّا سيظهرُ معنا قريبًا بإذن الله وكان الأولى به لو كان الحقُّ مطلوبَه، والحرصُ على تنزيه النبيِّ صلى الله عليه وسلم من كلِّ شينٍ مرغوبَه أن
يعمل على بيان حُكم هذه الآثار، وعدمِ سَوْقِها هكذا بغير إسنادٍ، ولا بعزوِها لمصدرٍ من مصادرِ التخريجِ، حتى يطمئن القارئ الموافق له والمخالف لما يقرؤه من إيراداته، ولكنه لم يفعل شيئًا من ذلك، وإنما قام بضربِ النصوص الشرعية بعضها ببعض، طمعًا منه في إسقاط بعضها أو كلّها.
فضلًا عن اقتصارِه على ذِكْر ما يُمكن أن يَخدِم فِكرَتَه ويؤيّدَ قوله في هذه المسألةِ، وإعراضِه عن ذِكْر كلِّ ما يخالفُ مقصودَه من آثارٍ صحيحةٍ ثابتةٍ، وهذا صنيعٌ مذمومٌ، ذمّ الله سالِكَه من الأممِ الغابرةِ قائلًا سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85].
ولنَعُد إلى الآثار التي أوردها الحلِّيُّ في اعتراضِه على حديث الباب، لنرى هل يسلمُ له الاحتجاج بها، فنقول وبالله التوفيق:
عند النظر في أسانيد كلٍّ من الأثرين، نجد ما يلي:
أما أثر عمر رضي الله عنه فقد رواه ابن أبي شيبة (1324) والبزّار (149) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنه قال: «مَا بُلْتُ قَائِمًا مُنْذُ أَسْلَمْتُ».
قال الترمذيُّ عن أثر عمر رضي الله عنه هذا: وهذا أصحّ من حديث عبد الكريم(400) .
قلت: وحديث عبد الكريم هذا رواه عبد الرزاق (15924) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أَحْلِفُ بِأَبِي، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ، لَا تَحْلِفُ بِأَبِيكَ، احْلِفْ بِاللهِ وَلَا تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللهِ» قَالَ: «فَمَا حَلَفْتُ بَعْدَهَا إِلَّا بِاللهِ» قَالَ: وَرَآنِي أَبُولُ قَائِمًا، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ، لَا تَبُلْ قَائِمًا»، فَمَا بُلْتُ بَعْدُ قَائِمًا.
وأخرجه من طريقِ عبد الرزاق: ابن ماجه (308)، والبزار (165) وأبو عوانة في المستخرج (5898) والحاكم (1/295) والبيهقي في الكبرى (1/165).
وذكره الترمذيُّ قائلًا: وإنما رفع هذا الحديثَ عبدُ الكريم بن أبي المُخارق، وهو ضعيفٌ عند أهل الحديث؛ ضعَّفه أيوب السختياني وتكلّم فيه(401) .
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (1423) عن ابن جريجٍ عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَبُلْ قائِمَاً».
ثم قال ابن حبان: «أخاف أن ابنَ جريج لم يسمع من نافع هذا الخبر». اهـ.
قلت: وما خافه ابن حبان هو الصواب، حيث إن ابن جريج قد سمِع هذا الحديثَ
من عبد الكريم بن أبي المخارق، كما مرّ معنا في إسنادِ عبدِ الرزاق، ثم إن هذا الحديثَ هنا من رواية ابنِ عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما الحديث هو حديثُ عمر رضي الله عنه، كما مرّ معنا، وهذا كلّه مما يُضعِف من شأن هذه الرواية المرفوعة.
وعلى ما سبق؛ فما يصحُّ من هذا الخبر هو الموقوف لا المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
ومع ذلك، فقد صحّ عن عمرَ رضي الله عنه أنه بال قائمًا، فقد أخرج ابنُ أبي شيبة في مصنفه (1310) فقال: حدثنا ابن إدريس:
والطحاوي في شرح المعاني (6812) من حديث شعبة:
كلاهما عن الأعمش، عن زيدٍ قال: «رَأيْتُ عُمَرَ بال قائمًا».
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، وزيدُ هو ابن وهب، روى عنه الجماعة.
وعليه؛ فما ورد عن عمر رضي الله عنه في هذا الباب؛ يُمكن أن يوجّه بما يلي:
أن يقال: إن نفيَ عمر رضي الله عنه جاء أولًا قبل أن يعلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بال قائمًا، فلما علم بذلك فَعلَه، وعليه تحمل رؤية زيد بن وهب له كما مرّ معنا في الخبر السابق، وفي هذا يقول ابنُ المنذر: فقد يجوز أن يكون عمرُ إلى الوقتِ الذي قال هذا القول لم يكن بالَ قائمًا، ثم بال بعد ذلك قائمًا، فرآه زيدُ بن وهب، فلا يكون حديثاه متضادين(402) اهـ.
أن يكونُ الغالب على حالِه عدمَ البول قائمًا، وأنه ما بال قائمًا إلا لحاجةٍ أو ضَرورةٍ. أن يكون عمر رضي الله عنه قد نسي أنه بال قائمًا مرّة أو مراتٍ قليلة، فقال ما قاله فنفى عن نفسِه البولَ مِن قيام منذ إسلامِه، وليس هذا ببعيدٍ عن أحدٍ من البشر، سواءٌ كان في مرتبة عمر رضي الله عنه أو دون ذلك، فكلُّ البشرِ مُعرّضون للنسيان إلا من عصم الله عز وجل.
وعلى ما سبق، فلا مسوِّغَ لأحد أن يحتجّ بنفيِ عُمر رضي الله عن نفسه البولَ قائمًا في ردِّ ما ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسيأتي معنا مزيدُ بيانٍ فيما يتعلّق بِعُمرَ رضي الله عنه.
وأما أثر ابنِ مسعود فقد رواه ابن أبي شيبة (4716) والطبراني في الكبير (9503) من طريق عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَأَنْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، أَوْ يَبُولَ قَائِمًا، أَوْ يَسْمَعَ الْمُنَادِيَ ثُمَّ لَا يُجِيبَهُ(403) .
وما جاء من إطلاق ذمّ البول مِن قيامٍ، لا لذاته، وإنما لما يلابِسُه من أحوال تجْلُبُ الذمّ لصاحبه، كانكشاف عورة صاحبه، أو عدم تنزّهه منه، أو عدمِ احتياطه من وصول رَذاذهِ إليه، أو تبوّلِه في طرقات الناس،
وهكذا، وسيأتي معنا مزيد بيانٍ لهذه الحالات.
وإذا تَبيّن لنا الموقفُ الصحيحُ مِن قولِ الصحابة الكرام، ومتى يجوز أو لا يجوز الاحتجاج بها باتفاق، تبيّن لنا - من باب أولى - الموقفُ من أقوالِ وأفعالِ مَن هم دونهم فضلًا ومنزلةً وزمانًا، وهم التابعون الكرام فمن دونهم ممّن اتبع هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، واقتدى بهم.
فردُّ قول الصحابيِّ أو فعلِه إذا خالف الثابت عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم، لا بُدّ أن يقاسَ عليه ردُّ قول مَن دونهم - مهما بلغ فضله - إذا ما خالف الثابت عنه صلى الله عليه وسلم، وهذا من باب قياس الأولى الذي لا ينُكره عاقلٌ.
وعليه، فما نقله الحلِّيُّ عن سعدِ بنِ إبراهيم وساقَه مساقَ الاحتجاجِ في عَدَمِ قَبوله شهادةَ مَن بال قائمًا، لا يُفيد أكثرَ من أن يُعرف بأن هذا هو مذهبُ سعد بن إبراهيم، حتى إذا نُقلت الأقوال في هذه المسألة، صُنِّف سعد بن إبراهيم من ضمنِ المانعين لهذا الفعل(404) وأما الاحتجاج بموقفه في هذه المسألة لردّ ما ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فهذا لم يقُله أحدٌ من المتقدّمين ولا من المتأخّرين، لأنّ القول المطّرد المعمول به أن من سوى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يُحتجُّ لقوله ولا يحتجُّ به، أي يُبحث عن الأدلّة التي بنى عليها القائل قولَه، فإن وافق قولُه الدليلَ الصحيح، صار قوله تابعًا للدليل، وإن خالف قولُه الدليلَ، قُدّم الدليلُ قولًا واحدًا، وهذا التقريرُ من الوضوح بحيث
لا يُحتاج إلى تدليل.
وعليه فالاحتجاج بما نُقل عن سعد بن إبراهيم رحمه الله في عدم قَبول شهادة من بال قائمًا، لا قيمةَ له في ميزان الأدلة، وهذا لا يعني بحالٍ من الأحوال انتقاصَ سعدِ بنِ إبراهيم رحمه الله، لكن نقول ما سبق من باب وضعِ الأمور في نصابها، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.
ومن باب إنصافِ سعدِ بنِ إبراهيم رحمه الله، لا بدّ أن نقوم بتوجيه ما روي عنه، لاستحالةِ أن يقومَ هو أو غيرُه من أعلام الأمة - بل ومن عوامِّها - بانتقادِ قولٍ أو فعلٍ ثبت صدورُه من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعليه؛ يقال: إن ما روي عن سعد بن إبراهيم(405) فلا يخرجُ من الأحوال التالية:
أنه لا علمَ له بوقوعِ ذلك من النبيِّ صلى الله عليه وسلم. أن النّقل عنه كان على سبيل الإجمال لا التفصيل، - وأنه في حقيقة الأمر - إنما منعَ شَهادة من تكرّر منه هذا الفعل من غير حاجة، أو لابَسَه ما قد يؤدّي إلى ذمِّه ككشفِ عورةٍ، أو تلبّسٍ بنجاسةٍ، أو إيذاءٍ للنّاس في طرقاتهم.
أما أن يُطلَق القول بردِّ شهادة كلِّ من بال قائمًا، فهذا لا يُعقل ولا يتصوّر أن يصدُرَ من عاقلٍ عالمٍ بما صحّ عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم في ذلك.
هذا كلّه بعد ثبوتِ السند له، وليتَ الحلّيَّ لما نَقل قولَ سعدَ
بن إبراهيم هذا سعى في إثباتِ صحة هذا القول عنه، ولم يكتفِ بنقلِهِ مِن كُتُب أئمةِ السُّنة كمغني ابن قدامة وغيره من كتب الفقهاء، ولو فعل الحلّيُّ هذا لكان أكثر إقناعًا في إيراد شبهته، أما أن ينحصر قولُه في تلقّط الأقوال من هنا وهناك، دون عزوها إلى مصادرها الأصيلة، فهذا من أدلِّ الأدلة على ضعف إيراداته!
وسعد بن إبراهيم رحمه الله هو الإمام الحُجّة الفقيه(406) المجمعٌ على توثيقه، روى عنه أصحاب الكتب الستة، وتولّى القضاء بإحسان في مدينة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبعض أمصار المسلمين، وكان رحمه الله معروفًا بنزاهته وحُسن قضائه، وهو القائل عند احتضاره: ما أخذني في الله لومة لائم منذ أربعين سنة(407) .
وكذلك روي عنه رحمه الله ما يؤكّد حُسنَ تعامله مع سنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وخضوعه لها، وتقديمها على ما يخالفها من أقوالٍ، حتى لو كان هو القائل والقاضي بها، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: أخبرني من لا أتَّهِمُ مِن أهلِ المدينةِ عن ابنِ أبي ذئبٍ قال: قضى سعدُ بنُ إبراهيمَ على رجلٍ بقضيةٍ برأيِ ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرّحمن، فأخبرْتُه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بخلافِ ما قضى بِه، فقال سعدٌ لربيعةَ: هذا ابنُ أبي ذئبٍ، وهو عندي ثقةٌ، يُخبِرُني عن النَّبيِّ بخلافِ ما قضيتُ بِه؟ فقال له ربيعةُ: قد اجتهدتَ، ومضى حُكْمُك. فقال سعدٌ: واعَجَبَا! أُنْفذُ قضاءَ سعدِ بنِ أمِّ سعدٍ وأردُّ قضاءَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟! بل أَرُدُّ قضاءَ سعدِ بنِ
أمّ سعدٍ وأُنْفِذُ قضاءَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فدعا سعدٌ بكتابِ القضيةِ فَشَقَّه وقضى للمَقضيِّ عليه(408)
وفي هذا الخبرِ الخاصِ، وفي عموم أخبار سعدِ بن إبراهيم، بل وفي عموم سائر أخبار علماء الإسلام نجد المثالَ الواضحّ البيّن في حُسن تعامل علماء المسلمين مع سنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، واحتكامِهم لها في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من أمور هذا الدّين العظيم، وتقديمِها على كلّ ما هو دونها من الأقوال والأفعال، وبمثل هذا الاتّباع والتسليم رفع الله ذِكرهم في الدنيا والآخرة، وبيّن فضلهم على من دونهم من خَلقِهِ.
ولو لم يكن إلّا هذا الخبرُ بمفرده لكان كافيًا في ردّ محاولات الحلِّيِّ الاستدلال بما نقله عن سعد بن إبراهيم لردّ الثابت عن النّبي صلى الله عليه وسلم، فكيف وقد تقرّر - كما أسلفت - عند كلِّ المسلمين، أن لا قولَ لأحدٍ مع قولِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كائنًا - صاحب هذا القول - من كان من خلقِ الله عز وجل.
والاحتمال الثاني الذي ذكرتُه في توجيه ما نُقل عن سعد بن إبراهيم رحمه الله، وما نُقل كذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وهو النهيُّ عن البول قائمًا متى ما تلبّس بأمر خارجٍ يجلب الذمّ لصاحبه، هو الذي فَهِمَهُ العلماءُ الناقلون لمثلِ هذه الأقوال، كأصحابِ كتب المصطلح الذين نقلوا هذا عند حديثِهم عن أهمِّية عدالةِ الراوي، ومنزلة المروءة بالنسبة للعدالة، حيث صَنّفوا هذا الفعل من قبيلِ المباحات ابتداءً، ثُم
علّقوا ذَمَّه على اشتمالِهِ على ما سَبق من أمورِ مُشينةٍ ككشفٍ عورةٍ، وعدمِ تنزُّهٍ مِن نجاسةٍ، وأما مجرّد جرح الرّجل من أجلِ بوله قائمًا مع التحرّز عن كلِّ ما يُشين فعله، فهذا لم يُعرف إطلاقُه وتداوُلُه إلا في نُطُقٍ ضيّقة غير متداولةٍ ولا مقبولةٍ، وهذا الذي دفع الإمام الشافعيَّ وهو من هو مكانةً وعلمًا وفقهًا يُنكر أشدّ النكير على من جرح آخرَ بمِثْلِ هذا، وبيّن على أثره بأن الجرح لا بُدّ أن يكون مفسّرًا واضحًا بيّنًا لا خفاء فيه، حيث قال رحمه الله: ولا يُقبلُ الجَرحُ مِن أحدٍ من خَلقِ الله فقيهٍ عاقلٍ ديِّنٍ ولا غيرِه، إلا بأن يَقِفَهُ على ما يَجْرحُه به، فإذا كان ذلك مما يكون جرحًا عند الحاكمِ قَبِلَه مِنه، وإذا لم يكن جرحًا عنده لمْ يَقبْله، فإنّ النّاس يختلفون ويتباينون في الأهواء... إلى أن قال رحمه الله: لقَد حضرتُ رجلًا صالحًا يَجرحُ رجلًا صالحًا مستهِّلًا بَجَرحه، فأُلِحّ عليه: بأيِّ شيءٍ تجرَحُه؟ فقال: ما يخفى على ما تكون الشهادةُ بهِ مجروحةً.
فلمّا قال له الذي يسألُه عن الشَّهادة: لستُ أقبلُ هذا منك إلا أن تُبَيِّن.
قال: رأيتُه يبولُ قائمًا.
قال: وما بأسٌ بأن يبولَ قائمًا؟
قال: يَنْضَحُ على ساقَيْه ورِجْليهِ وثيابه، ثم يُصلِّي قبل أن يُنقيه.
قال: أَفرأيتَه فَعلَ فصلَّى قَبلَ أن يُنْقَيه؛ وقد نَضح عليهِ؟
قال: لا، ولكنّي أراه سيفعلُ.
ثم قال الشافعي رحمه الله: وهذا الضربُ كثيرٌ في العالمين، والجَرحُ خفيٌّ فلا يُقبل لخَفائِه، ولِما وصفتُ مِن الاختلافِ إلا بتصريحِ الجارح(409) .
ونقل ذلك عنه: الخطيبُ البغدادي في الكفاية، حيث قال: وقد ذُكر أنّ الشافعيّ إنّما أوجبَ الكشفَ عن ذلك، لأنّه بَلَغه أن إنسانًا جَرَحَ رجلًا فَسُئل عمّا جرَحَهُ به، فقالَ: رأيتُه يبولُ قائمًا، فقيل له: وما في ذلك ما يُوجب جَرْحُه؟ فقال: لأنه يَقعُ الرشَشُ عليه وعلى ثوبِه، ثُمّ يُصلّي. فقيل له: رأيتَه صلّى كذلك؟ فقال: لا.
ثم قال الخطيب: فهذا ونحوه جرحٌ بالتأويلِ، والعالِم لا يَجرحُ أحدًا بهذا وأمثالِه، فوجبَ بذلك ما قُلناه(410) .
وهذا الذي سبق من قولِ الشافعيِّ وتعقيبِ الخطيبِ البغدادي، يُوضِّح المرادَ ممّا جاء في كلام الخطيب التالي لهذا النّقل بعدة صفحات مِن كتابِ الكفاية نفسِه، ممّا يُوهمُ عدمَ قَبول جَرحِ من
بال قائماً وإنْ خلا من كلِّ المحاذير السابقة، وهو ما يحتج به بعضُ أصحابِ الشُّبهات، حيث روى الخطيبُ رحمه الله بإسناده إلى جريرٍ قوله: «رأيتُ سِماكَ بنَ حربٍ يبولُ قائِمًا، فَلَمْ أكتبُ عَنْهُ».
ثم قال الخطيب رحمه الله: وقد قال كثيرٌ من النَّاس: يَجِبُ أن يكونَ المحدِّثُ والشّاهدُ مُجْتنبينَ لكثيرٍ من المباحاتِ، نحوِ التَّبذُّلِ، والجلوسِ للتَّنَزُهِ في الطُرُقاتِ، والأكلِ في الأسواقِ، وصُحبة العامّة الأرذالِ، والبولِ على قوارعِ الطُرُقات، والبولِ قائمًا، والانبساطِ إلى الخُرْق في المداعبة والمزاح، وكلِّ ما قد اتفق على أنه ناقصُ القدرِ والمروءةِ، ورأوا أنّ فِعلَ هذه الأمور يُسقطُ العدالةَ، ويُوجبُ ردَّ الشَّهادةِ. ثم قال الخطيبُ: والذي عندنا في هذا البابِ ردُّ خبرِ فاعلي المُباحات إلى العالِم، والعملُ في ذلك بما يَقوى في نفْسِه، فإن غلبَ على ظنِّه مِن أفعالِ مُرتَكِب المباحَ المُسْقطِ للمروءةِ أنه مطبوعٌ على فِعلِ ذلك والتَّساهلِ به مع كونِه ممَّن لا يَحْمل نفسَه على الكذِبِ في خَبرِه وشَهادتِه، بل يرى إعظامَ ذلك وتحريمَه والتَّنَزُّهَ عنْه، قُبِل خَبرُه، وإن ضَعفت هذه الحال في نفس العالِمِ واتهمّه عَندها، وَجبَ عليه تركُ العَملِ بِخبَرِه وردِّ شَهادَتِه(411) . اهـ ما جاء في الكفاية.
قلت: وتحليل ما سبق كالآتي:
أولًا: ما رُوي عن جريرٍ فيه نظر من حيث ثبوتُه، فهو من روايةِ محمد بن حميدٍ الرازي(412) ، وقد طعن فيه غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث.
ثانيًا: أن ما عقّب به الخطيب إنما هو نقلٌ عن غيره، وليس قولًا له.
ثالثًا: أن هذا الغير لم يُسَمِّه الخطيب، بل عبّر عنه بالكثير، والكثيرُ كما لا يخفى لا يعني الأكثر.
رابعًا:
أن ما ذُكر من أعمالٍ إنما صُنِّفت بكونها من المُباحات، فعاد الأمرُ إلى اختلاف في وجهات النظر؛ ليس إلا.
خامساً: ما عقّب به الخطيب يُجلِّي وَجْهَ هذه المسألة، حيث أرجعَ الأمرَ إلى موقفِ كلِّ عالمٍ مِن مرتكب هذه المباحات المطبوع على فعلها، ومدى تأثير ذلك على صدقه في شهادته، فإن كان الشاهد ممّن يعظّم مِن شأن الكذب، ويعلم شديد خطره؛ قُبل خبرُه، ولم يُلتفَت إلى تلبّسه بمثل هذه المباحات، وإن كان لا يُلقي بالًا لذلك، ويخلِطُ صدقًا بكذب، فمثله تردُّ شهادته وروايته من باب أولى.
وعليه، فمن أرادَ أن يَحتجَّ بما نُقل في هذا الباب عن علماءِ الإسلامِ أن يتأمَّل في هذا المنقول، وأن يَفهمَ المسألةَ على وَجْهِها، وممّن له كلامٌ بيّنٌ في هذه المسألة: الحافظ السخاوي رحمه الله، إذ يقول في شرحِه لألفيةِ الحديث: نعم؛ قد حقَّق الماوَرديُّ أنّ الذي تَجَنُّبُه منها شرطٌ في العدالة، وارتكابُه مُفضٍ إلى الفِسقِ: ما سَخُفَ من الكلامِ المؤذي والضَّحِك، وما قَبُح من الفعلِ الذي يَلهو به ويستقبح بمعرته، كنتفِ اللحية وخِضابِها بالسَّوادِ، وكذا البول قائماً - يعني في الطريق، وبحيث يراه الناس -، وفي الماءِ الراكد، وكشف العورة إذا خلا، والتحدّث بمساوئ الناس(413) . اهـ
قلت: فنحن نرى أن تقييدَ ذمِّ البولِ قائماً؛ متى ما كان في طريقٍ،
يتلوّثُ بهذا البول، مع ما قد يصاحبُ ذلك من كشفٍ للعورة، وهي أفعالٌ يُذمُّ كلٌّ منها بمفرده، فكيف باجتماعها! وهذا بخلافِ ما لو بال قائمًا في مكانٍ مُنعزلٍ عن النّاس، لا يَراه أحدٌ، ولا تنكشفُ فيه عورتُه على أحدٍ، ولا يلوّثُ طريقَ أحدٍ، ولا يصيبُه من رَشاش البولِ كما مرّ معنا، فهذا مما لا يقعُ تثريبَ على فاعلهِ، والله تعالى أعلى وأعلم.
ثم احتج الحلّي بعد ذلك بما رواه الخاصة - ويعني به نفْسَه وعلماء مذهبه - ناقلًا: ما رواه ابن بابويه في كتابه: « عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: البول قائمًا من غير عِلَّةٍ من الجفاء، والاستنجاءُ باليمين من الجفاء(414) » .
قلت: ومع كون هذا الحديث لا يثبت عندنا وفي كتبنا، وقد سبق بيانُ ذلك في تضاعيف ردّنا على الحلِّيِّ، وبيّنا بأن النهي عن البول قائمًا لم يثبُت عن نبيّنا صلى الله عليه وسلم من وجهٍ صحيح، ومع ذا، فنقول تنزُّلًا: إن احتجاج الحلِّيِّ بهذا الحديث لا ينفعه، ولا يصبُّ في مصلحةِ قوله؛ ذلكم: أنه قيّد الذَّمَّ بفعله من غيرِ علّة، ومفهوم ذلك أنه لو فُعل لعلّة فلا تثريب على صاحبه، وهذا يُخالفُ ما حرص الحلّيُّ ومَن قَبله وبَعده على إثباته، وهو عدمُ جواز هذا الفعل بحالٍ من الأحوال، فضلًا عن صِحّة نسبةِ هذا الفعل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد مضى معنا وسيأتي أن بعض العلماءِ ذهب إلى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما بال من قيامٍ لعُذرٍ منعه من الجلوس، حيث قال بعضُهم إنه لألمٍ كان في مأبضه، وقال آخرون بأن المكان كان غير صالحٍ للجلوس فيه،
وهذا وذاك وغيرهُ يندرجُ جميعُهُ في العِلل التي تمنع صاحبَها مِن البول مِن جلوسٍ وتدفعه إلى البول قائمًا، ولذا، لو تأمّل الحِليُّ في هذا الأثر، وفكّر وقدّر ثم نظرَ لعلم بأن هذا الأثر لا يُعارِض ما ثبت من بولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قائمًا، وأن الجمع بين كلا الخبرين على افتراض صحة خبرهِ ممكنٌ متاحٌ، ويُحمل فعلُ النّبي صلى الله عليه وسلم لذلك على وجود علّةِ منعتْهُ مِن الجلوس لقضاءِ حاجَتِه.
وهكذا؛ كلّما أورد الحليُّ ما يراه صالحًا لتقوية شُبَهه ينقلبُ الأمر عليه، ويظهر الحقُّ في خلاف قولِه، والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
ثم إن الحِلّيّ نقل بعض توجيهات أهل العلم لحديث بول النبي صلى الله عليه وسلم قائماً، وسيأتي معنا ذِكرها.
إلّا أنّه في كتابه الآخر، بعد أن نَقل خبرَ حذيفةَ رضي الله عنه في بوله صلى الله عليه وسلم قائمًا، تساءل قائلًا: « فكيف يجوز أن يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البولَ قائمًا؟ مع أن أرذل الناس لو نُسب هذا إليه تبرأ منه(415) » ؟!.
والجواب على هذا أن يقال: سبق معَنا ثبوت ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في أصحّ كتب الحديث، ومثلُ هذا التهويلِ لا يدفع حقًّا ولا يقرّر باطلًا، وكلٌّ يستطيع أن يأتي بمثله، ويسعى لمصادرة الحقِّ الذي أثبته غيرُه، لكن؛ ما على هذا قام نهجُ أهل العلم في تقريرِ مسائل هذا الدين العظيم والتدليلِ عليها،
والحمدُ لله ربّ العالمين.
والآن لنقف مع ما زاده المُظفّر فيما يتعلّقُ بحديثنا هذا، والذي جزم بكذبه قائلًا:
« يدلّ على كذب الحديث أمورٌ:
الأوّل: ما رواه أحمد في مسنده، عن عائشة، قالت: « من حدّثك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بال قائمًا فلا تصدّقه، ما بال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائمًا منذ أنزل عليه القرآن » .
ونحوه في كتاب الطهارة من مستدرك الحاكم، وصحّحه هو والذهبي في (التلخيص) على شرط البخاري ومسلم » .
قلت: سبق معنا الإشارة لهذا الحديث، وسيأتي معنا توجيهُ أهل العلم له، مع التَّنبيه على فَقْرِ المظفّر في عدمِ معرفته بقواعد أهل العلم في التعامُل مع المختلِف من حديثه صلى الله عليه وسلم، وإذا أراد الحلِّيِّ أن يُلزمنا بما في كتبنا مما يراه متعارضًا يهدِمُ بعضُه بعضًا، فلا بد أن يتعلّم القواعدَ التي قعّدها أهلُ العلم في التّعامل مع شريف سنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، والتي مِن أوَّليَّاتها تقديمُ ما في الصحيحين على ما سواه، احتجاجًا لحكمٍ شرعيٍّ ابتداءً، أو ترجيحًا إذا ثبت التعارضُ بين الأخبارِ ولم يُمكن الجمعُ بينها(416) وبناءً عليه؛ فلم يُعهد من صنيع علماء هذا الفن الشريف تقديمُ
ما في مُستدرك الحاكم على ما في الصحيحين، فاحتجاج المظفّرُ بما رواه الحاكمُ لردِّ ما جاء في صحيح البخاريِّ لا يُسمنُ ولا يُغني مِن جوعٍ عند أهل هذا الفنِّ؛ وعند غيرهِم ممّن لهم أدنى تعاملٍ مع كتب الحديث النّبويِّ الشريفِ.
فضلًا عن اعتبار الحليِّ سكوتَ الذهبيِّ موافقةً منه لقولِ الحاكمِ، وهذه المقولةُ وإن كان قد قالها بعضُ أهل العلم، إلا أنّها عند التحقيق لا تصحّ، فسكوتُ الذهبي لا يعني موافقةَ الحاكمِ على أحكامه، لأنَّ الذهبيّ رحمه الله إنما حصر عملَه على المستدرك باختصارِه، وقد يَنشطُ لتعقّبه في أحوالٍ دون الأخرى(417) ، وهو نفسُه رحمه الله كان يرى قصورًا في اختصارِه لمستدركِ الحاكم، يتطلّب منه إعادةَ نظرٍ فيه، حيث قال رحمه الله بعد أن بيّن درجاتِ أحاديث المستدرك: وبكل حالٍ فهو كتابٌ مفيدٌ قد اختصرتُه، ويعوزُ عملًا وتحريرًا(418) .
ومما يَحسنُ التنبيهُ
عليه هنا: أن قولَ الحاكم في هذا الحديثِ بأنه على شَرطِ البخاريِّ ومسلمٍ فيه نظرٌ(419) فالبخاريُّ رحمه الله لم يُخرج للمقدامِ بنِ شُريحٍ ولا لأبيه، فاقتضى التنويه(420)
ثم قال المظفّر: « الثاني: ما نقله البغويُّ في باب أدب الخلاء من (مصابيحه) من الحِسان، عن عمر، قال: « رآني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أبول قائمًا، فقال: يا عمر! لا تبل قائماً » .
قلت: سبق معنا بيانُ ضَعفِ هذا الحديث المرفوع في نهيه صلى الله عليه وسلم لعمرَ رضي الله عنه عن ذلك، وأن الذي صَحّ في ذلك إنما هو موقوفٌ عن عمر، كما صحّ عنه خلافُه، ومضى معنا توجيه كلِّ ذلك.
وكما لم يراعِ المظَفّر قواعد أهل الحديث، في تَقديمِه كلّ ما سوى الصحيحين على ما فيهما، لم يلتزم هنا بطريقتهِم المعروفةِ عند القاصي
منهم والداني في عزوِ الأحاديث إلى مصادرها الأصيلة، فعمَد إلى الحديث الذي أَخرجه بعضُ أهل السنن، فعزاه إلى كتاب مصابيح السنة للإمام البغويِّ رحمه الله، والإمامُ البغويُّ رحمه الله إنما بنى كتابَه على الكتب الستة: الصحيحين والسنن الأربعة، وفي كتابِه هذا اصطلح على التفريق بين مدلول الحديث الصّحيحِ والحَسنِ، فخصّ وصفَ الصّحيح بما أخرجه صاحبا الصحيحين، وخصّ ما أخرجه أصحاب السنن بوصفِ الحُسن، وقال موضّحًا ذلك في مقدّمةِ كتابه: أَعنيِ بالصّحاح ما أخرجَهُ الشيخان: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمهما الله، في جامعهما، أو أحدهما، وأعني بالحِسان ما أورده أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي وغيرُهما من الأئمة في تصانِيفهم رحمهم الله، وأكثرُها صحاحٌ بنقلِ العدلِ عن العدل، غير أنّها لم تبلغ غايةَ شرطِ الشيخين في عُلُوِّ الدرجة من صحّةِ الإسناد، إذ أكثر الأحكام ثُبوتها بطريقٍ حسنٍ(421)
ولو عَلِم المُظفّرُ بهذا التقسيم، أو اطّلع على مُقدّمة الإمامِ البغويِّ على كتابه المصابيح، لرجَع إلى المصدر الذي نقل منه البغوي في
مصابيحه، وقام بالعزوِ له، وهذا كُلُّه مما يُضاعِف العَجَب! إذ كيف يتسوّرُ المُظفَّرُ لانتقاد هؤلاء الأئمةِ الكبارِ وما رووه في كُتُبهم مِن صحيحِ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يعلمُ شيئًا عن طرائِقِهِم ومناهِجِهم في تصانيفِهِم؟!
وقد مرّ معَنا أن المرفوعَ مِن هذا الحديثِ هو ما رواه الترمذيُّ وابنُ ماجه مِن أصحابِ السُّنن، وبيّن الترمذيُّ عقبَ روايته له ضعفَه، لكونه من روايةِ عبدِ الكريم بنِ أبي المخارق.
وكان الواجبُ على المظفّر أن يرجِعَ في تخريجِه إلى هذين الكتابين، لكنه لم يفعل، وعدمُ فعله إمَا أن يعودَ إلى عدمِ معرفَتِه بقواعدِ التَّعامل مع مصادرِ حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإمّا أنه لم يعزُه للترمذِيِّ، مع علمه بوجود فيه، كي لا يُضطرَّ إلى نقل تضعيف الترمذِيِّ له، وإما أنه لم يعلمْ أصلاً بوجود الحديث في سنن الترمذيِّ، وكلُّ احتمالٍ لا يقلُّ سوءًا عن الآخر، والله الهادي.
وأعجبُ من هذا كُلِّه؛ أن يَعلمَ القارئُ أن المظفّر نَقلَ ذِكرَ البغويِّ لهذا الحديث في مصابيحِ السنة، ولم يَذكر أنّ البغويَّ قال مباشرةً بعد ذِكرِه لهذا الحديث: قد صَحَّ عن حذيفةَ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتى سُباطة قومٍ فبال قائمًا. ثم قال البغويُّ: قيل: كان ذلك لعُذرٍ به(422) . اهـ.
ولا أدري بَم سيتأوَّلُ أتباعُ المُظفّر هذا الصَّنيعَ منه؟ وهل يَخطر على بالِ أحدِهم أن فعلَ مثلَ هذا لا يمتُّ بصلةٍ لاحترام عقل القارئ، وقصدِ
إرشاده للحقّ والصواب، فضلًا عن عدم ارتباطِه بأيِّ شَكلٍ من أشكالِ الأمانة العلمية!
ثم قال المظفّر: « الثالث: إنّ البول قائما يستلزم بحسب العادة وصوله إلى البائل، ولا سيّما عند قرب انقطاعه، ولا ريب أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أولى بتجنّب موارد احتمال الإصابة، فضلا عن موارد القطع العادي..
كيف؟! وقد روى مسلم في آخر كتاب الطهارة: « إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرّ بقبرين، فقال: أما إنّهما يعذّبان وما يعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وكان الآخر لا يستنزه عن البول » .
ونحوه في موارد كثيرة من صحيح البخاري » .
نعم، الذي ثَبتَ عنه التحذيرُ من عدمِ التنزُّه من البول، هو الذي ثَبتَ عنه البول قائمًا، وكان الأجدرُ بالمظفّر أن يُؤمن بكلِّ ما صحّ عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسّلمَ له، لا أن يَتخيَّر مِنه ما يؤيّد مذهبَه ويطرحَ مِنه ما خالفَ ما تقرّر عنده، وإلا؛ فعلى قاعدتِه الانتقائيةِ هذه: لا شيءَ يمنعُ مَن أراد أن يُضعِّفَ أحاديثَ عذابِ القبر والتي فيها الترهيب من عَدم الاستنزاه من البول: أن يصحّح أحاديث البولِ قائمًا، ويقدّمَ ثبوتَها ودلالَتها على ثبوتِ ودلالةِ أحاديث عذاب القبر، ثم يقرّرُ باطِلَه بقوله: لما كان البولُ قائمًا يستلزمُ وصولَ بعضِ النّجاسات إلى فاعلِه، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه بال قائمًا، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يُصاب بالنّجاسة بسبب ذلك، وحاشاه صلى الله عليه وسلم مِن كلّ سوءٍ ونقيصةٍ فهذا يدلُّ على أن ما جاء في الترهيب من عدم الاستنزاه مِن البولِ؛ لا يصحُّ،
وما بُنيّ عليه من كون عامّة عذابِ القبر منه لا يصحُّ أيضًا، ومِن خلال هذه الطريقةِ المعوجّة الباطلة في التّعامل مع نصوص الشريعة، يستطيع أيُّ مغرضٍ أن يُقدِّمَ ما شاء من الأدّلة ويحتجَ بها لمرادِه، ويؤخّرَ ويهمّشَ ما شاء مِن الأدلّة لكونِها لا توافقُ مرادَه، وهي طريقةٌ ما عُرفت إلا عند اليهود الذين كفروا بنبوّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، وجعلوا يعترفون بالحقِّ إذا كان في صالِحِهم، ويردُّونه متى ما خالَفهم(423) ويُخفون ما يُدينُهم ويَفْضَحُ تَحريفَهم ولا يُظهرونَه(424) وهم يعرفون النبيَّ صلى الله عليه وسلم {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]، وعليه:
فلا ينبغي لأحدٍ ممّن ينتمي إلى أمّة الإسلام أن يسلُكَ هذه الطرق الملتوية، خاصةً إذا كان من المندرجين في خانة العلماء.
وكلُّ هذه التفريعاتِ المرفوضةِ إنما سبَبُها ما يُوردُه المظفّرُ وأمثالُه من شبهٍ واهيةٍ، وطرقٍ معوّجة يحاولون مِن خلالها توهينَ الأحاديثِ الصحيحة، والطَّعنَ في مصادرِها التي لاقت كاملَ القبول عند علماءِ هذا الدين، بل وعوَّامهم.
ثم قال المظفّر: ونقل البغويُّ في باب أدب الخلاء من الحِسان: « إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يبول، فأتى دمثاً في أصل جدار فبال، ثمّ قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله » .
قلت: هذا الحديثُ أخرجَه أبو داود في سننه، وما قُلناه في الفقراتِ السابقة يَسرِي على المُظفَّرِ هنا، في بيانِ عدم قدْرتهِ على التعاملِ مع المصادرِ الأصيلة التي تُخَرّج حديثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالأسانيد، فَضلًا عن عدمِ معرفتهِ بطرقِ الحكمِ على الأحاديثِ مِن قِبل علماءِ هذا الفنّ، وينطبقُ هذا على هذا الحديثِ الذي ذَكره مُحْتجًّا به غيرَ عالمٍ أو مكترثٍ بتضعيفِ غيرِ واحدٍ من أهل العلم له، بسبب الجَهالةِ الواردةِ في الإسناد، فقد قال أبو داود في سننه: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْبَصْرَةَ، فَكَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى، فَكَتَبَ عَبْدُ اللهِ إِلَى أَبِي مُوسَى يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى: إِنِّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ
أَنْ يَبُولَ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ، ثُمَّ قَالَ: صلى الله عليه وسلم «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا»(425)
قال النوويُّ رحمه الله: وحديثُ البابِ ضعيفٌ؛ لأن فيه مَجهولًا، وإنما لم يصرِّح أبو داود بَضَعْفِه لأنه ظاهرٌ(426) .
مع ملاحظةِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قد بال في أصلِ جدارِ أناسٍ لم يأتِ في الخبر أنه استأذَنَهم، حالُه في هذا كحالِه صلى الله عليه وسلم حينما بال قائمًا في حديث حذيفةَ، ممّا جعل القومُ يُسارعون إلى تكذيبِه - كما سيأتي معنا(427) - بزعمِ كون النبيّ صلى الله عليه وسلم يبولُ في أملاك أناسٍ من غير أن يستأذنهم، بينما، لم يلتفتوا لهذا الأمرِ هنا، لحاجَتِهم إلى الاحتجاجِ بِه على إبطالِ حديثِ صحيح البخاريِّ.
وهكذا حال كلِّ مَن انساقَ وراء هواه، وتاهَ في أوديته، ولم يلتحق بسفينةِ النجاة التي وضع أسُسَها نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، ونقلها لنا صحابتُه الكرام، ودوَّنها في كتبهم الجِلّةُ من العلماء، فصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبِه الكرام، ومن استنّ بسُنّتهم، واهتدى بهديِهِم إلى يومِ الدّين.
وفي مقابلِ أولئك، نجدُ أهَل العلم الذين وفّقهم الله عز وجل لِفَهم كلّياتِ هذه الشريعة، وشريفِ مقاصدها، وعلّمهم كيفيةَ التعاملِ مع نصوصِ الشريعة - المُحكَم منها والمتشابَه - فقاموا بهذا الدورِ الشّريفِ خيرَ قيام، وسَعَوا لتوجيهِ الأحاديثِ التي قد يُخالفُ ظاهرُها ما قعَّدتُه الشريعةُ مِن قواعدَ متينةٍ، كهذا الحديث الذي يُصرّح ظاهرُه بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بالَ في أصل جدارٍ لا يَملِكُه، وكون هذا داخلًا في بابِ التَّصرُّف في مِلك الغَير، فقال الإمام النوويُّ رحمه الله: وقوله: «بالَ في أصلِ الجدار»، أي: قريبًا منه بحيثُ لا يُفسده، أو أنه كان غيرَ مملوكٍ، أو يعلمُ أن مالِكَه لا يَكرَهُ ذلك(428) .
وقال في الحديث الآخر - مدارَ بحثنا هذا -: وأما بَولُه صلى الله عليه وسلم في سُباطةِ قومٍ فيَحْتَمِل أوجهًا، أظهرها: أنهم كانوا يُؤثرون ذلك ولا يكرهونَه، بل يَفرحون بِه، ومن كان هذا حالَه جازَ البولُ في أرضِه، والأكلُ مِن طعامه، ونظائرُ هذا في السُّنة أكثرُ من أن تُحصى، وقد أشرنا إلى هذه القاعدةِ في كتابِ الإيمانِ في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه، قال: احتفزتُ كما يَحْتَفِزُ الثّعلب.
والوجهُ الثاني: أنها لم تكنْ مُختصةً بِهم، بل كانت بفِناءِ دُورهم للنّاس كُلِّهم، فأُضيفت إليهم لقُربِها مِنهم، والثالثُ: أن يَكونوا أَذِنوا لمن أراد قضاءَ الحاجةِ؛ إما بصريحِ الإذن، وإما بما في معناه، والله أعلم(429) .
ومقصودي هنا من سَوقِ توجيهات الإمام النووي؛ بيان أن هذه التوجيهات وإن اختلفت في بعضِ مضامينها، إلا أنها تبقى في حيّز اختلافُ التنوّعٍ لا اختلافَ التَضادٍّ كما يُقال، وهو ـ رحمه الله ـ لرسوخِهِ في العلم قام بتوجيهِ كلا الحديثين بما يوافقُ أصولَ الشريعة، دون أن يلجأَ لتكذيبِ أحد الحديثين، أو تسفيهِ القائلِ بأيٍّ منهما، فضلًا عن بُعده تمام البُعد عن إظهارِ وإخفاء ما يوافقُ أو يخالفُ ما نشأ عليه من مَذهبٍ فقهيٍّ.
ثم قال المظفّر: « فمع هذه الأخبار، وأضعافها من أخبارنا، كيف نصدّقهم على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه بال قائما؟! ولا سيّما مع دعوى طلب دنوّ حذيفة منه، وهو منافٍ للحياء وسنّته، فإنّه كان يبعد المذهب، ولم يُر على بول أو غائط.
ودعوى التشريع واضحة البطلان، إذ ليس لإباحة البول قائمًا بقُرْب الناس من الأهمّية ما يحتاج إلى التشريع بالفعل، وقد كان التشريع بالقول ممكنًا، وأظهر بيانًا » !
أقول: أما ما ختم به المظفّرُ كلامَه هذا فهو عينُ الاستدراكِ على الشارعِ الحكيمِ، حيث قرّر فيه ما الذي يَليقُ فِعلُه مِن الشارعِ وما لا يَليق فعلُه، وما الذي ينبغي أن يُقدَّم من طرق التشريعِ هذه؛ وما الذي ينبغي أن يُؤخّر منها، وما الذي يُقبل من طُرُقِ التعليمِ والبيانِ منها؛ وما الذي لا يُقبل، إلى غيرِ ذلك من التّقريرات التي نادى بمضمونها المظفّر في استدراكه هذا.
ولو أخذنا بظاهرِ قوله في تصريحِه بأن التعليم بالقول يقدّم دائمًا على التّعليم بالفعلِ هذا؛ لألزمناهُ بِسريانِهِ على كلِّ فعلٍ صدرَ من النبيّ صلى الله عليه وسلم على وجهِ التعليمِ، كشُربه مِن قَدَحَ الماءِ وهو في طريقِ سفرهِ في نَهارِ رمضان، ليُعلِّم أصحابَه سُنِّية الفطر في السفر(430) ، وكقولِه صلى الله عليه وسلم في الصّلاة التي هي عمودُ الدين: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي(431) ، وقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم تعليمهم الصلاةَ وشروطَها وأركانَها وواجباتِها وسنَنَها وأذكارَها بأقواله لا بأفعاله!
فهل يلتزمُ المظفّر ومن قال بقولِه بما يوضِّحُه ظاهرُ كلامِه مِن نفيِ صحةِ التعليمِ بالفعلِ ما دامَ القولُ مُمكنًا؟ ويَنفون بذلك كلّ ما صحّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في تعليمِه الفعليِّ دون القوليِّ؟
وأما طَلَبُه صلى الله عليه وسلم من حذيفةَ أن يَدنوَ منه، فليس كما حاولَ أن يُصوّرَه المظفّر ليشوِّهَ به هذا الحديثَ، ويُبغِّضَ الناسَّ به، من تصويره لزومَ ذلك لاطّلاع حذيفةَ على عورة النبيّ صلى الله عليه وسلم وحاشاه صلى الله عليه وسلم من أن يظَنَّ به مثلُ ذلك وإنما كان طلبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من حذيفةَ الدنوّ منه لِيقوم بستره(432) رضي الله عنه ودفعِ
كلَّ مقتربٍ منه لا يعلم بأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم على حاجَتِه، وفي هذا يقول الإمامُ النوويُّ رحمه الله: وأما قولُه «فتنحَّيت فقال: ادْنُه. فدَنَوْتُ حتى قُمتُ عِندَ عَقِبَيه» قال العلماءُ: إنَّما استدناهُ صلى الله عليه وسلم لِيَستتِر به عن أعينِ النّاسِ وغيرِهم مِن الناظرين، لكونِها حالةٌ يُستخفى بها ويُستحى مِنها في العادةِ، وكانت الحاجةُ التي يقضيها بولًا مِن قِيام؛ يُؤمَنُ معها خروجُ الحَدَثِ الآخرِ والرائحةِ الكريهة، فلهذا استدْناه، وجاء في الحديثِ الآخر «لمّا أرادَ قضاءَ الحاجةِ قال: تَنَحَّ» لكونِه كان يقضيها قاعدًا، ويحتاج إلى الحَدَثين جَميعًا، فتَحْصُل الرائحةُ الكريهةُ وما يتبعُها، ولهذا قال بعضُ العلماءِ في هذا الحديثِ: من السُّنة القربُ من البائلِ إذا كان قائمًا، فإذا كان قاعدًا فالسُّنةُ الإبعادُ عنه، والله تعالى أعلم(433)
قلت: والناظرُ المُنصِفُ يرى شاسعَ الفرقِ بين طريقةِ الإمام النووي رحمه الله والعلماء الأجلّاء الذين نَقَل أقوالَهم في حُسن التعاملِ مع أحاديثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبين طَريقةِ المُظَفّرِ ومَن سَبقه ولحِقه في سوء التعامل مع أحاديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والصحابةِ الكرامِ رضي الله عنهم نَقلةِ هذه الأخبار، وأئمةِ الحديث الذين تناقلوا سنّة النّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأصح الأسانيد، وأودعوها كتبهم الكريمة.
وأما قول المظفّر: وليس البول قائما في الجواز إلَّا كالتغوّط قائمًا،
وإرسال الريح جالسًا بين الناس، فهل ترى يحسن فعلهما للتشريع(434)
فكلامٌ لا يَحتاج في رَدِّهِ أكثرَ مِن نقله، وهو يُرسِّخ في أذهانِ المُنصفين مدى حِرص المظفّر ومن سار بِسيرِه على عدمِ احترامِ عُقولِ القُرّاءِ، وتقديمِ مادةٍ علميةٍ قائمةٍ على حُسنِ الاستدلال وأَمانَةِ النَّقل.
ثم تابع المظفّر قائلاً: « وأما قوله: « وأيّ منقصة تتصوّر من البول قائما؟! » .. فمن مكابرة الضرورة، ولكن يحقّ له نفي المنقصة، فقد كان إمامُهم عمرُ يفعلُ ذلك كما عرفتُ، وكذلك ابنه عبد الله! روى مالك في موطَّئه(435) تحت عنوان: « ما جاء في البول قائماً » ، عن عبد الله بن دينار، قال: « رأيت عبد الله بن عمر يبول قائماً » . وعن النووي: « إنّ عمر كان يقول: البول قائماً أحصن للدبر » .
ولعلَّه لهذه الحكمة كان يفعلُه ويفعلُه أصحابه(436) » !!
وفي الجواب على آخر شُبهِ المظفّر أقول: نعم، ثبت هذا عن عمر رضي الله عنه كما مرّ معنا، ومرّ معنا أيضًا توجيهُ الاختلافِ المنقولِ عنه، وأما أثرُ ابن عمر رضي الله عنه فقد أخرجه الإمامُ مالكٌ وغيرُه مِن طريق عبدِ الله بن دينار: أنّه رآهُ يَبولُ قائمًا.
ونحن إنما احتججنا ببول النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا ابتداءً، ثم استأْنَسْنا بما رُوِي عن الصحابة الكرامِ في ذلك، والسؤالُ المتبادر إلى ذهن كلِّ عاقل هو: ما الذي يَضير كُلًّا من الصَّحابيين الجليلين أن يَفعلا شيئًا فعلَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ وهل يُعقلُ أن يَستنْكِفَ أحدٌ من الصحابة الكرام عن فعلِ ما قام به قُدوتُهم وقُدوتُنا والسابقُ إلى كلِّ خير: نبيُّنا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم؟
وهذا ما حمل غيرَهما من الصحابةِ الكرامِ على البول من قيامٍ وعدم التّحرُّجِ مِن ذلك، وفي مقدَّمهم عليٌّ رضي الله عنه(437) ، وقد رُوي خبرُه من طريق يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ الْجَنَبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا «بَالَ قَائِمًا حَتَّى أَرْغَى، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَجَعَلَهُمَا فِي كُمِّهِ، ثُمَّ صَلَّى».
قَالَ مَعْمَرٌ: وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُحَدِّثَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَنِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، صَنَعَ كَمَا صَنَعَ عَلِيٌّ فَعَلْتُ.
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (783)، ويزيدُ بن أبي زياد فيه كلامٌ جعلَ بعض أئمة الحديث لا يحتَجون به، مع أنّ القولَ الفصل عند الذهبيِّ أنّه مع رداءةِ حِفظه لا يُترك(438) وقد نَصّ مَن ترجم له بأنه كان شيعيًّا، بل عُدّ من كِبارهم(439)
ومع ذا، فقد روى هذا الخبرَ عن عليٍّ، ولم ير فيه أيَّ غضاضةٍ أو انتقاصٍ له رضي الله عنه.
ثم هو قد توبع في روايتِه هذه، وذلك في الروايةِ التي أخرجها عبدُ الرزاق بعد الأثر السابق عن الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ وَهُوَ قَائِمٌ حَتَّى أَرْغَى، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَنَزَعَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ.
وكذا أخرجه ابنُ أبي شيبة (1311) من طريقِ الأعمشِ وحصينٍ عن أبي ظبيان مختصَراً مقتَصِراً على ذكر بوله قائمًا.
ورُوي أيضًا مِن طريقِ سلمةَ بنِ كُهيلٍ عن أبي ظَبيان به، كما تراه في شرح معاني الآثار للطحاوي (4/ 268)، وعنده أيضاً من طريقِ شُعبةَ عن الأعمشِ به.
وهذه أسانيدُ صحيحةٌ تثبتُ وقوعَ هذا الفعل مِن عليٍّ رضي الله عنه، وفي هذا كفايةٌ لطالبِ الحقّ في أن يَقْنَع بصحةِ ما نُسب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وإلى غير واحدٍ من الصحابة الكرام رضي الله عنهم من التبوّل من قيامٍ، خاصةً إذا كان المعترضُ ممّن يقول بِعصمةِ عليٍّ رضي الله عنه، وسائرِ أئمة أهل البيت الكرام، فها هي كلُّ الأدلّة النّقلية والعقلية تدفعُه دفعًا إلى القول بصحةِ هذا الفعلِ، فالأدلّة النقليةُ تجلّت صحّتُها بما مرّ معنا عند التعرّض لدراسة أسانيدِها،
حيث ظهر لنا ثبوتُ ذلك بأصحِّ الأسانيد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعن غير واحدٍ من الصحابةِ الكرام، ومنهم عليٌّ رضي الله عنه، والأدلّة العقلية قد تجلّت بما مرّ معنا من عدم وجود ما يَعيبُ هذا الفعلَ وفاعلَه ابتداءً، وأن العيبَ لا يثبتُ إلا إذا رافقه انكشافُ عورةٍ أو وصولُ نجاسةٍ أو إيذاءُ الناس في طُرُقاتهم، والله أعلى وأعلم.
وأما قول السبحانيُّ عن عزوِ الإمام ابن قدامة هذا الفعل لعليٍّ رضي الله عنه: وأمّا نسبة ذلك إلى عليّ، فالمرويّ عن أئمّة أهل البيت خلافه(440) .
فيقال في الجواب عليه: ما الذي قصدَه السبحانيُّ من قوله هذا؟ هل قصد أن أئِمةَ أهلِ البيت رووا عن عليٍّ رضي الله عنه خلاف الذي رواه علماؤنا في كتبهم بالأسانيد الصحيحة؟ أم قصد أن المنقولَ عن أئمة أهل البيت - ما خلا عليًّا رضي الله عنه - يخالفُ المنقولَ عن عليٍّ؟
فإن كان الأولُّ هو مرادَه فليُظهرْ لنا هذه الروايات التي نهى فيها عليٌّ رضي الله عنه عن البول قائمًا، ونفى ذلك عن نفسِه رضي الله عنه.
وأنا أعلم كما يعلمُ غيري، أن وَضعَ أخبارٍ على أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه في هذا المعنى وغيره من المعاني، لا تُعجز أحدًا ممّن هوّن مِن شأن الكذب، وسعى في نشرِ معتقداته عن طريق الأكاذيب، ومع ذا، فليت السبحانيَّ ذكر شيئًا من ذلك، حتى نقارنَ بين ما ذكرَه وبين ما ثبت عندنا بالأسانيد الصحيحة الثابتةِ عن عليٍّ رضي الله عنه في ذلك.
وإن أراد الثاني: أي أنّ المنقولّ عن أئمةِ آل البيت مِن أقوالٍ - ورُبّما أفعالٍ - يخالفُ ذلك، فيقال في الجواب عليه: متى كانت أقوالُ المتأخّرين وأفعالُهم قاضيةً على أقوال سَلفهِم مِن أئمةِ آل البيت، وهل اعتاد السبحانيُّ وغيره من علماء الإمامية على تقديم قول ذرِّية عليٍّ رضي الله عنه على قوله، عند تعارضِ المنقولِ عنهم؟
ولو افترضنا تعارضَ النّقل عن أئمة آل البيت في ذلك، فينبغي على من أراد التوفيقَ أو الترجيحَ أن يبني ذلك على قواعد صحيحة، موافقةٍ لطرائق الاستدلال والترجيحِ في شريعتنا الغرّاء، وهذا أيضًا مما لم يُظهره السبحانيُّ بحسب اطلاعي، وإنما اكتفى بالتهويش بهذه المقولة التي نسبها إلى أئمةِ آل البيت، لترهيبِ الأتباع مِن المخالفة.
ثُمّ يقال له بعد ذلك: إن استطعت أن تُوعِّر طريقَ الوصول إلى الحقّ على بعض أتباعك؛ بالاحتماءِ بمثلِ هذه المقولات، فما أنت فاعلٌ بما رواه علماء الإمامية في كُتُبِهم مِن تجويز البول قائمًا، إذا أمِنَ فاعلُه التلبُّسّ بالنّجاسات، فقد أخرج الطوسيُّ من طريق سعدان عن حكمٍ عن رجلٍ عن أبي عبد الله قال: قلتُ له: أيبولُ الرّجلُ وهو قائمٌ؟ قال: نعم، ولكنّه يُتخوّفُ أن يلتَبِس به الشيطانُ - أي يُخبِّله -، فقلتُ: يبولُ الرجل في الماء؟ قال: نعم، ولكن يُتخوّف عليه من الشيطان(441) .
وفي الكافي عن عليِّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عُمير عن رجلٍ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألتُه عن الرجل يَطَّلي فيبولُ وهو قائم؟ قال: لا بأس به(442) .
وجهالةُ الراوي عن جعفر الصادق لا تقدّم ولا تؤخّر شيئًا بالنسبة إلينا، ففي صحيحِ أسانيد أخبارِنا ما يُغني عن كلِّ ذلك، وإنمّا ذكرنا هذا الأثر من كتب الإمامية دفعًا لمكابرةِ السبحاني في تعظيمِ الإنكارِ على من تلبّس بهذا الفعل، مع ملاحظة روايةِ مثل هذه الآثار في كتبهم، وعدمِ صدْعِهم بإنكارِها، مقارنةً بشديد نكيرِهم الذي أظهروه في حقِّ الإمامِ البخاريِّ وغيرِهم مِن أئمة الإسلام الذين رووا خبرَ بولِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في كُتُبِهم وبأصحّ الأسانيد.
وبذا نكونُ قد انتهينا من ردّ شبهات المظفّر، مُلحقين بها الردّ على إحدى شبه السُّبحانيِّ، والحمدُ لله رب العالمين.
وفي النّظر إلى ما زاده السبحانيُّ على ما سبق، نراه يقول: أخرج ابن ماجه عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائمًا. والرواية لو صحّت فإنما تحمل على صورة الاضطرار، فإن البول قائماً ينافي ما ثبت منه خلافه.
ثم نقل السبحاني كلامَ ابن قدامة المُتضمّن لكلِّ ما يتعلّق بهذه
المسألة سواءٌ من حيث موافقةُ هذا الفعل أو مخالفتُه، ومِن ضمن ذلك نقله الرُّخصةَ في جوازِ البولِ قائمًا عن غيرِ واحدٍ من الصّحابة الكرام، وفي مُقدَّمِهم عليٌّ رضي الله عنه، ثم خَتم ابنُ قدامة كلامه بقولِهِ: ولعلَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لتبيين الجوازِ، ولم يفعلْه إلا مرّةً واحدة، ويُحتمل أنه في موضعٍ لا يَتَمّكن مِن الجلوسِ فيه. اهـ.
ثم نقل السبحانيُّ المَنعَ عن البول قائمًا مِن قول أم المؤمنين عائشة وعمر رضي الله عنهما، ومِن قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرفوعًا من حديثِ جابر رضي الله عنه، ثم اعترض على توجيهِ ابنِ قُدامة السابقِ قائلًا: « وما وَجَّه به ابنُ قدامة صدورَه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه كان لتبيين الجواز وجهٌ تافه، إذ بإمكانه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيّنه بكلامه دون حاجة إلى بيانه بالفعل الذي يعدُّ من صفات غير المبالين بأحكام الشريعة، وأما نسبة ذلك إلى عليٍّ فالمروي عن أئمة أهل البيت خلافه(443) » .
قلت: أما الجزءُ الأخيرُ مِن كلامه، فقد سبق الردُّ عليه، بإثباتِ هذا الفعل عن عليٍّ رضي الله عنه بالأسانيد الصحيحة، وكذا بنقل جوازِه عن جعفر الصادق رحمه الله، وأما طلبُه أن يكون بيان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لهذه المسألة بالقولِ لا بالفعلِ، فهو عينُ الاستدراكِ على الشّارع الكريم، تمامًا كما فعل سَلَفُه المُظفّرُ ومرّ معنا كلامُه وَرَدُّنا عليه في موضِعه، لكن؛ أحبُّ أن أنبّه هنا إلى مسألة تتعلق بكلامِهما وهي: هل اعتراض القومِ على حديث حذيفة رضي الله عنه كان بسببِ
عدم جَوازِ صَدورِ هذا الفِعل من أي مسلمٍ كائنًا مَن كان؟ أم كان بسبب عدم جوازِ صدور هذا الفعلِ مِن النّبي صلى الله عليه وسلم خاصّةً؟
والجواب على هذا أن نقول: إنّ الناظرَ في كلامِ المعترِضين على هذا الحديثِ يرى اضطرابًا بيّنًا في سِياق شُبَههم، فهم تارةً يُنكرون مشروعيةَ هذا الفعلِ دون النّظر إلى مَن صَدَر منه، ويحتجّون لذلك بكون فاعلِهِ لا بدّ من أن يَطالَهُ شيءٌ من رَشاشِ البول، أو لكونِ عورتِه لا بد أن تُكشفَ في هذه الحالةِ، أو لأنه من خَوارمِ المروءة وقوادِحها، وتارة يَستعظمون صدورَ مثلِ هذا الفعل من النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصةً بدعوى أنه يَنقُص مِن مَكانَتِه المُشرّفة، وهذا الاضطرابُ واضحٌ في كلام السبحانيِّ فهو من جهةِ يمنع هذا الفعلَ ويَستعظم صدورَه من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، عادًّا إياه من صِفاتِ غيرِ المبالين بأحكام الشريعة، وهو من جِهةٍ أُخرى يَطلبُ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يبيّنَ جوَازَ هذا الفعلِ بقولِه صلى الله عليه وسلم لا بفِعلِه، والسؤال: متى كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يجوِّز فِعلًا يُصنَّفُ فاعلُه بأنه مِن غير المبالين بأحكامِ الشّريعة؟ ومتى كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُجوِّز فعلًا يَتَسبَّبُ في نجاسةِ صاحبِه؟ ومتى كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يجوّز فعلًا تظهر فيه عورةُ صاحبه أمام أعين الناظرين(444) ؟
أليس هذا من أعظمِ التّناقضِ والاضطرابِ وقلة العلم بموارِد الشّريعةِ ومَقاصِدها؟ فهُم إما أن يَنفوا حِلَّ هذا الفِعلِ جملةً وتفصيلًا، سواءٌ
كان الفاعلُ له نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أو غيرُه، وإما أن يُثبتوا جوازَ فعلِ ذلك من الناسِّ كافّة، وعلى رأسِهم نبيُّنا صلى الله عليه وسلم.
أما أن يُشدّدوا النكير على من نَسب هذا الفعل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويكذّبوه في نقله، معتبرين فِعلَه من أقبح ما يُمكن أن يفعَلَهُ المُسلمُ، أيًّا كان هذا المُسلم، ثم بعد ذلك يطالِبون الشارعَ بأن يُشرِّع للناس جوازَ فعلِ ذلك مِن قَوله لا من فِعله، فهذا من أعجب العجب!
والناظر في هذا التخبّط والتناقضِ الصادرِ عن أصحابِ هذه الشبه؛ يتيقّن بأنه إنما حصل لهم لكثرة اتّباعهم لأهوائهم، وعدم وقوفِهم على أرضٍ ثابتة فيما يأخذونه ويعتمدونه مِن أحكام هذه الشريعةِ الغرّاء؛ وعدم وصولهم للطريقة الأسلمِ في كيفيةِ تعامُلِهِم مع الحقّ والهدى والنّور الذي جاء به خيرُ الأنبياء نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ولله الأمرُ مِن قبلُ ومِن بعدُ، فَهُمْ لما تستّروا برداء الدعوى إلى تنزيه النبيّ صلى الله عليه وسلم من التلبّس بهذا الفعل المستشنع - بزعمهم - شنّعوا عليه صلى الله عليه وسلم بما هو أشدّ من ذلك باتّفاق العقلاء، فَنَسبوا له جوازَ تقريرِ أحكامٍ للمسلمين لا يفعلُها إلا الأراذلُ غيرُ المبالين بأحكامِ الشريعة الإسلامية.
فهل يعي أصحابُ هذه التشغيبات ما يَتَشَعَّبُ عَن كلامِهم المتهافت من طامّاتٍ وكوارثَ بحقّ خيرِ خلق الله نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ أم هم مجرّد نقلةٍ لأقوالٍ وتراكيبَ يتبَعُ الآخرُ فيها الأوّل، ويزيدُ بما تُسوّل له نفسه من إيرادات وإشكالاتٍ، دون النّظر في مناسبة هذه الإيرادات والإشكالات
متأخّرها مع متقدّمها، هل يُتوافقُ كلٌّ منها مع غيرِه، أم أن كلًّا منها ينقضُ بعضُها بعضًا، ويَهدمُ بعضُها بعضًا، وصدق القائل:
| حججٌ تهافتُ كالزّجاج تخالُها | حقًّا وكلٌّ كاسرٌ مكسورُ |
|---|
نعوذ بالله من العمى بعد الهدى.
وهذا كلُّ ما وقفتُ عليه مِن زيادات تستحقُّ النّظر في كلام السُّبحانيِّ، والحمدُ لله رب العالمين.
ثم بعد ذلك دعونا ننظر فيما قرَّره النَّجميُّ في معرِض ردِّه لهذا الحديثِ الصحيح، حيث قال بعد أن ذكر رِوايتين من رواياتِ حديث حذيفة رضي الله عنه: « مُؤدّى هاتين الروايتين اللتين رواهما البخاريُّ ومسلم أن رسول الله - حاشاه - هو مثل الأشخاص الذين آنسوا السنن الجاهلية، ولمّا يتعرّفوا على التعاليم والآداب الإسلامية، وإنه مثل هؤلاء يقف على السباطة خلف الجدران ويبول وهو واقف، قام رسول الله كما يقوم أحدكم فبال قائماً.
ثم قال: اعتراف بقبح هذه التهمة: إننا في هذا البحث الموجز نغض النظر عن التحقيق والبحث العلمي حول هذه الفرية التي ألصقوها برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا أريد أن أقول: إن النظافة مسألة فطرية وغريزية مُودعةٌ حتى في الحيوانات بحيث تشعر بها بشعورها الذاتي، وأنها تسعى عند البول أن لا تتلوث
به.
ولا أريد أن أقول: إن النظافة من البول مسألة بديهية يعرفها حتى أبو موسى الأشعري(445) ، وكان يشدّد فيها.
ولا أريد أن أقول: إن مسألة البول عند بني إسرائيل كما حدثنا أبو موسى كانت مهمة للغاية، بحيث إنهم كانوا يقرضون ثيابهم إذا أصابها بول » .
قلت: مع كون ما قرّره النجمي هنا قد سبق ما يماثُله في شُبهات القومِ، إلا أنني أُحبُّ أن أُنبّه على أمرٍ يوضّح حقيقة تلاعب الهوى بأصحابه، فهو يُنكر حديثَ حذيفةَ ويُثبتُه في الوقتِ نَفْسِه، فهو يَستدلُّ على بُطلان حديثِ حذيفةَ رضي الله عنه بتشديدِ أبي موسى رضي الله عنه فيما يتعلّق بالطهارة من البول، وكلا الأمرين قد جاءا في خبرٍ واحدٍ، وهو الذي فيه إثباتُ بولِه صلى الله عليه وسلم قائمًا، بل إن بيانَ حذيفة رضي الله عنه لبولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قائمًا إنما كان مِن أجلِ ما نُقل له من تشديدِ أبي موسى بأمرِ الطّهارة مِن البول، ثم يأتي النّجمي فيحتجُّ بجزءٍ من الحديث لإبطال الجزءِ الآخر، مع أن الجزءَ الآخر إنما جاء جوابًا على الجزء الأول الذي احتجّ به النّجميُّ، فهل رأى القارئ المُنصف فقهًا كهذا الفقه؟! واستدلالًا محكمًا كهذا الاستدلال؟!
وقد يطرأُ على البالِ بأن هذا لم يَخْفَ على النجمي، وإنما ساق ما ساقه تلبيسًا على القارئ غيرِ المنتبه، الحريصِ على اتباع قولِه، ولو كان متهافتًا أشدّ التهافت، متناقضًا أكبر التناقض، وهذا احتمالٌ لا يُستبعد، والله سبحانه هو وحده المطّلع على السرائر، وسيجازي كلّ امرئٍ على ما قدّمت يداه، ولن يستطيع أحدٌ كائنًا من كان أن يكتُم على الله عز وجل شيئًا فعَلَه، أو قاله، أو حتى أَسَرَّهُ في نفسه؛ {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)} [النور: 24 - 26].
ثم قام النّجميُّ بعرضِ توجيهاتِ أئمة الإسلام لِما وردَ في هذا الحديث مِن احتمالِ كونِ النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلَ ذلك من أجلِ الاستشفاء لوجع الصُّلْب، أو لعدمِ استطاعتِه الجلوسَ لَعلَّةٍ كانت في مَأبضه صلى الله عليه وسلم، أو لعدمِ استطاعته الجلوسَ لقضاء الحاجةِ كون المكان لا يَصلُحُ لذلك، أو لكونِ البولِ من قيامٍ أحصنَ للدُّبُر، أو كونِه صلى الله عليه وسلم فعلَ ذلك لبيانِ الجوازِ، ثم عقّب النَّجميُّ قائلًا بعد أن نَسبَ هذه الأقوالَ لشرّاح الحديث: « هذه تبريرات مؤيدي البخاري ومسلم وتأويلهم لهاتين الروايتين، وقد عرفت أيها القارئ الكريم هزال هذه التبريرات وخفتها، إنها أعذار أقبح من الذنب، وإنها لأشأم من نفس التهمة التي ألصقوها بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأعتقد أن قبول هذه الأحاديث ثم تبريرها وتأويلها بتأويلات فارغة المعنى وسخيفة لم تكن إلا لعلتين وسببين:
1 - الجهل بمقام النبوة.
2
الاعتقاد الأعمى بصحة كل حديث أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما
قلت: أما ادعاءُ جَهلِ هؤلاءِ الأئمةِ بمقامِ النُّبوةِ، فهو مِن أبطلِ الباطلِ، فهم رحمهم الله ورضي عنهم أعلمُ الناس بموارِد حديث النبي صلى الله عليه وسلم ومصادِرِه، وهم أحرصُ الناس على نسبةِ كُلِّ خيرٍ لمقامه الكريمِ صلى الله عليه وسلم، ودفعِ كلِّ باطلٍ عنه، وما قالَه في حقِّ أولئك الكبارِ لا يَعدو أن يكون دعوى مِن دعاويه الزائِفةِ، غَلّفها بكلامٍ إنشائيٍ خالٍ من أيِّ مضمونٍ علميٍّ، سوى ادعائِه أن هذا الفعلَ لا يَليق أن يَصدرُ من النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا بُد هنا من توجيه سؤالٍ يُجَلِّي المسألةَ أكثرَ فأكثرَ، فنقولُ: ما الذي ينبغي على المسلمِ الصادقِ الحريصِ على رضى اللهِ عز وجل ورضى رسولِه صلى الله عليه وسلم أن يفعلَه إذا جاءه نصٌّ صحيحُ السَّند صريحُ المتن عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أيأخُذُ بهِ وبدَلالَتِه ويعملُ به ويرشدُ الناس إليه؟ ثم إذا وقف على ما يعارضِ ظاهرَه، لجأ الى التّوفيق وحُسن التوجيه، إذا تساوت درجاتُ صحة الأخبار المتعارضة في ظاهرِها؟
أم يقومُ بالاعتراض على هذا النصِّ الصحيح الثابت في أصحّ الكتب، وطرحِ هذا الخبر وعدمِ الأخذِ به، دون تعرُّضٍ لدراسة أسانيد هذه الأخبار الصحيحة، وبيانِ أحوالِ رُواتِها، وفهمِ مناهجِ مُصنّفيها، فضلًا عن موافَقتها لأصول الشريعة، وعدمِ الخروجِ عن فُروعها، وإنما يفعل كلَّ ذلك اتباعًا منه لأناسٍ نشأوا على طرائق قددًا، ومشاربَ شتّى، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)} [المؤمنون: 53، 54].
والجوابُ المتبادر لذهنِ كلّ مسلمٍ حريصٍ على الوصول لجنة الخُلد: هو الأولّ، وأمّا الثاني فلا حَظّ له من نظرٍ إلا عند أناسٍ {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104]؟
نسأل الله السلامةَ والعافيةَ، ونعوذُ بوجهه الكريم من الحَوْر بعد الكَوْر.
وها نحن نرى أن مَبدأَ هذه الشبهات ومُنتهاها إنما يقوم على هوى مُطاعٍ، وإعجابِ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، مع كون كثيرٍ من المنادين بالتشكيك بما في الصحيحين، وردّ أحاديثهما جملةً وتفصيلًا هم: أجهَلَ الناس بالمنقولات، وأضعَفَهم بالمعقولات، وأفقرَهم في تمييزِ ما تَليقُ نسبتُه للنبيّ صلى الله عليه وسلم من أفعالٍ، وما لا يليق بجنابِه الكريم.
ومِن صورِ الاضطرابِ الحاصل من بعض المعترضين على هذا الحديث، وتناقضِ مناهِجِهِم في التّعاملِ مع النُّصوص الشَّرعيةِ؛ ما نَراهُ هنا من احتجاجهم بقولِ أمِّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها في هذه المسأَلةِ؛ في نفيِها ثبوتَ بولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قائمًا، مع أنّهم أكثرُ الناس بُغضًا لأمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنه، وأكثرُهم تكذيبًا لأقوالها وإنكارًا لأفعالِها، لكن؛ لمّا كان قولُها رضي الله عنها هُنا محتاجًا له لموافقته لأهوائهم، هُرعوا للاحتجاجِ به دون أدنى تردّد، ودون أن يتبرّع أحدٌ منهم سواءٌ القائل منهم أو النّاقل لبيانِ المَنهجيةِ التي يَسيرون عليها في استدلالاتهم بِنصوصِ السُّنَّة النَّبوية الشريفة: هل يَقبلونَ روايات الصحابةِ الكرام رضي الله عنهم عن النبيّ
صلى الله عليه وسلم بإطلاقٍ، ويتّبعون ما جاء فيها مِن أحكام شرعيةٍ؟ أم أنّهم لا يَقبلون منها إلا ما كان مَروّيًا عن بَعضِهم ممّن عدّلوهم ولم يُعدّلوا غيرهم، أم أنهم يقبلون الخَبرَ عن أيٍّ مِنهم كائنًا مَن كان متى ما وافق مرادَهم، ويردّون الخبرَ عن أيٍّ منهم كائنًا من كان متى ما خالف مرادَهم؟ أم أن المسألةَ في أوّلها وآخِرها إنما تقومُ على ما يُوافِقُ أهواءَهم، وترتضيه أفهامُهم، {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71]، أم أنّهم هم أنفُسُهم غير متفِقّين على شيءٍ من ذلك؟ وكلٌّ منهم يخالفُ الآخر، وينقضُ بُنيانَه من حيثُ شَعرَ أم لم يَشعرْ؟ إلى غيرِ ذلك مِن الاحتمالاتِ التي حَيّرتْهُم وأبرزت فسادَ طريقتِهم، قبل أن تُحيِّرَ غيرَهم، ونحنُ على يقين تامٍّ بأن القوم يتخبّطون في ظُلماتِ أهوائِهم، وماهم بخارجين منها إلا بحول الله وقوته، نسألُ الله الهداية والرشاد لنا ولهم ولسائر المسلمين.
وأما إذا سَألوا عن موقفِ العلماء الراسخين في التّعاملِ مع ما رواه الصحابةُ الكرامُ عن النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وسلم، فالجوابُ أنها طريقة مطّردةٌ بفضل الله عز وجل تقوم على النّظرِ في أسانيدِ الخَبرِ، فإن صحّت نَظروا في مَتنِ الخَبرِ، فإن كان مُوافقًا لما تقرّر في أصولِ الشّريعة وقواعدِها الربّانية، ولا مخالفَ له توجّهوا إلى نَشرَه وتعلُّمِه وتَعليمه والعملِ به مباشرةً، وإن وجدوه مُخالفًا في ظاهره لِغيرِه؛ نَظروا في تواريخِ الأخبارِ، وقدّموا المتأخِّرَ زمانًا على المتقدِّم مِن هذه النُّصوص، تقديمَ الناسِخِ على المَنسوخِ منها، فإن لم يتمكّنوا مِن معرفةِ
ذلك لَجأوا إلى التوفيقِ بينَ هذه الأخبارِ بِوجهٍ أو أكثرَ من الوُجوه المُعتَبرةِ، فإن لم يمكنهم الجمع بين هذه الأخبار المتعارضة بِحالٍ من الأحوال لجأوا إلى التّرجيحِ بطريقةٍ أو أكثر من الطُرُق الكثيرة التي ذكرها أهل العلم في كتُبهم، مُتداوِلينها فيما بينهم.
وسنّةُ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم إنما تَصَدَّى لجَمعِها والتّصنيفِ فيها وتَرتيبِها وحُسنِ عرضِها، وسَماعِها وإِسماعِها، ونشرِها والعملِ بها، والإفادةِ منها: علماء كبارٌ تخصّصوا في هذا العلم وبرعوا فيه، وشهد لهم أوائلُ هذه الأمّة قبلَ أواخرِها بالتقدّم والرِّياسةِ، وصارت كتبُهم الموردَ العذْبَ الزُّلال الذي يتوارد عليه علماءُ كلّ فنٍّ للنّهل والارتواء منه، وفي مقدّمة أولئك الأكابر: الإمامُ البخاريُّ رحمه الله، الذي أجمع القاصي والداني على إِمامتهِ وتَقدُّمه في هذا الفنِّ النّبيلِ، وصار كتابُه الصحيحُ كالكعبة يطوف بها علماءُ الإسلام على اختلاف تخصّصاتهم(446) مُسَلِّمينَ رايةَ الإمامةِ له، مُعترفين بواسعِ اطّلاعِه وعظيمِ حِفظه، وعميقِ فِقهِه وفَهمِه، ولذا، لم نر على مرّ التاريخ من تصدّر لمناقشته من أئمة هذا الشأن إلا الواحدَ بعد الواحد، وفي مسائل يندرجُ أكثرها تحت اختلاف وُجهات النّظر، ويُقدَّم قولُ الإمام البخاريِّ على قول غيرِه في غيرِها، وهذا ما تعارف عليه علماءُ
الأمّة، وتناقلوه جيلًا بعد آخر، ثم إنها خَلفت من بعدها خُلوفٌ لا يعلمُ خطورةَ مرادهم وسوءَ مقاصِدِهم إلا اللهُ تعالى، {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)} [إبراهيم: 46]، فعَمَدوا إلى أصحِّ كتبِ السُّنّة ليشكّكوا أمّة الإسلام فيها، وجعلوا يُوردون عليها كلَّ ما خطر ببالهم من شبهاتٍ وانحرافاتٍ ومجازفاتٍ، كلُّها في حقيقة حالِها: {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 39، 40].
نسأل الله الهدايةَ والثباتَ حتى الممات.
ثم كان ممّا تفتّق عنه ذِهن النَّجميِّ، وظنَّ بإيراده إحكامَ شُبَهِهِ الواهيةِ، قوله: « وكما يروي السيوطي: إن البول قيامًا صار عادةً اعتاد عليها المسلمون من العامةِ في مدينة هرات، وإحياءً لهذه السنة المبتدعة، وعدم مخالفتهم لما جاء في صحيح البخاري ومسلم، تراهم أنهم يستنون بهذه السنة فكانوا يبولون عن قيام حتى ولو مرة واحدة في كل عام.
ونقل لي أحدُ العلماء المعاصرين: إن بعض المسلمين من أهل السُّنة في العراق اليوم، يبولون قيامًا تأسِّياً بهذه الأحاديث الموضوعة » .
أما ما عزاهُ النجمي للسيوطيِّ؛ فقد نقله السيوطيُّ مِن كلام القاضي حسينٍ في تعليقَته المعروفةِ، وكان القاضي حسينٌ رحمه الله قد عَرض لهذه
المسألة في باب آداب قضاء الحاجة مِن كتابه هذا، حيث يقول فيه: وأنْ يَطلُبَ مكانًا ليّنًا رِخْوًا كيْلا يَترشّش البولُ عليه، لما رُوي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في بعضِ أسفارِه، فأخذَهُ البولُ فنزلَ وكان يطلُب دَمثًا مِن تحتِ الحائط، وهو المكانُ الليِّن، ثم توجَّه للقبلةِ، وبال قائمًا، وقال: «إذا أرادَ أحدُكُم أن يبول فليرتَد»، يعني: فليطلُب مكانًا لينًا، وقيل: إنما بالَ قائمًا، لما بِهِ من وَجِعِ البَطْنِ، لأنَ العَربَ تُعالجُ بالبول قائمًا لِوجعِ البطنِ، وهي عادةُ أهلِ (هراة) فإنّهم يبولون قيامًا في كُلِّ سَنَةٍ مرةً إحياءً لتلك السُّنة(447)
فنحن نرى هنا بأن القاضي حسينًا رحمه الله قد ذكر عن أهل هراة أنهم يفعلون ذلك استشفاءً من وجع البطن، لأنّهم رأوا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما فعل ذلك إلا ليستبرئ من وَجعٍ أَلَمَّ بِه؛ مُتّبِعًا في ذلك المعمولَ به عند العربِ إذا عَرَض لهم مثلُ ذلك، ولمّا لم يُذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه بال قائمًا إلا في هذا الخبر - بحسب ما وصل إلينا في ذلك - ظنّ أهلُ هراة بأن فِعلَه مَرّةً في كلِّ سنة كافيًا في دَفعِ ما يَعرضُ لهم من وجعِ البطن، فَفِعلُهم لذلك هو من باب التطبُّب بما تداوى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، لا من باب التعبُّد باتباع النبيَّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، وتعبير القاضي حسين بلفظ السُّنة، لا يُقْصَدُ به التعبُّديةَ منها - بحسب ما يُظهره السياق -، وإنما يُريد به فعلَ ما كانت العربُ تفْعلُه، وفَعله لذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم - بحسب تصوّرهم للمسألة -.
ويؤيّد هذا أن القاضي حسينًا وبعده الإمام النوويّ(448) ثم الحافظ السيوطي ثم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري(449) ؛ لم يسوقوا هذا الخبر على سبيل الذمّ لفاعِلِيه، وإنّما تأييدًا لما قيل مِن كون هذا الفعلِ ممّا يَتطبّب النّاس به، ومنهم سيد ولد آدم نبيّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
مع الإشارةِ بأنّهم إنما ذكروا ذلك في أبواب الطهارة، وآداب الخلاء، لا في أبواب ما ابتدعه الناس من بدعٍ ومحدثاتٍ يتقرّبون بها إلى الله - بزعمهم -، وهذا واضحٌ لا خَفاء فيه على من شرح الله صدره للهداية والتوفيق.
وعليه، فما ساقه النَّجميُ على سبيل الذمّ إنما نتج عن سوءِ فَهْمِهِ لعِبارةِ علماء المسلمين، ومرادِهم في نقولهم، وهذا أمرٌ يَخفِضُه ولا يرفعُه، ويؤخّره ولا يقدّمه، ويُظهرُ ظُلْمَه لنفسِه بتصدِّيه لِنقدِ علماءَ جهابذة؛ ما عُرفوا على مَرِّ التاريخ إلاّ بالتقدّم والرِّفعةِ والإمامةِ في دينِهم وأخلاقِهم وعُلومِهم، واهبين أعمارَهم لخدمة دين الله عز وجل وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فأثابهم الله على حُسنِ صَنيعهم بأن ذلّل لهم العلوم، وأَلانَها لهم كما أَلانَ لداود عليه السلام الحديد، وشرح صدورَهم، وبارك في فُهومهم، وحفظ لنا آثارهم ومصّنفاتهم التي أبهرت عقلَ كلَّ عاقلٍ مؤالفًا كان أو مخالفًا، وأسخنت عيونَ أناسٍ امتلأت خِلال قلوبِهم بأشدّ الحِقد على أولئك البررة، وما نَقموا منهم إلا لاصطفاء الله عز وجل
لهم لهذا الشرفِ العظيم، حفظِ سنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، ونقلِها لمن بعدَهم مِن الأجيال، ليَدخلوا في عَظيم دعائه صلى الله عليه وسلم القائل فيه: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»(450)
هذا أولًا؛ وأما ثانيًا، فلو سلّمنا بأن ما فعله أهلُ هراة قائمٌ على سوء فَهمٍ منهم لمراد الشارع الحكيم، وسوء فهمهم هذا على زعم النّجمي من الأدلّة الواضحة على كذبِ خبر بول النبيّ صلى الله عليه وسلم قائمًا على زعم النّجميّ أيضًا!! فيقال في الردّ عليه: سوءُ فَهمِ البعضِ لبعضِ نُصوصِ الشريعة، وبناؤُه على فَهمهِ الفاسدِ فروعًا يَبتعدُ بها أكثرَ فأكثرَ عن مقاصدِ الشريعة: لا يعودُ بالعيبِ على الحكم الشرعيّ نفسِه، ولا يدفعُ العالِمَ المتبَصّرَ إلى رَدِّه أو التشكيكِ في ثُبوته أو دَلالته، وإنما يَرُدُّ العَيبَ على صاحبه، ويُبيِّن له سوءَ فهمه، مع توضيحِ مرادِ الشارع الحكيمِ من هذا النصّ الشرعي، وما يُبنى عليه من أحكام قوليةٍ وعمليّةٍ، هذا الذي ينبغي أن يَفعلَه العالمُ المتبَصِّرُ مِن دون أن يقتربَ مِن مَقامِ النّص الشرعيِّ، أو يَتعرّضَ له بأيِّ سوءٍ من ردٍّ أو تشكيكٍ أو تهميشٍ، بل يحفظُ مكانة نصوصِ الشريعة، ويُبقيها في مرتبةِ الصدارة لا يُقدِّم عليها غيرَها، وهذه الطريقةُ التي سلكَها النّجميُّ لإبطالِ صحيحِ حديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم طريقةٌ غريبةٌ لا ينبغي أن تَصدُر من عاقلٍ يُبْصرُ مواقعَ كلامِه، ويَعي أبعادَ إطلاقاتِه،
ولو سُلكت هذه الطريقة في التعامل مع أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم لأدّى ذلك إلى ردّ كثيرٍ منها بذريعةِ سوءِ فَهمِ البعضِ لها، ولِسالكِ هذه الطريق أن يتمادى أكثرَ فأكثرَ في طُغيانه، ويتطاولَ لآياتِ القرآن الكريم ليحاكِمَها إلى هذه القاعدةِ الفاسدةِ، فيعرضَها على أفهامِ النّاس على اختلافِ مستوياتهم وتخصّصاتهم، وكلٌّ يُدلي بِدَلوه في فَهم آيات كتاب الله عز وجل بحسب ما يظهرُ له، ومتى ما وُجد سوء فهمٍ من بعضِهم، عاد هذا السالكُ لهذه الطريقةِ المعوجّة بالعيبِ على كتاب الله عز وجل، وتحريفِ آياته بما يراه هو ومَن على شاكِلَته مناسبًا لهم، وذريعتُه في ذلك كُلّه سوءُ فَهم البعض للمعاني الصحيحة المقصودةِ من الشارعِ الحكيمِ، فكان لا بد من تأويلِها أو تحريفِها بالمعنى الأصحّ حتى ندفَع هذه الفهومَ السيِّئَة.
وكلُّ هذا من التّلاعب بهذه الشّريعةِ المُحْكَمَةِ، وفتحٍ لبابِ شرٍّ واسعٍ يَلِجُ مِن خِلاله كلُّ مُغرضٍ طامعٍ بَهدمِ بنيانه المتين، مُتكِّئًا على مثلِ هذه الشُّبه الواهيةِ في دفعِ ثوابتِ الشّريعةِ.
وقد وقع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ مِن هذا القبيل، أعني سوءَ فهمٍ صَدر مَن بعض الصحابة الكرام لآية كريمة من آيات الأحكام ثم بعد عرضِ فَهمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام صلى الله عليه وسلم بتصحيحِ ما أَشكلَ عليه، ودفعِ هذا الوارد إليه، وذلك لما نزل قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، قام الصحابيُّ الجليلُ عَديُّ بن حاتم رضي الله عنه فأَخَذَ عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أَسْوَدَ، وجعل يَنظرُ فيها طُوال الليل فلم يستَبِن أحدَهما من الآخر،
فلما أصبح أخبرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بما فعل قائلًا: يا رسول الله! جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِي عِقَالَيْنِ، فقَالَ له صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ أَنْ كَانَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ، وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ.
ثم بيّن له صلى الله عليه وسلم المقصودَ مِن ذلك، بقوله: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ»(451) .
فنحن نرى في هذا الخبر وقوعَ سوء فهمٍ من هذا الصحابيِّ الجليل، عالجَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ببيانِ المقصود الصحيح لهذه الآية.
وبناءً على ما مضى؛ أكرّر وأقول: هل يَعي النَّجميُّ أبعادَ اعتراضاتِه هذه التي بناها على أوهى الشُّبه، ويُبصرُ عظيمَ خَطَرِها، أم أنّه مُجَرَّدُ حاطبِ ليلٍ يتلقّفُ كلَّ ساقِطةٍ مِن الشُّبهِ لِيُشَكِّك المسلمين في أصحّ كتبِ حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم؟
ثم تابع النجمي ادعاءاته ببطلان هذا الحديث بقوله تحت عنوان: « دحض هذه الأباطيل:
فلو كان لهؤلاء أدنى معرفة بالنبوة والرسالة، ولو أنهم فرغوا عقولهم من السذاجة والتعصب المفرط، وحسن ظنهم الشديد وتعلقهم بالصحيحين، وتأملوا قليلا فيهما لعرفوا أن هذا الموضوع الذي لفقوه على النبي صلى الله عليه وسلم
ليس فقط لا يتلاءم ومقام النبوة فحسب، بل إنه يشين بأي فرد من الأفراد ممن له معرفة سطحية بالمعارف الدينية أو يكون محترماً عند نفسه، وإننا نرفض جميع هذه الروايات الملفقة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا نقول بصحتها أبدا كما يعتقد بأن الحديث الصحيح هو كل ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما بل نأخذ بالأحاديث الصحيحة التي تروي لنا: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأتى النبي حاجته فأبعد في المذهب، وأنه كان يرتاد لبوله مكانا كما يرتاد منزلًا.
وإننا نقبل الأحاديث التي تقول: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما أحدهما فكان لا يستتر من بوله » .
قلت: سبق الردُّ على ما أورده النجميُّ هنا، سواءٌ ببيان ضَعفِ الحديث الأوّل، أو ببيان عدم تعارضِ الحديثِ الثاني مع حديثِ حذيفةَ رضي الله عنه، وكلاهما صادرٌ مِن مِشكاة النُّبوةِ، أحدهما من قوله صلى الله عليه وسلم والثاني من فعله، وإنما أوردتُ كلامَه بطوله، لأبيّن للقارئ الكريم مدى الاضطراب الواضحِ فيه، فالنّجمي احتجّ هنا بحديثٍ ضعيفٍ في ردِّ حديثٍ صحيحٍ، واحتجّ بحديث صحيح في ردِّ حديثٍ صحيحٍ آخر، مع كونهما مُخرّجينِ في الصحيحين، وهكذا دون إبداءِ أيِّ سببٍ منه لتلاعُبِه هذا، ولو قُلبَ الأمر عليه ونازعَه منازعٌ قائلاً: بل نستدلُ على بطلان حديثِ أبي هريرة في عذاب غيرِ المُسْتَنْزِهِ مِن بوله في قَبرِه بحديث حذيفةَ الذي يُثبت فيه بولَ النبي صلى الله عليه وسلم قائماً، لأنكم تزعمون أن كُلّ من بال قائماً فلا بد
أن يُصاب من رَشاشه، فيكون بذلك غيرَ مُتَنَزّهٍ من البول، ممّا يجعله تحت طائلة وعيد عذابه في قبره نسأل الله السلامة وحاشا للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتلبّس بشيءٍ من ذلك، فيكون حديثُ أبي هريرة على فَهمكم السّقيم ضعيفًا لا يجوز أن يُحتج به، لمخالفته الثابتَ مِن فِعلِه صلى الله عليه وسلم لذلك.
وقد مضى تقريرُ مثلِ ذلك في الردِّ على الحلِّيِّ سلفِ النّجميِّ في شبَهِه الواهيَةِ، وصدق الله القائل في كتابه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5].
ومِن مزاعمِ النجميِّ المتعلّقة بمسألتنا هذه: ادعاؤه أن هذا الحديث إنّما وضعه أناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتادوا التبوّل قائمًا ولم يستطيعوا تركَ ما اعتادوا عليه، فافترَوا - بزعمه - على رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذبَ! فقال تحت عنوان: دواعي وضع هذه الأحاديث:
يبدو أن هناك بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ترَّسخت فيه عادات الجاهلية، مثل البول قيامًا، فهو لا يستطيع ترك هذه العادة السافلة، وحتى لا يكون مشجوبًا عند الناس، ولا يحطّ شأنه وشخصيته في الأنظار، فلذا تراه يختلق مثل هذه السخافات، ويتهم فيها رسول الله بالبول قائمًا لكي تمكِّنه ممارسة هذا العمل القبيح، ويقلِّل من قبح عادته المخزية.
وتتجلى لك حقيقةُ قولِنا إذا راجعت وتمعّنت في الروايات المروية في كتب العامة المعتبرة، أخرج ابن ماجة في سننه: وكان من شأن العربِ
البول قائمًا.
وخرج مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: رأيت عبدَ الله بن عمر يبول قائمًا.
وحول تبوّل الخليفة عمر قائمًا ورد حديثان:
1 - عن ابن عمر، عن عمر قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبول قائماً. فقال: يا عمر لا تبل قائماً، فما بلت قائماً بعده.
2 - وعن ابن عمر قال عمر: ما بلت قائماً مذ أسلمت.
ونجد أن الراوي الوحيد الذي حدّث وروى حديثًا في البول قائمًا هو عمر بن الخطاب، الذي روى حديثًا وبين فيه الحكمة والفلسفة للبول في حال القيام فقال: البول قائما أحفظ للدبر.
وعلى أيّ حال فإن كلام عبدِ الله بن دينار في ابن عمر، وكذا نفي موضوع التبول في حالة القيام عن الخليفة عمر بن الخطاب ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفلسفة عمر في هذا الموضوع، كلّ ذلك يدلنا على أن بين هذه الموارد المذكورة علاقة وثيقة.
نقول ابتداءً: كلُّ الذي سبق مِن كلام النجمي لا يتجاوز أن يكون مُجرّدَ ظنون وتخرُّصات، يسعى مِن خلالِها إلى دفع كلّ ما يعارض ما نشأ عليه من معتقدات وأحكامٍ، وذلك دون أن يكلِّف نفسَه تقديمَ أدنى دليلٍ، بل ولا شُبهة دليلٍ، يدلّل بها على زيفِه وتخرُّصاته، ويَحترم بإيرادها أذهانَ القرّاء الكرام، وإنّما لم يفعل ذلك لأمرين اثنين:
الأولّ: أنه لا يملِك شيئًا مِن ذلك، لا يملِك دليلًا ولا شبه
دليلٍ، لا فيما يتعلَّق في هذه المسألة بخصوصها، ولا في عُمومِ الأخبارِ الثابتةِ الصحيحةِ عن صِدق الصحابةِ الكِرامِ رضي الله عنهم فيما يَروونَه عن نَبيّنا، ولو كان النّجميُّ وغيرُه من المُتطاولينَ على مَقامِ الصحابةِ الكِرامِ يَملكون شيئًا من ذلك لصاحوا به، ولنَشروه في السّهل والجبل، ولكنهم لا يملكون في هذا الباب إلّا ادّعاءاتٍ زائفة باطلة، ستظهرُ حقيقُتها {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [النحل: 111، 112].
والصحابةُ رضي الله عنهم جَنابُهم محفوظٌ عند أهل العلم، وما نُقل في إثبات عَدالتهم معروفٌ معتبرٌ متداولٌ في أوساطِ العلماء ومصنّفاتهم ومجالسهم ودروسهم الخاصّة منها والعامّة، وليس هذا موضعَ التوسّعِ في ذلك(452) ولكن يَكفي المسلمَ مهما كان مستواهُ العلميُّ والثقافيُّ أن يَتَأمَّل قليلًا في مِثلِ هذه الدعاوى، وما تَؤولُ إليه من تشكيكٍ في ثَوابتِ الأُمّة، ونَزاهةِ نَقَلتِها، وصِحّة ما نقلوه لنا من نصوصِ السُّنّة النبوّية الشريفة، بل وفي صحّة ما نقلوه لنا من كتاب الله عز وجل، ولا يَستطيعُ صاحبُ شبهةِ التّشكيك في الصحابةِ الكِرامِ أن يَحصُر تُهمةَ تكذيبِهم فيما نقلوه لنا مِن حديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتبرئَتِهم فيما نَقلوه لنا مِن كتاب الله عز وجل، لأنّهم رضي الله عنهم هُم
أنفسُهُم الذين مِن خلالهم وَصل لنا كتابُ الله غضًّا طريًّا كما أُنزل، وهم أنفسُهُم الذين نقلوا لنا سيرةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأقوالَه وأفعالَه وتقريراتِه وهديَه وسنّتَه، ولم يصلْنا شيءٌ مِن ذلك، سواءٌ ما كان متعلّقًا بكتابِ اللهِ عز وجل أو بسُنّةِ نَبيّنا صلى الله عليه وسلم إلا عَن طَريقِهم، ونِسبةُ الكذبِ لبعضهم فضلًا عَن أَكثرِهم بدون أيِّ دليلٍ واضحٍ بيِّنٍ كالشّمس في رائعةِ النّهار، لا يصدُر إلا من مُكابرٍ، أو فاجرٍ ماكر، يمكر مَكرَ الليل والنهارِ لهَدْمِ بُنيان هذا الدين المتين، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
ولا يعود سوءُ هذه القالَةِ الشّنيعة الظالمةِ إلا على صاحبِها الظالمِ مُستمرئ الكذِب على أولياءِ الله عز وجل، الذين اختارهُم اللهُ عز وجل لصُحبةِ نَبيِّه صلى الله عليه وسلم، وفَضَّلهم على مَن سِواهم مِن خَلْقِه، وشَرّفَهم لِحَمْلِ هذه الأمانةِ العظيمةِ، فقاموا بها خيرَ قيامٍ، وكانوا نِعْم السّلفِ لخيرِ خلفٍ، وصدق عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه حينما وصفَ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بقولِه: إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ»(453) .
ولو لم يأتِ مثلُ هذا الخبر، وما شابَهَهُ في معناه، لتوصَّل كلُّ مُسلمٍ
عاقلٍ لهذه النتيجةِ الحَتميّة البيّنةِ، لأنّ تَمامَ إحكامِ الله عز وجل لهذا الدين، وكمالَ تأييدِهِ سبحانه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في تبليغِ رِسالته، والدعوةِ إلى توحيده: إنّما يكون في تَسخيرِ أَفضلِ النّاس في زَمانه لحُسن صحبته، وعَونِه، والدّفعِ عنه، وحُسنِ الفّهم والفِقه عنه، وحِفظِ حديثه، ودعوةِ النّاسِ إلى قَبول دَعوته، وتذليلِ الصّعابِ في طريقِ هذه الدعوةِ المباركة التي سطع نورُها في أرجاءِ المعمورةِ، يُصاحبُ ذلك كلَّه أَمانةٌ كاملةٌ في جميع مراحلِ صُحبتهم للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، بل وما بعد ذلك إلى وفاةِ كلِّ واحدٍ منهم رضي الله عنهم، ومنذُ سَماعِ الحديثِ ورُؤية الحدَثِ وملابساتَه وما قيلَ فيه؛ إلى الإخبارِ به، ونشره بين النّاس، إما ابتداءً وإما جوابًا، مع ذِكر سببَ ورودِه متى ما احتيج لذلك، وتَوضيحِ معناه متى ما أشْكَلَ، والجوابِ على الأسئلةِ الواردةِ عليه إن وُجدت رضي الله عنهم وأرضاهم، وجمعنا وإياهم مع نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء الكرام عليهم السلام، والصديقين والشهداء وحسُن أولئك رفيقًا.
أَضِف إلى ما سبق ذِكرُه في بيان خطرِ هذه الدعاوى القادحةِ في مقام الصحابة الأجّلاء، ممّا يؤدّي إلى التشكيك في كلِّ ما وصلنا منهم: أنّ مِثلَ هذه الإطلاقات التي يُطلقها النّجميُّ وأمثاله لو كانوا يعقلون يَصعُب استثناءُ أحدٍ من صحابة النبيِّ صلى الله عليه وسلم منها، وأيُّ تفريقٍ أو استثناءٍ من عامَّةِ هذه النُّصوصِ إنمّا هو محضُ تحكُّم لا دليل عليه، ولذا، قد يَتسوَّرُ بعضُ السفهاء فيُدرجُ عليًّا رضي الله عنه في مثلِ
هذه الدعاوى المُفتراة، ويَنسِبُ إليه إمكانيةَ وضعِه خبرًا أو أخبارًا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم لحاجاتٍ في نفسه رضي الله عنه، وحاشاهُ هو وسائر الصحابة الكرام من مثلِ هذه الظنّون الكاذبةِ، والتخرُّصات الأثيمة، وصدق الله العليّ العظيم القائل في كتابه: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
وأما الأمر الثاني الذي سَوّل للنّجميِّ إطلاقَ هذه الافتراءات فهو: اطمئنانُه إلى أن كثيرًا من أتباعه إنمّا يكتفون بما يَسوقه إليهم هو وأمثالُه ممّن شاركوه في توجّهه هذا في نقدِ أحاديث الصحيحين ورواتها، ولا يَتجَشّمون عناءَ البحثِ والمراجعةِ والتّدقيقِ فيما يقولُه أو ينقلُه عن غَيرِه، إعمالًا لحُسنِ الظنّ في العلماء، واستبعادًا لفكرة وقوعِ أحدِهم بالكذب والظلمِ والافتراءِ على عباد الله الصالحين.
ولو اعتاد أتباعُه تتبّعَ ما جاء في كلامه، والتأمّلَ فيما يحمله في ثناياه، والرجوعَ إلى المصادر التي ينقُل منها، وعدمَ أخذ كلامه على عواهنه وقبولَه دون التدليل عليه بالأدلة المعتبرة المتفّق على الاحتجاج، لما استطاع النّجميُّ وغيرُه مِن المتصدّرين من أيّ المذاهب كان؛ أن يَكتبوا سوادًا في بياضٍ إلاّ بعد إحكامه بما يُثبُته، ولَقَلَّتْ نسبة الكذب أو انعدمت في هذه المصنّفات التي يتوارثها المتأخّرون عن المتقدّمين؛ بغثِّها وسمينِها.
وعودًا على ما خطّته يدُ النجميِّ من سوءٍ واتهامّات للصحابة الأجلّاء، أقول: ما قاله النجميُّ هنا لم يكن شاذًّا من القولِ، قاله مرّة ولم يكرّرها،
وإنما هي طريقةٌ مسلوكةٌ له يلجَأُ إليها كلّما وجدَ سبيلًا لذلك، تمامًا كما صنع في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أبِي وأباك في النّار»، حيث اختلق أكذوبةَ كونِ هذا الحديث مِن وَضعِ بعضِ الصحابةِ لينْفوا العارَ عن آبائِهم، ويجعلوا مَصيرَ أبويِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كمصيرِ آبائِهم، قائلًا: أما الذين اختلقوا هذين الحديثين؛ لم تكن غايتهم إلا محو الخزي والعار الذي أحدق بهم وبقبيلتهم الذين حاربوا الإسلام، حفظاً للوثنية والشرك وتثبيتاً لهما وقاوموا القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم، وماتوا وهم مشركين كافرين، أو أنهم أظهروا إسلامهم مكرهين، وطمعاً في المال والدنيا وهم في الواقع كفار ومشركين، نعم إن مختلقي هذه الأحاديث أرادوا بوضعهم حديث كفر أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أن يشبهونهما بآبائهم، وأن يزيلوا العار المطبق على أجدادهم وضماداً لحقارتهم، ولكن المؤسف أن أكثر المسلمين يعتبرون هذه الروايات الموضوعة صحيحة، وعليها بنوا أسس عقائدهم(454) اهـ.
ومع سوء ما خطّته يداه(455) وسيأتي الردُّ على كلامِهِ بصورةٍ تفصيليةٍ في موضِعِه من كِتابنا هذه بإذن الله إلا وإنه للإنصافِ لا بُدّ أن يُقال: بأن هذا الافتراءَ ليس خاصًا بالنّجميِّ، بل هو عامٌ في كلِّ مَن سارَ في طريق الشَّقاءِ هذا، ونابذَ الصحابةَ الأجِلّاءِ العداءَ، ولذا نرى السُّبحانيَّ في سِياقِ ردِّهِ لحديثِ طَلبِه صلى الله عليه وسلم من ربِّه أن يجعلَ لَعْنَه أو سَبَّهُ أو ضربَه للمؤمنين رحمةً عليهم وصلاةً وزكاةً، يدَّعي مثلَ ذلك فيقولُ: ولعلَّ
السبب من وضع هذا الحديث هو التقرب إلى آل أبي عاص وسائر بني أُمية حتى يتدارك بذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لعنهم وسبّهم كما في قوله تعالى: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [الإسراء: 60]، والشجرة الملعونة هي الأُسرة الأموية، أخبره اللّه تعالى بتقلّبهم على الحكم وقتلهم ذريته، وعيثهم في أُمته، فما رؤي النبي مستجمعًا ضاحكًا حتى تُوفّي، كما رواه الحاكمُ في مستدركه
ثم ساق السبحانيُّ بعضَ النصوصِ التي جاء فيها ذمُّ بني أمية، ثم قال : إلى غير ذلك من الروايات الصادرة في العهد النبوي عنه ص حيث يلعن فيها النبي طائفة، فأراد أبو هريرة بوضع هذا الحديث التقرب إليهم(456) . اهـ كلام السبحاني، وسيأتي الردُّ على كلامِهِ بصورةٍ تفصيليةٍ في موضِعِه من كِتابنا هذا - بإذن الله تعالى(457) - .
ونحن إنما أورَدْنا هذه الترّهاتِ لندلِّل فقط على أن طعونات المعترضين وإشكالاتهم لا تقوم على دليلٍ، بل ولا على شبهةِ دليلٍ، وإنما يَسطرُون في كُتُبهم كلَّ ما يَظنّون صلاحَه لخدمة أهدافهم، دون أيِّ احترامٍ لذهنِ القارئِ الكريم المبتغي للحقِّ في قراءتِه وبحثِه في مِثل هذهِ المَسائِل.
ولنعد قليلاً إلى ما قرّره النجمي فيما يتعلَّق بكونِ البول قائمًا
كان مِن سنن العرب في الجاهلية، فنقول: نعم قد جاء الخبر بهذا النص في سنن ابن ماجه، فقد جاء فيها قول ابن ماجه: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيَّ، يَقُولُ: قَالَ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَا رَأَيْتُهُ يَبُولُ قَاعِدًا». قَالَ: الرَّجُلُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْهَا.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْبَوْلُ قَائِمًا، أَلَا تَرَاهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ، يَقُولُ: «قَعَدَ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ»(458) .
وهذا النص بتمامه يُظهر توجيهَ سفيان الثوري لما روي عن عائشة رضي الله عنها في إنكار بوله صلى الله عليه وسلم قائمًا، معلّلًا ذلك بكون الرجال أعلمَ بهذا منها، وهو توجيهٌ مستقيمٌ تَعامى عنه النَّجميُّ في نقلِه السابق، ولو ذكره لنَبَّه لِوجهِ الردِّ على ما قالته أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها، ولعلّه إنّما لم يفعلِ ذلك لمزيدِ اطمئنانه أن أحدًا من أتباعه لن يُراجَع نقولَه من ورائه، فأغمض عينيه عن ذلك، وأسرّها في نفسه ولم يُبدها لهم.
ولو أردنا أن نَحتجّ بعمومِ هذا القول الذي طارَ به النّجميُّ، لقلنا: بأن عليًّا رضي الله عنه هو من ضِمن العَرَبِ الخُلَّص، وما كان مِن عادة العرب؛ لا بد أن يكونَ من عادته أيضًا، بل قد صحّ عنه رضي الله عنه موافقتُهم في هذه المسألة خاصةً: أي: في مسألة البولِ قائمًاً، وادّعاءُ النجميّ بأن بَعضَ الصحابة قد وضعَ هذا الحديث نُصرَةً لما كان مشتهرًا بينهم في الجاهلية؛
يشملُ كلَّ من كان من العرب من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يستثني منهم أحدًا، ومنهم على هذا التعميم عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ولو طالبَ مطالِبٌ النّجميَّ هذا بنصٍّ نقليٍّ أو عقليٍّ يُثبت خروجَ عليٍّ رضي الله عنه مِن هذا العموم، لسُقط في يده، ولم يستطع أن يقدّم شيئًا، وكلُّ دليلٍ سيقدّمه سيشملُ غيرَه من الصحابةِ الكرام العرب منهم خاصّةً شاء أم أبى، لأن هذا الفعل إن كان يُفعل فيما مضى في الجاهلية، وما تُرك في الإسلام إلا للبُعد عمّا قد يجلبه من نجاسةٍ لفاعله، فتركُ الصحابةِ الكرام لهذا كان امتثالًا لعمومات الشريعة، الجاعلةِ من الطهارة ركنًا من أركان الصلاة، وعليٌّ رضي الله عنه مثلُ غيرِه من الصحابةِ الكرام، {إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} [النور: 51].
ولذا يبقى السؤال قائمًا لا جواب عليه: ما الذي يُميّز عليًّا رضي الله عنه، ويدفعُه إلى ترك البول قائمًا، وقد كان مِن عادة العرب - وهو منهم-؟ بينما يبقى الآخرون على عادَتِهم الجاهلية، بل ويضعون أحاديثَ يَنسبونها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في جواز البول قائمًا؟
ثم ختم النجميُّ اعتراضاتِه على هذا الحديث بقوله: والجدير بالذكر أن هذه المسألة قد طُرِحت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي حياة عائشة، وقد دار النقاشُ حوله فبعضٌ نفى نسبتَها إلى الرسول، والآخرُ أثبته، وأما عائشة فقد التزمت بالدفاع عن الرسول، وقامت تفنِّد وتستنكر هذه الأحاديث وتقول: من حدَّثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائمًا فلا
تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا، وقال الترمذيُّ بعد تخريجه لهذا الحديث: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصحّ، ومِن الذين صادق على صحة رواية عائشة وأكدها ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري(459)
قلت: كون هذا الحديث أخبر به حذيفة رضي الله عنه بعد وفاةِ النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني شيئًا في ميزان نقد الرواية، لأن المقرّر عند أئمة الإسلام بل وعامّتهم أن الصحابة رضي الله عنهم مؤتمنون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وأعداء الصحابة لم يتركوا تهمةً فاجرةً إلا وألصقوها بهم، فكان هذا سبباً لزيادةِ حسناتِ هؤلاء الصحب الكرام، ومَحْقِ أعمالِ أعدائِهم، وعند الله تجتمع الخصوم.
وليس هذا الحديث هو الحديث الوحيد الذي أخبر به أحدٌ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم بعد مَوتِه، وليس حذيفةُ رضي الله عنه هو الصحابيُّ الوحيدَ من بين الصحابة الكرام الذي فعل ذلك، ولكنّ القومَ يَتَشَبَّثون بكل قشّةٍ في سبيلِ إبطال سنة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولشديدِ غفلةِ هذا النجميِّ لم يتنبّه إلى أن أمّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها نفت هذا الفِعلَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاتِه أيضًا، فما الذي جعل النجميَّ يرفع خبر أمّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها إلى أعلى الدرجاتِ، ويُشكّكُ بل ويُكذِّبُ ما رواه حذيفةُ رضي الله عنه في ذلك، مع كون كلٍّ منهما قد أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد موتِه؟!
ولو تنبّه النجميُّ لخطرِ ما يوردُه من شبهٍ بائسةٍ لعَلِمَ أن هذا التشكيكَ
لا بد أن ينسحبَ أيضًا على أحاديث كلِّ صحابيٍّ أخبرَ بأيِّ خبرٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاتِه، ومنهم عليٌّ رضي الله عنه وأرضاه، وجمعنا معه في جِنان الخُلْد، لأن عليًّا رضي الله عنه من ضمن كبارِ الصحابة رضي الله عنهم الذين رووا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته صلى الله عليه وسلم، وهو رضي الله عنه داخلٌ في النُّصوصِ العامّة، سواءٌ في ثبوتِ عدالَتِهم رضي الله عنهم، ممّا يجعله معرّضًا للتشكيك بهذه العدالة من قِبل أعداء الإسلام، حالُه في هذا حالَ إخوانه من الصحابة الكرام، رضي الله عنهم وأرضاهم، وتخصيصُ بعضِ الصحابة بالتصديقِ أو بالتكذيب، وبالتعديل أو بالتجريح من غيرِ مخصِّصٍ ليس من فعل العقلاء الحكماء أهل الديانة والتقوى، والله الهادي إلى سواء السبيل.
بكلِّ ما سبق، نكون قد أجبنا على كلِّ ما ساقه النجميُّ من شبهٍ لنقض بنيان هذا الحديث الصحيح، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وكان من ضِمن المعترضين على هذا الحديث: عبدُ الصمد شاكر، ولم يقدّم فيما ساقه من شُبهات شيئًا جديدًا زائدًا على ما جاء في كلام السابقين له، ولذا يُكتفى بالإشارة إلى ذلك في حقّه(460) .
وممّن قام بردّ هذا الحديث: مروان خليفات، الذي لم يأتِ بجديدٍ سوى سوق شُبَهِهِ بأسلوب أقربِ إلى أسلوبِ العوامّ المبتعدين عن الاشتغال بالعلم الشرعي الشريف، فذهب يتحدّى كلَّ من يصحّحُ هذا الحديث أن يَتَبَوّل قائمًا عند سباطة قومٍ آخرين! معتبرًا أن نسبةَ هذا الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم يُصوِّره كالمعتدي
على أملاك الغير وحاشاه صلى الله عليه وسلم من أن يُنسبَ إليه شيءٌ مِن سوء-.
وقد أجاب العلماء الكرام عن هذا الإشكال المتهافِت بعددٍ من الأجوبة، فمنهم من نفى ابتداءً أن تكون هذه السُّباطةُ مملوكةً لأحدٍ، مبيّنًا أن الإضافةَ في الحديث ليست من أجل التمليك، وإنما هي للتخصيص، وقد مرّ معنا هذا من كلام الفتَّني الهنديِّ ومِن قبلِه الإمامُ النووي رحمهما الله، وأجاب بمثله السفّيريُّ رحمه الله عند شرحه لهذا الحديث في صحيح الإمام البخاريِّ حيث قال: سؤال: فإن قيل: كيف بال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سُباطةِ القومِ بغيرِ إِذنهم مع أنه لا يجوز لأحدٍ أن يَستجمرَ في حائط غيرِه بغيرِ إذْنِه؟
جوابه: إمّا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَلِم رضاهَم بذلك وأذِنوا له، أو أنّها لم تكن مختصةً بهم، بل عامةً أُضيفت إلى القوم(461) لقُربها منهم .
وكان مما افترضه مروان خليفات احتمالية خروج امرأة من البيت الذي وقف النبي صلى الله عليه وسلم يتبول بجانبه، ورؤيتها لفعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم ذلك!!
إلى أن قال: « ثم إن البولَ في الطريق ليس من العدالة، وهذا ما قاله الإمامُ السّبكي، فقد قال في تعريف العدالة بأنها: ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر، وصغائر الخسة، كسرقة لقمة، والرذائل المباحة، كالبول في الطريق » !!
ثم ختم مروان كلامَه بقولِه: ولأن النبي أشدّ حياء من العذراء في خدرها
فلا يعقل أن يبول على سباطة قوم، فهو صلى الله عليه وآله وسلم أشد حياء من العذراء! والمثير للاستغراب إن السباطة تكون عادة من بقايا الطعام فكيف يبول الرسول عليها(462)
قلت: أما ما ختمَ به كلامَه من افتراضِه احتواءَ السُّباطة التي بال عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على طعامٍ، فهي دعوى مجرّدة عن ما يؤيّدها، بل إن المتبادَر إلى الذّهن هو العكس من ذلك تمامًا، أي: عدم احتوائها على شيءٍ من بقايا الطعام، وإلّا لما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعلُ ذلك، هذا هو الفرضُ القائم على حُسن الظنّ، وأما ما ذكره مروان فهو افتراضٌ لا يفعلُه أدنى الناس تديّنًا، فكيف يُذكر مثلُ هذا الاحتمال؟!
وأما احتجاجُه بقول الإمام السبكيِّ رحمه الله؛ فيقال ابتداءً: إن كان يقصِد بإيراده هذا ردَّ حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فهذه طريقة لم تُعرف عند أحدٍ من علماء المسلمين، بل ولا عند عوامّهم: إذ لم يُعهد عند أحدٍ من علماء المسلمين أن يقدّم قولَ أيٍّ منهم تقدّم زمانُه أو تأخّر على حديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصحيحِ الثابت، بل كلُّهم يحكي عن نفسِه وعن غيرِه من أئمةِ الإسلام من الأئمة الأربعة المتبوعين وغيرِهم المقولةَ المشهورةَ التي وإن اختلفت ألفاظها، فقد اتفقت معانيها، والتي مفادُها: لا يُقدّم على قولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قولُ أحدٍ من البشرِ كائنًا من كان، ومِن أشهر أصحاب هذه الإطلاقات: الإمامُ الشافعي رحمه الله، وهو الإمامُ الذي يَفخرُ الإمام السبكي بالانتساب لمذهبه،
وفي رجالِ هذا المذهب الكريمِ ألّف السبكي كتابه العجاب: طبقات الشافعية الكبرى.
وفي المعنى المُشار إليه آنفًا؛ يقول الإمام الشافعي رحمه الله: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي(463) ، بل ونُقل عنه رحمه الله نَقلَ الإجماعَ على ذلك، قال العلامةُ ابنُ القيّم رحمه الله: وقد حكى الشافعيُّ رضي الله تعالى عنه إجماعَ الصحابةِ والتابعين ومَنْ بَعدهم على أن مَن استبانت له سُنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدَعَها لقولِ أحدٍ، ولم يسترِب أحدٌ من أئمةِ الإسلامِ في صحّةِ ما قاله الشافعيُّ رضي الله تعالى عنه، فإنّ الحُجَّة الواجب اتباعها على الخلقِ كافة إنما هو قولُ المعصومِ الذي لا ينطِق عن الهوى، وأما أقوالُ غيره فغايتُها أن تكونَ سائغةَ الاتباع، فضلاً عن أن يعارَض بها النصوصُ وتقدم عليها، عياذًا بالله من الخُذلان(464) .
وعلى ما سبق: فلا ينبغي أن يَجْنَح مروانُ ولا غيرُه بمثل هذه الطريقةِ لردّ أحاديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بل عليه أن يَسيرَ في طريقِ الهداية، ولا يقدّم على حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثَ أحدٍ من البشر، مهما علت منزلَته!
ثم بالعودة إلى ما نُقل عن السبكي رحمه الله، نجدُه قال ذلك في كتابِه جمع الجوامع، ونصُّه: وشرطُ الراوي العدالة، وهي ملكةٌ تَمنعُ مِن اقترافِ الكبائر وصغائرِ الخِسّة كسَرَقَةِ
لُقمةٍ، وهوى النّفس والرذائل المباحة كالبولِ في الطريقِ(465)
وبنظرةٍ أوّلية للفظ السبكيِّ نجده لا يفيد ما أراده مروانُ في سعيه الحثيث لإبطال الحديث الصحيح، فمروانُ وإن صدّر كلامه بقوله:: «ثم إن البولَ في الطريق ليس مِن العدالة» إلا أنه ساق ما ساق من كلام السّبكي للتّدليل على المنعّ من البول قائمًا، بينما نرى لفظ السبكيِّ عامًا في ذمّ كلّ من بال في طريق الناس، دون التعرّض إلى هيئة معيّنة يذمُّ من أجل فعل ذلك، فالسبكي رحمه الله يذمّ من بال في طرق النّاس، ومروان يريد أن يُجَيِّرَ النصّ لذم البول قائمًا، ولا ارتباط بين تقعيد السبكي وفهم مروان.
ولا شكّ أن كلّ عاقل يذمُّ مَن قضى حاجته أمام أعين النّاس وفي طرقاتهم، لما في ذلك مِن تقذيرٍ للطرقات، وإيذاءٍ لمشاعرِ المارّة، فإن رافق ذلك كشفٌ للعورات ازداد الأمر ضغثًا على إبّالة، وانتقل الحكم من رذائل المباحات ليصبحَ من المحرّمات، وعرّض فاعله نفسه للعن الله عز وجل، وهي صورةٌ قبيحةٌ يذمُّها كلُّ صاحب فطرةٍ سليمة، تُظهرُ استخفافَ صاحبِها بخواطِر النّاس، وعدم اكتراثهم بما يقولونه في حقّه، ولذا قال العلامة الزركشي معلّلًا كلام السبكي السابق بقوله بعد ذكر هذا الأوصاف المذمومة: ونحوه مما يدلّ على أنه غير مكترث باستهزاء الناس(466) .
أما من تنحّى عن طريقِ النّاس، وقضى حاجته بعيدًا عن أعينِهم، ولم يرافِقْ ذلك كشفٌ لعورة، فهذا لا حَرَج في فعله، وقد فعله خيرُ البشر نبيُّنا صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله عز وجل لهدايةِ الناس والتيسيرِ عليهم في عباداتهم، وإبعادِهم عن الغلوّ والتكلّف المرهق لصاحبه، وليظهر لهم سماحةَ هذا الدين القويم قائلًا: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)} [المائدة: 6].
وفعلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يوافق الأرفقَ في حياةِ النّاس، ويُطبِّق معنى نفيِ التشدّد عنهم عمليًّا، لأنه صلى الله عليه وسلم فَعلَ ذلك حينما حَضرَه البولُ، ولم يكن هنالك مِن مصلحةٍ في تأخيرِه، بلْ قد يتسبّب تأخيرُه في ضررِ صاحبه - كما هو معلومٌ -، فاستصْلَحَ صلى الله عليه وسلم تِلك البقعةَ ليتبوّل فيها من قيامٍ، مُتنحّيًا عن أعين الناس، آمرًا حذيفةَ رضي الله عنه أن يَحولَ بينهم وبينَ الوصولِ إليه حتى يَفرُغ مِن حاجته، رافعًا صلى الله عليه وسلم بِفعلهِ الحَرجَ عن كلّ من قد يتعرّض لمثلِ هذه الحالة، لِيفعلَ مثلَ فِعله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الفعل لا عَلاقة له من قريبٍ ولا من بعيدٍ بما جاء في كلام السبكيِّ رحمه الله ممّا عُدَّ مخالفًا للمروءة، والحمد لله رب العالمين، الهادي من يشاء من عباده إلى صراطٍ مستقيم.
وبالجواب عمّا حاول أن يستدل به مروان خليفات من كلام السبكي، نكون - بحمد الله - قد أنهينا ردّنا على كلِّ ما وقفنا عليه من شبهٍ سيقت في ردِّ هذا الحديث الصحيح الكريم، والفضل لله أولًا وآخرًا، {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)} [القصص: 70].
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه
عنون عبدُ الرزاق لهذا الحديث في مصنّفه فقال رحمه الله: بابُ البولِ قائمًا(467) .
وعند ابن أبي شيبة: من رخّص في البول قائمًا(468) .
وعنده أيضاً في موطن آخر: بابٌ في المسحِ على الخُفَّين(469) .
بوّب الدارميُّ في سننه لهذا الحديث فقال: بابٌ: في البول قائماً(470) .
وقال البخاريُّ في صحيحه: بابُ البولِ قائمًا وقاعدًا(471) .
ثم قال: بابُ البول عند صاحِبه، والتَّستُّرُ بالحائطِ(472) .
ثم أَتْبعَ
هذا الباب ببابٍ آخر عَنون له بقولِهِ: بابُ البولِ عند سُباطةِ قومٍ(473)
وفي تبويبٍ رابعٍ له على هذا الحديثِ، قال البخاريُّ رحمه الله: بابُ الوقوفِ والبولِ عند سُباطةِ قومٍ(474) .
وبوّب شراح مسلم: بابُ المَسحِ على الخُفّين(475) .
وبوّب ابن ماجه على هذا الحديث بقوله: بابُ المسحِ على الخفين(476) .
وبوّب أبو داوود لهذا الحديث في سننه بقوله: بابُ البولِ قائمًا(477) .
وبوّب الترمذي على الحديث بقوله: باب ما جاء في الرُّخصة في ذلك(478) .
وبوّب النسائيُّ بقوله: باب ما جاء في الرخصة في ذلك(479) .
وبوّب أيضاً فقال: الرُّخصة في البول قائماً(480) .
وقال في السُّنن الصغرى: الرخصةُ في البول في الصحراءِ قائمًا(481) .
وبوّب ابنُ خزيمة فقال: باب الرُّخصة في ترك التباعدِ عن النّاس عند البول(482) .
وبوّب على هذا الحديث بابًا آخر، فقال رحمه الله: بابُ الرُّخصة في البول قائماً(483) .
وعند ابن الجارود في منتقاه: الرُّخصة في البول قائمًا؛ وقرب الناس(484) . وبوّب أبو عوانة بقولِه: بيانُ إيثار التَّستُّر بالهدفِ للمتغوِّط، والدليل على إباحةِ الخلاء في ظِل الشَّجر والهدف، والإباحة للبائلِ أن لا يخلوَ ببولِهِ عن الناس، وأن يبول قائمًا في ظِلِّ الحائط(485) .
وفي شرح معاني الآثار، بوّب الطحاويُّ بقوله: بابُ البولِ قائمًا(486) .
وبوّب ابنُ حبان في صحيحه فقال: ذِكرُ الزَّجرِ عن أن يبولَ المرءُ وهو قائمٌ في غيرِ أوقاتِ الضروراتِ.
ثم قال ابن حبان: ذِكرُ الخَبرِ الدّالِ على صِحّة ما تأوّلنا قولَه صلى الله عليه وسلم: «لا تَبُل قائمًا»، فذكر حديثنا هذا(487) .
ثم بوّب قائلًا: ذِكرُ إباحةِ دُنُوّ المَرءِ مِن البائلِ إذا لم يَكُن يَحْتَشِمه(488) .
ثم قال: ذِكرُ البيانِ بأنّ حذيفةَ إنّما دَنا مِن المُصطفى صلى الله عليه وسلم في تلك الحالةِ بأَمْرِه صلى الله عليه وسلم(489) .
ثم قال: ذِكْرُ الخَبَرِ المُدْحِضِ قولَ مَن زَعَمَ أنّ هذا الخَبرَ تفرّد بِه سُليمانُ الأعمش(490) .
وبوّب البيهقيُّ فقال: باب البولِ قائمًا(491) .
وبوّب أيضاً لهذا الحديث بقوله: بابُ الرُّخصة في المَسحِ على الخفين(492) .
الفوائد:
الاكتفاءُ بالاستجمارِ عند البَولِ قائمًا(493) جوازُ قضاءِ الحاجةِ أو البولِ في سُباطة غيرِهِ(494) الترابُ المُلقى إذا خالَطه الزِّبِلُ والنّجاسات لا يَحرُم استعمالُه، لأن هذه السُّباطة إنما تُستعملُ لإطعامِ الشَّجر أو النّخل والمَزارع(495) جوازُ مَسحِ المُقيمِ على خُفّيه(496) في هذا الحديث: خدمة العالم(497) إذا تعارضت مفسدتانِ ولم يُمْكنْ دفعُهُما: دُفع أعظَمُهُما، أو مصلحتانِ: فُعِل أعظمُهُما(498)
جوازُ القُربِ من البائلِ إذا كان قائمًا، فإذا كان قاعدًا فالسُّنة الإبعادُ عنه(499) جوازُ طَلبِ البائلِ مِن صاحبِه الذي يُدلُّ عليهِ القُرْبَ منه لِيَسْتُرَهُ(500) جوازُ التكلُّم على قَضاءِ الحاجةِ(501) مدافعةُ البول ومصابَرَتُه مكروهةٌ، لما فيه من الضّرر(502) لا يُشرع الإبعادُ في الذَّهاب، إلاّ عند إرادةِ الغائط(503)
الحديث الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم: أيما رجلٍ من المسلمين آذيته، جلده، أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة ودعاء له
المطلب الأول: ذكر الحديث. المطلب الثاني: تخريج الحديث. المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث. المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
المطلب الأول: ذكر الحديث
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اللهُمُّ إِنِّي مُتَّخِذٌ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْفِرَهُ، أَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آذَيْتُهُ، جَلْدُهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً، دُعَاءً لَهُ.
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هِيَ: جَلَدْتُهُ لَعَنْتُهُ.
المطلب الثاني: تخريج الحديث
الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه:
روي عنه من سبعة طرق:
همام بن منبه: رواه معمر في جامعه (20294) عن همام به.
ومن طريقه: أحمد (8199) وابن حبان (6516).
ولفظ هذه الرواية: اللهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ، أَوْ شَتَمْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
الأعرج: رواه أحمد (7311) والحميدي (1071) ومن طريقه الطحاوي في المشكل (6010) عن سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج به.
وتابع أبا الزناد: أيوب: فقد رواه عنه مسلم (90) عن سليمان بن معبد عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن الأعرج به.
ومن طريق سليمان بن حرب رواه: الطحاوي في المشكل (6006 - 6007).
وتابع سفيانَ بن عيينة: المغيرةُ بن عبد الرحمن، كما أخرج ذلك عنه مسلم (2601) عن قتيبة بن سعيد عنه.
وجاءت بلفظ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً. واللفظ لمسلم.
وفي رواية أخرى من طريق الأعرج: اللهُمُّ إِنِّي مُتَّخِذٌ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْفِرَهُ، أَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آذَيْتُهُ، جَلَدُّهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً، دُعَاءً لَهُ. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا هِيَ: جَلَدْتُهُ لَعَنْتُهُ(504) .
سعيد بن المسيب: رواه البخاري (6361) ومسلم (2601) والطحاوي في المشكل (6008) وابن حبان (6515) والبيهقي (13379) من طرق عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب به.
وتابع يونسَ: ابنُ أخي ابن شهاب، أخرج ذلك عنه مسلم (2601) من طريقي زهير وعبد بن حميد عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن أخي
الزهري به.
ولفظ هذه الطريق: اللهُمَّ فَأَيُّمَا عَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وفي رواية: اللهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أبو صالح: رواه أحمد (9070) ومسلم (2601) والدارمي (2971) من طرق عن الأعمش عن أبي صالح به. أبو يونس: رواه أحمد (9074) عن يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة عن أبي يونس به. سالم مولى النصريين: رواه أحمد (10404) ومسلم (2601) من طريقين عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن سالم به.
ولفظُ هذه الرواية: اللهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُرْبَةً، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أبو عياض: رواه الضبيُّ في الدعاء (رقم 7) وإسحاق في مسنده (247)، والطحاوي في المشكل (6010) من طرق عن الهجري - وهو إبراهيم بن مسلم - عن أبي عياض به.
ولفظ هذه الرواية: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَأَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا مُسْلِمٍ لَعَنْتُهُ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَأَجْرًا.
وإبراهيمُ بن مسلم أكثر ما عُرف به أنه يرفعُ الموقوفات، وضعَّفه ابن عيينة وأحمد والنسائي وغيرهم(505) .
حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :
روي عنها من أربعة طرق:
* عروة: روى هذه الطريق: إسحاق في مسنده (793) عن النضر عن صالح عن الزهري عن عروة به.
ولفظ هذ الطريق: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ وَأُعَاقِبُ، فَمَنْ غَضِبْتُ عَلَيْهِ أَوْ عَاقَبْتُهُ، فَأَجْعَلُهُ لَهُ كَفَّارَةً وَرَحْمَةً.
وتوبع الزهريُّ: تابعَه أبو الأسود، أخرج روايته الطحاوي في المشكل (6002) عن الرَّبيع الجيزي عن وهب الحجري عن حيوة بن شريح عن أبي الأسود به.
ولفظه عن عائشة: جَاءَ رَجُلَانِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَاهُ، فَلَمْ يُعْطِهِمَا
شَيْئًا، ثُمَّ سَأَلَاهُ، فَلَمْ يُعْطِهِمَا، ثُمَّ سَأَلَاهُ، فَسَبَّهُمَا، وَلَعَنَهُمَا، فَدَخَلَ وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ يَبِينُ فِيهِ الْغَضَبُ، فَقُلْتُ: لَقَدْ خَابَ الرَّجُلَانِ وَهَلَكَا، لَمْ يُصِبْهُمَا مِنْكَ شَيْءٌ وَلَعَنْتَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي عَهِدْتُ إِلَى رَبِّي عَهْدًا، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ إِنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ، كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيَّ الْمُؤْمِنِينَ سَبَبْتُ، أَوْ لَعَنْتُ، فَلَا تُعَاقِبْهُ بِهَا، وَلَا تُعَذِّبْهُ، وَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا.
* مسروق: أخرج أحمد (24179) وابن أبي شيبة (29553) وإسحاق (1461) ومسلم (2600) والطحاوي في المشكل (6003) والبيهقي في الكبرى (13383) من طرق عن الأعمش عن مسلم - وهو أبو الضحى - عن مسروق به.
ولفظه عن مسروق: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ، لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا، وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَصَابَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا، مَا أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا قَالَ: أَوَمَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا.
* عكرمة: أخرج روايته كلٌّ من: أحمد (25016) (25265) (25469) (26232) وإسحاق في مسنده (1204) من طرق عن حمّاد بن سلمة عن سماك بن حرب عن عكرمة به.
ولفظ هذه الطريق: عن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتِي فِي
إِزَارٍ وَرِدَاءٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ غَضِبْتُ عَلَيْهِ أَوْ آذَيْتُهُ فَلَا تُعَاقِبْنِي فِيهِ.
وتوبع حماد: تابعه كلٌ من إسرائيل بن يونس وأبي عوانة، أما إسرائيل فقد أخرج: روايته عبد الرزاق (3248) وعنه أحمد (25883) والغيلانيات (857) عنه عن سماك به.
ولفظُ هذه الطريق: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ يَدَيْهِ يَدْعُو، حَتَّى إِنِّي لَأَسْأَمُ لَهُ مِمَّا يَرْفَعُهُمَا يَدْعُو: اللهُمَّ فَإِنَّمَا أَنَا بَشْرٌ، فَلَا تُعَذِّبْنِي بِشَتْمِ رَجُلٍ شَتَمْتُهُ أَوْ آذَيْتُهُ.
وأما أبو عوانة: فقد أخرج روايته كلٌّ من: أحمد (26218) والبخاري في الأدب المفرد (610 - 613) ورفع اليدين (85) وأبي يعلى (4606) والطحاوي في المشكل (6001) وأبي نعيم في تثبيت الإمامة (160) عنه عن سماك به.
* ذكوان: أخرج روايته: أحمد (24259) وإسحاق (1125) من طريق ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ذكوان به.
ولفظه عن عائشة رضي الله عنها: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَسِيرٍ، فَلَهَوْتُ عَنْهُ، فَذَهَبَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَا فَعَلَ الْأَسِيرُ؟» قَالَتْ: لَهَوْتُ عَنْهُ مَعَ النِّسْوَةِ فَخَرَجَ، فَقَالَ: مَا لَكِ قَطَعَ اللهُ يَدَكِ، أَوْ يَدَيْكِ. فَخَرَجَ، فَآذَنَ بِهِ النَّاسَ، فَطَلَبُوهُ، فَجَاءُوا بِهِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا أُقَلِّبُ يَدَيَّ فَقَالَ: مَا لَكِ،
أَجُنِنْتِ؟ قُلْتُ: دَعَوْتَ عَلَيَّ، فَأَنَا أُقَلِّبُ يَدَيَّ، أَنْظُرُ أَيُّهُمَا يُقْطَعَانِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا، وَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي بَشَرٌ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ، أَوْ مُؤْمِنَةٍ، دَعَوْتُ عَلَيْهِ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَطُهُورًا.
حديث أم الطفيل سودة:
أخرجه أحمد في مسنده (23793) عن إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح بن زيد، حدثني عمر بن حبيب، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الطُّفَيْلِ، فَوَجَدْتُهُ طَيِّبَ النَّفْسِ، فَقُلْتُ: لَأَغْتَنِمَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ! النَّفَرُ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْنِهِمْ؛ مَنْ هُمْ؟ فَهَمَّ أَنْ يُخْبِرَنِي بِهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ: مَهْ يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا عَبْدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دَعَوْتُ عَلَيْهِ بِدَعْوَةٍ، فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً.
وأخرجه من طريق رباح بن زيد أيضاً: الطبراني في الأوسط (2309) ثم علّق قائلًا: لا يُروى هذا الحديث عن سودةَ امرأةِ أبي الطُّفيل إلا بهذا الإسناد، تفرّد به عمرُ بن حبيب المكي.
ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (950) من رواية إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي
الطفيل رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي أنّه أسقط سودةَ من الإسناد، وجعله من حديث أبي الطفيل، وهو من أوهام إسماعيل بن عيّاش، حيث عُرف بالوهم في روايته عن غيرِ أهل بلده (حمص)، وشيخُه في هذا الحديث هو عبد الله بن عثمان مكيّ، وانظر في ذلك: هامش تحقيق المسند.
حديث أنس بن مالك:
روى أحمد في مسنده (12431) عن زيد بن الحباب عن حسين بن واقد عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَفَعَ إِلَى حَفْصَةَ ابْنَةِ عُمَرَ رَجُلًا، فَقَالَ لَهَا: احْتَفِظِي بِهِ. قَالَ: فَغَفَلَتْ حَفْصَةُ، وَمَضَى الرَّجُلُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: يَا حَفْصَةُ، مَا فَعَلَ الرَّجُلُ؟ قَالَتْ: غَفَلْتُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَخَرَجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قَطَعَ اللهُ يَدَكِ، فَرَفَعَتْ يَدَيْهَا هَكَذَا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ يَا حَفْصَةُ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ: قَبْلُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لَهَا: ضَعِي يَدَيْكِ، فَإِنِّي سَأَلْتُ اللهَ: أَيُّمَا إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي دَعَوْتُ اللهَ عَلَيْهِ، أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ مَغْفِرَةً.
ورواه الضياء من طريقين (1620 - 1621) الأولى من طريق أحمد، والثانية من غيرِ هذه الطريق، وفيها: دَفع إلى إنسانٍ رجلاً، ثم قال الضياء: وفي رواية زيد بن الحباب: دفع إلى حفصةَ بنتِ عمرَ رجلًا. فذكر نحوه.
وروي عن أنس رضي الله عنه بسياقٍ مختلف، وذلك فيما رواه عكرمة بن عمار عن إسحاق بن أبي طلحة عنه، أخرج هذه
الطريق: مسلم (2603) والطحاوي في المشكل (6005) وابن حبان (6514) من طرق عن عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار بالإسناد إلى أنس رضي الله عنه، وفيه يقول: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ، وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْيَتِيمَةَ، فَقَالَ: آنْتِ هِيَهْ؟ لَقَدْ كَبِرْتِ، لَا كَبِرَ سِنُّكِ. فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟ قَالَتِ الْجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي، فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا، أَوْ قَالَتْ قَرْنِي فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا، حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا، وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا، قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي، أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ، مِنْ أُمَّتِي، بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وتابع النضرُ بن محمد: عمرَ بن يونس، رواه من هذه الطريق: ابنُ حبان في صحيحه (5791) عن ابن قتيبة عن مؤمل بن إهاب عن النضر عن عكرمة بن عمار بإسناده إلى أنس رضي الله عنه، ولفظه عنده: رَأَى نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جَارِيَةً يَتِيمَةً عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ
شِبْتِ لَا أَشَبَّ اللهُ قَرْنَكِ. فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ دَعَوْتَ يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى يَتِيمَتِي أَنْ لَا يُشِبَّ اللهُ قَرْنَهَا، فَوَاللهِ لَا تَشِبُّ أَبَدًا. فقَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَوَ مَا عَلِمْتِ أَنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَ رَبِّي عَهْدًا أَيُّمَا أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي دَعَوْتُ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا أَوْ قُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما :
روي عنه من ثلاثة طرق:
* من طريق أبي الزبير عنه:
رواه كلٌّ من أحمد (15126) ومسلم (2602) والبيهقي (13382) من طرق عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن أبي الزبير به.
وجاء في رواية أحمد ومسلم قول ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً..
ولفظ هذه الطريق قوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي عز وجل: أَيُّ عَبْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا.
وتابع كلٌّ من أبي عاصم وروح: حجاجَّ بن محمد، أما رواية روح عن ابن جريج فقد أخرجها أحمد في مسنده (14570)، وأما رواية أبي عاصم عن ابن جريج فهي عند الطحاوي في المشكل (6004).
وكلاهما في
مسلم (2602).
* من طريق أبي سفيان (طلحة بن نافع) عنه:
أخرجها كلٌّ من ابن أبي شيبة (29550) وأحمد (15199) وأبي يعلى (2271) من طرق عن الأعمش عن أبي سفيان به.
* من طريق وهب بن منبه عنه:
أخرجها ابنُ الأعرابي في معجمه (543) عن محمد بن سعد عن إسماعيل بن عبد الكريم عن إبراهيم بن عقيل عن عقيل عن وهب به.
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه :
أخرجه أحمد (9802) (11290) وابن أبي شيبة (29548) - وعنه عبد بن حميد (998) - عن يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب عن عمرو بن سليم عن أبي سعيد.
ولم يَسُق أحمدُ مَتْنَه في الروايتين، وإنما قال ابنُه عبد الله معلّقًا على السند الأول: لم يضبِط إسنادَه، إنما هو سليمان بن عمرو بن عبد العُتواري وهو صاحبُ أبي سعيدٍ الخدري، أبو الهيثم عن أبي سعيد الخدري. اهـ.
قلت: والمشارُ إليه في عدمِ ضبط الرواية، هو: يزيدُ بن هارون، كما وضّح ذلك عبد الله بن أحمد قائلًا في الموطن الثاني: وقال غير يزيد بن هارون: عن سليمان بن عمرو بن عبد العتواري، وهو أبو الهيثم - وكان في حجرِ أبي سعيدٍ - عن أبي سعيد الخدري.
وقد أخرج الروايةَ على الصواب: ابنُ عساكرٍ في تاريخه (4/90) من طريق: يونسِ بنِ بكير عن محمّد بنِ إسحاق عن عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب عن سليمان بن عمرو بن عبد العتوارى عن أبي سعيد الخدري قال: غشى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الأمدادُ مِن أهلِ اليمنِ، وهو في المسجدِ - مِسْجده - فجعلوا يتمسَّحون به، فلما غَشَوه قام موايلًا إلى بيته - يقول: فارًّا - قال أبو سعيد: وكنت فيمن يدفعُ عنه، وغلبونا عليه حتى انتزعوا رداءَه، وحتى أصاب مَنكبَه البابُ فأوجعَه، وقَعَد في حجرةِ عائشةَ مُنبهراً ممّا لَقيَ مِنهم، يقولُ: اللَّهمّ الْعَنْهُم، اللَّهمّ الْعَنْهُم. فلما سُرِّيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالت له عائشةُ: هَلَكَ واللهِ القومُ يا رسولَ الله. قال: وما ذاكَ يا عائِشةُ؟ قالت: أولم أَسَمَعْكَ تقولُ: اللّهُمَّ الْعَنْهُم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: كلّا والله، لقد اشْتَرَطْتُ على ربّي فقلتُ: اللّهُمَّ إنَّما أنا بَشرٌ، أَغْضَبُ كَما يَغْضَبونَ، وأَجِدُ كما يَجِدونَ، فأيُّ المُسلمونَ(506) ضَربْتُ أو سَبَبْتُ أو لَعَنْتُ أو أَذَيْتُ فأجعلْها لهُ مَغفرةً ورَحْمةً وقُرْبَةً تُقرِّبُهُ بها يَومَ القيامَةِ، كلّا والله يا عائشةُ.
حديث أبي السّوار عن خاله رضي الله عنه :
أخرجه أحمد (22510) وابن سعد (7/83) والطحاويُّ في المشكل (6011) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (7697) من طرق عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثنا السميط، عن أبي السوار، حدثه أبو السّوار، عن خاله قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأُنَاسٌ يَتْبَعُونَهُ فَأَتْبَعْتُهُ مَعَهُمْ،
قَالَ: فَفَجِئَنِي الْقَوْمُ يَسْعَوْنَ قَالَ: وَأَبْقَى الْقَوْمُ فَأَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَضَرَبَنِي ضَرْبَةً إِمَّا بِعَسِيبٍ أَوْ قَضِيبٍ أَوْ سِوَاكٍ أَوْ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ قَالَ: فَوَاللهِ مَا أَوْجَعَنِي. قَالَ: فَبِتُّ بِلَيْلَةٍ. قَالَ: أَوْ قُلْتُ: مَا ضَرَبَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا لِشَيْءٍ عَلِمَهُ اللهُ فِيَّ. قَالَ: وَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنْ آتِيَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَصْبَحْتُ، قَالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّكَ رَاعٍ فَلَا تَكْسِرْ قُرُونَ رَعِيَّتِكَ. قَالَ: فَلَمَّا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ، أَوْ قَالَ: أَصْبَحْنَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اللهُمَّ إِنَّ أُنَاسًا يَتْبَعُونِي، وَإِنِّي لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتْبَعُونِي، اللهُمَّ فَمَنْ ضَرَبْتُ أَوْ سَبَبْتُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً وَأَجْرًا. أَوْ قَالَ: مَغْفِرَةً وَرَحْمَةً. أَوْ كَمَا قَالَ.
حديثُ سَمُرَة بنِ جُنْدب رضي الله عنه :
أخرجه الطبرانيُّ في الكبير (7081) عن موسى بن هارون عن مروان بن جعفر عن محمد بن إبراهيم عن جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان عن سليمان بن سمرة عن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لنا: إِنِّي أَتَغَيَّظُ عَلَيْكُمْ وَأَعْذُرُكُمْ، ثُمَّ أَدْعُو اللهَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ: اللهُمَّ مَا لَعَنْتُهُمْ أَوْ شَتَمْتُهُمْ أَوْ تَغَيَّظْتُ عَلَيْهِمْ، فَاجْعَلْهُ لَهُمْ بَرَكَةً وَرَحْمَةً وَمَغْفِرَةً وَصَلَاةً، فَإِنَّهُمْ أَهْلِي وَإِنِّي لَهُمْ نَاصِحٌ.
حديث سلمان رضي الله عنه :
روى أحمد (23706) وأبو داود (2659) والبزار (2533) وأبو
نعيم في تثبيت الإمامة (1/342) من طرق عن زائدة بن قدامة عن عمر بن قيس الماصر عن عمرو بن أبي قرة قال: كان حذيفةُ بالمَدَائن، فكانَ يَذْكُرُ أشياءَ قالها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأناسِ من أصحابه في الغضب، فينطلق ناسٌ مِمن سَمعَ ذلك مِنْ حذيفة فيأتون سلمان، فيذكرون له قولَ حذيفة، فيقول سلمانُ: حذيفةُ أعلم بما يقول، فيرجِعُون إلى حذيفة، فيقولون له: قد ذكرنا قولَك لسلمانَ فما صدَّقَكَ ولا كَذَّبكَ، فأتى حذيفةُ سلمانَ، وهو في مَبْقَلةٍ فقال: يا سلمان، ما يمنعكَ أن تُصَدِّقني بما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سلمان: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَغْضَبُ، فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويَرضَى، فيقول في الرِّضا لناسٍ من أصحابه، أما تنتهي حتى تورِّثَ رجالاً حبَّ رجالٍ ورجالاً بُغْضَ رجال، وحتى تَوقِعَ اختلافاً وفُرقةً؟ ولقد علمتَ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خطب، فقال: أيُّما رجُلٍ من أمتى سببتُه سَبّةً أو لعنته لَعنةً في غضبي، فإنما أنا مِنْ ولدِ آدمَ أغضبُ كما يغضَبون، وإنما بعثني رحمةً للعالمين، فاجْعَلْها عليهم صلاةً يومَ القيامة. والله لتنتهينَ أو لأكتبنَّ إلى عُمَرَ.
ولم يَسُق البزارُ لَفظَه.
وتوبع زائدةُ: تابعَهُ مِسْعَرٌ، وقد أخرج روايته كلٌّ من ابن أبي شيبة في مسنده (451) مختصرًا، ومطولًا (467)، وكذا أخرجه مختصرًا في مصنفه (29549)، ومن طريقه: الطبرانيُّ في الكبير (6157).
وأخرجه من طريق مِسْعَرٍ كذلك: أحمد (23721) والبخاري
في الأدب (234) والبزار (2532) والطبراني في الكبير (6157) من طرق عن مسعر عن عمر بن قيس به، وجاء في رواية أحمد ورواية ابن أبي شيبة المطوّلة والبخاري قول عمرو بن أبي قرة الكندي، قال: عَرَضَ أَبِي عَلَى سَلْمَانَ أُخْتَهُ أَنْ تَزَوَّجَهُ، فَأَبَى وَتَزَوَّجَ مَوْلَاةً لَهُ يُقَالُ لَهَا: بُقَيْرَةُ، قَالَ: فَبَلَغَ أَبَا قُرَّةَ، أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ حُذَيْفَةَ وَسَلْمَانَ شَيْءٌ: فَأَتَاهُ يَطْلُبُهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ فِي مَبْقَلَةٍ لَهُ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ مَعَهُ زَبِيلٌ فِيهِ بَقْلٌ، قَدْ أَدْخَلَ عَصَاهُ فِي عُرْوَةِ الزَّبِيلِ، وَهُوَ عَلَى عَاتِقِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ، قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا دَارَ سَلْمَانَ، فَدَخَلَ سَلْمَانُ الدَّارَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أَذِنَ لِأَبِي قُرَّةَ فَإِذَا نَمَطٌ مَوْضُوعٌ عَلَى بَابٍ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ لَبِنَاتٌ وَإِذَا قُرْطَانِ، فَقَالَ: اجْلِسْ عَلَى فِرَاشِ مَوْلَاتِكَ الَّتِي تُمَهِّدُ لِنَفْسِهَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ: إِنَّ حُذَيْفَةَ كَانَ يُحَدِّثُ بِأَشْيَاءَ كَانَ يَقُولُهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَضَبِهِ لِأَقْوَامٍ فَأَتَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ سَلْمَانَ لَا يُصَدِّقُكَ وَلَا يُكَذِّبُكَ بِمَا تَقُولُ، فَأَتَانِي حُذَيْفَةُ، فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ، يَا ابْنَ أُمِّ سَلْمَانَ قُلْتُ: يَا حُذَيْفَةُ يَا ابْنَ أُمِّ حُذَيْفَةَ، لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لَأَكْتُبَنَّ فِيكَ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا خَوَّفْتُهُ بِعُمَرَ تَرَكَنِي، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَا، فَأَيُّمَا عَبْدٌ مِنْ أُمَّتِي لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، أَوْ سَبَبْتُهُ سَبَّةً فِي غَيْرِ كُنْهِهَا فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِ صَلَاةً.
حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:
أخرج روايتَه: أبو نعيم في الحِلية (7/208) قائلاً: حدَّثنا محمّدُ بن المظفر،
ثنا القاسم بن هارون، ثنا محمد بن صالح الأشج، ثنا داود بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت أبا الأحوص، يحدث عن ابن مسعود، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَأَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا مُسْلِمٍ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً مِنْ غَيْرِ كُنْهِهِ، فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَاجْعَلْهَا لَهُ رَحْمَةً.
ثم قال أبو نعيم: غريبٌ، تفرّد به داودُ عن شُعْبة.
حديث معاوية رضي الله عنه:
أخرجه الطبراني في الكبير (924) حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ثنا سليمان بن داود الشاذكوني، ثنا ابن وهب، عن اليسع بن يعقوب، عن عمرو بن الحارث، عن راشد، قال: سمعت معاوية، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهُمَّ مَنْ لَعَنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ قُرْبَةً لَهُ إِلَيْكَ.
وفيه أكثر من عِلّةٍ: الشاذَكوني وهو متروكٌ، واليسعُ بنُ يعقوب مجهولُ الحال.
لكن رُوي بإسنادٍ آخر: أخرجه ابن سَمعون في أماليه (42) فقال: حدَّثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود، حدثنا محمد بن عوف، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث، قال: قال معاويةُ رضي الله عنه أنا أشهد أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: أَيُّمَا أَحَدٍ لَعَنْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ فَاجْعَلْ لَعْنَتِي عَلَيْهِ صَلاةً لَهُ وَزَكَاةً.
وفي تاريخ البخاري الأوسط (1/645): حدّثنا عبد الله حدثني معاوية عن حاتم بن حريث وغيره من مشيخة الجند، قال: لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لِلْحَسَنِ بْنِ عَليّ جَاءَ حَتَّى ولى مُعَاوِيَة، فَرفع عَمْرٌو وَأَبُو الأَعْوَرِ عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ السُّلَمِيُّ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ يَا مُعَاوِيَةُ! أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ يَوْمَ الأَحْزَابِ صَاحِبَ مُقَدِّمَتِهِمْ، وَصَاحب ساقتهم، وَصَاحب مجنبتيهم، وَأَيْنَ كَانَ عَمْرٌو مِنْ أُولَئِكَ؟ وَأَنْشُدُكَ يَا مُعَاوِيَةُ! أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لعن بنى رعل وَذَكْوَانَ، وَعَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ عَلَى أَبِي الأَعْوَرِ اثْنَتَانِ: لَعَنَهُ وَلَعَنَ قَوْمَهُ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا أَشْهَدُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : أَيُّمَا أَحَدٍ لَعَنْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ فَإِنَّ لَعْنَتِي عَلَيْهِ صَلاةٌ، وَهِيَ لَهُ زَكَاةٌ.
المطلب الثالث: بيانُ الغريب الواقع في الحديث
اللعن: التّعذيب، والمُلَعّنُ: المعذّب، واللَّعِينُ: المشتومُ المَسبوب، ولَعَنْتُه: سَبَبْتُه، ولَعَنَهُ اللهُ: باعدَه، واللَّعْنَةُ في القرآن: العَذابُ، واللّعنة: الدّعاءُ عليه، واللُّعَنَةُ: الكثيرُ اللّعن، واللُّعْنَةُ: الذي يلعنه النّاس(507) ، وكانت العربُ تحيِّي ملوكَها في الجاهلية بأن تقول للملِك: أَبَيْتَ اللَّعِن، ومعناه: أَبَيْتَ أيُّها الملك أن تأتيَ أمرًا تُلعنُ عليه، وفلانٌ يتلاعنُ علينا: إذا كان يتماجنُ ولا يرتدِع عن سوءٍ، ويَفعلُ ما يستحق به اللعن(508) .
الكُنْه: كُنْهُ كلِّ شيء: غايتُه، وفي بعض المعاني: وقتُه ووجهُه، تقول: بلغتُ كُنْهَ الأمرِ، أي: غايتَه، وفعلُته في غير كُنْهِه، أي: وَجْهِه(509) ، ولا يُشتقُّ منه فِعلٌ، وقولهم: لا يَكْتَنِهُهُ الوصفُ، بمعنى لا يَبلغ كُنْهَهُ، أي قَدْرَه وغايتَه، كلامٌ مُوَلّدٌ(510) .
الوجْد: من الحُزن والمَوجِدةُ من الغَضَب(511) يقال: «وَجَدْتُ على فلَان فأَنا أَجِدُ عَلَيْهِ مَوْجِدَةً وَذَلِكَ فِي الغَضبِ، ووجَدْتُ بفلان فأَنا أَجِدُ
وَجْدًا، وَذَلِكَ فِي الحُزْن، وإنّه لَيَجِد بفلانةٍ وجْداً شَدِيدًا إِذا كَانَ يَهْواها، ووجدتُ فِي الغِنى واليَسَار وُجْدًا ووِجدانًا، وَمِنْه قَوْله صلى الله عليه وسلم: لَيُّ الواجِد يُحِلّ عِرْضَه وعقوبته»(512)
الغيظ: الغَين والياءُ والظاءُ أُصَيْلٌ فيه كلمةٌ واحدةٌ، يدلُّ على كربٍ يَلحقُ الإنسانَ مِن غَيرِه. يقال: غاظني يُغيظُني، وقد غِظْتَني يا هذا، ورجلٌ غائظٌ وغيّاظٌ(513) ، وغاظَه وأغاظَه(514) وغَيَّظَه بمعنى واحدٍ(515) .
المغفرة: الغَين والفاءُ والرّاءُ عُظْمُ بابِهِ السِّتر(516) ومنه يقال: الصّبغ أغفرُ للوسخ أي: أَستر(517) والغفرانُ: المَغفرةُ(518) يقال: اللهم اغفرِ لنا مَغفرةً وغُفرًا وغُفرانًا، إنك أنت الغَفور الغَفّار، يا أَهلَ المَغفرةِ(519) وقوله عز وجل:
{وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} [هود: 90] معناه: سلوا ربَّكم أن يُغطِّيَ عليكم ذُنوبَكم(520)
العذاب: العَينُ والذّالُ والباءُ أصلٌ صحيح، لكنَّ كلماتِه لا تكاد تَنْقاسُ، ولا يُمكن جمعُها إلى شيءٍ واحد..(521) وناسٌ يقولون: أصلُ العذابِ الضربُ. واحتجوا بقول زهيرٍ:
| وَخَلْفَهَا سَائِقٌ يَحْدُو إِذَا خَشِيَتْ | مِنْهُ الْعَذَابَ تَمُدُّ الصُّلْبَ وَالْعُنُقَا |
|---|
ثم استُعيرَ ذلك في كُلِّ شِدَّةٍ(522) ، وكلُّ من مَنَعْتَهُ شيئاً فقد أعْذَبْتَهُ(523) ، ولعلّه استُعير من الضرب بعذَبَةِ السّوط أي: طَرَفِها(524) ، واللهُ أعلم.
المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها
مَثارُ هذه الإشكالاتِ ومَدارُها يقوم على مخالفةِ هذا الحديثِ لما استقرَّ عند المخالفينَ مِن مسألةِ عصمةِ الأنبياءِ عليهم السلام، والردُّ على ما أوردوه في سياقِ ردِّهم للحديثِ يَتنوّعُ من حيثُ التقديمُ والتأخيرُ، فممكنٌ أن نبدأَ الردَّ عليهم بذكرِ وجودِ هذا الحديثِ في كتبهم، ومع ذلك؛ فإن أحدًا من الآتي ذكرُهم في سياق ردّ شبهاتهم لم يتطرَّق لذِكرِ وجودِه في كُتُبهم فَضْلًا عن أن يَتجرّأَ فيتصدّى لنقدِه، ويتكرّرُ - والحالةُ هذه - السؤالُ المعهود: هل جَهلَ هؤلاء وجودَ هذا الحديث في كُتُبِهم؟ أم عَلِموا وكَتموا؟ فإن كان الجواب هو الأول؛ فيقال: كيف يَتصدّرُ هؤلاء لنقدِ أهمّ كتابٍ وأصحّه في جمع أحاديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهم بعدُ لم يعلموا ما تحتويه كتُبُهم من أحاديثَ من جنس تلكم الأحاديث التي عابوها على البخاريِّ رحمه الله؟
وإن كان الجواب الثاني: فيقالُ: هل يَخرُج فِعلُهم هذا عن وصفِ «الخداع» لأتباعهم، و«التدليس» عليهم بكتمان الحقيقة المبيّنة أن تلكم الأحاديث التي اشمأزت قلوبهم عند وقوفهم على إخراج البخاريِّ لها، إنما رواها أئمتهم في كتبهم، وتداولونها فيما بينهم؟ وعلى كلا الجوابين
فإن حالَ أولئك المعترضين إنما يتأرجح بين السيء والأسوأ، قد حرموا أنفسَهم وسعوا لحرمان أتباعهم من السير في طريقِ العلماء الربّانيين الذين سخّرهم الله عز وجل لخدمة هذا الدين العظيم.
وأنا وإن كنتُ سأذكرُ هذا الخبرَ ومصدَرَه في كُتبهم في آخر بَحثي هذا - بإذن الله -، إلا أنّي أُشير هنا إلى أنّي لا أُحبُّ أن أبنيَ أساسَ رَدِّي - أو جُلَّهُ - على إشكالات المعترضين بهذه الطريقة، وإنما أذكرُ إخراجَهم لهذا الحديث في ضِمنِ ردّي؛ شأنُه شأنَ سائرِ الوجوه الأخرى التي أعتمدُها - بفضل الله - لحلِّ إشكالاتهم الواحد تِلوَ الآخر، وتعليلي لهذا هو: أنّ هذا الخبرَ إن كان باطلًا في نفْسِه فلن يَنْفَعني أنا وجميع مَن يدافعُ عن هذا الحديثِ وإخراجِ الإمام البخاريِّ الاحتجاجُ بذلك، لأنّ الاحتجاجَ بالباطلِ باطلٌ لا يَصِحُّ، حتى وإن قالَهُ أكثرُ الناس، والحُجّةُ عندنا فيما صحّ من الأخبارِ لا فيما لم يَصحَّ منها، ولو وافَقَنا المعترضون على إِخراجِه في كُتبهم.
وإن كان الخبرُ صحيحًا من حيث السندُ والمتنُ، فلن يزيدَه إخراجُهم له قوّةً على قوّةٍ، لأنّ مصادِرَنا بفضل الله عز وجل قد حفِظت لنا سُنَّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وأَوْصَلَتْها لنا خالصةً نقيةً من كلِّ دخيلٍ عليها.
وإنما يُرجى بالتنبيهِ على إخراجِ القوم للرواية نفسِها التي اعترضوا عليها: أن يُعيدوا النّظر في كثيرٍ ممّا ورثوه من سابقيهم، وأن ينظروا في أحاديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكلِّ إنصاف، وأن يتوبوا إلى الله عز وجل من
تَطفيفهم الكَيلَ في ميزان النّقد، وأن يسيروا في طريقٍ واحدةٍ مستقيمة؛ مطّردةٍ غيرِ مُضطربةٍ في سعيهم للوصولِ إلى الحقّ المبين، وإن خالفَ ذلك ما وجدوا عليهم سادَتَهم وكبراءَهم، {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213].
والآن، لنَنْظر في الشُّبهِ التي ساقها المُعترضون للنَّيل من هذا الحديث الشريف، وإسقاطِه وعدمِ الاحتجاجِ به، ولنبدأ بذكر ما جاء به عبدُ الحسين شرف الدين، الذي قال بعد أن ذكر الحديث: « وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء لا يجوز عليهم أن يؤذوا أو يجلدوا أو يسبوا أو يلعنوا من لا يستحق، سواء أكان ذلك في حال الرضا أم في حال الغضب، بل لا يمكن أن يغضبوا بغير حق، وتعالى الله عن إرسال رسل يستفزهم الغضب إلى جلد من لا يستحق أو لعنه أو سبه أو أذيته، وتنزهت أنبياء الله عن كل قول أو فعل ينافي عصمتهم، وتقدسوا عن كل ما لا يليق بالحكماء » .
قلت: نُلاحظ هنا أنّ عبدَ الحسين نفى عن أنبياء الله عز وجل أمرين: الأوّل: أن يصدُر منهم إيذاءٌ أو جلدٌ أو سبٌّ أو لعنٌ لمن لا يستحِقُّه، والثاني: أن يَغضبَ الواحدُ منهم بغيرِ حقٍّ، وكلُّ أمرٍ من الأَمْرَينِ المَنْفِيَّينِ في كلامِ عبدِ الحسين قد وُجد ما يُماثلُه في كتاب الله عز وجل، فقد أخذ موسى عليه السلام برأسِ أخيهِ هارونَ عليه السلام يَجُرُّهُ إليه؛ بعدما عَلِم بأن قومه اتخّذوا {عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} [الأعراف: 148] معبودًا من دون الله عز وجل، فغضب وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه، ظنًّا منه بأن هارون عليه السلام
قد قصّر في نهيهم، فلما بانَ له حقيقة الأمر، سارع بطلب المغفرة له ولأخيه عليهما السلام، وأن يدخلهما ربّهما سبحانه وتعالى في رحمته وهو سبحانه أرحم الراحمين، قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ١٥٠ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 150، 151].
وأرى أن ما نفاه عبد الحسين مُطابقٌ تَمامَ المطابقةِ لما جاء في هذه الآياتِ الكريماتِ، لأنه يَلزَمُ مِن فِعل موسى عليه السلام أن يكونَ أحدُهما مصيبًا والآخرُ غيرَ ذلك، وهذا المصيبُ إما أن يكون موسى عليه السلام، وإما أن يكون هارون عليه السلام، ويَدْفَعُ الاحتمالَ الأوّل ويؤيّد الاحتمالَ الثاني: تَراجعُ موسى عليه السلام عن إِقدامه على ما فَعَلَه بهارون عليه السلام، وهنا يُقالُ: ألم يَفْعلْ سيدُنا موسى عليه السلام عينَ ما جاء في حديثِ النبي صلى الله عليه وسلم الذي استهجنه عبد الحسين شرف الدين؟ حيث عاقب موسى عليه السلام مَن لا يَسْتَحِقُّ العُقوبةَ، ثم تراجَعَ عَنْ ذلك؟ داعيًا ربّه بأن يغفر له ولأخيه عليهما السلام، ليتحوّل ما فَعَله في حقِّ أخيه هارون عليه السلام رحمةً ومغفرةً، تمامًا كما دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأن يحوّل الله دعاءَه على غيرِ المستحِق إلى رحمةً
ومغفرةً وصلاةً، فكلاهما عليهما الصلاة والسلام كانا يَصدُران من مشكاةٍ واحدةٍ: مشكاةٍ الوحيِّ المؤيّد من الله عز وجل.
فإن قيل: ما جاء في خبرِ موسى عليه السلام إنما صَدَرَ بسببِ ظَنِّه خطأَ تَصَرُّفِ أخيه هارون عليه السلام، وبهذا يُفارقُ ما جاء في خَبرِ نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم، إذ علّق فِعْلَه بالغَضبِ، لا بِظنٍّ لم يقع في مَحَلِّهِ؟ فالجواب أن يقال: لا فرق في الأمرين، لأن المحذور في النصّين واحدٌ، وهو: وُقوعُ الأذى على غيرِ مستحِقّه، بل إن ما بَدَرَ مِن موسى عليه السلام إنّما كان مبدؤه ودافعُه الغضبَ، ألم يقرأْ عبدُ الحسين شرفُ الدين قولَه تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا} [طه: 86] وقولَه تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)} [الأعراف: 154]، وهذا أيضًا تراجعٌ مِن موسى عليه السلام عن إلقائِه الألواحَ بِسببِ غَضَبِه، فإن كان قد اشْتَبَه على سيدنا موسى عليه السلام شأنُ سيدِنا هارون عليه السلام؛ وظنَّ تقصيرَه في هدايةِ قَومِه، فما هو الذنبُ الذي ارتكبَتْهُ الألواحُ حتى تُلقى وتُكسر؟! والمقصودُ من هذا أن موسى عليه السلام إنّما فَعلَ ما فَعلَ لشِدَّةِ غَضبِه، حيث لم يوافِق الصوابَ في حُكْمِه، ولا غَضاضةَ عليه في ذلك، فهو كَليمُ اللهِ عز وجل، وأحدُ الخَمسةِ أولي العَزمِ مِن الرُّسلِ عليهم السلام، ولَمْ يَنْقَدِح في ذِهْنِ أحدٍ من المسلمين أن ما فَعلَه موسى عليه السلام ينْقصُ من قَدْرهِ الشريف وحاشاه عليه السلام من أن يُنسبَ له شيءٌ من السوء كما لم يَنْقَدِح في ذِهْنِ أحدٍ من المسلمين أن القرآن الكريم يمكن أن يُخبر عن موسى عليه السلام ما يستحيلُ أن يَصدُر مِنْه وحاشا لكتابِ الله أن يُظنَّ به مثلُ ذلك بل مكانةُ كتاب الله محفوظةٌ عن كلِّ سوء، ومكانةُ موسى عليه السلام محفوظةٌ كذلك من كُلِّ سوءٍ، لكنه بشرٌ يَغضبُ ويرضى، ويَفْرحُ ويحزَنُ، ويُحبُّ ويُبغض، {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)} [المؤمنون: 33]، وهذه البشرية
التامّة هي التي بيّنها أنبياء الله لأقوامهم كافة، قائلين: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11].
ولذا كان مِن تمام بشريّة موسى عليه السلام أن يَقودَه غضبُه إلى فِعل أمرٍ لم يَكُنْ موافقًا للصواب، وكذا كان مِن تمامِ حِفظِ الله تعالى له أنّه لم يلبث في ذلك الفعل إلا قليلًا، ثم رَجع عليه السلام إلى جادّةِ الصواب، وهذه هي العِصمةُ التي فَضّل الله عز وجل بها أنبياءَه عليهم السلام على سائرِ الناس: أنهم لا يُقَرُّون على فِعلٍ جانَبوا فيه الصوابَ، ولا بُدّ من رجوعهم عنه مباشرةً، و{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)} [الحديد: 21، 22].
وإنما مثَّلْتُ بما جاء في خبرِ سَيِّدِنا موسى عليه السلام لوُضوحِه وجَلائِه، وموافَقَتِه لما جاء في خَبَرِنا الصّحيح، وإثباتِه كلَّ ما نفاه عبدُ الحسين وأنْكَرهُ أشدّ الإنكارِ، وإلا؛ فالأمثلةُ المتعلِّقةُ بالأنبياءِ عليهم السلام في كتابِ الله والموافقةُ لما جاء في حديثِ البابِ مُتعدِّدة، ومن بينها ما حَصل مع يونُس عليه السلام، وكيف وجدَ نفسَه في بطن الحوتِ بعد أن خَرجَ غاضبًا مِن عِصيان قومِه له، وقَبل أن يُؤمر بالخُروجِ مِنَ قِبلِ الله عز وجل، قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87].
بل؛ ومِنها ما حصلَ مع نَبيّنا صلى الله عليه وسلم حينما خاطب بعضَ عظماء قريشٍ طامعًا في إسلامه، في وقتٍ أَقْبَل عليه فيه ابنُ أم مكتوم وجعل يسألُه ويُلحّ عليه، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يَودّ أن لو كفّ ساعتَه ليتمكّن مِن مخاطبةِ ذلك
الرّجل الذي يطمعُ في إسلامه، وكان من نتيجةِ ذلك أن عَبَسَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في وِجْهِ ابنِ أمّ مكتوم وأعرَضَ عنه؛ وأقْبل على الآخر(525)
فأنزل الله عز وجل قوله الكريم: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2)} [عبس: 1، 2] إلى آخر الآيات الكريمات.
وهذا التصرُّف من النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم موافقٌ لما جاء في الحديث الشريف الكريم مِن كِونه صلى الله عليه وسلم عَبَس في وجهِ ابن أم مكتوم وأعرضَ عنه، بينما لم يَبدُر مِن ابنِ أم مكتوم ما يدفَعُ لذلك، خاصةً إذا علمنا بأنّ ابن أمّ مكتوم كان قد خَفِي عليه انشغالُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بذلك الرجل، لكونه - أي ابن أمّ مكتوم - ضريرًا، لا يُبصر، مما يُغيِّب عنه حقيقةَ المشهد الذي كان يعاينُه نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، ولذا عاتَب ربُّنا ربُّ العزّة نبيّه الكريمِ بهذه الآيات الكريماتِ التي تُتلى في كتابه العزيز إلى أن يَرثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليها.
ثم تابع عبدُ الحسين سَوْق شبهته قائلاً: « وقد علِم البرُّ والفاجر والمؤمن والكافر أن إيذاء من لا يستحق من المؤمنين أو جلدهم أو سبهم أو لعنهم على الغضب ظلم قبيح وفسق صريح، يربأ عنه عدول المؤمنين، فكيف يجوز على سيد النبيين وخاتم المرسلين؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم وآله: سباب المسلم فسوق. وعن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين؟ قال: إني لم أبعث لعانًا وانما بعثت رحمةً.
هذه حالُه مع المشركين فكيف به مع من لا يستحق من المؤمنين » ؟
قلت: نعم، الحديثان المذكوران هما مما صَحّ مِن حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم(526) ، تمامًا كما صَحَّ حديثُ البابِ الذي اعترض عليه عبدُ الحسين، وطريقَتُه هذه الانتقائيةُ وطريقةُ من سَبَقه ولَحِقه في التعامل مع أحاديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم إنّما هي طريقةٌ شوهاءُ بتراءُ، لا ينبغي لمسلمٍ أن يسلُكَها، ويُخشى على صاحبها أن يدخل في عموم من ذمّهم الله تعالى بقوله: {أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖ} [البقرة: 85]، نسأل الله السلامة والهداية.
ولعلَّ من أسبابِ إعراضِهم عن اتّباع الطرق الصحيحة في التعامُلِ مع السُّنة النبويّة الكريمة: ضعفَهم الواضحَ البيِّنَ في القُدرةِ على جَمْعِ طُرُقِ الأحاديثِ النّبويّةِ الشَّريفةِ ودِراسةِ الأسانيدِ، والنّظرِ في
أحوالِ رجالِها، والبحثِ في عِلَلِها، والمقارنةِ والتوفيقِ أو الترجيحِ بين ما تعارض منها إن وُجد شيءٌ من ذلك فالقومُ أجانبُ عن هذا الرُّكنِ الرَّكينِ مِن عِلْمِ الحديثِ الشّريف.
ومع هذا الضَّعفِ البيّنِ تراهم يُطاولون السّحابَ، ويُناطِحون أئِمةَ هذا الشأن الكبارَ، ويَتطاوَلونَ عليهم بكلِّ قبيحٍ، ويَنْسبونَ إليهم كلَّ مشينٍ، وهذا من أعجبِ العجب! وكان الأَوْلى بهم أن يُوارُوا سَوءاتِهم، ويُسارعوا في معالجةِ ضَعْفِهم، ويَسْعوا لرفعِ الجهلِ عنهم، وذلك بإِتيانِ بيوتِ عُلومِ الحديثِ مِن أِبوابها، والسَّيرِ في طريقِ أئمةِ الهُدى المستقيم، حتى يتبيّن لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من هذا العلم الشريف، ثم لهم بعد ذلك أن يَضربوا بسهمٍ في هذه العلوم، ويُدْلوا بِدَلْوِهم في الاستفسار والسؤال عمّا أَشكلَ عليهم، ليقفوا على الأجوبة المستوعبة لكلّ ذلك من أهل هذا التخصُّص، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ(527) .
وعبدُ الحسين ليس أحسنَ حالًا ممّن سبقوه في هذا المجال، فهو وإن بَرَزَ في عَددٍ مِن العُلومِ، كما قد اشْتَهرَ أَمرُه بين أتباعه، إلا أنه في علمِ الحديث فقيرٌ، خاصةً فيما يتعلّق بدراسة الأسانيد، كلّف نَفسَه ما لا تُطيقُ، وأدخَلَها في مضائقَ لا يمكنُه الخروج منها إلا بحبلٍ من الله وحبلٍ من النّاسَ، وواقع كُتُبِهِ هو الشاهدُ عليه بذلك، حيث نراه قد ملأَها بانتقاداتٍ وتشكيكاتٍ وتكذيباتٍ لنصوصِ السُّنّة النبوية الشريفة، كلّها بلا استثناء قائمة على نَقْدِ مَعانِيها دون التَّعرُّض إلى أسانيدها، وإن وُجد ما يتعلّق بشيءٍ من الأسانيد، فهو على قِلّته إنما أفادَه مِن غَيرِه مِن علماءِ هذا الفنِّ الشريفِ، أَمّا أن يكون قد اجتهد من تِلقاءِ نَفْسِهِ في دراسة إسنادٍ من الأسانيد على طريقةِ المحدّثين، ثم توصّل إلى حكمٍ عليه باجتهادهِ فهيهات
هيهات!
ولنَعُد الآن لبيان الطريقة الصحيحة التي كان ينبغي أن يسلُكها عبدُ الحسين شرفُ الدين في نقدِه لهذا الحديث - بل ولسائرِ الأحاديث التي صدّر نَفْسَه لانتقادها -، فنقول: كان ينبغي لعبدِ الحُسين أن يُصنِّف نَفسَه بالنِّسبة لعلم الحديثِ: هل هو مجتهدٌ فيه؟ أم هو مقلّدٌ فيه؟ فإن كانت الثانيةَ فالأصل في المُقلِّد أن يلتزم أحكام أهل الصنعة، ويسلّم لهم الرّاية فلا يَصدُر إلا عن قولهم، ولن يَجِدَ - إن كان صادقًا مع نَفْسِه وأتباعه - أعلَم ولا أتقن من أئمة الحديث المصنّفينَ فيه، كالإمام مالكٍ والإمامِ أحمدَ، ثم يليهم من حيث الزمان: الإمام البخاريّ - الذي ناصبه عبدُ الحسين أشدّ العداء -، ثُمَّ الإمام مسلم بن الحجاج ثاني اثنين في جمع صحيح حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أصحاب السنن الأربعة، ثم من سار بِسيرِهم مِن أئمة الحديث والعِلل، رحمهم الله ورضي عنهم.
وإن كانت الأُولى فادّعاءُ الاجتهاد يَتطلّبُ مِنْهُ أن يُظهرَ لنا آلاتِه النّظريةَ وتطبيقاتِه العمليةَ على أرضِ الواقِع، حتى يُقنعَ نَفْسَه أولًا بأهليّته لهذه المهمّة الجسيمة التي تجشّم الخوض فيها، ثم يُقنعُ غيره - ثانيًا - بِصِحّة وأرجَحِيّة ما ذهب إليه، أما أن يَخبِط خبطَ عشواءَ، ويركب متن عمياءَ في تعاملِه مع أحاديثه صلى الله عليه وسلم، فيقدّم ويؤخّر ما وافق وخالف هواه، فهذا لا يُعرفُ عندَ من أنعمَ الله عليه بمُسكةٍ من عقلٍ.
ولو سُلكت طريقتُه هذه في التعاملِ مع النُّصوصِ الشَّرعيةِ، لَما سَلِمَ إلا القليلُ منها، وذلك لتفاوتِ عقولِ النّاسِ في مراتبِ الذَّكاءِ والغَباءِ، وتفاوتِ
مقاصدِ النَّاس في درجات الحُسنِ ودركاتِ السّوء، ولقالَ مَن شاء ما شاء في دينِ الله، ولخطبت الزنادقةُ على المنابِرِ(528) وعندها: لم يَبْقَ لهذا الدين وجودٌ، ولصار أثرًا بعد عينٍ، {وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ} [التوبة: 32].
ثم قال عبدُ الحسين: « وقد قال صلى الله عليه وسلم: لا يكون اللّعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة » .
قلت: هذا الحديث أخرجه مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه(529) لكنه كما لا يَخفى على كلِّ مشتغل بالعلوم الشرعية؛ أن صيغةَ الحديث متعلّقةٌ بمن يَكثُر منه هذا الأمر، وبات لا يُعرفُ ولا يُوصفُ إلا به، ومثلُه لا يكونُ أهلًا لنيلِ هذه المرتبةِ الرَّفيعةِ يومَ القيامةِ، وحاشا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُحاكَ حَولَه مثلُ هذا الاحتمالِ، وعبدُ الحسين نَفسُه استدلَ على ذَمِّ بني أُمَيّةَ بلعنِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُم كما سيأتي معنا ولو كان المقصودُ بحديث أبي الدرداءِ الذي استدلّ به عبدُ الحسين كُلَّ مَن لَعَنَ غَيرَه، ولو لمرةٍ واحدةٍ في حياتِه، للَزِمَ عبد الحسين أن يُدخلَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في ذلك وحاشاه صلى الله عليه وسلم لكن: هكذا يَفْعلُ الهوى بِأَصحابِه، ويَهوي بهم في دَرَكاتِ التناقُض، ويكشفُ سُوء أحوالِهم، فعبدُ الحسين يَستدلُ على إِبطالِ حديثِ الباب بحديث ذمِّ اللَّعانين،
ثُم إذا جاء يَطعنُ في بني أُميّة صَدّرَ اسْتدلالَه على دُنُوِّ مَنزلَتِهم بما جاء مِن لَعنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهم! فمرّة يّذمُّ اللعنِ إذا كان في ذمِّه سبيلًا لهدمِ ما جاء في صحيح البخاريِّ من أحاديث في ذلك، ومرّة يمدحُ اللعن إذا كان موجّهًا لألدِّ أعداء آل البيتِ في نظرِه وهكذا في تلاعبٍ لا يَخفى على من أنار الله بصيرته، وهداه سبل السلام، نسأل الله أن يرشدنا إلى ما يحبُّ ويرضى.
وكان المُفترضُ في عبد الحسين - مدّعي الإنصاف؛ السائرِ في طريقٍ مطّردةٍ بيّنة في التعامل مع أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم! - أن يَرُدَّ ما جاء من أحاديثِ لَعْنِه صلى الله عليه وسلم لبني أُمَيّة، لكونِه صلى الله عليه وسلم ذَمّ اللّعانين في غيرِ ما حديثٍ، مُبيّنًا أنّ مِثْلَهم - أي اللعّانين - لا يَستحِّقون أن يكونوا شفعاءَ ولا شهداء يوم القيامة، فكيفَ يفعلُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فعلًا قد ذَمّ فاعِلَه، وهل يصلُح بحسب استدلالات عبدِ الحسين أن يُمنعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أن يكون شفيعًا ولا شهيدًا يوم القيامة، وهو صلى الله عليه وسلم سيد الشفعاء(530) ، وأصدق الشهداء يوم القيامة(531) ؟!
وكذا يُقالُ في حقِّ الأحاديث الأخرى التي أوردها عبدُ الحسينِ مستدلًا بها على استحالةِ صدورِ ما نص عليه حديث الباب من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حيث ساق عبدُ الحسين قولَ عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا»، وقولَ أنسٍ رضي الله عنه: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا، وَلَا لَعَّانًا، وَلَا سَبَّابًا»، وقولُ عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أخرجه البخاري(532) وكذا قولُ أنسٍ رضي الله عنه المذكور، وتَتِمَّتَهُ عنده: كَانَ يَقُولُ عِنْدَ المَعْتَبَةِ: «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ»(533) وهذه المقولة التي جاءت في تَتِمّة الحديث، تكرّرت مع نظائِرِها في سُنة النَّبي صلى الله عليه وسلم، كقوله صلى الله عليه وسلم: ثَكَلْتَكَ أُمُّك، و: عَقْرَى حَلْقَى، و: تَرِبَتْ يَمينُك، وأمثالِ ذلك، مما يجري على ألسِنة العربِ، ولا يُقصدُ به حقيقةُ الدُّعاء، وفي هذا يقول الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمه الله: قولُه: تَربَ جَبينُه أي: قُتل، لأنّ القتيلَ يقعُ على وَجْهِه ليترب، وظاهرُه الدعاءُ عليه بِذلك، ولا يُقْصَد ذلك، وكذا قولُه: تَرِبتْ يداك أي: افْتقرتْ فامتلأت ترابًا، وقيل: المُراد: ضَعُف عَقْلُك بِجَهْلِك بهذا، وقيل: افتقرت مِن العِلم، وقيل: معناه استغْنَيْت، يقال: هي لُغةِ القِبْط استعملها العربُ؛ واستُبْعد، والرّاجح أنه شيءٌ يُدَعَّمُ به الكلامُ، تارةً للتَّعَجُّب، وتارةً للزَّجرِ، أو التَّهويلِ، أو
الإِعجابِ، وهو كوَيلِ أُمِّه، ولا أبًا لَك، وعَقْرى حَلْقى(534) اهـ.
قلت: ولَم تُحمَل هذه العبارات على ظاهرِها من الدُّعاء بالهَلاكِ على من قيلت فيه، لأنّ من قيلت فيه لم يكن مستحقًّا الذمَّ بسببٍ فعلٍ فعلَهُ، وإنما توردُ هذه العبارات بحسب المرادات والتوجيهات السابقة، ولو حُملتْ على ظاهرِها؛ لنُسب النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الظُّلمِ لأصحابِه، والفظاظةِ والإغلاظ في مخاطبتهم - وحاشاه صلى الله عليه وسلم - ولفُتح بابٌ من أَوْسعِ الأبوابِ لِولوجِ أعداءِ الإسلامِ مِنه، المُتَرَبِّصين بِه وبأهله الدوائرَ، لِيقولوا بكلِّ صفاقةٍ وسفاهةٍ: ما السوءُ الذي ارتكبه مَن حَرِص وتَطَلّعَ إلى الزَّواجِ بالمرأةِ الصَّالحة حتى يدعوَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه بالافتقار والإملاق قائلًا: فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ(535) ، وما السوء الذي ارتكبته أمُّ أبي بَصيرٍ حتى يدعو عليها نبينا صلى الله عليه وسلم قائلًا: وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ(536) ، وما الذي صَدَر مِن أُمِّ المؤمنين صَفِيَّةَ رضي الله عنها حتى يقولَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم في حقّها: عَقْرَى حَلْقَى(537) ؟ وهو دعاءٌ على مَن قيلت فيه بأنْ يُصابَ في حَلْقِهِ وجَسَدِه.
لكنّ أهلَ العلم الرّاسخين فيه أحسنوا التعاملَ مع هذه الأحاديثِ، كإِحسانِهم التعاملَ مع غيرِها مِن سُنّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقَبِلوها بكلّ صدرٍ رحبٍ وقاموا بتوجِيهها أَحسنَ التوجيهات، لعِلْمِهم الواسِعِ بِلُغةِ العَرَبِ، واطّلاعِهم الأوْسعِ على مَضامينِ ومَعانِي ومَغازي أقْوالِهِم، ومِن هؤلاء الكِبار: الإمامُ الحافظ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سَلاّم، حيث شرح شيئًا مِن هذه الألفاظ قائلًا: وأمّا قولُه: (تَرِبَتْ يَداك) فإنَ أَصْلَهُ أنَّه يُقال للرَّجلِ إذا قَلَّ مالُه: قَد تَرِبَ، أي: افْتَقَرَ حتى لَصَقَ بالتُّرابِ، وقال الله عز وجل {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)} [البلد: 16، 17]، فَيَروْن - والله أعلم - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يَتَعَمَّد الدُّعاءَ عَليه بالفَقرِ؛ ولكنّ هذه كلمةٌ جاريةٌ على أَلْسِنة العربِ يقولونها وهم لا يُريدون وقوعَ الأَمْر، وهذا كقوله لِصَفِيّة ابنَةِ حُيَيِّ حين قِيل له يَومَ النّفْر: إنّها حائضٌ، فقال: عَقْرًا حَلْقًا ما أَراها إلا حابِسَتُنا. فَأَصْلُ هذا معناهُ: عَقَرَها اللهُ وحَلَقَها، وقوله: عَقرَها الله بمعنى عَقَر جَسدها، وحَلقها بمعنى أصابَها وجعٌ في حَلْقِها(538) . اهـ.
قلت: ولو حُمل حديث الباب ابتداءً على ما جاء في توجيهِ هذه الأحاديث؛ لكان حملًا مناسبًا جدًّا، لا تكلُّفَ فيه، بل قد يُستفاد مِن دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ربّه بأن يَجعلَ دعاءه على من لم يستحقّ ذلك رحمةً ومغفرةً وصلاةً وقربةً إليه سبحانه وتعالى؛ بأن يُطمعَ في رحمةِ الله باستجابةِ دعاءِ نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يُعمّم فضْلَه هذا على أفرادِ مَن دعا عليهم وأجناسِهم، فيشمل
دعاؤه كلَّ مَن دعا عليهم بأعيانِهم كما مرّ في حديث الباب، ويشملُ كذلك كلّ من فعل ما جاء وصفُه في بعضِ الأحاديث، كالذي ظَفرَ بالمرأةَ الصالحة أن تتربَ يداه، فيتحولُّ ذلك كلّه في حقِّ أفرادهم وأجناسِهم إلى رحمةٍ من الله ومغفرةٍ وصلاةٍ وقربةٍ إليه سبحانه وتعالى، بِبَركةِ دعاءِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم المُستجابِ، وهذه نعمةٌ لا يستحقّها ولا يَقْدُرُ قَدْرَها إلا من وُفّق لذلك، نسألُ الله أن يَجعلَنا مِنهم.
فإن قيل: إن مادةَ هذه الأحاديث تَختلفُ؛ إذ نرى في بعضها اكتفاءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالدُّعاء على أُناسٍ بأعيانهم أو بأجناسهم، بينما نرى في بعضِها الآخرِ ضَمَّ اللّعن والجلْد والأذى إلى جانبِ الدُّعاء، وهذا اختلافٌ جوهريٌ يؤدِّي إلى التفريقِ بين هذه الأحاديث مِن حيثُ صلاحيةُ بعضِها لقَبولِ ما جاء فيه من توجيهات، وعدمُ صلاحيةِ البعضِ الآخر لذلك؟
قلنا: لو سَلّمنا بالشِّقِّ الأولِّ من هذا الاعتراضِ وهو وجودِ فرقٍ بين هذه الأحاديثِ، من حيثُ اقتصارُ بعضِها على الدعاء، وزيادةُ البعضِ الآخرِ للّعن والجلْد والأذى إلى جانبِ الدُّعاء، لما سَلّمنا بالشِّقِّ الثاني منه وهو افتراقها من حيثُ عدمُ صلاحيةِ بعضِها لِما قيلَ مِن توجيهاتٍ في شأنِها، وذلك لاجتماعِها كلِّها في وقوعِ الذمِّ على غيرِ مُستحقٍّه، سواءٌ كانت صورةُ الذمِّ متجلّية في الدعاءِ أو اللعنِ أو الجلدِ أو الأذى، فما قيل مِن توجيهاتٍ لأحاديثِ الدعاء على غير المستحِق، يَصْلُحُ أن يُقالَ في حقّ الأحاديث الأُخَر ذاتِ الألفاظِ الزّائدة، مع ملاحظةِ أن
الذي أشكَلَ على عبدِ الحُسينِ في اعتراضه على حديثِ الباب ليس هذا التفريقَ، وإنما افتراضيةُ معاقبةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لغيرِ مستحِقٍّ، سواءٌ كان هذا العِقاب على صورةِ اللّعن أو الجلْدِ أو الأذى، الذي يَندَرجُ في عُمومِه بطبيعة الحال: الدعاءُ بالفَقْر والمَرضِ والوَيْلِ والثُّبورِ وغيرِ ذلك من المُهْلكاتِ، ومَن استنكرَ وقوعَ المذكورِ في حديثِ البابِ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعليه أن يَرُدَّ كُلَّ ما جاء في هذه الأحاديث، ومَن أثبتَ ما جاءَ في هذه الأحاديثِ فلنْ يُضيرَه أن يُثْبِتَ ما جاء في حديثِ البابِ، ومَنْ فرّقَ بينَ المُتماثلات فقد سلك طريقًا لا يُعرف عند العُقلاء، فضلًا عن العُلماء، والحمد لله رب العالمين.
ثم إنّ عبدَ الحسينِ تابع الاستدلال بِزَعْمِه على بُطلانِ حديثِ البابِ بسياقِ عددٍ من الأحاديثِ التي تُثبتُ إحرازَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أعلى المراتِبِ في مكارمِ الأخلاق، وهو في سياقِه لهذه الأحاديث إن كان قاصدًا التذكيرَ بفضلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وحثَّ النّاس على الاقتداءِ بجميل خُلُقه وفضيلِ سماحته؛ فقد أحسنَ غايةَ الإحسان، ودعا لخيرِ ما يُدعى إليه، وإن كان قاصدًا في سياقه لها دفعَ ظنٍّ طرأَ على بالِهِ مَفاده أن أحدًا من المسلمين ينازِعُ في إثباتِ هذه الفضائل والمكارم لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، فقد ظنَّ مستحيلًا لا يُتصوَّر، واخترعَ فِكرةً لا تُوجد إلا في أَذْهانِ الموسوِسين الظّانين في أهل الإسلام كُلَّ ظنٍّ سيءٍ، وهل يُتصوّر في عقلِ كلِّ عاقلٍ أن أحدًا مِمّن يَنتَسِبُ إلى أُمّةِ الإسلامِ يُشكّك في تبوّءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أعلى درجاتِ الكمال البشريِّ، وإحرازِه صلى الله عليه وسلم أسمى المراتبِ من كلِّ فضيلةٍ؟!
ثم ذكر عبدُ الحسين حديثَ كتابةِ عبدِ الله بنِ عمرٍو رضي الله عنه كلَّ ما يقولُه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال:
وعن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كلَّ شيءٍ تسمعه! ورسول الله يتكلم في الرضا والغضب؟ فأمسكت عن الكتاب، وذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصابعه إلى فيه وقال: اكتب! فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق اه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقاً اهـ
قلت: حديث عبد الله بن عمرو هذا أخرجهُ الإمامُ أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وغير واحد من أصحاب الكتب الحديثية(539) ، وليس هو في الصحيحين، ولا في أحدِهما، إلا أن رجاله رجال الصحيح، ولا مطعن في أحدٍ منهم، إلا ما جاء في حقِّ عبيد الله بن الأخنس من قول ابن حبان فيه: يخطئ كثيرًا(540) ، وهو ما حمل الحافظَ ابنَ حجر على وصفه بالصدوق(541) .
هذا بالنّسبة لإسنادِه، وأما ما جاء في متنه فلو تأمّل عبدُ الحسين به
لما رأى فيه أيَّ معارضةٍ لحديث البابِ، لأنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم حينما أباح لعبد الله بن عمرٍو الكتابةَ عنهُ في كلِّ الأحوال، مُؤَكّدًا أنه صلى الله عليه وسلم لا يَنطِقُ إلّا بالحقِّ وفي جميع أحوالِه، إنما أراد ما كان المتكلّمُ بِه مِن بابَةِ الإِخبار، سواءٌ منه ما كان عن دينِ الله عز وجل، أم عن دُنيا النّاس، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يُخْبُرِ إلّا بالصِّدق يَقينًا، وَمَن زَعَمَ غيرَ ذلك فلا حَظَّ له في الإسلام، وأما ما كان من باب الإنشاء فَمِثْلُه لا يُوصفُ بصدقٍ ولا بكذب، ومن هذا الإنشاء: اللعنُّ والدعاءُ على الغيرِ.
ولذا لا يُقالُ في حقِّ من دعا على غَيْرِه: صَدَقَ في دعائِهِ أو كَذب في دعائِه، لكن يقالُ في حَقِّ مَن أخبرَ بخبرٍ ما: صَدَقَ في ذلك أو كَذَبَ.
والإنشاء يكونُ فِي الأمرِ والنهيِ، والدُّعاءِ والنِّداءِ، والعَرْضِ والتَّمني والرَّجاءِ والنفيِ والسُّؤالِ، وغيرِ ذلك ممّا لا يُنسَبُ فيه القولُ أو القائلُ للصدق أو الكذب، ولذا: فلا تعارُضَ بين حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما وحديث البابِ الذي جاء فيه دعاءُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أُناسٍ بناءً على أفعالٍ صدرتْ منهم، سُرْعانَ ما بيّن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم دخولَهم في عُموم دعائه بتحويلِ ما صَدَرَ في حَقِّهم إلى رَحْمَةٍ ومَغفرةٍ وصلاةٍ وغير ذلك من وجوه الخير، والله أعلى وأعلمُ.
ثم قال عبدُ الحسين: « وسُئلت عائشة عن خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: هل قرأت القرآن؟ قال: نعم. قالت: خلقه القرآن.
قلت والكلام لعبد الحسين يا لها كلمة تدل على بلاغتها
ومعرفتها بكنه أخلاقه صلى الله عليه وسلم، ولا غرو فقد رأته صلى الله عليه وسلم والقرآن نصب عينه يهتدي بهديه، ويستضئ بنور علمه، متعبداً بأوامره وزواجره، متأدِّباً بآدابه، مطبوعاً على حكمته، يتبع أثره، ويقتفي سوره، فاقرأ خُلُقَه إن شئت في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58، 59] إلخ الآيات الكريمات التي ساقها عبدُ الحسين، وهي مع اختلافِها وتنوّعِها تَلْتَقي في الحِثِّ على كلِّ فضيلةٍ، والإحسان إلى الخَلْقِ، واختيارِ أطيب الألفاظ، وتوسيعِ دائرة العُذر، وكظمِ الغيظ، والعفوِ عن النّاس، واجتنابِ كلِّ خُلُقٍ مرذولٍ.
قلت: ولا شكّ ولا ريبَ أن نبيّنا صلى الله عليه وسلم هو أولى النّاس بكلِّ فضيلةٍ، وأبعدُ الناسِ على كلِّ رذيلَةٍ، وما مَدحَ به عبدُ الحسين نبيَّنا صلى الله عليه وسلم صدقٌ وصوابٌ وحقٌّ لا مرية فيه، وهو صلى الله عليه وسلم مستحقٌ له ولأضْعافِه مِن الخَيْرِ والمدحِ والثناء، وأصدقُ الحديثِ كتابُ الله، وخيرُ الهَدْيِ هديُه صلى الله عليه وسلم، وكلُّ خُلُقٍ رفيع تَخلَّق به أحدٌ من أُمّة الإسلام، فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أحقُّ به منه، وأسبقُ له فيه، بل لَمَّا كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم معلّمَ النّاسِ الخير، ومرشِدَهم إلى كلِّ فضيلةٍ، كان كلُّ خيرٍ يفعله المسلم، يُرصدُ في سجلِّ حسناتِه صلى
الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم القائِلُ: مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ(542) وهو صلى الله عليه وسلم القائل: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ(543) وأَوْلى النّاس بمعرفةِ حقوقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، هم الذين قَاموا بِجَمْعِ سُنَّتِه الشَّريفةِ، وبَذلوا الغاليَ والنّفيسَ في ذلك، وقَضَوا الجُزْءَ الأكْبَرَ مِن حَياتِهم في الارتِحال في مشارق الأرض ومغاربها لسَماعِ هذه السُّنة الشريفةِ وإِسْماعِها، وتدوينِها في مصنّفاتِهم وجوامعهم ومسانيدهم، بدِقّةٍ عاليةٍ وإتقانٍ متناهٍ، ما عُهد في شِيَعِ الأوّلين، ويقابلُهم في كلِّ ذلك: أولئك الذين استبْدلُوا الذي هُو أدْنى بالذي هو خيرٌ، واتخذوا سُنّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غَرَضاً، ليُسْقطوا مِن وراءِ ذلك: الدِّينَ برمَّته شعُروا بذلك أم لم يَشعُروا ونَسَوا كما نَسي أَسْلافُهم أنَّ دين الله عز وجل محفوظٌ، تعهّد سبحانه بِحِفْظِه ودَيْمُومَتِه إلى أن يرث الله الأرض وَمَن عليها.
والآياتُ الكريماتُ المُشارُ إليها آنفًا تؤكِّد كلَّ ما يتعلَّق بتمام حُسن خُلُقه صلى الله عليه وسلم، لكنّها لا تَنْفِي بِحالٍ مِن الأَحوالِ أن يَقعَ مِنه صلى الله عليه وسلم ما قد يَتراجَعُ عَنْهُ بَعد ذَلك، شَأنُه في ذلك شأنُ إِخوانِه من الأنبياءِ الكِرامِ عليهم السلام، الذين هم أحقُّ الناسِّ بكلِّ خُلُقٍ رفيعٍ، وأحرصُ النّاس على تعليمِ الخيرِ للغيرِ، وقد سبق معنا ذِكْرُ شيءٍ من ذلك فيما يتعلّق بأخبار موسى عليه السلام، وشيءٍ من أَخبارِ يونس عليه السلام، وما استهْجَنَهُ عبدُ الحسينِ في حديثِ البابِ، قد وُجد مثلُه وما هو أَشَدُّ منه من أنبياء الله عز وجل، وهذا التماثلُ لا بُدّ أن يَدفَعَ كلَّ من سعى لتكذيب ما جاء في حديث الباب إلى إِعادةِ النظرِ فيما يتبنّاه،
والبحثِ عن السّبب الذي أوصله إلى إنكارِ ما لا يُنكَرُ عند أحدٍ من العلماءِ العقلاء؟!
والاحتماءُ والتّترُّس بتُرسِ العِصمةِ في ردّ كلِّ ما أشْكَلَتْ نسبتُه لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم يُلْجِئُ القائلَ به إلى أحد طريقين لا ثالث لهما:
الأول: أن يُعمِّمَ هذه الدعوى حتى يَشملَ بها سائرَ الأنبياءِ الكِرامِ عليهم السلام، فيُثْبِتَ العصمةَ الكامِلةَ للأنبياءِ الكرام كافَّة، ولا يستثني منهم أحدًا، وهذا التعميمُ سيؤدِّي به حتمًا إلى رَدِّ كُلِّ الأَخْبارِ المُماثِلةِ التي جاءت موافقةً في معناها لحديثِ البابِ، أو زائدةً على معناه من باب أولى، حتى لو كان النصُّ المشكِلُ عليه المعارِضُ لفَهمِه منصوصًا عليه في كتابِ الله، مما سيُضطَرُه في نِهاية المَطافِ إلى مُدافعةِ كُلّ ما جاء في كتاب الله عز وجل من الآياتِ الكريماتِ المُثْبِتات لمِثلِ هذه الحوادث الصادرة مِن أنبياءِ اللهِ الكِرام، وما عَهِدنا أنّ أحدًا من أمّة الإسلامِ تجَرّأَ على ذلك، لاتّفاق أهل الإسلام على أن التعرُّض لكتاب الله عز وجل بالتشكيك أو التكذيب أو الردّ يَقضي على صاحبِه بالكفر والخروجِ مِن ملّة الإسلام، {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [آل عمران: 97]، ولذا حَصرَ المعترضون شُبهاتِهم في فَضاءِ السّنة النبوية الكريمة، متّخِذين من التشكيكِ بثبوتِ أسانيدِها طريقًا لهذه المآربِ الخَبيثة، أمَّا أن يَتجرّأَ أحدٌ ما لِرَدِّ ما في كتابِ الله عز وجل لكونِهِ يُخالفُ ما استقرّ عنده مِن مَفهوم العِصْمَةِ؛ فهذا ما لم نَرهُ في كتابٍ، ولم نسمع به عن أحدٍ مِمّن ووريَ تحت الترابِ، نسأل الله الثباتَ حتى الممات.
الثانية: أن يَخُصَّ نبِيَّنا صلى الله عليه وسلم بدعوى العِصمة الكاملةِ دون غيرِه مِن أنبياء الله عليهم السلام،
وصاحبُ هذه الدعوى لا بُدّ أن يُقيم الأدلّةَ البيِّنةَ الواضحةَ مِن صحيحِ المنقولِ أو صريحِ المَعقولِ؛ أو مَنْهُما معًا على صِحّة ما ادّعاه، أمّا أن يُطلقَ هذه الدعوى هكذا جُزافًا، ويقيمَها على شفا جُرُفٍ هارٍ، ساعيًا السعيَ الحثيثَ لإقناع الآخرين بها بشتّى الطُّرق، والتي مِن أهمِّهما إرهابُ المعترضين عليه بأنّ مخالفَتَه في هذه المسألة تعني القَدحَ الصريحَ في مَقامِ النُّبُوَةِ، وخَلْعَ ربقةِ الإسلام، فهذه بضاعةٌ لا تَنفقُ إلا عند الأغرارِ المُنغمسين في أَعماقِ التقليدِ المُظلمِ المَذموم لأناسٍ {ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104].
والناظرُ في هذه الدعوى يراها قائمةً على تفريقٍ طارئٍ بين متماثلاتٍ، لا يقومُ على أيِّ أساسٍ قويمٍ، وهو مخالفٌ لكلِّ ما تعارف عليه أهلُ الفِقه والفضلِ، والفَهمِ والعَقلِ، لكونِ الأنبياء عليهم السلام أنقى الناسِّ قلوبًا، وأطهرَهم ظاهرًا وباطنًا، وأبعدَهم عن كلِّ نقيصةٍ وهم عليهم السلام وإن تفاوتت منازِلُهم في الفَضلِ(544) إلا أنهم جميعهم يلتقون في ضَرورةِ إِبلاغِ ما بُعثوا بِه من رَبِّ العالمين، وعلى الوَجْه الذي أُمروا به في البَلاغِ، ممّا يَستلزمُ مصاحبةَ العِصمةِ لهم في هذا البلاغ، وتَمكينَ اللهِ عز وجل لهم في ذلك، ولذا كان إثباتُ العصمة الكاملةِ لبَعضِهم دون جميعِهم تَحَكُّمٌ لا
يقومُ على دليلٍ، وهو نوعٌ من اختلالِ ميزان الاعتدال في الحُكمِ على المُتماثلات، وهو ما يأباه كلُّ عاقلٍ مِن العُقلاءِ على مَرِّ العُصور.
والمُخرجُ من هذه التناقضاتِ جَميعِها، والضابطُ لمَسيرِ صاحِبِه على طريقٍ واضحٍ مستقيم {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)} [طه: 107] يكونُ بإثبات نوعٍ من العِصْمَةِ يشمَلُهُم جميعًا، ولا يَستثني أحدًا مِن الأنبياءِ الكرام صلى الله عليه وسلم، وهذا القولُ لا بُدّ أن يَكونَ مبنيًّا على استقراءِ ما جاء في أخبارِهم عليهم الصلاةُ والسلام، وما صَدَر مِن بعضِهِم ممّا قد عُوتبوا عليه، وتَراجعوا عنه عليهم السلام، ومَنْ تأمّل كلَّ ما جاء في أَخبارِهم الشريفَةِ الكريمَةِ عليهم السلام، وَجَد أن العصمةَ الثابتةَ في حَقِّهم عليهم السلام هي ما كانت متعلّقةً بتبليغِهِم رِسالاتِ رَبِّهم، فهي التي أُمِروا بِتبليغِها كما وصلتُهم مِن غيرِ تأخيرٍ، وأما ما يتعلّقُ بالتّصرُّفاتِ البشريةِ، فقد يَقعُ منهم ما يُخالفُ الصّوابَ، ثم يُصَحَّحُ فِعْلُهُم بعد ذلك، وهذا ما أكَّدَتْهُ النُّصوصُ القرآنية التي جاءت في هذا المعنى، وهل هناك أَصْرحُ من قوله تعالى في حَقِّ آدم عليه السلام: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١ ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ} [طه: 121، 122]؟ ومِن قَوْلِه تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)} [القصص: 16]؟ وَمِن قولِهِ تعالى في حَقِّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 2، 3]؟ إلى غيرِ ذلك مِن الآياتِ الكريماتِ التي تُثبتُ صدورَ شيءٍ ممّا يؤاخذُ عليه فاعلُه من الأنبياءِ الكرامِ عليهم السلام، وما يَتبَعُ ذلك مِن تَوبَةِ الله عز وجل عليه.
ثُمّ مِن الإِشْكالاتِ الخطيرةِ الواردةِ - لا مَحالةَ - على القولِ بالتفريقِ بَين عِصْمَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعِصْمةِ سائرِ الأنبياء عليهم السلام: أن بَعضَ مَن يقولُ بهذا التفريقِ يُعَمِّمُ العِصْمةَ الكاملةَ على مَن دون الأنبياءِ عليهم السلام باتفاقٍ، كَمَنْ يشملُ آلَ بيتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الكِرامَ بِهذهِ العِصمةِ الكاملةِ، ويَحْجِبُها عن سائرِ الأنبياءِ الكرام عليهم السلام، أو كمن يَشْمَلُ بِهذه العِصمةِ مَنْ يُطلَق عليهم وصفُ الأولياءِ والأقطابِ والأوتادِ وغيرِ ذلك ممّا تُعورفَ عليه عندَ بَعضِ الطوائفِ، ويَمنعُ مِن إطلاقِها على سائرِ الأنبياء عليهم السلام، وهذا مُنْحَرَفٌ خَطيرٌ يُبنى عليه خَفضُ مَنزلةِ الأنبياءِ الكِرامِ عَن منزلةِ أولئك الذين أُحيطوا بِتلكَ العَصمةِ الكاملةِ بزعمِ الزاعمين لذلك - وحاشاهم عليهم السلام أن يَنْزِلوا عَن مراتبِ الكمال، أو أن يُفَضّلَ عليهم مَن هو دونَهم -، ولذا كان أنسبُ الأقوالِ وأوفُقها للواقعِ الصحيح: أنهم عليهم السلام إنّما عُصموا فيما يُبَلِّغونَه عَن شريعةِ رَبّ العالمين، وأمّا في تصرّفاتهم البشرية فقد يقعُ مِن الواحد منهم ما قد يؤاخَذُ عليه، إلا أنّه لا يُقرُّ على ذلك، بل يُبيَّن وجهُ الصّواب في ذلك، فالعصمة الثابتة لهم لا تمنعُ صاحبَها مِن الوقوع في الزّلل ابتداءً، لكن تمنعُ مِن استمرار هذا الزّلل انتهاءً، وبإثباتِ هذا النوعِ من العِصمة تَتْنَظِمُ الأدلةُ مِن كتابِ الله وسُّنةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتَلتقيِ، ولا يَنْقُضُ بعضُها بعضًا، والله أعلم.
وعودًا إلى ذِكرِ ما سَطَرَهُ عبدُ الحسين في تأييد شبهَتِه لردّ الحديث، نراه يقولُ بَعد سياقِه لتلك الآياتِ الكريمة الآمرة بحُسن الخُلُق: هذا خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه حالُه مع المؤمنين وغيرهم، وهو القائل: الرّجل من ملك نفسه عند الغضب، وقال صلى الله عليه وسلم: من يُحرم الرفق يحرم الخير، وقال صلى الله عليه
وسلم: الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه. وقال صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم الناس من يده ولسانه. وحسبك قوله تعالى وهو أصدق القائلين: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]، فكيف يجوز عليه بعد هذا أن يلعن أو يسب أو يجلد أو يؤذي على مجرد الغضب؟ نعوذ بالله وبه نستجير، ما قدروا الله حق قدره فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون
نقول ابتداءً إن الناظر في أصلِ كَلِمَةِ الرِّفق يرى أنها تَدُلُّ على مُوافقةٍ ومُقاربةٍ بلا عُنْفٍ، فيكون الرِّفق مخالفًا للعُنْف، ومِن الرِّفقِ اشتُق كُلُّ شَيءٍ يدعو إلى راحةٍ ومُوافقةٍ، كالمِرْفَقِ والرِّفْقةِ وغيرِ ذلك(545) ونقول كذلك: إنّ الناظرَ في منهج عبد الحسين المتكرّر في كلِّ نزاعاتِه مع مخالِفيه يرى بمِلء عينيه: اكتفاءَه بِسياقِ الأدلّة التي يراها داعمةً لوُجهةِ نَظرِه، وإعراضَه تمامَ الإعراضِ عن كلِّ دليلٍ يُخالفُ مرادَه، وقد يكون في الأدلة التي أعرضَ عنها ما هو أقوى ثبوتًا أو دلالةً، أو أكثرَ عددًا من الأدلة التي ساقها لتأييدِ مُرادِه، ومع ذلك يُغمضُ تمامًا عنها، ويُخفيها ويَحْجُبها ولا يُظهر شيئًا منها، فنحنُ نرى هنا إكثارَه مِن حَشدِ الأدلة الدّالَةِ على أهميةِ الرِّفق، وهذا كلّه حقٌّ وصدقٌ، وهو ركنٌ ركينٍ يُظهر تمام حُسن هذه الشريعة السماوية، وكمالَ حُسنِ خُلُقِه صلى الله عليه وسلم، معلِّمِ البشرية كلَّ خيرٍ،
لكنّه ليس الرُّكنَ الوحيدَ الذي قامت عليه هذه الشريعةُ الغرّاء الكاملةُ المنزّهةُ عن كلّ نقصٍ، لأن مِن أركانِه الأخرى: الحِكمةَ، وهي متمثّلةٌ في إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقّه، ووضعِ الشيءٍ في مكانه اللائقِ به، ومن صورِ هذه الحكمةِ: الرِّفقُ في الموضع المحتاجِ له، اللائقِ به، والشدّةُ في الموضع المحتاج لها؛ اللائقةِ به، ولذا كان ينبغي على عبدِ الحسين أن يُشير إلى هذه الناحيةِ التي أخفاها، فيَذكر بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أمرَ بالرِّفق واتصف به، هو نفسُه صلى الله عليه وسلم الذي أمرَ بإقامَةِ الحُدودِ الشَّرعية على مُستَحقيها، ورجمِ الزّاني المُحصَن، وقطعِ يدِ السّارق، وبالقِصاص في القتلى، بل نَفّذ أشدَّ أنواع العقوباتِ في أولئك النّفرِ من عُكْلٍ، الذين أَسْلَموا فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ «فَأَمَرَهُمْ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا»، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ «فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا»(546)
وإن أنكرَ عبدُ الحسينِ كلَّ ذلكَ أو بَعضَه؛ فهل يستطيعُ أن يُنكرَ أن الله عز وجل الذي أَمَرَ بالرِّفق؛ قد أمرَ بإقامة الحدود على مستحقيها، فنصّ على جلد الزُّناة، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].
ونصّ كذلك على جلدِ القاذف، {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، وأمر بالتّنكيلِ بطوائف من النّاس، جاهروا بمحاربة الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا بأشد أنواع التنكيل، فقال سبحانه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33](547) ، إلى غيرِ ذلك من العُقوبات التي قرَّرها الله عز وجل في كتابِه العزيزِ، وقرَّرها وبيَّنها لنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم.
وعليه؛ فهل يليقُ بعالمٍ من العلماءِ من أي مذهبٍ كان؛ أن يَذكُر مِن الأدلة ما يؤيّد مذهبَه، ويُخفي منها ما يعارضُه؟ وهل تُعدُّ هذه طريقةً لائقةً في التَّعاملِ مع نصوصِ هذه الشريعةِ الكريمةِ؟ وأين فاعلُ هذا مِن قولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208]، وكيف سيمايزُ نفْسَه عن أولئك الأقوام الذين كانوا يقولون فيما بينهم: {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} [المائدة: 41]؟ وقد بيّن الله عز وجل سوءَ منقلبِ من كانت هذه حالَه بقوله سبحانه في خِتام هذه الآية الكريمة: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)} [المائدة: 41]
وهذه الشائنةُ التي تُلصقُ كُلَّ العيب بفاعلها - كائنًا من كان - تُظهر كيفيةَ تلاعبِ الهوى بأصحابِه على مرِّ التاريخ، حتى يكادُ الناظرُ في سوءِ أحوالِهِم يَجْزِمُ بأن المتقدِّمَ منهم يَنقلُ هذه العدوى إلى مَن بَعْدَه، حتى يَعُمَّ الفسادُ في أرضِ الله عز وجل، {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)} [الذاريات: 53]، وتَكرُّرُ هذه الباقِعَةِ وكثرةُ تداولِها بين أهلها، تُظهرُ دِقَّةَ تَصويرِ سَلفِنا الصالحِ لأهلِ الأهواء على مَرِّ التاريخ، وتمامَ عدلهم في التّعاملِ مَعَهم؛ والحكمِ عليهم، ولأجل هذا انتشرت مقولُتهم الصادقة القائلةُ: «أَهْلُ الْعِلْمِ يَكْتُبُونَ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ لَا يَكْتُبُونَ إِلَّا مَا لَهُمْ»(548) ، وأَضْحَتْ مطابقةً تَمامَ المطابقةِ لمن قِيلتْ في حَقِّهِم، نسألُ الله أن يجعَلَنا مِنَ {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 18].
ثم لم يقتصر عبدُ الحسين على إخفاءِ الأدلة التي تخالفُ أهدافَهُ ومآرِبَه، بل راح يَطْعَنُ أشدّ الطّعنِ في أئمة هذا الدين، في: نواياهم وذِمَمِهم وتديُّنِهم وصِدقِهم، مع كونِهم هُم الذين سَخّرهم الله عز وجل لخدمة هذا الدِّين القويمِ وحِفظِه ونَشرِه في أَصقاعِ المعمورةِ بأعلى درجاتِ الأمانَةِ والصِّدق والضَّبط التي عرَفتها البشريةُ، متّهِمًا إياهُم بِتُهَمٍ لا تَصْدُر إلّا مِن أعداءِ الإسلامِ المتربّصين به وبأهله الدوائر، قائلًا: إنما وُضع هذا الحديثُ على عهد معاوية تزلُّفاً إليه، وتَقَرُّباً إلى آل أبي العاص وسائرِ بني أمية، وتداركًا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: مِن لعن جماعة من منافقيهم وفراعِنَتهم،
إذ كانوا يصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، فسجّل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعْنِهِ إيّاهم في كثيرٍ من مواقفه المشهودة خِزْيًا مؤبّدًا، ليعلم الناس أنهم ليسوا من الله ورسوله في شيء، فيأمن على الدين مِن نِفاقهم، وعلى الأمة من عَبثهم، وما كان ذلك منه إلا نصحًا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين مِن بعدِه ولعامّتهم
وفي الجوابِ على ما كتَبَهُ أقولُ: أما لعنُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأناسٍ مِن بني أمّية، فهذا ما سنناقشه في الفقرة التالية، وأما دعوى وضعِ الصحابةِ هذه الأحاديث مِن قِبَلِهم لنفيِ الشَّين عنهم، فهذا من أكبرِ الكذبِ الذي يُمكن أن يُقالَ في حقِّ أُناسٍ لم يُعرفْ عَنْهم إلّا كلُّ فضيلةٍ، اختارَهَم اللهُ عز وجل على عِلمٍ منه سبحانه بتمامِ صلاحيَّتهم لهذه المهمّةِ الجسيمةِ، وفَضَّلهم - بفضلِهِ - على العالَمين مِن أهلِ زمانِهم، وكانوا رضي الله عنهم أَحْرَصَ النّاس على حِماية النبيِّ صلى الله عليه وسلم من كلِّ سوءٍ، مُحيطين بِه مِن كلِّ جانب، مُدافعين عنه في حَياته؛ بأنفُسِهم وذراريهم وأموالِهم، لم يَدَّخِروا شيئًا إلا وقدّموه في سبيلِ نُصرةَ هذا الدين القويم، وصيانة الجناب النبوي الشريف صلى الله عليه وسلم، ودفعِ كلِّ سوءٍ وُجّه لمقامه الكريم صلى الله عليه وسلم.
وكما كانوا رضي الله عنهم أكثرَ الناس حِرصًا على جنابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن أن يَقرَبَه سوءٌ ولو قَلَّ، كانوا كذلك بعدَ وفاتِه صلى الله عليه وسلم، فقاموا بِصيانةِ سنَّته الكريمةِ، وحِمايتِها مِن كلّ دخيلٍ عليها، مَع تمامِ التَّحرِّي والصِّدقِ فيما يَروونَه عنه صلى الله عليه وسلم؛ ولذا؛ وبفضلِ الله عز وجل عليهم: لم يُعهد عن أحدٍ منهم كذبةٌ واحدةٌ في كلِّ ما رَوَوه عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربّ العالمين.
والملاحظُ أن عبدَ الحسين قد أضافَ إلى شِدَّة جُرْأَتِه على صَحابةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعظيمِ تَقَوُّلِه عليهم: شِدّةَ استهزائه بِعُقولِ قُرّائِه، وعَدَمَ احترامِه لحُقوقِهم عَليه في إِثباتِه دعواه بالأدلّة المقنعة لهم، والتي أَزْعُمُ أنه لو اجتمعَ هُو ومَن سَبَقَه ولَحِقَه - {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} [الإسراء: 88] - لن يَسْتطيعوا أنْ يَأتوا بدليلٍ صحيحٍ صريحٍ واحدٍ يُثْبِتُ دعواهُم أو شيئًا منها، وعَجْزُهُم عن هذا سيثبتُ مرّة بعد أُخْرى أنهم ليس لهم من الأمر شيءٌ، وأنّهم لا يَملِكونَ من الشُّبَهِ إلا ما قَذَفَتْهُ لهم موائدُ اللّئام مِن المستشرقين الذين أَمْضَوا السنوات الطُّوال في نَبْشِ تُراثِ الأُمّة، وتقليبِ كُتبِ عُلمائها ظَهرًا لِبَطنٍ، مع بَذلِ الأموالِ الطائلَةِ في ذلك، لعلّهم يَظفَرونَ بشيءٍ من مرادِهم، فَباءوا بالخُسران المُبين، ورَجَعوا بخُفَيِّ حنين، وانقلبَ إليهم بَصُرُهُم وهو حسيرٌ.
ومع ذلك؛ لم يَيأسوا مِن الكيد والتربُّص بهذه الأُمّة ما استطاعوا لذلك سبيلًا، فَهُم وبَعد أن سُقِطَ في أيديهم ورأوا أنهم قد ضَلُّوا وأضاعوا أعمارَهم وأعمالَهم في سَرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يَجِدْه شيئًا، وتيَقّنوا مِن فقدانِ الأدلَّةِ المادّيةِ على إثباتِ دخولِ الوَضْعِ في سنة النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن الصَّحابة الكِرام ثُم مِمّن سارَ على هَديْهِم مِن الذين جاؤوا مِن بِعدِهم: لَجَئُوا إلى إقامةِ دعاواهم على افتراضاتٍ خَيالِيّةٍ في أَذْهانِهم، بَنَوها بِزعْمِهِم على: تَأَخُّرِ تَدوينِ السُّنة النبويّة، وعدمِ تناسبِ عددِ أحاديث بعضِ الصحابة من حيثُ الكَثرةُ مع قِصر مدّةِ ملازَمَتِهم للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، واشتهارِ بعضِ الأحاديثِ في دَوْلَةِ بني أُميّة أو دولةِ
بني العبّاس، وطولِ المدّة الزمنية بين المُصَنِّفين الجامعين للحديث النبويّ الشريف ووفاةِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وغيرِ ذلك مِن الشُّبهاتِ التي تسعى لِترسيخِ مبدأِ وَضْعِ بَعضِ الصحابةِ فَمَن بَعدَهم لأحاديث على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتي تَلَقَّفها بعضُ ذوي الأَغراضِ المَشبوهةِ ليتسلّلوا مِن خلالِها لِهَدمِ السُّنةِ النّبويةِ تحت غطاءِ المحافظة عليها، ولا يزالُ الله سبحانه وتعالى بكمالِ قدرته وتمامِ حكمته يسّخِّرُ علماءَ جهابذة كبارًا يقطعون دابرَ شبهاتِ أولئك المغرضين، وفي كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ينفون عن هذا الدين العظيم تحريفَ الغالينَ، وتَأويلَ الجاهلينَ، وانتحالَ المُبْطلين، كلّما ذرّ قرنٌ لأهلِ البِدعِ سارعوا بِقَطعِه، وعَمِلوا على وَأْدِه في مَهْدِه، والحمدُ لله على ما أولى وأنعم، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)} [القصص: 70].
ثم إنّ عبدَ الحسين حَوّل دَفَّة البحث لينالَ أكثرَ فأكثر من بني أُميّة، فجعل يُكثرُ من حَشدِ النُّصوصِ الواردَةِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في لَعْنِهم وذمّهم وبيان سوء حالهم، ليجنح مِن خِلالها إلى اتّهام الصحابةِ بوضعِ الأحاديث تزلُّفًا لمعاويةَ رضي الله عنه، فكان ممّا قاله: وقد كان صلى الله عليه وسلم رأى في منامه كأن بني الحكم ابن أبي العاص ينزون على منبره كما تنزو القردة فيردون الناس على أعقابهم القهقرى، فما رؤي بعدها مستجمعاً ضاحكاً حتى توفى. وقد أنزل الله تعالى في ذلك عليه قرآنا يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60]، والشجرة الملعونة في
القرآن هي الأسرة الأموية، أخبره الله تعالى بتغلبهم على مقامه وقتلهم ذريته، وعبثهم في أمته، فلم ير بعدها ضاحكاً حتى لحق بالرفيق الأعلى، وهذا من أعلام النبوة وآيات الاسلام والصحاح فيه متواترة ولا سيما من طريق العترة الطاهرة.
أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر هؤلاء المتغلبين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وما على الرسول إلا البلاغ المبين » .
قلت: أما فيما يتعلّق بالآية الكريمة ونزولِها في بني أمية، فقد رُوي من حديثِ سهل بن سعد رضي الله عنه، أخرجه الطبريُّ في تفسيره قائلًا: حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَنِي فُلَانٍ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ نَزْوَ الْقِرَدَةِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَمَا اسْتَجْمَعَ ضَاحِكًا حَتَّى مَاتَ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل فِي ذَلِكَ {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60].
ثم قال الطَّبريُّ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: عَنى به رؤيا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآياتِ والعِبَرِ في طريقِهِ إلى بيتِ المَقْدسِ، وبيتِ المَقْدسِ ليلةَ أُسرِيَ بِه. ثم ذكر ابن جرير رحمه الله أدلِّتَه التي اعتمدَها في قولِهِ هذا(549) .
وقال الحافظُ ابنُ كثير: وهذا السَّندُ ضعيفٌ جدًا؛ فإن محمّد بنَ الحسنَ بن زَبالة متروكٌ، وشيخَه أيضا ضعيفٌ بالكُلِيّة، ولهذا اختار ابنُ جرير: أنّ المرادَ بذلك ليلةَ الإسراءِ، وأنّ الشّجرة الملعونةَ هي شجرةُ الزَّقوم، قال: لإجماعِ الحُجَّة من أهلِ التّأويلِ على ذلك، أي: في الرؤيا والشجرة(550) .
قلت: فضلًا عن جهالةِ الواسطة بين ابن جرير ومحمَّد بن الحسن بن زبالة، وهذا مما يزيد الخبر وهنًا على وهنٍ عند أُمَّة الإِسناد.
وللحديث أسانيد أخرى، كلُّها ضعيفةٌ كما نصّ على ذلك الحافظ ابنُ حجرٍ حيث يقولُ: وجاء فيه قولٌ آخرُ: فروى ابن مردويه من طريق العوفيِّ عن ابن عباس قال: أُرِيَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمَّا رَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ كَانَ لِبَعْضِ النَّاسِ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ. وجاء فيه قولٌ آخرُ، فروى ابن مردويه من حديث الحُسين بن عليٍّ رفَعَه: إِنِّي أُرِيتُ كَأَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَتَعَاوَرُونَ مِنْبَرِي هَذَا. فَقِيلَ: هِيَ دُنْيَا تَنَالُهُمْ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة.
وأخرجه ابن أبي حاتم من حديثِ عمرِو بنِ العاص، ومِن حديثِ يَعلى بنِ مُرّة، ومِن مرسلِ ابن المُسَيّب نَحوَه، وأسانيدُ الكلِّ ضعيفةٌ(551) .
قلت: وقد أخرج أبو يعلى في
مُسنده (11/348) حدَّثنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ بَنِي الْحَكَمِ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ وَيَنْزِلُونَ، فَأَصْبَحَ كَالْمُتَغَيِّظِ وَقَالَ: «مَا لِي رَأَيْتُ بَنِي الْحَكَمِ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِي نَزْوَ الْقِرَدَةِ؟»، قَالَ: فَمَا رُئِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ صلى الله عليه وسلم.
ورواه الحاكم (4/527) والبيهقي في الدلائل (6/511) من طريق مُسلمِ بن خالد الزنجي به.
قال الحاكمُ: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وقال الذهبي في تعليقه: على شَرطِ مسلم.
وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير مصعب بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة(552) .
قلت: أَضبطُ الأئمة الثلاثة حُكمًا هو الحافظ الهيثمي رحمه الله، حيث اكتفى بنسبةِ رجالِه إلى الصحيح، مُسْتَثْنيًا منهم مصعب بن عبد الله، أما ما حكمَ به الحاكم، واتباع الذهبيِّ له في جزءٍ من حكمه ففيه نظر، لأنه ابتداءً ليس على شرط البخاري بوجهٍ من الوجوه، كونه رحمه الله لم يخرج للعلاء بن عبد الرحمن، ولا لأبيه، فضلًا عن عدم إخراج أحدٍ من الشيخين عن مصعب بن عبد الله، كما مرّ معنا في كلام الهيثمي، وأما مسلمٌ فهو وإن كان قد أخرج عن العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه، لكنه لم يُخْرِج له على سبيل الاستقصاءِ، وإنما على سبيل الانتقاء، فانتقى مِن صحيفته هذه ما تابَعَه عليه غيرُه، وتَركَ ما دون ذلك، ولِذا؛ فَعَدُّ الحافظِ الذهبيِّ هذا الإسنادَ مِن شرطِ مُسلمٍ فيه نظرٌ، وقد نبّه العلماء على أن من أراد أن يَصِفَ حديثًا بأنه على شرطِ الشيخين، فلا بد أن يراعي أمورًا منها: أن يكون هذا الإسنادُ سالِمًا مِن العِلل، كما قرّر غيرُ واحدٍ مِن أهل الحديث(553) ومِن أشهرِهم الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمه الله، الذي مَثَّل بحديثِ العلاءِ بنِ عبد الرحمن عن أبيه، قائلًا: القسمُ الثاني: أن يكون إسنادُ الحديث قد أخرجا لجميعِ رواتِه؛ لا على سبيل الاحتجاجِ بل في الشواهدِ والمُتابعاتِ والتعاليقِ، أو مقرونًا بِغيرِه، ويَلحقُ بذلك ما إذا أخرجا لرجلٍ وتَجنَّبا ما تفرَّد به أو ما خالفَ فيه، كما أخرج مسلمٌ مِن نُسْخةِ العلاءِ بنِ عبدِ الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه ما لَم يَتفرَّد بِه، فلا يَحسنُ أن يُقالَ إن باقي النُّسخةَ على شرطٍ مسلمٍ؛ لأنه ما خرّج بعضَها إلا بعدَما تبيَّن له أن ذلك مَمَّا لم يَنفردْ بِه، فما كان بهذه المَثابَةِ لا يَلحقُ أفرادُه بشَرطِهِما(554)
قلت:
وعِندَ النَّظر في ترجمةِ العلاءِ بنِ عبد الرّحمن نجدُ أن أئمة الحديث قد أنكروا بعض حديثه، وقلّلوا من شأنِ ضبطه للأحاديث التي تفرّد بها، قال أبو حاتم: روى عنه الثقات، وأنا أُنْكرُ مِن حديثِه أشياءَ، وقال فيه أبو زرعة: ليس هُو بأَقوى ما يَكون(555)
بل قال فيه ابنُ معين: ليس بذا، ما زال النّاس يَتوقّون حديثَه(556) ، وقال أيضاً: ليس حديثُه بِحُجّةٍ، وهو وسهيلٌ قَريبٌ مِن السّواء(557) .
ثم قال عبد الحسين: وحسبك مِن إعلانه أن الحكم بن أبي العاص استأذن عليه مرة فعرف صلى الله عليه وسلم صوته وكلامه فقال: إئذنوا له، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنون منهم، وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.
قلت: أخرج الدارميُّ(558) ومِن طريقِه البيهقيُّ في الدّلائل (6/512) عن شيخِه الحاكم قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ الْعَدْلُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيُّ الشَّيْخُ الْفَاضِلُ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ عمرو بن مُرَّةَ وَكَانَتْ
لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: جَاءَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَرَفَ كَلَامَهُ، فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ حَيَّةٌ(559) أَوَ وَلَدَ حَيَّةٍ، عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَعَلَى مَنْ يَخْرُجُ من صُلْبه إلا المؤمنون، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، يُشَرَّفُونَ فِي الدُّنْيَا وَيُوضَعُونَ فِي الآخرة، ذوو مكرٍ وَخَدِيعَةٍ، يُعَظَّمُونَ فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.
ثم قال الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن: أبو الحسن هذا حمصيٌّ.
قلت: أبو الحسن هذا لا يُعرفُ، ترجمه الحافظ الذهبي في الميزان وقال: تفرّد عنه عليُّ بنُ الحكم البنانيُّ(560) .
قلت: ولذا حكم عليه الحافظُ ابن حجر بأنه مجهول(561) .
ثم استمرَ عبدُ الحسين في سوق بعض الأحاديث التي جاء فيها لعنُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للعاصِ وذريّته، بما لا حاجةَ لذِكره هنا ومناقشَتِه فيها لخروجِه عن موضوعِ بحثِنا، وانفكاك الجهة بين هذه النصوص وما بناه عبدُ الحسين عليه من اتهامٍ للصحابة الكرام بوضع هذا الحديث وغيره على النبيِّ صلى الله عليه وسلم!! ثمّ علَّق بعد ذلك قائلًا: وهذا القدر كاف لإثبات ما
قلناه من أنهم إنما اختلقوا هذا الحديثَ وأمثالَه تداركًا لتلك اللّعنات، ومما يوجب الأسف أن العامة آثرت أولئك اللعناء المنافقين على نبيها صلى الله عليه وسلم من حيث لا تَشعر، إذ صحَّحوا هذه الخُرافةَ صونًا للملعونين، ولم يَأبَهوا بما يلزمُ ذلك من اللّوازم التي لا تَليقُ برسول الله صلى الله عليه وسلم(562)
قلت: لا عَلاقة بين ما قدّم به عبدُ الحسين، وما انتهى إليه من نتيجةٍ، إذ لو ثبت أنّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ العاصَ وذرّيته، لما كان هناك أيُّ ارتباطٍ بين هذا اللعنِ وهذا الحديث، وكلُّ ما بناه على ذلك عبدُ الحسين فإنّما هو مَحضُ خيالٍ لا أكثرَ، ولن يَستطيعَ أحدٌ من أصحابِ هذه المزاعم أن يربِط بين الموضوعين بحالٍ من الأحوالِ، وليس هنالك نصٌّ واحدٌ صحيحٌ صريحٌ في أن هذا الحديث إنما وضعه الصحابةُ الكرام رضي الله عنهم إرضاءً لمعاوية رضي الله عنه، وكلُّ ما فيه: أن رواسب الكراهية في نفس عبدِ الحُسين ومن سار في طريقه؛ دَفعتْهُ إلى محاولةِ التلبيس بمثل هذا الرّبطِ الهُلاميِ الذي لا أساس له من الصّحة، وما كان عبدُ الحسين وأمثالُه لَيَحْجُبوا عن الموافقين لهم والمفارقين حديثًا صَريحًا صحيحًا يَخْدُمُ فِكرَتهم هذه لو وَجدوه، وما سلكوا طريقةَ المراوغةَ الطويلةَ الواهيةَ هذه إلا لفُقدانهم مثلَ هذا النصّ، الذي يودّ البعضُ منهم لو أنّ له ما في الأرضِ جميعًا ومثلَه معه ليُنْفِقَه في سبيلِ الوصول إليه، ولو وقفوا على شيءٍ من هذا لصاحوا به في كلِّ سهلٍ ووادٍ وجبل، ولأصبح منهاجًا يُتْلى إلى أن
يَرِث الله عز وجل الأرض ومن عليها.
وإطلاقُ الدعاوى المُنْفَلِتةِ من كلِّ ضابطٍ ورابطٍ لا يقعُ ممّن يَعلمُ بأنه مسؤولٌ عن كلِّ ما يَتَفَوّه به، أو يخطّه بيمينه، مُستحضرًا على الدّوام قولَه تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق: 18]، وإنّما يَقعُ ويَكْثُرُ من الذين نبذوا كتاب الله {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)} [آل عمران: 187]، وسيقفُ كلُّ واحدٍ من المحسنين والمسيئين بين يدي ربّه، يكلّمه سبحانه ليس بينه وبينه تَرْجُمان(563) ، في يومٍ {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)} [آل عمران: 30].
نسأل الله تمامَ العفوِ وكمالَ المغفرةِ.
وقد نظرتُ في باقي شُبهِ القوم، فما رأيتُها تخرجُ عمّا سبق معنا في سياق الشُّبه التي ذكرناها، إلا في زيادة الحشوِ، واستخدامِ الأسلوبِ الخطابي القائمِ على استجداءِ عواطِفِ الأتباع، وما مضى مِن الرَّدِّ على شُبهِ القومِ المتعلّقة بهذا الحديث فيه غُنيةٌ وكفايةٌ بفضلِ الله تعالى في دحضِ كلِّ ما سَوّدَتْهُ أقلامُ المعاصِرين من شُبهاتٍ واهياتٍ، قائمةٍ في أحسنِ أحوالِها على جَهلِ الخائضين فيها، وسوءِ فَهمِهم، وغَلطِ طريقِتهم في التعامل مع مواردِ الشريعة ومصادِرها وقواعِدها وضوابِطها.
الحديث في كتب الإمامية:
إلّا أني قبل أن أنتقل إلى المبحث التالي المتعلِّق بذكر تبويبات المحدّثين على هذا الحديث الشريف، أُذَكِّر القارئ الكريم بما أشرتُ إليه في بداية ردّي على منتقدي هذا الحديث الكريم: بأن هذا الحديث - الذي أقاموا الدنيا ولم يُقْعِدوها على رواته؛ ابتداءً من الصحابة الكرام الذين رَوَوَه؛ وامتدادًا إلى العلماءِ الكِرامِ الذين أخرجوا هذا الحديثَ في مُصنّفاتِهم ودواويِنهم، وانتهاءً إلى كُلِّ مَن سَوّلتْ له نفسُهُ روايةَ هذا الحديث، وإثباتَ صحَّتِه، والعملَ على شرحِه وبيانِ متعلِّقاته -: قد أخرجَه بعضُ علمائهم في كتُبِهم المتداولةِ بينهم، ولم نُحسُّ لعبدِ الحُسين المُشَنِّعِ على أئِمَةِ الإسلام أثرًا، ولم نسمعْ له رِكزًا، وإنما أغمضَ عينيه عمّا في كتبِ علمائِه، كأنّ شيئًا لم يكن، وهذه الروايةُ قد أخرجها أحمدُ بنُ محمد بن عيسى القُمّي في كتابه النوادِرِ قائلًا: وعن العلاء، عن أبي جعفرٍ عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللّهم إنّما أنا بشرٌ أغضبُ وأرضى، فأيُّما مؤمنٍ حَرَمْتُهُ وأقصيْتُه ودعوتُ عليه فاجعله كفارةً وطهورًا، وأيما كان (قويته)، أو حبوته، أو أعطيته، أو دعوت له ولا يكون لها أهلا، فاجعل ذلك عليه عذابا ووبالًا(564) .
ونقله عنه المجلسيُّ في بحار الأنوار(565) .
وأما صاحبُ النوادر فلم يُتبعه بتعليقٍ، وإنما اكتفى بإخراجِه، وكذا
صنع المجلسيُّ في الموضع المشار إليه آنفًا، إلا أنه كان قد عَرضَ لهذه المسألةِ في موطنٍ سابقٍ مِن كتابه البحار، وذلك في سياق ذِكْرِه ما يجوز وما لا يجوز في حقّه صلى الله عليه وسلم، فقال: الحادي عشر: قيل: إنه كان يجوز له لعن من شاء من غير سببٍ يقتضيه، لأنّ لعنَه رحمةٌ، واستبعده الجماعة، وروى أبو هريرة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: اللهم إني أتخذُ عندك عهدًا لن تخلفه، إنما أنا بشرٌ فأيُّ المؤمنين آذيته بتهمة ولعنة فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقربةً يتقرّب بها إليك يوم القيامة. وهو عندنا باطلٌ، لأنه معصومٌ لا يجوز منه لعن الغير وسبّه بغير سبب، والحديث لو سُلّم فله سبب(566)
قلت: ومع صريح إنكارِ المجلسيِّ لما جاء في الخبرِ، إلا أنه لا بُدّ من إبداءِ بعضِ الملاحظاتِ المهمّة، وهي كالتالي:
أن هذا القول وإن كان مهجورًا مِن قِبل الجماعة، إلا أنّه وُجد مَن قالَه مِن الإمامية، وتصديرُ المجلسيَّ ذِكرَ هذا القولِ بصيغةِ (قيل) لا يُغيّر مِن هذهِ الحَقيقةِ شيئًا، وكان ينبغي للمجلسيِّ أن يُسَمِّ قائلَه ويُنكِرَ قولَه إن كان يعلمُه، أو يُصَرِّحَ بجهالةِ عينِه أو حالِه، حتى يَتِمَّ له مُرادُه، ويَنفي ثبوتَ هذا القولِ عن أَحدٍ مِن عُلماءِ الإِماميةِ جُملةً وتفصيلًا. أنّ ما خَتمَ به المجلسيُّ كلامَهُ مِن احتمالِ وُرودِه على سببٍ إن صحّت نسبةُ هذا الحديث للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: يُظهِرُ بأن نسبة هذا الفعل لا يدخُل
في المستحيلات الممتنعِ وقوعُها منه صلى الله عليه وسلم، ولو كانت كذلك لما أبقى المجلسيُّ البابَ مفتوحًا لمثلِ هذا الاحتمالِ، وما احتمَلَهُ المجلسيِّ من ورودِه على سببٍ سبق ذكرُ أمثالِه في بيان كيفيةِ التّعامل مع هذا الحديثِ الشّريف الصّحيح. أن كلّ ما سَبقَ لم يتطرّق له عبدُ الحسين في سِياق إنكارِه لحديث الباب، فلا هو ذَكَرَ إخراجَ أحدٍ من علمائه لهذا الحديث، ولا هو تَطرَّق لذِكرِ ما قالَه المجلسيُّ حولَ هذا الحديثِ، ولا هو قام بتوجيهِ ما جاء في خِتام كَلامِ المَجلسيِّ مِن احتمالِ ورودِه على سببٍ، بل أعرضَ عن ذلك كُلِّه، وأَشْغَلَ قَلمَه في تَسطيرِ سَيلٍ من السُّبابِ والشتائمِ والاتهاماتِ والشُّبهاتِ التي لا صَلَةَ لها بِالحَقِّ من قريبٍ ولا بعيدٍ.
ويَصْعُبُ على الناظِرِ حقيقةً أن يَجزِمَ: هل كان عبدُ الحسين مُطَّلِعًا على ما في كُتُبِ عُلَمائِهِ؟ عالِمًا بما فيها مِمَّا يُوافقُ حديثَ الباب؟ ثم أخفى كُلَّ ذلك انسياقًا وراءَ شَهْوَته في الحَطِّ على أئِمةِ الإسلامِ مِن الصّحابة الكِرام فَمَنْ دونَهم؟
أم كان عبدُ الحسين جاهلًا غيرَ مُطَّلِعٍ على ما في كُتُبِ عُلَمائِهِ، مِمَّا دَفَعَهُ إلى تَشديدِ النَّكيرِ على مَن سَبقتْ الإشارةُ إِليهم مِن الأفاضِلِ، ناسبًا إليهم كلَّ شائنٍ وقبيح؟
وعلى أيِّ مِن الوَجْهينِ جاء الجوابُ: فإنه سيكونُ مُحْرِجًا حقًّا في حقِّ عبدِ الحسين وأتباعِهِ، ومُظهرًا جانبًا مَخْفيًا كم حَرِص أهلُ الأهواءِ
على إخفائه!
نسأل الله العظيم أن يوّفقنا وسائرَ عبادِه المسلمين إلى ما يُحبُّ ويرضى، والحمد لله ربِّ العالمين.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه
بوّب لهذا الحديثِ ابنُ أبي شيبةَ قائلًا: ما ذُكِرَ عن النِّبيِ صلى الله عليه وسلم أنَّه دعا لِمَنْ شَتَمَه أوْ ظَلَمَه(567) .
وبوّب الدارميُّ قائلًا: بابٌ في قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أيُّما رجلٍ لَعَنْتُه أوْ سبَبْتُه(568) .
وبوّب البخاري لهذا الحديث في صحيحه قائلًا: بابُ قولِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آذيْتُه فاجعَلْه له زكاةً ورحمةً»(569) .
وأخرجَهُ في الأدبِ المُفرَدِ وبوّب له قائلًا: بابُ الخروجِ إلى المَبْقَلَةِ، وحملِ الشّيءِ على عاتِقِه إلى أهْلِهِ بالزَّبيل(570) .
وأمّا شرّاح صحيح مسلم فبوّبوا له بقولِهِم: بابُ مَن لعنهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم،
أو سبَّهُ، أو دعا عليهِ، وليس هو أهلًا لذلك؛ كان له زكاةً وأجرًا ورحمةً(571)
وبوّب أبو داود قائلًا: بابٌ في النّهي عَن سَبِّ أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم(572) .
وبوّب الطحاويُّ لهذا الحديث قائلًا: بابُ بيانِ مُشْكلِ ما رُويَ عِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِن قَولِهِ: أيُّ المسلمينَ جَلَدْتُه، أوْ لَعَنْتُه، أوْ سَبَبْتُه، فاجعلْ ذلك له زكاةً وقُربةً(573) .
وبوّب الخَرائطيُّ بقولِهِ: بابُ العَفوِ والصَّفحِ، وما في ذلك مِنَ الفَضْلِ(574) .
وأما ابنُ حِبّان فقد قال فِي صحيحِهِ: ذِكرُ سؤالِ المُصطفى صلى الله عليه وسلم أنْ يجعلَ سُبابَه لأُمّتِهِ قُرْبةً لهم يومَ القِيامَةِ(575) .
ثم بوّب بِقَولِهِ: ذِكرُ البَيانِ بأنْ ما وراءَ السُّبابِ مِن المُصطفى صلى الله عليه وسلم لأُمّتِهِ إنما سَألَ الله أنْ يَجعلَ ذلك كُلَّه قُربةً لهم وصدقةً عليهِم في يومِ القِيامةِ(576) .
وبوّب البيهقيُّ بقولِهِ: بابُ ما يُستدلُ بِه على أنّه جَعَلَ سَبَّه للمُسلمينَ رَحْمَةً، وفِي ذلكِ كالدّليلِ على أنّه لهُ مُباحٌ(577) .
الفوائد:
في هذا الحديث الشريف الكريم من الفوائد ما يلي:
شَفَقَةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أُمَّتِهِ، واعتناؤُه بمصالحِهِم، والاحتياطُ لَهُم، والرَّغْبَةُ في كلِّ ما يَنْفَعُهُم(578) عظيمُ خُلُق النَّبيّ صلى الله عليه وسلم الكريمِ، وكَرَمُهُ العَميمُ، حيث قَصَدَ مقابلةَ ما وَقعَ مِنْه بالخَيرِ والكَرامةِ(579) بَشريةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنه يَعرِضُ له ما يَعرِضُ لسائرِ البشرِ مِن الغضبِ والرِّضا. روايةُ بعضِ العربِ بعضَ
ألفاظِ الأحاديثِ على حَسبِ لَهْجاتهم، ما دام المعنى مَفهومًا(580) اهتمامُ رواةِ الحديثِ ببيانِ ما أَشكلَ مِن أَلفاظِه(581) إلحاحُ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالدُّعاءِ(582) الأخذُ بِظواهرِ النُّصوص، ما لَم يَظهرْ خلافُ ذلك(583) صِدقُ عائِشةَ رضي الله عنها في إِخْبارِها عن سبب انفلاتِ الأسير الذي كان تحت نَظرِها، حتى لو كان هذا جالبًا لوقوعِ اللّومِ عليها. يَقينُ الصّحابةِ رضي الله عنهم بِسُرعةِ وُقوعِ ما دعا به النّبيُّ صلى الله عليه وسلم. اشتهارُ معنى حديثِ البابِ في أوساط الصحابة رضي الله عنهم(584)
الحديث السادس: عُروضُ الشيطان لِرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته
المطلب الأول: ذكر الحديث. المطلب الثاني: تخريج الحديث. المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرحٍ مختصر له. المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
المطلب الأول: ذكر الحديث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي»، قَالَ رَوْحٌ: «فَرَدَّهُ خَاسِئًا».
المطلب الثاني: تخريج الحديث
رُوي الحديث عن كلٍّ من: أبي هريرة، وجابر بن سمرة، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن مسعود، وأبي الدرداء رضي الله عنهم.
أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، فقد روي عنه من طرق ثلاث:
* الأولى: وهي رواية محمد بن زياد عنه:
رواها عنه كلٌّ من: أحمد (7969) وإسحاق بن راهويه (89) وأبو عوانة (1731) والبخاري (3423) والنسائي في الكبرى (11376) والبيهقي في الكبرى (3184) والدلائل (7/97) من طرق عن محمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد به.
وتابع شعبةَ كلٌّ من: شبابة والنضر بن شميل وروح بن عبادة:
أما شبابة فروايته عند كلٍّ من: البخاري (1210) (3284) وأبي عوانة (1729) والدارقطني (1376) وأبي نعيم في الدلائل (265).
وأما النضر بن شميل فقد أخرجها عنه إسحاق في مسنده (88)
وعنه مسلم في صحيحه (541) قارناً لإسحاق بن راهويه بإسحاق بن منصور.
وأما روح بن عبادة فقد رواه عنه كلٌّ من إسحاق بن راهويه (89) والبخاري في صحيحه (461) (4808)، مقرونًا مع جعفر.
ولَفظُ هذه الطريقِ قولُه صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا». كذا أخرجه البخاري.
* الثانية: مِن روايةِ أبي سلمةَ عن أَبي هريرة رضي الله عنه :
رواه عنه كلٌّ من: النسائيّ في الكبرى (556) وأبي يعلى (6122) وابن حبان (2349) (6418) والبيهقيّ في الكبرى (3427) والمعرفة (3/139) من طُرقٍ عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اعْتَرَضَ لِي الشَّيْطَانُ فِي مُصَلَّايَ فَأَخَذْتُ بِحَلْقِهِ فَخَنَقْتُهُ، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى كَفَّيَّ، وَلَوْلَا مَا كَانَ مِنْ دَعْوَةِ أَخِي سُلَيْمَانَ، لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
* الثالثة: مِن روايةِ سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه :
رواها عنه: النسائيُّ في الكبرى (555) والطبرانيُّ في الشاميين (1719)
وأبو نعيم في الدلائل (1/167) من طريق بقية عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ أُصَلِّي اعْتَرَضَ لِي الشَّيْطَانُ، فَأَخَذْتُ بِحَلْقِهِ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى إِنِّي لَأَجِدُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى إِبْهَامِي، فَرَحِمَ اللهُ سُلَيْمَانَ لَوْلَا دَعَوَتُهُ أَصْبَحَ مَرْبُوطًا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
حديثُ جابرِ بنِ سمرة رضي الله عنه :
* روي عنه مِن طريقِ زهيرِ بنِ معاويةَ عن سماكِ بنِ حربٍ:
أخرجه من هذه الطريق: أحمدُ في مسنده (21006) عن حسن بن موسى، وأخرجه الطبراني في الكبير (1939) من طريق عمرو بن خالد: كلاهما عن زهير به.
وتوبع زهيرُ بنُ معاوية؛ تابعه إسرائيل بن يونس، وروايته عند عبد الرزاق في مصنّفه (2338) وعنه أحمد (21000) قارناً له بخلف بن الوليد، وكذا رواه البزار (4270) من طريق عبيد الله بن موسى، والبيهقي في الدلائل من طريق مالك بن إسماعيل، كلهم عن إسرائيل به.
وتابع زهيرَ بنَ معاويةَ كذلك: مفضّلُ بنُ صالح، وروايتُه عند الدارقطني (1375) وعنه البيهقي في الكبرى (2/631) به.
ورواه من هذه الطريق: الطبراني في الكبير (2053).
ومِمّن رواه عن سماكِ بنِ حربٍ، متابعًا بذلك زهيرَ بنَ معاويةَ:
عمرُو بنُ أبي قيس، وروايتُه عند ابنِ أبي عاصم في الآحاد والمثاني (626) والطبراني في الكبير (2084).
ولفظُ حديثِ جابرِ بنِ سمرةَ رضي الله عنه: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَجَعَلَ يَهْوِي بِيَدَيْهِ قُدَّامَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ حِينَ انْصَرَفَ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يُلْقِي عَلَيَّ شَرَارَ النَّارِ لِيَفْتِنَنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَلَوْ أَخَذْتُهُ مَا انْفَلَتَ مِنِّي حَتَّى يُرْبَطَ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
ومع كون الذين رووه عن سماكِ بنِ حربٍ أربعةً: وهم: زهيرُ بنُ معاوية، وإسرائيلُ بنُ يونُس، ومُفَضّلُ بنُ صالحٍ وعمرُو بنُ أبي قيس، إلا أن البزّارَ لمّا أخرج الحديثَ من طريقِ إسرائيلَ بنِ يونس، قال: وهذا الحديثُ لا نعلمُ أحدًا يرويه عن سِماكٍ إلا إسرائيل.
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما :
أخرجه الطبرانيُّ في الأوسطِ (5491) عن محمدِ بنِ عثمانَ بنِ أبي شيبة عن يحيى بنِ معين عن إسماعيلَ بنِ مجالدٍ عن أبيه عن الشعبيِّ عن جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: دَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَإِذَا شَيْطَانٌ خَلْفَ الْبَابِ، فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدَيَّ، فَلَوْلَا دَعْوَةُ الْعَبْدِ الصَّالِحِ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا يَرَاهُ النَّاسُ.
ثم قال الطبرانيُّ: لم يروِ هذا الحديثَ عن مجالدٍ إلا ابنُه إسماعيلُ،
ولا رواه عن الشعبيِّ إلا مجالدٌ.
حديثُ أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنه :
روي عنه من طريقين: الأولى مِن طريق عطاء بن يزيد الليثي، ورواه عنه أحمدُ في مسنده (11780) حدّثنا أبو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مَسَرَّةُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ، حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، مُعْتَمًّا بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، مُرْخٍ طَرَفَهَا مِنْ خَلْفِهِ، مُصْفَرَّ اللِّحْيَةِ، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَدَّنِي: ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَهُوَ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ، فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ، فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي، فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ إِصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ - الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا - وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ، لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ.
والثانية من رواية أبي هارون العبدي، رواها عنه كلٌّ من: عبد بن حميد (946 المنتخب) عن عليِّ بن عاصم، وقِوامِ السنة في دلائل النبوة (242) من طريق عبد العزيز بنِ مسلم، كلاهما: عن أبي هارون العبديِّ عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خَرَجْتُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَقِيَنِي الشَّيْطَانُ فِي
السُّدَّةِ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَزَحَمَنِي، حَتَّى إِنِّي لَأَجِدُ مِنْ شَعْرِهِ، فَاسْتَمْسَكْتُ مِنْهُ فَخَنَقْتُهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَجِدُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدِي فَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَقْتُولًا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
حديث عائشة رضي الله عنها :
رواه عنها إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم (1453) (1785) ومن طريق إسحاق: النسائي في الكبرى (11375) والسراج (788) والطبراني في الأوسط (8219)، ورواه بحشل (148) وابن حبان (2350) من طريق محمد بن أبان: كلاهما عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله الأعمى عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَخَنَقَهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لِسَانَهُ عَلَى يَدِي وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ عليه السلام لَأَصْبَحَ مُوثَقًا حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ.
حديث ابن عباس رضي الله عنهما :
أخرجه الخطيب في تاريخه (4/466) من طريق المعافى بن
زكريا، قال: حدثنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوسنجي، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُنَا إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا مِمَّا يَلِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ شَيْءٌ عَظِيمٌ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْفِيَلَةِ.
قَالَ: فَتَفَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: لُعِنْتَ أَوْ قَالَ: خُزِيتَ. شَكَّ إِسْحَاقُ.
قَالَ: فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَوَمَا تَعْرِفُهُ يَا عَلِيُّ؟ «قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: هَذَا إِبْلِيسُ. فَوَثَبَ إِلَيْهِ فَقَبَضَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَجَذَبَهُ فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقْتُلُهُ؟ قَالَ: «أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ قَدْ أُجِّلَ إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ؟» قَالَ: فَتَرَكَهُ مِنْ يَدِهِ، فَوَقَفَ نَاحِيَةً ثُمَّ قَالَ: مَا لِي وَلَكَ يَابْنَ أَبِي طَالِبٍ! وَاللهِ مَا أَبْغَضَكَ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ شَارَكْتُ أَبَاهُ فِيهِ، اقْرَأْ مَا قَالَهُ اللهُ تَعَالَى: {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَقَدْ عَرَضَ لِي فِي الصَّلاةِ فَأَخَذْتُ بِحَلْقِهِ فَخَنَقْتُهُ فَإِنِّي لأَجِدُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّي، وَلَوْلا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لأَرَيْتُكُمُوهُ مَرْبُوطًا بِالسَّارِيَةِ تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
ثم قال الخطيب: إسنادُ هذا الحديث حسنٌ، ورجالُه كلُّهم ثقاتٌ إلا ابنُ أبي الأزهر، والقصة الأولى منكرةٌ جدًا مِن هذا الطريق، وإنّما نحفَظُها بإسنادٍ آخرَ واهٍ.
قلت: وآفة هذا الخبر هو: محمد بن مزيد بن أبي الأزهر هذا، الذي ترجمه الخطيبُ البغداديُّ في تاريخه، وقال فيه: وكان غير ثقة يضع الأحاديث على الثقات.
ثم ذكر من كذباته ما جاء في روايته للحديث الصحيح المشهور في قوله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى
إِلا أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي وَلَوْ كَانَ لَكُنْتَهُ».
ثم قال الخطيب: قوله: «وَلَوْ كَانَ لَكُنْتَهُ»، زيادةٌ لا نعلم رواها إلا ابنُ أبي الأزهر(585) .
وأما قول الخطيب عن الرواية الأولى: إنما نحفظها بإسناد آخر واه، فقد ساقها بعد كلامه السابق هذا، قائلًا: أَخْبَرَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّخَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْغُدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الصَّفَا وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى شَخْصٍ فِي صُورَةِ الْفِيلِ وَهُوَ يَلْعَنُهُ، فَقُلْتُ: وَمَنْ هَذَا الَّذِي تَلْعَنُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هَذَا الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ».
فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا عَدُوَّ اللهِ لأَقْتُلَنَّكَ، وَلأُرِيحَنَّ الأُمَّةَ مِنْكَ، قَالَ: مَا هَذَا جَزَائِي مِنْكَ، قُلْتُ: وَمَا جَزَاؤُكَ مِنِّي يَا عَدُوَّ اللهِ؟ قَالَ: «وَاللهِ مَا أَبْغَضَكَ أَحَدٌ قَطُّ إِلا شَارَكْتُ أَبَاهُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ».
ثم قال الخطيب: وهكذا رواه القاضي أبو الحسين بنُ الأُشناني، عن إسحاق بن محمّد النّخعيّ وهو إسحاقُ الأحمر، وكان من الغُلاة،
وإليه تُنسبُ الطائفةُ المعروفةُ بالإسحاقِيّةِ، وهي ممّن تعتقد في عليٍّ الإلهيةَ، وأحسبُ القصةَ المذكورة في الحديثِ الأولّ سُرِقتْ مِن هنا ورُكّبتْ على ذلك الإسنادِ، والله أعلم(586)
قلت: وسيأتي معنا بيانُ إخراجِ الإمامية لهذه الرواية الباطلةِ في كتبهم.
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
رواه عنه أحمد (3926) وابن أبي شيبة (410) والشاشي (2/338) في مسانيدهم والبيهقي في الكبرى (2/310) والدلائل (7/99) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَرَّ عَلَيَّ الشَّيْطَانُ، فَأَخَذْتُهُ، فَخَنَقْتُهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَجِدُ بَرْدَ لِسَانِهِ فِي يَدَيَّ، فَقَالَ: أَوْجَعْتَنِي، أَوْجَعْتَنِي.
حديثُ عُتْبةَ بن مسعود رضي الله عنه :
أخرجه الحاكم (3/289) من طريق أبي زُرْعةَ الرّازيِّ ثنا محمّدُ بنُ سعيدِ بنِ سابق، ثنا عمرُو بنُ أبي قيس، عن سِماكٍ، عن عبدِ الله بنِ عتبةَ بن مسعود، عن أبيهِ رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ قُدَّامَهُ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ فَقَالَ: جَاءَ الشَّيْطَانُ فَانْتَهَرْتُهُ، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَرَبَطْتُهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى
يَطُوفَ بِهِ وُلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
حديث أبي الدرداء رضي الله عنه :
رواه كلٌ من: مُسلمٍ (543) والنّسائيِّ في الكُبرى (554) (1139) وأبي عَوانةَ (1732) والطحاويِّ في المُشكِل (3992) (5925) والبيهقيِّ في الكبرى (2/373) والدلائل (7/98) وابنِ خزيمةَ (891) وابنِ حبّانَ (1979) وأبي نُعيم في مُستَخْرَجِهِ (1192) والدّلائلِ (266) مِن طُرُقٍ عن عبدِ الله بنِ وهبٍ عن معاويةَ بنِ صالحٍ عن ربيعةَ بنِ يزيد عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ عن أبي الدّرداء قال: قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ. ثُمَّ قَالَ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ. ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ، جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وتابع أبو صالح عبدُ الله بنُ صالحٍ: عبدَ الله بنَ وهبٍ، حيث رواهُ كلٌّ مِن البزّارِ (4135) والطحاويِّ في المُشْكِل (3992) والطبرانيِّ في الشامّيين (1925) مِن طرقٍ عنْهُ عن معاويةَ بنِ صالحٍ به.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له
عفريت: العفريت: النَّافذ في الأمر المبالغ فيه مع خُبْث ودهاء، يقال: رجل عِفْر، وعفريت، وعِفْرية، وعُفَارية، بِمَعْنى وَاحِد(587) ، وهو من كل جنٍّ وإنسٍّ أو شيطان الفائق المبالغ الرئيس، يقال عفرية نفرية(588) . وفى الحديثِ: «إنّ الله تعالى يُبْغِضُ العِفريةَ النّفريةَ، الذى لا يَرْزأُ في أهلٍ ولا مالٍ»، وقرأ بعضُ القراء: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ}(589) .
البارحة: قال صاحب «المُنتهى»(590) كل زائلٍ بارحٍ، ومنْهُ سُمِّيتْ
فَخَسأَ، أي: زجرتُه مستهينًا بِه فانْزَجَر، وذلك إذا قلتُ له: اخسَأْ، قال تعالى في صِفة الكفّار: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108]، وقال تعالى: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة/ 65]، وِمنه: خَسَأَ البَصَرُ، أي انقبض عن مهانةٍ، قال: خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك/ 4](594)
الشيطان: الشين والطاء والنون أصلٌ مطّرِدٌ صحيحٌ يدلُّ على البُعدِ، وأمّا الشيطانُ فقال قومٌ: هو مِن هذا البابِ، والنّون فيه أصليةٌ، فسُمِّي بذلك لبُعدِهِ عن الحقِّ وتمرُّدِه، وذلك أنّ كلَّ عاتٍ متمرّدٍ من الجنِّ والإِنس والدّواب شيطانٌ، فيكونُ الشّيطانُ على هذا القول بوزن فَيْعال، ويقالُ: إن النّون فيه زائدةٌ، على فَعلان، وأنه مِن شاطَ(595) .
وقال الفيُّومي: وفي الشيطانِ قولان، أحدُهما: أنه مِن شَطَنَ إذا بعُدَ عن الحَقّ، أو عن رحمةِ الله، فتكونُ النّونُ أصليةً، ووزنُه فَيعال، وكلُّ عاتٍ متمرِّدٍ مِن الجنّ والإنْسِ والدوّاب فهو شيطانٌ، ووصف أعرابيٌّ فرسَه فقال: كأنّه شيطانٌ في أَشطانٍ، والقولُ الثاني: أنّ الياءَ أصليةٌ والنّونُ زائدةٌ، عكسَ الأوّل، وهو مِن شاطَ يشيطُ إذا بَطَل، أو احترق، فوزنه فعلان(596) .
السُّدة: جاء في تهذيب اللغة: قال أبو سعيد: السُّدَّةُ في كلامِ العربِ:
الفَناءُ، يقالُ لبيتِ الشَّعر وما أَشْبَهه، قال: والذين تَكلَّموا بالسُّدَّةِ لم يكونوا أصحابَ أبنيةٍ ولا مدَرٍ، ومَنْ جَعلَ السُّدة كالصُّفةِ أو السَّقيفةِ فإنّما فَسَّرَهُ على مذهبِ أهلِ الحَضَر، قال: وإنّما سُمِّيَ إسماعيلُ السُّديَّ لأنه كان تاجرًا يبيعُ في سُّدَّة المسجدِ الخُمُرَ، ثم نقل الأزهريُّ قولَ أبي عبيد: وبعضُهُم يَجْعَلُ السُّدَّةَ البَابَ نَفْسَه(597)
شرحٌ مختصرٌ للحديث:
يُخبرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن عُروضِ الشيطانِ لَهُ في إحدى صلواتِه، مُحاولًا إيذاءَه بتسليطِ شِهابٍ مِن نارٍ على وَجْهِهِ الكريمِ صلى الله عليه وسلم، وكيفَ أنّ اللهَ عز وجل أعانَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم على صَرْفِهِ عنْه، وذلك عَن طريقِ خَنْقِهِ بشدَّةٍ، ممَا دفعَ الشيطانَ لِدلعِ لسانِه ليجدَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم بَردَ لسانِ الخبيثِ على يدِه الشريفةِ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد هَمَّ أن يَرْبِطَ هذا العفريتَ بساريةٍ مِن سواري المَسجدِ ليُشاهدَه أهلُ المدينةِ ويلعبَ به الصبيانُ، إلا أنّه أحجَمَ عن ذلك لكونِه تذكَّر طلبَ أخيه سُليمانَ عليه السلام مِن ربِّه سبحانه وتعالى أن يَخصَّه بمُلكٍ دون سائِرِ خَلْقِه، وكان مِن ضِمن مُلكِهِ تسليطُ الله عز وجل لَه على الجنِّ والشياطينِ، وتسخيرُهم لخِدمَتِه، ممّا دعا النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى تركَ ما هَمَّ بِه، والحمدُ للهِ ربّ العالمين.
المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها
اعترض جعفرُ السُّبحانيُّ على هذا الحديثِ باعتراضاتٍ عدّةٍ، فادّعى:
* وجودَ التناقضِ بين رواياتِه المنقولةِ عن عددٍ من الصّحابة.
* أنّ هذا الحديثَ ينافي ما قرَّرَهُ الله سبحانه في كتابه العزيز مِن أنّ الشيطانّ لا يتسلَّطُ على الصالحينَ مِن عبادِهِ سبحانه وتعالى.
* أنّ في هذا الحديثِ جوازَ رؤيةِ البشرِ للشيطانِ، وهو ما نفاه أيضاً كتابُ اللهِ عز وجل.
* أنّ تركَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لما هَمَّ به مِن ربطِ الشيطانِ بالسّاريةِ واحتجاجَه على ذلك بما أعطاهُ الله عز وجل لسُليمانَ عليه السلام مِن مُلْكٍ استدلالٌ لا يَصِحّ، لكون الآية لا تُفيدُ عدمَ قدرةِ غيرِ سليمانَ عليه السلام على ذلك.
هذا ملخّصُ اعتراضاته، وإليكموها بالتّفصيلِ، مع مناقَشَتِها وبيانِ وجهِ الحقِّ في كلّ ذلك:
أما الشُّبهة الأولى، فقد ذكرها تحت عُنوان: محاولةُ عفريت من الجن قطع صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم» ثم قال(598)
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إنّ عفريتاً من الجنّ جعل يفتك عليَّ البارحة ليقطع عليَّ الصلاة، وانّ اللّه أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جانب سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم، ثمّ ذكرت قول أخي سليمان: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: 35]، فردّه اللّه خاسئًا.
وفي الحديث تساؤلات:
أوّلاً: انّ المنقول عن أبي هريرة يختلف مضمونُه مع ما نقل عن أبي سعيد الخدري، حيث نقل عنه الإمام أحمد: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قام فصلّى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين: الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً بسارية، من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل.
كما إنّ مضمونه يختلف عمّا رواه نفسُ مسلم، عن أبي الدرداء،
في ذلك المقام، قال: قام رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فسمعناه يقول: أعوذ باللّه منك، ثمّ قال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثاً، وبسط يده كأنّه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال: إنّ عدو اللّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ باللّه منك ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثمّ أردت أخذه، واللّه لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة
ثم قال السبحاني: « والظاهرُ وحدة الواقعة، والاختلاف في المضمون بيِّنٌ غنيٌّ عن البيان، كلُّ ذلك يسلب الاعتماد على هذه النقول مع وحدة الواقعة » . اهـ
قلت: لم يُبيّنْ لنا السُّبحاني أوجهَ الاختلاف في المضمون، أو لِنَقُلْ: لَمْ يُبَيِّنْ لنا أوجهَ الاختلافِ المُؤَثِّرِ الدافعِ لردّ هذا الحديث وعدم اعتمادِهِ، وتَرَكَ ذلك لنظرِ النّاظرِ، بدعوى وُضوحِ الاختلافِ المُغني عَن البيانِ، لكنّ النّاظرَ في هذه الرواياتِ الثلاث لا يرى اختلافًا مُؤثّراً يؤدِّي إلى ردِّ الرواية أو التّشكيكِ في ثُبوتِها، فروايَتا أبي هريرة وأبي الدّرداءِ رضي الله عنهما تكادان تَتفِقان في المعنى، وإن وَعّرَ السُّبحانيُّ على القارئ طريقَ المقارَنَةِ بينَهما بإدراجِهِ روايةَ أبي سعيد رضي الله عنه التي أخْرَجها أحمدُ بَينهما، مع كون الأقْرب للتّسلسلِ المَنْطِقيِّ أن يَذْكُرَ الرِّوايتينِ اللّتينِ أخرجَهُما مُسلمٌ في صَحيحِه،
ثُم يُرْدِفُهُما بِذكرِ روايةِ أبي سعيد رضي الله عنه بعد ذلك، لكنّه آثَر الفصلَ بين النّظيرين وإدخالَ تلك الرّواية بينهما، ولم يتبيّن لي سببُ ذلك! والله أعلم.
ودَعونَا نُحَلِّل ألفاظَ هذه الرواياتِ الثلاث لِنَقفَ على أوجُه الاختلاف فيها، ولنرى مدى تأثيرِه على صحّةِ هذا الحديث:
أمّا روايةُ أبي هريرةَ رضي الله عنه ففيها وَصفُ مَن تَهَجَّم على النّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأَنّه عِفريتٌ مِن الجِنّ، وجاء وصفُه عند أبي الدّرداء بكونه عدوَّ الله إبليسَ، وفي رواية أبي سعيدٍ وُصف بأنه إبْليس، فإن لم يكن هذا من تَصرُّف الرواة فيكون النبيُّ صلى الله وَصفَه مرةً وسَمّاه أُخرى، أو وَصفَه في المرّتين، ولم يُردْ بهِ إبليسَ الأكبرَ الذي أَبى السّجودَ لآدم عليه السلام، والنّاظرُ في الرّوايات جميعِها يرى بأنّ الذي حاولَ الاعتداءَ على النّبي صلى الله عليه وسلم هو عفريتٌ من العفاريتِ، وليس الشيطانَ الرّجيم الذي أنْظَرَه اللهُ عز وجل إلى يوم يُبْعثون(599) فلَعَلّ هذا من تَصَرُّف الراوي، خاصةً أن روايةَ أبي الدرداء رضي الله عنه تُبَيِّنُ أنه شَهِدَ هذه الصلاةَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، حيثُ نصَّ في خَبَرِه أنه سَمِع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَستعيذُ بالله؛ ثُمّ يلعنُ شيئًا غيرَ مَرْئِيٍّ لهم، ولا معلومًا كُنْهُه، ولم يتضِحْ له الأمرُ حتى أَخَبَرَهُ
النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ بأنّه الشيطان قد عَرَضَ له في صلاتِهِ، وأما أبو هريرة رضي الله عنه فقد سَمِعَ الخبرَ مِن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في اليومِ التّالي، حيث افتتحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حديثَه بقولِهِ: إن عفريتاً من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع عليّ الصلاة... إلى آخر الحديث.
وكان أبو سعيدٍ الخُدْري رضي الله عنه مِمّن شهدَ هذه الحادثة كأبي الدرداء رضي الله عنه: وروايتُه قريبةٌ من حيث المعنى مع حديثِ أبي الدّرداء، إلا أنّ أبا الدرداء أخبرَ عن استعاذَة النبيّ صلى الله عليه وسلم ولعنِه للشّيطان، بينما أخبر أبو سعيدٍ عن التباسِ القراءةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلعلّه لم يسمعْ ما سَمِعَه أبو الدّرداء، أو لَعلَّه ذكرَ الجُزءَ المقصودَ مِن الحديثِ وهو الْتباسُ القراءةِ على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ويؤيِّد هذا أنه جاء في خِتام روايتِهِ تَحذيرُ النبيِّ صلى الله للمصلِّي من أن يُمَكِّنَ أحدًا من المُرورِ بين يَديْهِ، وأنّ هذا قد يكون سببًا في التشويش عليه، ومِن ضِمنِ هذا التشويش التباسُ القِراءةِ على المصلِّي.
نعم؛ ذكر أبو سعيد في روايتِه أن الحادِثَةَ وَقَعت في صلاةِ الصُّبح، وهو ما لم يذكره كلٌّ من أبي هريرة وأبي الدرداء رضي الله عنهما، ولا إشكالَ في ذلك، وما جاء في رواية أبي سعيد إنما هو زيادة توضيحيةٌ تبيّن زمان وقوع الحادثة، وغيرُه من الصحابة سَكتَ عن ذلك، فلا تعارضَ، وإنّما يقع التعارضُ لو اختلف الرّواة في تعيينِ الصلاة، فقال بعضُهُم: صلاةَ الفجرِ، وقال غيرُهم: غيرَ ذلك، وهذا ما لم نجدْه في رواياتِ هذا الحديث، ولو افترضنا وقوعَ ذلك، لتَمكّنا عن طريق النَّظرِ والمقارنة من
الوصولِ إلى أصحّ الألفاظ، ومن ثَمَّ الحكم على اللفظ الآخر بأنّه وهمٌ وقع من بعضِ الرواة، لا يؤثِّر في صحّة أصلِ الرواية، فضلًا عن أن يكون سببًا في ردِّها، واتخاذُ مثلِ هذه الأوهام اليسيرة إن وُجدت ذريعةً لردِّ روايةٍ بأكمَلِها من علاماتِ جَهلِ القائل بها، وبيانِ ضحالةِ عِلمِه، وسَطحِية تعامُله مَع كُتب الرّواية، إذ لو كان ذا معرفةٍ وممارسةٍ لهذه الكتبِ لعَلِم بوجودِ مِثلِ هذه الأوهامِ اليسيرة في بعض روايات الأحاديثِ المتفّق عليها، ولا قائلَ بردّها، ولا يعدو الأمرُ أن يُحكم على راويها بالوهم في هذه اللفظة أو تلك، ممّا قد يقعُ فيه أشدُّ النّاسِ حفظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما حديثُ البابِ فكما أسلفتُ: لم يقعْ بين رُواته اختلافٌ في تَحديدِ الصّلاة التي وقعتْ الحادثةُ عِندها، وإنما نَصَّ أبو سعيد على كونِها صلاةَ الفجر، وسَكَتَ غَيرُهُ مِن الصحابةِ الكِرام عن ذلك، ولم يَتطرَّقوا لتحديدِ زَمانِها، فكانَ ماذا؟
وما قد يُتوّهَمُ مِن أن بعضَ الرُّواةِ في روايتي أبي هُريرة وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما قد صَرّحَ أو لَمَّحَ بِوقوعِ الحادِثةِ في غَيرِ صلاةِ الفَجْرِ ففيه نَظَرٌ، إذ ليس فيهما أدنى إشارةٍ لهذا الوَهم، وقولُه صلى الله عليه وسلم: «حتى تُصْبِحوا» لا يعني وقوعَ تلك الحادثةِ في اللّيلة السّابقةِ، إمّا لأنّ المرادَ بالإصباحِ هنا الصيرورةُ، أي ستَصيرونَ لرُؤيَتِهِ بعدَ ربطِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ، ومنه قوله تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الكهف: 42]، أي صار يُقلِّبُ كَفَّيه، أو أن الإِصباحَ
هنا بمعنى شروقِ الشّمس ووضوحِ الرُّؤيةِ، أي بعدَ انقضاءِ صلاةِ الفجرِ، خاصّةً إذا عَلِمْنا أنّ الإِصباحَ عِندَ العَرَبِ يمتدُّ إلى ما بَعد ذلك الوقتِ بِكثيرٍ، قال في المصباح المنير: قال ابنُ الجواليقي: الصّباحُ عند العرَبِ مِن نِصفِ اللّيلِ الآخِرِ إلى الزّوالِ، ثُمّ المَساءُ إلى آخرِ نِصفِ اللّيلِ الأوّل، هكذا رُويَ عن ثَعلب، وأصْبَحْنا: دخلنا في الصّباح(600)
ثم إن الروايات الثلاث ذُكِرَ فيها مقاومةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم لذاك العِفريت، وجاء التصريح في بَعْضِها أنّه صلى الله عليه وسلم تَمَكَّنَ مِن خَنْقِهِ، ممَا أدّى إلى وجودِ بَردِ لُعابِ العِفريتِ على يدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو أصابِعِهِ، وانتهت الرواياتُ الثلاثُ بالنَّصِّ على امتناعِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِن رَبْطِه؛ وُقوفًا مِنهُ صلى الله عليه وسلم عِند إكرامِ الله عز وجل نبيّه سليمانَ عليه السلام بِبَسْطِ سُلطانِهِ ومُلْكِهِ على الجِنِّ والشياطين، وسيأتي معنا مزيدُ تفصيلٍ فيما يتعلّق بهذه الفقرةِ الأخيرةِ عِند ردِّ الشُّبهةِ الثّالثةِ مِن شُبَهِ السُّبحانيِّ.
وعلى ما مضى؛ ما هو الاختلاف المؤثِّر الذي يهوّلُ به السبحانيُّ لإسقاط الحديث النّبوي الشريف؟ وهل ورود الروايات على وجوهٍ متفاوتة من حيث الاختصارِ والبَسطِ يَفتحُ الباب على مِصراعَيه للتشكيكِ في ثبوتِها؟ وهل اختلافُ بعضِ الرواة في تعيينِ زمانِ حدوثِ الحادثةِ يكون سببًا في ردّ الرواية بأكمَلِها؟ هذا على التّسليم بوجودِ هذا النوعِ مِن الاختلافِ؟
وبناءً على ما سبق، وكنتيجةٍ للنّظر والتأمّلِ في الروايات لم يتضّح لنا شيءٌ ممّا هوّل به السبحانيُّ وهوّش مِن خلالِه لإسقاط هذا الحديث الكريم، والحمدُ لله رب العالمين.
وقد جاء في بعض الروايات التي مضى تخريجها معنا أن الشيطان عَرضَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم قَبل دخولِه في الصلاة، وهي الروايةُ التي أخرجها عبدُ بن حميد مِن حديث أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه، وجاء فيها قولُه صلى الله عليه وسلم: خرجتُ لصلاةِ الصُّبح فلَقِيَني الشّيطانُ في السّدة سُدةِ المسجد فزحمني.. إلى آخر الحديثِ.
إلّا أنها مِن طريق أبي هارون العَبدي، وهو متروكٌ، وكذّبه غيرُ واحدٍ مِن أهل العلم(601) .
ومثلُ هذه الروايةِ لو كان السبحانيُّ قد وقَف عليها، لاعتمدَ عليها غايةَ الاعتمادِ في السّعيِّ لإسقاطِ هذا الحديثِ الصحيح، ولَكِنَّ قلّةَ اطّلاعه، وبُعدَه أشدّ البُعدِ عن الحديثِ الشريفِ وعلومِهِ حالَ بَينَه وبينَ الوقوفِ عليها، ولا يخطُرنّ ببالِ أَحدٍ أنّه إنّما أعرضَ عنها لِكونِها مِن طريقِ أبي هارون العَبديِّ! لأنّ الناظر في مروياتِ أبي هارونَ العَبْديِّ، والمرويات التي في الكتب المعتمدة عند السبحانيُّ في تخريجاته واحتجاجاته، يجدُ بأن مرويات أبي هارون - على وهائِها - تُعدُّ سماءً بالنسبةِ لتلك، وكتُبُ القومِ أكبرُ شاهدٍ على ذلك.
وأما الشبهة الثانية فهي قول السبحاني: « إنّ الرواية تُعْرِبُ عن أنّ لإبليس وجنوده سلطةً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث أخذه في غفلة وخديعة، كما يشهد عليه قوله « يفتك » ، وهذا ما يكذِّبه الكتاب العزيز ويقول: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99] وحملُ السلطة على خصوص الإغواء خلاف الإطلاق » .
قلتُ: كونُ اللّفظِ يُحملُ على خِلافِ الإطلاقِ لا ضيرَ فيه، متى ما كان الحاملُ على ذلك دليلًا آخَرَ يُقَيّدُ ذلك المُطلَقَ، والسُّلطانُ المّنفيُّ هنا لا بُدّ من حَملِه على السُّلطان الكامِلِ، الذي يَتَمَكَّنُ مِن خِلالِهِ الشيطانُ مِن حَملِ عبادِ الله المؤمنين على فِعلِ كُلِّ سُوءٍ، بما في ذلك خُروجهم من دين الله، وهذا ما لا يَستطيعُه الشيطانُ بحالٍ مِن الأَحوالِ ما دام المَذكورون في الآية الكريمةِ مؤمنين بربّهم مُتَوَكّلين عليه، ولذا أتبع الله عز وجل هذه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100]، فَما نفاه في الآية الأولى في حقِّ أوليائِه، أثبَتَهُ في الآيةِ الثانيةِ في حَقِّ أولياءِ الشيطان، وهذا واضحٌ لا لَبسَ فيه لمن شَرَح الله صدره للهداية والرّشاد.
ونصوصُ الشريعة الكريمة تؤيِّدُ هذا التوجيه، وتعزّزه بكثيرٍ من الأمثلةِ الواضحةِ البَيِّنَةِ، والتي مِن أَصْرَحِها ما وقع لسادةِ أولياءِ الله عز وجل، وأشدِّهِم إيمانًا وأكثرِهم توكُّلًا عليه، وهم: أنبياؤه عليهم السلام، حيث جاءت هذه الأمِثلَةُ بِسردِ صُورٍ مِن تَسلُّطِ الشيطانِ على بَعضِهم، والعملِ على إغوائِهِ، كصنيعِهِ
مع آدم عليه السلام، حيث أغواهُ بالأكلِ من الشجرة، قائلًا: {يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120]، وكذا فيما يتعلّق بتسلُّطه على أيوب عليه السلام، الذي نادى ربّه سبحانه وتعالى قائلًا: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، وما جاء في هاتين الآيتين الكريمتين كافٍ تمامَ الكفاية في تأكيد المعنى المراد إثباته، لأننا نرى في الأولى منها تمكُّن الشيطانِ مِن إغواءِ آدم عليه السلام بالأكلِ مِن الشّجرَةِ المحرّمة، وهذا نوعُ تسلُّطٍ منه على آدمَ عليه السلام، وهو لا يخالِفُ الآية الكريمةَ التي احتمى بها السُّبحانيُّ لردّ ما جاء في حديثِ الباب، وكذا في الآية الثانية رأينا تسلّطَ الشيطان على جَسدِ أيوب عليه السلام، ماسًّا إياه بنُّصبٍ وعذابٍ، وفي تفسيرها يقول العلاّمةُ ابن الجوزي: وذلك أنّ الشيطانَ سُلِّط عليه، فأضاف ما أصابَه إليه(602) وهذا أيضًا نوعُ تسلُّطٍ منه عليه، لا ينافي ما جاء في الآية الكريمةِ المشارِ إليها آنفًا من سورة النّحل، والتي فسّرها الإمامُ سفيانُ الثوريّ رحمه الله بقوله: ليس لهُ عليهِم سلطانٌ أن يُوْقِعَهُم في ذنبٍ لا يتوبونَ مِنه(603)
وما قاله الإمام سفيانُ الثوريُّ رحمه الله يجلّي المسألة غايةَ التّجليةِ، ويُبيّنُ المَفهومَ الصّحيحَ للعِصمة عند كبارِ علماء هذه الأمّة، حيث أثبت سفيانُ في كلامِه هذا احتمالَ وقوعهم عليهم السلام في ذَنبٍ، ونفى عنهم ديمومَتهم على هذا الذَّنب، وهذه الدَّيمومةُ هي مُبتغى إبليس عليه لعائنُ الله منهم، وهي التي لم ولن يُمكَّن منها في حقِّ أكرمِ البشرِ أنبيائِه ورسُلِه
عليهم السلام، بل ومِن سائرِ عبادِ الله الصادقين في إيمانِهم به سبحانه، وتوكُّلِهِم عليه.
وقد يتساءل المرءُ عن السّبب الذي حمل السُّبحانيِّ على الاستدلالِ بهذه الآية الكريمة من سورة النّحل، والإعراض عن هاتين الآيتين المذكورتين المثبتتين للشيطان نوعَ تسلُّط على بعض أنبياء الله عليهم السلام، وما جاء في هذا المعنى في كتاب الله عز وجل، وقد يصلُ به تساؤله إلى استنتاجِ أن الدّافع له في هذا وغيرِه هو حرصُه على ردّ الحديث، وشغَفُه الشديدُ لإسقاط رُواته ومصادرِ تخريجه، وهو دافعٌ بائسٌ يُوسّع الشُّقة بين صاحِبه وبين الوصولِ إلى الحقِّ الذي أظهرَه الله عز وجل بأوضحِ الأدلّة والبيّنات.
وكان الأولى بالسبحانيِّ وكلِّ باحثٍ عن الحَقِّ والهُدى أن يَحرصَ على فَهم مرادِ الله عز وجل بآية سورة النّحل، بل وبسائرِ آيات كتابه سبحانه، وأن يَعملَ على إبرازِ ما في هذا الكتابِ العزيزِ مِن تَناسقٍ وتَناسبٍ وتَآلفٍ وتَوافقٍ وتصديقِ بَعضِه لِبعضٍ، وتَصدِيِقِهِ كذلك لما جاء في السُّنة النبوية الشريفة، وأن يَحرِصَ أشدَّ الحِرْصِ على طَرْقِ بابِ التوفيقِ بين النُّصوصِ التي خالفتْ في ظَواهرِها بَعضَ النُّصوصِ الأُخَرِ، وأن يبتعدَ أشدَّ البُعدِ عَن ضربِ نُصوصِ الشّرعِ بعضِها ببعضٍ، وأن يَحذرَ أشدَّ الحَذَرِ من العَملِ على إِسقاطِ الاحتجاجِ بها، وأن يُباينَ أشدّ المباينةِ أولئك الذين يتّبعون {مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]، ولْيعلمْ
عِلمَ اليقينَ أن هذه الطُرُقَ المعوجَّةَ وأخواتِها لا تَزيدُ صاحبَها إلا انغماسًا في أوحالِ الغوايةِ والضّلال، نسأل الله السلامة والعافية.
ولَوْ نَظَرَ السُّبحانيُّ في أَصلِ كَلِمةِ (سُلطانٍ) من حيثُ اللّغةُ لعَلِمَ أنّ المُرادَ بها التَّمُكُّنُ والقَهْرُ(604) ، وهو ما لَم يَتَمكّنَ الشّيطانُ مِن فِعلِه مع نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم في حديثِنا هذا، حيثُ حَاولَ أن يَتسلَّطَ عليه ويَقْهَرَهُ ويَتمكّنَ مِنْهُ كي يُوصِلَ الأذى إلى جَسَدِهِ بما كان يَحْمِلُهُ مِن شِهابِ النّارِ، ولكنّ اللهَ عز وجل أَمكنَ نَبِيَّهَ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ، وَرَدَّ كَيدَه في نَحْرِه، وفرّ خاسئًا حسيرًا، وصَدَقَ فيه قولُه تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99، 100]، وتوافقتْ أدِلَّةُ كِتابِ اللهِ تعالى مَعَ بَعضِها البعض؛ ومع سنّةِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم الكريمة؛ وما تفارَقَت، ولله الحمدُ في الأولى والآخرَةِ.
وأما الشبهة الثالثة فقال فيها السبحاني: « إنّ الرواية تدلّ على مشاهدة الناس للجن، ولذلك صمَّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يربِط ذلك العفريت العاتي المارد من الجن، على سارية من سواري المسجد حتى يصبح الناس وينظروا إليه، مع أنّه خلاف القرآن الكريم، حيث يقول: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، وحمله على غالب الناس خلاف الظاهر، وعلى فرض الصحّة فأهل المدينة من تلك الأغلبية الذين لا يستطيعون رؤية الجنّ » . اهـ.
قلت: أما رؤيتُهم على غيرِ صورَتِهم النّاريةِ، فقد استفاضت الأخبارُ في إثباتِ ذلك، سواءٌ كانت هذه الرُّؤيا للأنبياء عليهم السلام أو لِغيرِهِم مِن البَشرِ، وسيأتي معنا ذكرُ شيءٍ من الأخبارِ في ذلك، والآيَةُ لا تَنفِي وقوعَ هذا النوعَ من الرُّؤيةِ، وإنما غايةُ ما تُثْبِتُهُ الآيةُ الكَريمةُ أنهم يستطيعون رؤيتَنا مِن جِهة لا نَستطيعُ أن نراهم منها، وقد ذُكر في تفسير هذه الآية وجهان: أحدُهُما: من حيثُ لا تُبصرون أجسادَهم. والثاني: من حيثُ لا تَعلمونَ مَكْرَهَم وفِتْنَتَهَم(605) .
وعلى هذا الوجهِ الثاني فلا إشكالَ في الآية أصلاً، حيث لم تتعرّض للرُّؤيةِ البَصريّةِ لهم، فلم تنفِ ذلك، كما لم تُثْبِتْه، وسياقُ الآية قد يؤيِّد هذا الوجْهَ، حيث وردت الإشارةُ فيه إلى تَحذيرِ بني آدم مِن كيدِ الشّيطان ووَسْوَسَتهِ لَهُم، وليس في هذا القولِ جنوحٌ إلى التأويلِ المذموم، وإنما هو إعمالٌ للسّياقِ الواردِ فيه، وعدم إهماله.
وكذا على القول الأول نقول: لا حُجّةَ فيه على مَنعِ رؤيَتِهم على حالَتهم التي خَلَقَهم اللهُ عليها، وفي هذا يقولُ شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ رحمه الله في جوابِه على معنى هذِه الآيةِ الكريمةِ: الذي في القرآن أنهم يَرَوْنَ الإنْسَ مِن حيثُ لا يراهُم الإنْسُ، وهذا حقٌّ يقتضي أنّهم يرَوْنَ الإِنْسَ في حالٍ لا يراهُم الإنْسُ فيها، وليس فيه أنّهم لا يراهُم أحدٌ مِن الإِنْسِ بِحالٍ؛ بل قد يراهُمُ الصالحونَ وغيرُ الصالحين أيضًا؛ لكن لا يرَوْنَهُم في
كلِّ حالٍ، والشّياطينُ هُم مَردَةُ الإنْسِ والجِنّ، وجميعُ الجِنِّ ولدُ إبليسَ، والله أعلم(606)
ولمّا نَفى الزَّمَخشريُّ رؤية الإنس للجنِّ مستدلًّا بهذه الآيةِ قائلًا: وفيه دليلٌ بَيِّنٌ أنّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهرونَ للإنس، وأن إِظْهارَهم أنفسَهم ليس في استطاعَتِهم، وأنّ زَعمَ مَن يَدَّعى رؤيتَهم زورٌ ومَخْرَقَةٌ(607) .
ردّ عليه أبو حيّان بقولِهِ: ولا دليلَ في الآيَةِ على ما ذَكَرَ، لأنّه تعالى أثْبتَ أنّهم يَرَوْنَنا مِن جِهةٍ لا نَراهُم نَحنُ فيها، وهِيَ الجِهةِ التي يكونُون فيها على أَصلِ خِلْقَتِهِم مِن الأَجْسامِ اللّطيفةِ، ولو أراد نَفيَ رؤيَتِنا عَلى العُمومِ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهذه الحَيْثِيّةِ، وكان يكونُ التّركيبُ: إنّه يراكُم هو وقبيلُه وأنْتُم لا تَرَوْنَهم. وأيضًا: فَلَوْ فَرَضْنا أنّ في الآيَةِ دَلالة لكانَ مِنَ العامِ المَخصوصِ بالحديثِ النّبويِّ المُسْتَفيضِ، فيكونون مَرئِيّين فِي بعضِ الصُّور لِبعضِ النّاس في بَعضِ الأَحيان(608) .
وكذا نجدُ أن بعضَ علماءِ الإماميةِ قد أشارِ إلى ضَعفِ قولِ الزَّمخشريِّ السابقِ، حيث قال بعد نقلِهِ لَه: وفيه نَظرٌ(609) .
وصرّح القُمِّيُّ المَشهديُّ بِعدمِ امتناعِ رؤَيَتِهم قائلًا: ورُؤْيَتُهم إيَّانا مِن حيثُ لا نراهُم في الجُملَةِ، لا تقتضي امتناعَ رؤيتِهم وتمثُّلِهم لَنا(610) .
واستبعادُ تَخصيصِ المَنعِ بأناسٍ دون غيرِهِم مُستَبْعدٌ، وقد ذهبَ بعضُ العلماءِ إلى القول بجواز تخصيصِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالقدرة على رؤية الشيطان على صورته الحقيقية دون غيره من البَشرِ، مستدِلًّا على ذلك بحديث الباب، وممّن ذهب إلى هذا العلّامةُ ابنُ بطّالٍ رحمه الله حيث قال في شرحه لهذا الحديث: ورؤيُتُه عليه السلام للعِفريتِ هو ما خُصَّ به، كَما خُصَّ برؤيةِ المَلائِكةِ، فقد أَخْبَرَ أن جِبريلَ له سِتمائة جَناح، وأخبرنا الله بذلك بِقولِه: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]، وبقوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13]، وقد رآهم يومَ انصرافِهم عن الخَندَقِ، ورأى الشّيطانَ في هذه الليلةِ وأُقْدِرَ عليه لتَجَسُّمِه؛ لأنّ الأجسام مُمِكنٌ القُدْرة عَليها، ولكنه أُلقي في رُوعِه ما وُهبِ
سُليمانُ، فلم يُنفِّذْ ما قَوِي عِليْهِ مِن حَبْسِهِ رَغْبَةً عمّا أراد سُليمانُ الانفرادَ بِه، وحِرصًا على إجابةِ الله دَعْوَتَه، وأمّا غيرُ الرّسولِ صلى الله عليه وسلم مِن النّاس فلا يُمَكَّنُ مِن هذا، ولا يَرى أحَدٌ الشّيطانَ على صُورَتِه غير الرّسول؛ لأن الله يقول: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، لكنّه يراه سائرُ الناس إذا تَشَكَّلَ في غيرِ شَكْلِهِ، وتَصوَّرَ في غَيرِ صُورَتِه، كما تَشكَّلَ الذى طَعَنَهُ الأَنصاريُّ حينَ وَجَدَهُ في بَيتِهِ في صُورةِ حَيَّةٍ فَقتلهُ، فمات الرَّجلُ بِه، وبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فِي قوله: إنّ بالمدينةِ جنًّا قد أَسلموا(611) اهـ.
قلت: والتصريحُ بإثبات هذه الخِصّيصةِ لنبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلم، كافٍ في التّسليم لتصحيح الحديث، أو على الأقلِّ بَعَدَمِ مُعارضَتِهِ بالآيةِ الكريمةِ، وما نفاهُ ابن بطّال رحمه الله من إمكانِيّةِ وقوعِه لغيرِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قد أثبتَه غيرُه من العلماء عن طريق حوادثَ شخصيةٍ وقعت له، وسيأتي النّقلُ عن الإمام الخطّابي في ذلك، بل لو تأمّل المرءُ قليلًا في حال الجنِّ والشياطينِ في زَمِنِ سليمانَ عليه السلام، وهم تحتَ سُلطانه وقَهْرِهِ: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13]، و{يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء: 82]، وعِفريتٌ من عفارِيتِهم يُخاطبُ سليمانَ عليه السلام عارضًا عليه عرضًا لم يُسمع مثلُه عن أحدٍ من البشر، قائلًا: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]، يقول هذا في حقِّ عرشِ ملكة سبأ الذي أخبرَ عنه الهدهد قائلًا: {وَلَهَا
عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)} [النمل: 23]، وبعدَ ذلك؛ وفي نِهايةِ المِطافِ، بَيَّنَ سُبحانه حالَ الجِنِّ لما تبيّن لهم موتُ سليمان، وهم الذين كانوا يَصِلونَ اللّيلَ بالنِّهارِ مِن أجلِ خِدمَتِه وتَنفيذِ أوامِرِه، قائلًا سبحانه: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)} [سبأ: 14]، أقول: لو استحضر المرءُ كلَّ هذه الآياتِ الكريماتِ المُبَيِّناتِ لحالِ الجِنِّ في دولةِ سُليمان عليه السلام، وتأمّل وتَفَكَّر في أحوالِهم وشؤونِهم هناك: هل كان سيخطُرُ بِبالِهِ أن سُليمانَ عليه السلام كان يراهُم على غَيرِ صورَتِهم الحَقيقيةِ التي خلقهم الله عليها؟ وهل سيتصوَّرُ القارئُ لكتابِ الله أنّ العفريتَ الذي عَرضَ على سليمان عليه السلام إحضارَ العرشِ العظيمِ بسرعة لا تخطُرُ على قلبِ أحدٍ من البشر على مرّ العصور: كان سيحضرُه له وهو على غير صورتِه الحقيقيةِ؟ أو أنّ الجنّ الذين سَخّرهمُ اللهُ لخِدمةِ سليمانِ عليه السلام كانوا يَظهرون له ويَعملونَ بين يديه بإذنِ ربّهم على صُورٍ غيرِ صُوَرهم الحَقيقيةِ؟
إن المُنصف مَع نفسِه ومع غيرِهِ، والعاقلَ في تفكيره: لا يستطيعُ أن يَدفعَ الصورةَ التي يُثبتها ظاهرُ القرآنِ مِن أنّهم كانوا مُسَخّرين للعمل تحت سلطان سليمانَ عليه السلام وهم على هيئاتهم الحقيقية، بل إن في قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17]، أتمَّ البيان في تقسيمِ جيشِ سليمان عليه السلام لهذه الأصنافِ الثّلاثةِ؛ كلّ على حقيقَتِه وهيْئَتِهِ التي خَلَقَه اللهُ عليها: الجِنُّ على خِلقَتِهم، وكذا الإنسُ والطّيرُ،
وإلا لو كانت صورة كلٍّ من الجنِّ والإنسِ واحدةً، لكانت القسمة ثنائيةً: إنسٌ وطيرٌ، وكان الإنس أنفسُهم ينقسمون إلى: إنسٍ في ظاهرهم وباطِنهم، وإنسٍ في ظاهرهم دون باطنهم، وهذا القسمُ الثّاني لا يَعْرِفُ ماهِيّتَهم، ولم يطّلعُ على حقيِقتهم إلا سليمانُ عليه السلام، وفي هذا مِن البُعد ما فيه، وما عهِدنا وقوعَ مثلَ هذا التّمويه في كتاب الله عز وجل المنزّل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 195]، والله أعلم.
وقد صحّ عن غيرِ واحدٍ من أهلِ العِلم الثّقاتِ أنّهم رأوا بعضَ الجَنِّ على صورَتِه الحَقيقيةِ، فقال الخَطّابي: وقد رأينا غيرَ واحدٍ من ثِقاتِ أهلِ الزُّهدِ والوَرَعِ؛ وبلغنا عن غيرِ واحدٍ مِن أصحابِ الرِّياضاتِ؛ وأهلِ الصّفاءِ والإِخلاصِ مِن أهلِ المَعرفةِ؛ يُخبرون أنّهم يُدرِكونَ أشخاصَهم، فأما قولُ الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، فإنّ ذلك حُكمُ الأعَمِّ الأغلبِ مِن أحوالِ بني آدم، امتَحَنَهم اللهُ بذلك، وابتلاهُم لِيفزَعوا إليه ويَستعيذوا بِه مِن شَرِّهِم، ويَطلبوا الأمانَ مِن غائِلتِهِم، ولا يُنكَر أن يكونَ حكمُ الخاصِّ والنّادرِ مِن المَصطفينَ مِن عِبادِه بِخلافِ ذلك، فقد قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] وقال: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)} [الحجر: 40]، فأَخبرَ أنّهم لا يُسَلّطونَ على أوليائِه، ولا يَجِدون السّبيل إليْهم، وهذا المعنى كأنّه هو عِلَّةُ رؤيتِهِم إيّانا وعدمِ رؤيَتِنا إيّاهم، والله أعلَم، ورُوِّينا عن عُمرَ بنِ الخطّاب وأبي أيوب الأنصاريِّ وغيرِ واحدٍ مِن
الصّحابةِ رؤية الجَنّ، ومعالجتهم إيّاهم في غيرِ طريقٍ مِن حديثِ الأثباتِ والثّقاتِ مِن النَّقَلةِ(612)
وقد نَقل هذا عَنْهُ ابنُ الملَقِّن، ثم أتْبَعَه قائلًا: ورأيتُ أنا بَعضَهم في اليَقَظَةِ، وسَلَّمتُ عليهِ، وسلَّم عَليَّ بعضُهم نهارًا مِن غير رُؤيةِ شَخْصِه(613) .
وكان شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله قد سُئل عن قائلٍ يقولُ: إن لَم يَتَبَيّنَ لي حقيقةُ ماهيةِ الجِنِّ وكُنْهِ صِفاتِهم؛ وإلا فَلا أَتبعُ العلماءَ في شيءٍ؟
فأجابَ رحمه الله بقولِه: أمّا كونُه لم يَتبيّنْ له كيفيةُ الجِنّ وماهيّاتهم؛ فَهذا ليسَ فيه إلّا إخبارُه بعدَمِ عِلْمِهِ؛ لم يُنكِر وجودَهم، إذ وجودُهم ثابت بطرِقٍ كثيرةٍ، غير دلالةِ الكتابِ والسُّنة، فإنّ مِن النّاس مَن رآهم، وفيهِم مَن رأى مِن رآهم، وثَبت ذلك عندَه بالخبرِ واليَقين، ومِن النّاس مَن كلّمهم وكلّموه، ومِن النّاس مَن يأمرُهُم وينهاهُم ويتصرّفُ فيهم: وهذا يكونُ للصالحينِ وغيرِ الصالحين، ولو ذكرتُ ما جرى لي ولأصحابِي مَعهُم لطالَ الخِطابُ، وكذلك ما جرى لغَيرِنا؛ لكنّ الاعتمادَ على الأجوبةِ العِلْمِيّةِ يكونُ على ما يَشتَرِكُ النّاسُ في عِلمِه، لا يكونُ بما يختّص بِعلمِه المُجيبُ، إلّا أنْ يكونَ الجوابُ لِمَنْ يُصدِّقُه فيما يُخْبِرُ بِه(614) .
قلت:
وهذه الأقوالُ وغيرُها ممّا جاء في معناها مِن أُناسٍ لم يُعرفوا إلا بالصّدقِ والنّزاهة والعملِ الدؤوبِ على خِدمة دين الله عز وجل: تُثبتُ وقوعَ مثلِ هذه الحوادث، وتناقلَ الأخبارِ فيها دون تكذيبٍ لأصحابها، ولا تشكيكٍ بوقوعِها، ولذا نَبَّهَ العُقلاءُ إلى أن عَدمَ وُقوعِ رؤيتِهم لِكلِّ أحدٍ من البشرِ لا يَنفي جَوازَ ذلك، ولا وقوعَه، وفي هذا يقولُ العَلّامةُ البِقاعيُّ رحمه الله: وعدمُ رؤيتِنا لهم في الجُمْلَة لا يَقتضي امتناعَ رؤيتِهم، على أنّه قد صَحَّ تصوُّرهُم في الأجسامِ الكثيفةِ ورؤيةُ بني آدم لهم في تِلك الأجسامِ(615)
ثم ذكر البِقاعيُّ بعضَ الأمثلةِ على وقوعِ رؤيتهم من قِبَلِ غيرِ واحدٍ من البشر، ولم يَفُتْه أن يَستدلّ بحديث البابِ على صِحّة ذلك.
ولا بُدّ هنا مِن التَّنبيهِ على أنّ الجِنَّ وإن كان أصلُ خِلقَتِهِم مِن نارٍ كما بيّن اللهُ عز وجل في كتابه، وأَخبرَ به رسولُهُ صلى الله عليه وسلم في سنّتِه المُشرّفة، إلا أنّ هذا لا يعني ظُهورهَم بهذه الصورةِ النّارِيّة لمن رآهم على حَقيقَتهم، وحالُهم في ذلك كَحالِ البَشرِ، الذين ابتدأ الله عز وجل خَلقَهم مِن طينٍ، ثم أقام مادّةَ أجسادِهم مِن لحمٍ ودمٍ، وقد ذَكَرَ الله عز وجل الجِنسين في كتابه الكريم، مبيّنًا مَبدَأَ خَلقِ كُلٍّ مِنهما، قائلًا سُبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 26، 27]، فكما أنّ بَني آدم لم يَبقوا على أصلِ خِلقَتهِم طِينًا، فكذلك الأمْرُ
قد يَكونُ بالنِّسبةِ للجِنّ(616) وبهذا التّنبيهُ يَنْدَفعُ ما قد يَردِ على ذهنِ البعضِ مِن استحالةِ قُدرَة النّبيّ صلى الله عليه وسلم على مَسِّ الجِنِّ ومِن باب أولى خَنْقِه بسبَبِ كونِه خُلِقَ مِن نارٍ حارقةٍ، لأنّ الجوابَ على ذلك بما ذَكرتُ مِن عَدمِ لزومِ بَقاء الجَنِّ على أصلِ خِلقَته النّاريّةِ، والله أعلم.
وحالُ الجنّ في ذلك - كما أسلفتُ - كَحالِ الإنس تمامًا؛ كلٌّ من الفريقين لم يبقَ على أصل خلقته، وكلٌّ من الفريقين يتأذّى مِن المادّة التي خُلق منها، فالإنسان يتأذّى من الطين إذا ضُربَ به، والجنيُّ يتأذّى من النّار إذا عَرَض لها أو أُلْقِيَ فيها، بَل إنّ هذه النّارَ التي أَصلُ مادة خَلْقِ الشيطان، ستكون مَادّةَ عذابِه يومَ القِيامةِ، ومَقرَّ خُلودِه هو ومَن اتّبعه مِن الجنّ والإنس، نسألُ الله السّلامة والعافية.
ومن كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله الدائِرِ حول هذا المعنى، قولُه: واعتلَّ من أَنْكَرَ ذلك بأن الله تعالى أَخْبرَ أنّ الجانّ خُلِقَ مِن نارٍ، وفي النّار مِن اليُبوسَة والخِفّة ما يَمنَعُ معه التوالُد، والجوابُ: أنّ أصْلَهَم مِن النّار كما أنّ أصلَ الآدَمِيّ مِن التُّرابِ، وكما أنّ الآدميَّ ليس طِيناً حَقيقةً، كذلك الجِنِيُّ ليس نارًا حَقيقةً، وقد وَقع في الصّحيح في قِصّةِ تَعَرُّضِ الشّيطانِ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قالَ: فأخَذْتُه فخَنَقْتُه حتّى وجدتُ بَرَدَ رِيقِه على يَدي.
قلت والكلام للحافظِ
وبهذا الجوابِ يندَفِعُ إيراد مَن استشكلَ قولَه تعالى: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)} [الصافات: 10] فقال: كيف تَحرِقُ النّارُ النّارَ(617) اهـ كلامُ الحافظِ ابنِ حجرٍ رحمه الله.
ثم ختم السبحانيُّ اعتراضاتِه بالشُّبهةِ الرّابعةِ التي قال فيها: « الرواية تدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم انصرف عن عمله، لأنّه ذكر قول أخيه سليمان: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)} [ص: 35] ، فلأجل ذلك ردَّ الله ذلك الجن خاسئًا ذليلًا صاغرًا مطرودًا، ولكن الآية لا تصلح أن تكون سبباً لانصرافه، وذلك لأنّها لا تدل على أنّ ربط الجن العاتي من خصائص سليمان، فما هو من خصائصه هو المُلك المبنيُّ على قدرة قاهرة، واستخدام الجن والإنس والطير إلى غير ذلك مما جاء في الذكر الحكيم من الجنود، وأين هذا من ربط الجن العاتي بسارية من سواري المسجد في مورد واحد » ؟
قلت: بل إن كتاب الله عز وجل قد دلّ على أنّ مما فضّل الله به عبدَه سليمان على سائرِ مِن سَبقهُ مِن الأنبياءِ عليهم السلام: تمكينَه له مِن السيطرةِ على الجِنّ والشّياطين، وإخضاعَها له عليه السلام، ونَصّ سبحانه في كتابِه على صورٍ مِن أعمالِ الجنّ والشياطين بين يدي سليمان عليه السلام، فقال سبحانه: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 12، 13]، وقال سبحانه: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82]، وقال سبحانه: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ
بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 37، 38]، وهذه الصورة الأخيرة التي فسّرها التابعيُّ الجليلُ قتادة رحمه الله بقوله: «مردةُ الشّياطين في الأغلالِ»(618) تُظهر تمامَ قدرة سليمان عليه السلام على الجنّ والشياطين بأصنافِهم وأنواعِهم، وهو المُلك الذي خَصَّه الله عز وجل به، وامتنّ عليه قائلًا سبحانه: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)} [ص: 39]، وقد نقل العلاّمة ابنُ عطية ما جاء في تفسيرِ هذه الآيةِ الكريمة فقال رحمه الله: واختلف الناسُ في المُشارِ إليه بقوله: {هَذَا عَطَاؤُنَا} فقال قتادَةُ: أشارَ إلى ما فَعَلَهُ بالجِنّ؛ فَامْنُنْ على مَن شَئتَ مَنهم؛ وأطْلِقْه مِن وَثاقِه؛ وسَرّحْه مِن خِدْمَتِه، أَوْ أَمْسِكْ أَمرَه كما تريد. وقال ابنُ عبّاس: أشارَ إلى ما وَهَبَهُ مِن النّساءِ وأقدَرَه عليه مِن جِماعهنّ. وقال الحَسنُ بنُ أبي الحَسن: أشارَ إلى جميعِ ما أعطاهُ مِن المُلك، وأَمَرَهُ بأن يَمُنّ على مَن يَشاءُ ويُمسكَ عمّن يشاءُ، فكأنّه وقَفَه على قَدْرِ النّعمَةِ، ثُمّ أباحَ له التّصرُّفَ فيه بِمشيئَتِهِ، وهو تعالى قَد عَلِمَ مِنه أنّ مَشيئَتَهُ عليه السلام إنما تَتَصرّفُ بِحُكمِ طاعةِ الله، وهذا أصحُّ الأقوالِ وأجمعُها لتفسيرِ الآية(619)
وهذا التفسيرُ الأخيرُ القاضي بشمولِ الآية لكلّ ما أنعمَ الله عز وجل به على سليمان عليه السلام لا يعودُ على أفرادِ تلك النّعم بالاستثناء، بل هو شاملٌ لجميع صورِها، والتي مِن بينِها قدرتُه عليه السلام على تقييدِ مَن شاء مِن مردَة الشياطين وتصفيدِهم بالأغلالِ،
وهو عينُ ما أراد فعلَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ ثم تَركَهُ مراعاةً لدعوةِ سليمان عليه السلام، ولو اقتصر القرآنُ الكريمُ على ذِكر صورةٍ أو أكثرِ من تَسليطِ الله عز وجل لسليمانَ عليه السلام على الجنِّ والشياطين، ولم يكن مِن ضِمنِها هذه الصورةُ بعينها؛ ولم يأت ما يُفيد عمومَ القدرةِ والسّيطرة عليهم، لكنّا قد تَنَزّلْنا ووافقْنا السُّبحانيَّ فيما ذهب إليه مِن عَدَمِ مطابقة الحديث لما جاء في كتابِ الله عز وجل، لكننا نرى أن كلّ ما جاء في القرآنِ الكريمِ ممّا يتعلّق ببيانِ علاقة سليمانَ عليه السلام مع الجنّ والشياطين يُبطل كلَّ ما قالَهُ السّبحانيُّ في شُبهَتِه الأخيرةِ هذِه، ذلكم أن الله عز وجل نَصَّ على تَسخيرِه الجِنّ لخدمةِ سليمانَ عليه السلام والائتمار بأمرِه، والانتهاءِ بنهيه، وذكر لنا بعضَ أفراد هذا التسخير، ومنها: تصفيدُهم بالأقرانِ، وأظهر تمامَ قُدرتِه عليهم وعلى عِقابِهم، مما أدّى إلى تَمام خوفِهم منه عليه السلام، وعدمِ جرأةِ أحدٍ منهم على تركِ ما كُلِّف به مِن عملٍ، إلى أن عَلموا بموته، وعندها {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)} [سبأ: 14]، مع ملاحظَةِ أن سياقَ سَردِ النّعم التي أنعم الله عز وجل بها على سليمانَ عليه السلام إنما جاء ذِكرُه بعد دعاءِ سليمان عليه السلام الذي قال فيه: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)} [ص: 35]، فجاء جوابه سبحانه وتعالى بقوله: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ
لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 36 40]، فكان مِن ضِمن هذا المُلك الذي أنْعمَ اللهُ بِه على سليمان عليه السلام أن مَكَّنَه مِن تَصفيدِ الشّياطين، وهو ما فَهِمَه نبيُّنا صلى الله عليه وسلم حينما رأى أنّ تَصفيدَه لذاك الشيطانَ يُعدّ مشاركةً لسليمانِ عليه السلام فيما طلبَ تخصيصَه به، وهذا واضحٌ بيّنٌ مُظهِرٌ للتناسقِ التامِّ بينَ الحديثِ الشريفِ والآيةِ الكريمة، لا يكادُ يَخفى على أحدٍ، إلا على السُّبحانيِّ الذي أعرضَ عن كلِّ هذا، وأشهرَ سيفَ الاعتراضِ ليحارِبَ به كلَّ مَن أتى بما يُخالف ما نشأَ عليه مِن مُعتقداتٍ وأفكارٍ، ابتداءً من الصحابة الكرامِ رضي الله عنهم، ومرورًا بالتابعين لهم بإحسان، وليسَ انتهاءً بمصنِّفي الكتب التي عُنيتْ بَجمعِ صحيحِ حديثِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي مقدّمتها صحيح الإمام البخاريِّ رحمه الله، وجمعنا معه مع نبيّنا صلى الله عليه وسلم وسائرِ الأنبياء عليهم السلام في جِنان الخُلدِ.
ولو أعرَضْنا عن الإشارةِ إلى تلاعبِ الهوى بأصحابِه، وما يوقِعُهم فيه من التناقضِ والاضطرابِ، لما استطعنا أن نُعرضَ عن الإشارة إلى الضّعفِ البيّن الذي يَظهرَ على طريقةِ تعاملِ السّبحانيّ مع كتابِ الله عز وجل، ولا أدري هل أُتِي السبحاني في إيرادِ شبهه الواهية هذه من العَجَلةِ؟ أم مِن ضعفٍ أصيلٍ ملازمٍ له في التواصل مع كتابِ الله عز وجل؛ وما جاء في تفسيرِ آياتِه الكريمة؟ أم أن الأمر مبدأَه ومُنتهاهُ مبنيٌّ على ما نشأ عليه من اعتقادٍ، وسوء ظنٍّ بصحابةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتابعين وتابعيهم وأئمةِ المسلمين؟ واختيارُ جوابٍ من هذه الأجوبة لا يزيد صفحةَ صاحبه إلا سوادًا، وعليه: فما ختم به السبحاني شبهته قائلًا: فنفس الرواية حاكية على أنّها مندسة بين الروايات، فنجلّ ساحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستدل
بآية على أمر ليس فيها دلالة عليه(620) اهـ.
إنما هو نتيجةٌ لا نحبُّ أن يصلَ إليها أحدٌ من المسلمين، كونها لا تصلُحُ إلا لِمنْ عَطّل عَقلَه عن فَهمِ وتَدبّر كتاب الله، وأغمضَ عينيه عن طريق الهدى، وأعرضَ عن إِتيانِ بيوتِ العلومِ الشّرعية مِن أبوابِها، {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، نسألُ الله أن يَهديّ ضالّ المسلمين، وأن يَردُّهم إلى صراطِه المُستقيم.
الحديث في كتب الشيعة:
ثم إنّ مِن تَمامِ عَدلِ الله في حَقِّ كُلِّ مَن تَجرَّأ على سُنّة النّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالرَدِّ والتّعطيلِ والتّحريفِ أن يَفْضَحَهُ ويُشهِرَ سوء طويّته بإظهار تناقضِه وتلاعبِ الهوى به، وتسخيفِه لعقولِ أتباعِه واستهتارِه بهم، ومِن صُور هذه الفضائح أن يعلمَ القارئُ الكريم أن حديث البابِ نفسه الذي أجلبَ عليه السبحانيُّ بخَيْلِه ورَجْلِه لنقضِه وبيانِ عدم صحته، ولم يترُك شبهَةً خاويةً على عروشها إلا وساقَها محاولًا توظيفَها في خِدمةِ هدفه الأدنى قد أخرجَه مِن علماء الإمامية: الحميريُّ القمّيُّ عن محمد بن عبد الحميد عن أبي جميلة عن أبي عبد الله عليه السلام في قول سليمان: ربِّ {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)} [ص: 35]، قلت: فأعطي الذي دعا به؟ قال: نعم، ولم يُعطَ بعدَهُ إنسانٌ ما أُعْطي نبيُّ الله عليه السلام مِن غلبة الشيطان، فخنقَهُ إلى أسطوانةٍ حتى أصاب لسانُه يدَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله
وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا ما دعا به سليمان لأرَيْتَكمُوه(621)
وقد نَقَلَه عنه المجلسيُّ، ولم يُتبِعْه بنقدٍ أو تَعليقٍ، بل إن المجلسيَّ نفسَه لمّا قام بعرضِ أقوالِ العُلماءِ في توجيهِ طلب سليمان عليه السلام الاستئثارَ بمُلكٍ دون غيره، قال: ورابعها: أنه التمس معجزة تختصّ به، كما أن موسى عليه السلام اختص بالعصا واليد، واختص صالح بالناقة، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن والمعراج، ويدل عليه ما روي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة فقال: إن الشيطان عرض لي ليفسد علي الصلاة، فأمكنني الله منه فودعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا وتنظروا إليه أجمعين، فذكرت قول سليمان « ربّ هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي(622) » فرده الله خاسئًا خائبًا. أورده البخاري ومسلم في الصحيحين انتهى(623) .
قلت: فنحنُ نرى أن هذا الحديث قد روي في كتابٍ يُعدُّ مِن مصادِرهم الأصيلةِ التي تُستقى منها النُّصوصُ المعتمدة في الأحكام الشرعية(624) وتناقلوه في غيرِ كتابٍ مِن كتُبهِمِ مِن غيرِ نكيرٍ، وهذا يُظهر إمّا مكرًا من السبحانيِّ وغيرِه ممّن أنكروا نسبةَ هذا الحديثِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإمّا جهلًا بما في بطون كتُبهِم المعتمدةِ والمتداولةِ بينهم، وكِلا الوجهين
يعودُ على صاحبه بأسوأ الذمّ، والوجه الأول أشدُّ في ذلك، لأنّه يُظهر سوءَ طويّة ومكرًا كبّارًا، لا يَليقُ بأحدٍ أخذَ على عاتِقه نَشرَ دين الله عز وجل في أرضه، والسعيِ في هدايةِ خلقِه إلى صراطه المستقيم.
ثم إنّ الأمرَ لم يَنْتَهِ عند إيرادِ هذا الحديثِ في كُتبهم المُعتمدةِ، لأننا رأينا بعدَ ذلك أنهم بَنَوا على هذا الخبرِ الصحيح خبرًا مكذوبًا نسبوا فيه فَضلَ صَرْعِ إبليسَ لعليٍّ رضي الله عنه، لا لنبيِّ الله عز وجل، وأن دَوْرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديثِهم المكذوبِ لم يتجاوزْ حضورَ هذا المشهدِ العظيم مِن عليٍّ رضي الله عنه - زعموا-!
وقد جاء سياق الخبرُ كالآتي: قال عليُّ بن أبي طالب عليه السلام : كنت جالسًا عند الكعبة؛ وإذا شيخٌ مُحدودبٌ قد سقط حاجباه على عيْنيه مِن شِدّة الكِبَر، وفي يدِه عكازة، وعلى رأسه بُرنسٌ أحمر، وعليه مدرعة من الشّعر، فدنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو مسند ظهره إلى الكعبة، فقال: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خاب سعيك يا شيخ وضلَّ عملك، فلما تولّى الشيخ قال: يا أبا الحسن أتعرفه؟ قلت: اللهم لا، قال: ذلك اللعين إبليس. قال علي عليه السلام : فعدوت خلفه حتى لحقته وصرعته إلى الأرض، وجلست على صدره، ووضعت يدي في حلقه لأخنقه، فقال لي: لا تفعل يا أبا الحسن فإني (من المنظرين، إلى يوم الوقت المعلوم)، ووالله يا علي إني لأحبك جداً، وما أبغضك أحدٌ إلا شركت أباه في أمه؛ فصار ولد الزنا، فضحكت وخلَّيت سبيله.
وهذا الخبر أخرجه ابن بابويه في عيون أخبار الرّضا، ونقله
عنه المجلسيُّ(625) بإقرارٍ تامٍّ لا إنكارَ فيه.
مع أنّه خبرٌ موضوعٌ، لا يَصحُّ بحال، وما فيه مِن شَينٍ لعليٍّ رضي الله عنه يفوقُ كلَّ ما أرادَ واضعُه من إظهارِ شجاعَتِه رضي الله عنه، فهل يُعدُّ حبُّ إبليس لشخصٍ ما مفخرةً لذلك المحبوبِ؟ وهل يقبل عليٌّ رضي الله عنه بفشوِّ الزنا وانتشار الرّذيلة في أرض الله بسبب بغضِ بعضِ النّاسِ له؟! وهل مثلُ هذا الهذيانِ يُضحكُ إمامًا عظيمًا مثل عليٍّ رضي الله عنه لم يُعرف عنه إلا حُسن الخلقِ وتمامِ التديُّن، وعظيمِ الحرصٍ على نشرِ الفضائل ومحاربةِ الرذائل؟! {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5](626) .
وبإيراد الحديثِ من كتب الإمامية، وتأييده بذلك الخبر الموضوع على عليٍّ رضي الله عنه، نكون قد أقْفَلنا بابَ مناقشة السبحانيِّ فيما ساقَه من شبهاتٍ لا تثبُت على ساقٍ، وظهرَ معنا بصورةٍ جليّة يصعُب إنكارها: صحةُّ هذا الحديث الشريفِ الكريم عنه عليه الصلاة والسلام، وظهرَ معنا أيضًا بصورةٍ جليّة يَصعُب إخفاؤها: مدى تلاعبِ الهوى بأصحابه، وإعراضُهم عن الحقّ الواضحِ الذي لا خفاء فيه.
نسأل الله الهداية والرشاد، والحمدُ لله ربّ العالمين.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه
أخرج البخاريُّ هذا الحديث في صحيحه في خمسة مواضع:
فقال في الموطن الأول: بابُ الأسيرِ أو الغريمِ يُربطُ في المَسجد(627) .
وقال في الثاني: بابُ ما يجوزُ مِن العَملِ في الصّلاةِ(628) .
وقال في الثالث: بابُ قولِ الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: ٣٠]، الراجع المنيب(629) .
وقال في الرابع: باب قولِهِ: {هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35](630) .
ثم ختم الخامسَ بقولِهِ: بابُ صِفةِ إبليسَ وجنودِه(631) .
وأما صحيحُ مسلم، فقد بُوِّب لهذا الحديثِ بالقولِ: بابُ جوازِ لَعنِ الشّيطانِ في أثناءِ الصّلاةِ والتَّعوذِ مِنه، وجوازِ العملِ القليلِ في الصّلاة(632) .
وبوّب النسائيُّ لهذا الحديث في السُّنن الكبرى بقولِهِ: الأخذُ بِحَلْقِ الشّيطانِ، وخنقُهُ في الصّلاة(633) .
وكذا بوّب في موطنٍ آخر من الكُبرى بِقولِهِ: لعنُ إبليسَ والتعوُّذُ باللهِ مِنهُ في الصّلاة(634) .
وبقوله: قوله تعالى: {هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35](635) .
وأما أبو عَوانةَ فقد ترجمَ لهذا الحديثِ بقولِه: بيانُ صِفةِ العَملِ الذي يَجوزُ للمصلِّي أن يَعملَهُ في صِلاتِه ممّا ليس مِنها، ودفع مَن يريدُ به سوءًا عن نَفْسِهِ، ولعنُ الشيطانِ فيها إذا تعرّض له بِتخويفٍ، والدليل أن إباحةَ دفعِ الحَيّةِ والعَقربِ عَن نَفسِهِ بقتلٍ أو ضربٍ، وإباحة التعوّذ في الصلاة(636) .
وقال إمامُ الأئمةِ ابنُ خزيمةَ: بابُ الرُّخصةِ في تناولِ المصلّي الشيءَ عند الحادِثَةِ تحدُث(637) .
وقال الطَّحاويُّ: بابُ بيانِ مُشكلِ السّبب الذي أَخّرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الصلاة التي نامَ هو وأصحابُه عنها حتى طلعت الشّمسُ؛ إلى الوقتِ الذي أخّرَها إِليْه(638) .
وقال في موطن آخر: بابُ بيانِ مُشْكلِ ما رُويَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في صَلاتِه بالناس وهو حاملٌ أمامةَ فيها على عُنُقُهِ بوضعه إيّاها إذا رَكَعَ، وإعادَتُه إيّاها إذا رَفَع(639) .
وأما الحافظ ابن حبان فقد ذكرَ الحديثَ في غَيرِ موضعٍ مِن صَحيحِه، فقال في الموضعِ الأولّ: ذكرُ الإِخبارِ عن إباحةِ دعاءِ المَرءِ في صَلاتِهِ بما ليس في كتابِ الله تعالى(640) .
وقال في الموضع الثاني: ذكرُ الخبرِ الدّال على جوازِ العملِ اليَسيرِ للمُصلّي في صَلاتِهِ(641) .
وقال في الموضعِ الثالث: ذِكرُ الخبرِ المُدْحِضِ قولَ مَن أفْسَدَ صلاةَ
العاملِ فيها عملًا يسيرًا(642)
ثم قال في الموضعِ الرابعِ: ذكرُ خَنْقِ المصطفى صلى الله عليه وسلم الشيطانَ الذي كان يُؤذيه في صَلاتِهِ(643) .
وبوّب الدارقطنيُّ لهذا الحديث في سُنَنِه بقوله: بابُ صلاةِ الإمامِ وهو جُنُبٌ أو مُحْدِثٍ(644) .
وتَرجمَ الحاكِمُ لهذا الحديثِ في مُستَدْرَكِه، فقال: ذِكرُ عُتْبة بنِ مسعودٍ أخي عبدِ الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنهما(645) .
وأما أبو نُعيمٍ فقد ذَكرَ هذا الحديثَ في مَعرِض حديثِه عن الجِنِّ، والتقائِهم بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، بقولِهِ: ما رُوي في التقائِهم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم(646) .
وأخرج البيهقيُّ هذا الحديث في مواضعَ مِن سُننه الكُبرى، فقال رحمه الله: بابٌ: لا تَفريطَ على مَن نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَها حتى ذهبَ وقتُها، وعليه قَضاؤُها إذا ذَكرَها، لا كفارةَ لها إلا ذلك(647) .
وقال أيضاً: بابُ مَن تناول فِي صلاتِه شيئًا بيدِهِ، أو غَمَزَ غيرَه(648) .
وقال في موطنٍ ثالثٍ: بابُ ذِكرِ المعنى في كراهيةِ الصلاة في أَحدِ هذينِ المَوضعينِ دون الآخَر(649) .
وأخرج البيهقيُّ هذا الحديثَ في كتابِه الآخَر «معرفةُ السُّننِ والآثارِ» تحت بابِ: قضاءُ الفائِتةِ(650) .
وكذا أخرجه في كتابه الآخر «دلائل النُّبوة» قائلًا: بابُ ما جاء في الجِنِيِّ أو الشيطانِ الذي أراد كيدَهُ وهو في الصَّلاةِ، فأمْكَنَهُ الله عز وجل مِنه(651) .
الفوائد:
في هذا الحديث من الفوائد ما يلي:
إباحةُ رَبطِ الأسيرِ في المَسجدِ(652) إباحةُ ربطِ مَن خُشي هُروبُه لِحَقٍّ عليهِ أو دَينٍ، والتوثُّقُ مِنه في المسجدِ وغيرِه(653) فيه دليلٌ على أنّ الجنّ ليسوا باقينَ على عُنْصُرِهِم النّاري(654)
فيه دليلٌ على أنّ أصحابَ سليمانَ كانوا يَروْنَ الجِنَّ وتَصرفَّهم له وبَيْنَ يَدَيْهِ، وذلك مَن دلائلِ نُبُوَّتِه عليه السلام، ولولا مشاهدتُهم إيّاهُم لم تكنْ تقومُ له الحُجّة بمكانِهم عليْهم(655) احتمالُ كونِ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان معصومًا مِن شيطانِهِ، لا مِن كُلِّ الشياطين(656) فيه دليلٌ على جَوازِ العَمَلِ الخَفيفِ في الصّلاةِ؛ لا سيَّما لإصلاحِها، وهو مثلُ مُدافعةِ مَن يَقطعُ عليه الصّلاةَ(657) استعاذَتَهُ صلى الله
عليه وسلم مِن الشّيطانِ ولَعْنُه له في الصّلاةِ؛ دليلٌ على جَوازِ الدُّعاءِ لِغيرِه بصيغةِ المُخاطَبةِ، كما كانت الاستعاذَةُ هنا في صِيغَةِ المُخاطَبةِ(658) هَمُّه صلى الله عليه وسلم بِرَبْطِ الشّيطانِ هُو مِن عُقوباتِ العُصاةِ المُتَمِرّدِينَ المُتَعَرِّضينَ لإِفسادِ الدّينَ، وليسَ مِن جِنسِ إِقامَةِ الحُدودِ بالضّربِ والقَطعِ حتى تُصانَ عَنه المَساجدِ(659) فيه دَلالةٌ على وجودِ الجِنِّ، وأنّه قد يراهُم بعضُ الآدَمِيِّين(660) ليس هناك تَعارضٌ بينَ سُؤالِ سليمان عليه السلام ربَّه عز وجل أن يَهَبَ له مُلْكًا لا يَنْبَغي لأحدٍ مِن بَعْدِه، وبَيْنَ نَهيِه صلى الله عليه وسلم عِن سؤالِ الإِمارَةِ؛ لأنّ مَن فَعل ذلك وُكِلَ إلى نَفْسِه: لاحتمالِ أنَّ النّهي جاء في حقِّ مَن لا قُدرةَ له على الإِمارةِ، أو أنّ النّهي ليس في حقِّ الأنبياءِ عليهم السلام(661)
فيه إشارةٌ إلى قُدْرَتِهِ صلى الله عليه وسلم على الشّيطانِ، لأنّه إنّما تَرَكَهُ مُراعاةً لِدُعاءِ سُليمانَ عليه السلام، ولو لَمْ يَكُنْ قادرًا عَلَيه، لَعلَّلَ عَدمَ فِعْلِهِ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِ(662)
الحديث السابع: ما جاء في مصير أبوي النبيّ صلى الله عليه وسلم
المطلب الأول: ذكر الحديث. المطلب الثاني: تخريج الحديث. المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث. المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
المطلب الأول: ذكر الحديث
عن أنس رضي الله عنه قال: إنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ»، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
المطلب الثاني: تخريج الحديث
مدارُ هذا الحديث على حمادِ بِن سلمة، رواه عن ثابتٍ البُنانيِّ، الذي روى عن أنس رضي الله عنه قوله: إن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: «فِي النَّارِ»، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
أخرجه من هذه الطريق: الإمام مسلم في صحيحه (203) عن ابن أبي شيبة:
والإمام أحمد في مسنده (13834):
وأبو يعلى (3516) عن زهير:
وأبو عوانة (289) عن جعفر الصائغ:
وابن حبان (578) من طريق إسحاق:
وابن منده (926) من طريق عبد الله بن جعفر:
كلّهم عن عفّان عن حمادِ بن سلمة به.
وقد توبع عفّان: تابعه كلٌّ من وكيع، كما عند أحمد في مسنده (12192)، وجاء عنده: فلما رأى ما في وجهه.
وموسى بن إسماعيل، كما عند أبي داود (4718) وعنه: أبو عوانة (289).
وممّا جاء في معنى بيان مصير أبوي النبيّ صلى الله عليه وسلم، ما رواه أبو هريرة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي».
ومدارُ هذا الحديث على يزيد بن كيسان، الذي رواه عن أبي حازم عن أبي هريرة به.
وقد أخرج هذا الحديثَ: الإمام مسلم في صحيحه (105/976) من طريق مروان بن معاوية:
وأخرج مسلم أيضاً (108/976) وأبو داود (2324) والنسائي (2034 - صغرى) و(2172 - كبرى) وابن ماجه (1516) و(1572):
وأحمدُ (9688) وإسحاقُ (2006) وابن أبي شيبة (11807) كلّهم مِن طُرُقٍ عن محمدِ بنِ عبيدٍ:
وأخرجه إسحاق (205) أيضاً عن يعلى بنِ عُبيدٍ:
ثلاثتُهم (مروان ومحمد ويعلى) عن يزيدِ بن كيسان به.
وطريقُ مسلم الثانية، وطريقا ابن ماجه هي عن ابنِ أبي شيبة، لكن رواه ابنُ ماجه عنه مرّةً مثل رواية السابقين، ومرة مختصَرًا مقتصِرًا على قولِه صلى الله عليه وسلم: زوروا القُبورَ؛ فإنّها تذكّرُكُم الآخرَة.
ورواه غيرُ من سبق ذكرهم ممّن جاؤوا بعدهم كالبيهقيِّ وغيرِه.
المطلب الثالث: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها
إن أولّ ما ينبغي أن يُستحضر عند الكلامِ في هذه المسألةِ كبيرةِ الشأن هو: مراعاةُ شعورِ النبي صلى الله عليه وسلم، والحزنُ لحزْنِه الشديد بسببِ وقوعِ هذا الأمر المتعلِّقِ بوالديه صلى الله عليه وسلم، وهذه المراعاةُ لشعوره الكريم صلى الله عليه وسلم يجعلُنا لا نَتعرّضَ لهذه المسألة ابتداءً، وإنما نَتكلّمُ عليها في أضيقِ الحدود، إذا عرضت حاجةٌ لذلك، ومن الحاجاتِ التي تدفع إلى الكلامِ في هذه المسألةِ:
أولاً: بيانُ أنْ لا مجاملةَ في دينِ الإسلام، وأنّ المرءَ مهما علت مكانَتُه وسمتْ منزِلَتُه فإنما يُلحَقُ بِه مِن أقاربِه وذرّيته ما وافقَهُ على أصلِ دينِه، وقد ذكر اللهُ عز وجل ذلك صريحًا في كتابِه المُبين في قولِهِ تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)} [الطور: 21]، وكلُّ هذا هو من زيادةِ كرمِه سبحانه لصالحي عبادِه، إذ يُتمِّم عليهم نِعمَتَهُ ويُقرَّ أعيُنَهم بإلحاقِ ذرّيتِهم بهم، وإن كانوا دونَهم في صالح عَملِهم.
أما مَن لم يُشارِك الصالحَ في أصلِ دينِه، فلا مكانَ له في جنّة الفِردوس، والنظائرُ
على ذلك كثيرةٌ، فعمومُ قول الله تعالى السابق في إلحاقِ الذريةَ بصالحي آبائهم لا يَشملُ ابنَ نوح عليه السلام الذي أَصرَّ على الكُفر ولم يُذعن لدعوةِ الحق، معرضًا عن الاستجابةِ لنداء أبيه عليه السلام الأخير، وهو يصارعُ الأمواجَ المُهْلِكَةَ، وقد بيّن الله عز وجل ذلك صريحاً بقوله سبحانه لنوح عليه السلام: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46].
ثانياً: بيانُ أن دينَ الإسلامِ لا يَكفي فيه شرفُ النّسبِ إذا تَجرَّد عن التديّن، ويؤيّدُ هذا صريحُ قولِه صلى الله عليه وسلم: وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ(663) .
ثالثاً: التّطرُّقُ لمسألةٍ حديثيةٍ مُهِمّةٍ، وهي الدفاعُ عن صحيحِ الإمام مسلم ضدَّ من يُوجه له التّهم جزافاً، ويسعى جاهدًا لتضعيف أحاديثِه لكونِها خالفت المُستَقرّ في مُعْتَقَدِه، وهذا الوجهُ لا يُفهم منه تقديمُ أهمّيةِ صحيح مسلمِ على شعورِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يَدفع أحدًا للقول بأنّنا ببياننا صحةَ هذا الحديث نحرصُ على الدّفاعِ عن صحيحِ مسلمٍ ولو كان بنسبةِ ما لا يَليقُ للنّبيّ الكريمِ صلى الله عليه وسلم، لأن هذا القولَ لا يَصدُر مِن مُسلمٍ عاقل، إذ كيف يظنّ ذلك ومادةُ صَحيحِ مسلم إنّما هي مِن أحاديثِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وسُنَنِهِ وأيّامه؟ وهل عُرف الإمام مسلمٌ إلا
باشتغاله بِجَمعِ صحيحِ حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟
رابعاً: أن في بيانِ صِحّة هذا الحديث دفعًا لكثيرٍ مِن الأوهامِ المُستقرةِ في قلوبِ وأذهانِ بعضِ المُعارضين، وتوفيقًا وجَمْعًا لما يُظنّ تعارضُه مِن نصوصِ الشّريعةِ، وهذا مقصِدٌ شريفٌ، فيه حُسنُ الدِّفاع عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وشريفِ سُنّتِه صلى الله عليه وسلم.
وقد اعتُرض على حديث الباب باعتراضات عدّة؛ منها ما يتعلّق بالسّندِ، ومنها ما يتعلّقُ بالمتنِ، ولنبدأُ بالنّظر في الاعتراضات المتعلّقة بالسند، ثم ننتقل إلى ما يتعلّق بالمتن، وأول ما عرض له المتكلّمون في السند هو لفتُ الانتباهِ إلى الكَلامِ المتعلّق بحفظ راويه حمّاد بن سلمة، لَنَجِدَ أن أبشعَ ما قيلَ فيه رحمه الله أنه كان يروي أحاديثَ مدسوسةً في كتبه، ليست هي مِن مَسموعاته، وقد ذكر هذه التُّهمة الحافظُ ابن عديٍّ رحمه الله، فقال: حَدَّثَنَا ابنُ حماد، حَدَّثَنا أبو عَبد الله مُحَمد بنُ شجاع بن الثّلجي: أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قَال: كان حمّاد بن سلمة لا يُعرفُ بهذه الأحاديث حتى خَرجَ خَرْجةً إلى عبادان، فجاء وَهو يرويها؛ فلا أحسِبُ إلا شيطانًا خرج إليه في البَحر فألقاها إليه.
ثم قال ابنُ عديٍّ: سمِعتُ عبّادَ بنَ صهيب يقول: إن حمّاد بنَ سلمة كان لا يَحفظُ، فكانوا يقولون إنها دُسَّت في كُتُبِه. وقد قيل: إن ابنَ أبي العوجاءِ كان ربيبَه فكان يَدُسُّ في كُتُبِه هذه الأحاديث.
ثم عقّب الحافظُ ابنُ عديٍّ قائلًا: وأَبُو عَبد الله بنُ الثّلجيِّ كذّابٌ، وكان يضعُ الحديثَ ويَدُسُّه في كُتُبِ أصحابِ الحديث بأحاديثَ كُفرياتٍ، فهذه الأحاديثُ مِن تدسِيسِه(664) .
قلت:
وقد أحسن الحافظُ ابنُ عديٍّ رحمه الله في تبرئته لحمّاد بن سلمة من هذه التهمة الشنيعة، مبيّنًا أن أصل الشرّ كلّه هو هذا الثلجِيُّ الكذّاب، الذي اعتادَ على وضع الحديث ونسبته ذلك إلى أهل الحديث.
وأكّد نسبةَ هذا الشرّ للثلجيِّ الكذّاب: الحافظُ الذهبيُّ رحمه الله، الذي سارع بنفي هذه التهمة رأسًا عن حمّاد بن سلمة رحمه الله قائلًا: ابن الثلجي ليس بمصدَّق على حماد وأمثاله، وقد اتهم(665) .
وبيّن الذهبي في موطنٍ آخر أن سبب نَفيِ التهمةِ عن حمّاد - إلى جانب ما عُرف به الثلجيُّ من وضعِه للحديث -: أنه لم يكن صاحبَ كتاب، إذ قال رحمه الله: وأما حمّاد رضي الله عنه فما كان له كُتُبٌ، بل كان يَعتَمِدُ على حِفْظِهِ(666) ، وهذا القولُ من الذهبيِّ رحمه الله بناهُ على مقولةِ الإمامِ أبي داود رحمه الله التي يقول فيها: حمّاد بنُ سلمة لم يكن له إلا كتابُ قيسِ بنِ سعدٍ(667) ، وأفادت مقولةُ أبي داودَ هذه بيانَ اعتمادِ حمّاد بن سلمة على حفظه واستغنائه عن كتبه، حيث فسّرها الحافظ الذهبي بقوله: يعنى كان يَحْفَظُ عِلْمَهُ(668) .
ومع ذا، فقد نُقل في أخباره رحمه الله أنه كان من المُبكِّرين في تصنيفِ الكتب، حتى قيل بأن أول من صنف الكتب بالكوفةِ: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وبالبصرة: حماد بن سلمة(669) .
ولعلّه كان يُملي هذه الأحاديث من حِفظِه، سواءٌ ما أودَعه في كُتُبِه، أو ما كان في مجالسِ إسماعه، والله أعلم.
والثلجيُّ الكذّاب صاحبُ هذه الأخبار المنحولةِ على حمّاد بن سلمةَ رحمه الله كان معروفًا بشدةِ عدائِهِ لأهلِ الحديث، ولذا كان يسعى لتَشويهِ صورَتهم، ورميِهم بأبشعِ الأوصافِ لتنفيرِ النّاس عنهم، وقد أشارَ لشيءٍ من هذا العداء المستحكمِ لأهل الحديث: الحافظُ ابنُ عديٍّ في ترجمتِه للثّلجيِّ هذا، حيث قال في نهايةِ ترجمتِهِ: وكان يضعُ أحاديثَ في التّشبيهِ، ينسِبُها إلى أصحابِ الحديثِ ليَثْلِبَهم به، روى عن حَبّانِ بن هلال وحَبّان ثقة عن حمّادِ بنِ سلمةَ، عن أبي المُهَزِّمِ، عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله خَلقَ الفَرسَ فأجراها فعَرَقَتْ،
ثم خَلَقَ نفسَه منها. مع أحاديثَ كثيرةٍ وضعها مِن هذا النّحو، فلا يَجبُ أن يُشتغلَ بِه، لأنه ليس مِن أهلِ الرّوايةِ، حملَه التَّعصبُ على أن وضعَ أحاديثَ ليَثْلِبَ أهلَ الأثر بذلك(670)
وهذه التُّهمة هي أخطرُ وأشدُّ ما رُمِيَ به حمّادُ بنُ سلمةَ رحمه الله، فإذا بان كذِبُها وعدمُ صحتِّها - وقد حَصل -، كان ما سِواها مما أُخذَ عليه رحمه الله أسهلَ وأهونَ.
وكان مما أُخذ عليه رحمه الله جَمْعُه للأسانيدَ في إسنادٍ واحدٍ، فقد انتقدَ الإمامُ أحمد حديثًا رواه حمّاد بنُ سلمة عن أيوبَ وقتادةَ، قائلًا: هذا مَن قِبلِ حمّاد، كان لا يقومُ على مِثل هذا؛ يَجمعُ الرّجالُ، ثم يجعلُه إسنادًا واحدًا، وهم يختلفون(671) .
وقال الخَليليُّ: ذاكرتُ يومًا بعضَ الحُفّاظِ، فقلتُ: البخاريُّ لم يُخرج حمادَ بنَ سلمة في الصحيحِ، وهو زاهدٌ ثقةٌ؟ فقال: لأنّه جمعَ بين جماعةٍ مِن أصحابِ أنسٍ، فيقولُ: حدثنا قتادةُ وثابتٌ وعبدُ العزيز بنُ صهيب، وربّما يخالفُ في بَعضِ ذلك(672) .
وهذا الصّنيعُ الذي عيب به حمّاد، لا يُعابُ فعلُه على الدوام، كما لا يُقبلُ على الدّوام، واختلافُ الموقفِ مِن هذا الصنيع؛ إنما يعودُ إلى حالِ الراوي الفاعلِ لذلك، فإن عُرفَ عنه الدّقةُ في ذلك، وتمامُ الضّبطِ، وعدمُ الاقتصار على بعض الألفاظ دون غيرها، مع عدم اتفاق ما ذُكر وما حُذف من الألفاظ على معنىً واحدٍ، ممّا قد يوهمُ السامعَ اتّفاقَ أولئك الشيوخِ المجموعِ بينهم على هذه الألفاظ، وممّن عُرف بذلك وقُبل منه صنيعُه، ولم يُعتَرض عليه فيه الإمامُ ابنُ
شهاب الزهري، فقد قال الحافظُ ابنُ رجبٍ شارحًا مسألةَ الجَمعِ بين الشُّيوخ: ومعنى هذا أنّ الرّجلَ إذا جمع بين حديثِ جماعةٍ، وساق الحديثَ سياقةً واحدةً؛ فالظّاهرُ أنّ لفظَهم لم يتَّفِق، فلا يُقبلُ هذا الجمعُ إلا مِن حافظٍ مُتْقنٍ لحديثِه، يعرفُ اتفاقَ شيوخِه واختلافَهم؛ كما كان الزُّهريُّ يجمعُ بين شيوخٍ له في حَديثِ الإفكِ، وغَيرِه(673)
وكذا قُبِل هذا الصنيعُ مِن ابنِ وهبٍ رحمه الله، فقد جاء في تَتِمّةِ كلامِ الخليليِّ السابقِ في مُذاكَرَتِه لِبعضِ الحُفّاظِ قَولُهُ: فقلتُ: أَلَيْسَ ابنُ وهبٍ اتفّقوا عليه، وهو يَجمعُ بينَ أسانيدَ؟ فيقولُ: حدّثنا مالكٌ وعمرٌو بنُ الحارث، واللّيثُ بنُ سعدٍ، والأوزاعيُّ بأحاديثَ، ويَجمعُ بين جماعةٍ غيرِهم؟ فقال: ابنُ وهبٍ أتقنُ لما يَرويهِ، وأَحفظُ له(674) .
وما يَهمُّنا هنا أنّ هذه المسألةَ التي أُخذِت على حمَّادِ ولم تُقبلُ مِنهُ، ليس منها شيءٌ في حَديثِنا هذا، فحديثُ البابِ هنا إنّما رواه حَمّادُ عن شيخٍ واحدٍ له وهو ثابتٌ، وهو أثبتُ النّاسِ فيه، بحيثٌ يقدَّمُ على غَيرِه إن خالَفَه، وهذا الذي يهمُّنا هنا في حديثِنا، وهو ما سُندَلِّل عليه مِن كلام النُّقادِ الكرام، إذ إن النّاظرَ في تَرجمةِ حمّادٍ يرى شِبْهَ إجماعٍ على تقديمِهم لحمّادِ بنِ سلمةَ في روايَتِه عن ثابتٍ على ما سواه مِن الثِّقاتِ، ومِن ذلك قولُ الإمامِ أحمد: حمّادُ بنُ سلمةَ أثبتُ النّاس في ثابتٍ البُنانيِّ(675) وقال علىُّ بن المَدينيِّ:
لم يكن في أصحابِ ثابتٍ أثبتُ مِن حمّاد بنِ سَلَمَةَ(676) وقال يحيى بنُ معينٍ: مَن خالفَ حمّادَ بنَ سلمةَ في ثابتٍ فالقولُ قولُ حمّادٍ. قيل له: فسليمانُ بنُ مغيرةَ عن ثابتٍ؟ قال: سليمانُ ثَبْتٌ، وحمّادٌ أعلمُ النّاس بثابتٍ(677)
وقد بيّن الحافظ ابن رجبٍ سبب اختصاص حمّاد بن سلَمةَ بثابت البُناني، وتقديمه على من سواه بطول صحبته له، حيث قال رحمه الله: إنه من أثبت الناس في بعض شيوخه الذين لزمهم كثابت البناني(678) .
قلت: ومع ذا، فقد نُقل عن يحيى بنِ سعيدٍ القطّان وهو مِن كبارِ شيوخِ ابن معينٍ أنّه كان يُقدِّمَ سليمانَ بنَ مغيرةَ على حمّادٍ إذا اختلفا في روايَتِهما عن ثابتٍ، فقد قيلَ لأبي داود: سليمانُ بنُ المغيرة أو حمّادُ بنُ سلمةَ في ثابتٍ؟ فقال: كان يحيى بنُ سعيدٍ يُقدِّمُ سليمانَ بنَ المُغيرة(679) .
لكنّ الظّاهرّ أن القولَ الأضْبطَ هو قولُ الأكثرِ في تقديمِ حمّادٍ على كلِّ مَن خالَفَهُ في ثابتٍ البُنانيِّ، ولو سَلَّمنا بوقوعِ خلافِ ذلك فيما يتعلّق
بسليمان بنِ المغيرة، فإنّنا نقول: حديثُنا هذا لم يُخالَف فيه حمّادٌ مِن قبلِ سليمانَ بنَ المغيرةَ، فبقي حمّادٌ في المُقدِّمَة، ولم يتعرَّض حديثُه هنا لأي نقدٍ صحيح.
نعم، قد ادُّعي بأنّ مَعْمَرًا خالفَ حمّادًا في روايَتِه هذه، وقَبلَ الموازنةِ بينَهما في الرّوايةِ عن ثابتٍ البُنانيِّ: دعونا نَنْظُر في أصلِ هذه الدّعوى، والأسسِ التي قامت عليها.
فأقول وبالله التوفيق:
ذكر هذه المخالفةَ الحافظُ السيوطيُّ رحمه الله، حيث قال في كِتابه الذي ألّفه لإثباتِ نجاةِ أبويِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: وقد خالفَهُ مَعْمَرٌ عن ثابتٍ فلم يَذكرْ: «إن أَبي وأَباكَ في النَّارِ»، ولكن قال له: «إذا مررتَ بقبرِ كافرٍ فَبشِّرْه بالنَّارِ»، وهذا اللّفظُ لا دَلالةَ فيه على والدِهِ صلى الله عليه وسلم بأمْرٍ البتَّةَ، وهو أثبتُ مِن حيثُ الروايةُ، فإنّ معمرًا أثبتُ مِن حمّاد، فإن حمادًا تُكلِّم في حِفْظِهِ، ووقع في أحاديِثِهِ مناكير، ذكروا أنّ ربيبَه دَسَّها في كُتُبِه، وكان حمّادٌ لا يَحفظُ فَحَدَّثَ بها؛ فوَهِمَ فيها(680) .
قلت: وفيما قالَه السُّيوطيُّ هنا نظر قويٌّ من وجهين:
الوجه الأول: أن معمراً ليس بأثبت من حمّاد في ثابت، بل نصّ العلماء على أن حديثه عن ثابت من أضعف ما يكون، فقد قال العُقيلي:
وأروى الناس عن ثابت، عن أنس: حمادُ بن سلمة، وأنكرهم حديثا عن ثابت: معمر(681)
وقبله قال الإمام يحيى بن معين: وحديث مَعمَر عن ثابت، وعاصم بن أَبي النجود، وهشام بن عُروَة، وهذا الضرب: مضطربٌ؛ كَثير الأوهام(682) .
وأما الوجه الثاني: أن هذا الإسنادَ لا أصلَ له، إذ لم تُوجد - بحسب اطلاعي - روايةُ معمرٍ هذه عن ثابتٍ باللّفظ الذي ساقَهُ السُّيوطيُّ.
وأما ما ختم به السيوطي كلامَه من كونهم ذكروا أن ربيبَ حمّادٍ دسَّ في كُتُبِه ما ليس مِن مروياتِه؛ فهي فريةٌ قد سبقَ بيانُ بُطلانِها، وما كان ينبغي للسيوطيِّ رحمه الله أن يذكرَها هكذا دون بيانِ ما فيها، ليصلَ بذلك إلى مرادِه فيما يتعلّق بمصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم.
وأمّا الحديثُ الذي أشار إليه السيوطيُّ ناسبًا روايته لمَعْمَرٍ عن ثابت، فالصوابُ في سياقِه أنه روي مرةً عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، ومرّة عن عبدِ الله بنِ عُمرَ، ومرّةً عن الزُّهريِّ، وتفصيل هذا الإجمالِ هو كما يلي:
* رواية سعد بن أبي وقاص:
هذه الرواية أخرجها البزار في مسنده (1089) وابن السني في عمل اليوم والليلة (595) عن يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ فِي النَّارِ. قَالَ: فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: «حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ».
ثم قال البزّارُ: وهذا الحديثُ لا نعلمُ رواه إلا سعدٌ، ولا نعلم رواه عن إبراهيم بنِ سعدٍ، إلا يزيدَ بن هارون.
قلت: وإخراجُ ابن السُّنّي له كان مِن طريقِ زيدِ بن أخزم عن يزيدَ بِلفظٍ أطولَ منه.
وقد توبع يزيدُ على هذه الرِّواية: تابَعَهُ كلٌّ مِن ابن أبي نُعيمٍ، والوليدِ بنِ عطاءٍ، وأبي نعُيمٍ الفضلِ بنِ دُكَينٍ:
أما رواية ابنُ أبي نعيم - وهو محمّد بنُ موسى الواسطي - فقد أخرجها الطبرانيُّ في الكبيرِ (326).
وأما طريقُ الوليدِ بنِ عطاء فقد ذكرها الدارقطنيُّ في عِلله (4/334) ولم يَذكرْ إسنادَها.
وأما طريقُ أبي نُعيمٍ الفضلِ بنِ دكينٍ فقد أخرجها البيهقيُّ في دلائلِ النّبوةِ (1/191).
وأما طريق ابن عمر فقد أخرجه ابنُ ماجه في سُننه (1573) فقال رحمه
الله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الْوَاسِطِي، حَدّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ الزُّهْرِي، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَكَانَ وَكَانَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: «فِي النَّارِ» قَالَ: فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» قَالَ: فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ.
وابن البَختريِّ هنا قد خالفَ السابقينَ في جَعلِ الحديثِ مِن روايةِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، وهو وإن كان ثقةً في نفْسِه، لكنّ الوهمَ هنا واضحٌ لمخالَفَتِه الأكثر، والله أعلم.
وأما رواية الزهريِّ المرسلةِ لهذا الحديث، فهي التي أخرجها عبدُ الرّزاق عن مَعمرٍ (19687 - جامعُ مَعمرٍ) عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَكْفُلُ الْأَيْتَامَ، وَيَصِلُ الْأَرْحَامَ، وَيَفْعَلُ كَذَا، فَأَيْنَ مَدخَلُهُ؟ قَالَ: «هَلَكَ أَبُوكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَدْخَلُهُ النَّارُ»، قَالَ: فَغَضِبَ الْأَعْرَابِيُّ، وَقَالَ: فَأَيْنَ مَدْخَلُ أَبِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ.
وهذه الرواية هي التي قدّمها أبو حاتم، وصوّبها، قال ابنُ أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديثٍ رواه يزيدُ بن هارون، ومحمّد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي، عن إبراهيم بنِ سعدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عامرِ بنِ سعد، عن أبيه، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أين أبي؟ قالَ: في النّارِ. قال: فأين أَبوك؟ قال: حيثُ مررتَ بقبرِ كافرٍ فَبَشّرْهُ بالنَّارِ.
فقال: كذا رواه يزيدُ، وابنُ أبي نعيم، ولا أعلم أحدًا يُجاوز به الزُّهْريَّ غيرَهما، إنَما يروونَه عن الزُّهْري، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، والمرسَلُ أشْبَهُ(683) .
وكذا صوّب الإرسالَ: الدارقطنيُّ رحمه الله، حيث سُئِلَ عَنْ هذا الحديث، فقيل له: حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أبي كان يحمل الكل ويفعل وَيَفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ.
فقال: يَرويهِ مُحمّدُ بنُ أبي نُعيمٍ، والوليدُ بنُ عطاءِ بن الأغرِّ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، وغيره يرويه عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن الزُّهريِّ مرسلًا.
ثم قال الدّارقطنيُّ: وهو الصواب(684) .
قلت: وتَلَخَّص لنا مِن سياق ما سَبق مِن الطُّرقِ
ما يلي:
أن أحسَنَها ما كان مرسلًا من طريق الزهريِّ، ومثلُه لا ينبغي أن يُعارَضَ به الحديثُ المرفوعُ الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، وتأكيدُ ذلك مِن وجوهٍ:
لما مضى من قوةِ ووثاقةِ رواية حماد بن سلمة عن ثابت البُنانيِّ، وتقديمِه على كلِّ من خالفَه من الثقاتِ. لو افترضنا صحّةَ الحديث مرفوعاً من طريق سعد بن أبي وقاص، فالنظر يقتضي أن لا يقدّم ابتداءً على ما أخرجه مسلمٌ في صحيحه، وذلك لأن صحيحَ مسلمٍ أصحُّ مِن كلِّ هذه الكتبِ (البزّار - ابن السُّنيّ - دلائل النُّبوة للبيهقيِّ).
مع بيانِ أنه إنما يلجأ إلى المفاضلة بعد النظر في صحّةِ الإسنادِ عند تعارضِ ظاهرِ الحديثين، وأما في حالَتِنا هذه فلا تعارضَ بين الحديثين بحالٍ من الأحوال، كلُّ ما في الأمرِ أن الرّجلين اشتركا في السّؤالِ نفسِه، وتَنوّع جوابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهُما بما لا يتعارض، فالأول تحدّث فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن مصيرِ أبيه كما تحدّث عن مصير أبي السائل، وأما الثاني فقد أَمَرَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأن يُبَشِّرَ الكفار الأموات بالنار إذا ما مَرّ على قبورهم، فكأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يُرسِّخَ في قَلبِ هذا الأعرابيِّ مبدأَ البراءةِ مِن المشركين {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113].
والنَّاظرُ المُنصفُ في سِياق هذه الأخبارِ لا يَجدُ إلا أن يُذعِنَ لهذه النتيجةِ الواضحةِ التي دلّ عليها هذا الحديثُ الصّحيحُ الذي رواه
الإمامُ مُسلمٌ في صَحيحهِ بأصحِّ الأسانيدِ، خاصة إذا تذكّرنا بأن لهذا نظائرَ في قصصِ الأنبياءِ عليهم السلام، حيث ابتلي بعضُهُم بكفرِ أقربِ النّاس إليهم وعدمِ استجابَتِهِم لدَعْوَتِهِم، كنوحٍ عليه السلام الذي ابتُليَ بامْرأتِه وابْنِه، ولوطٍ عليه السلام الذي ابتُليَ بامْرأتِهِ، وكإبراهيمَ عليه السلام الذي ابتلي بأَبِيه الذي ناصَبَهُ العَداءَ متوعّدًا بِرَجْمِه إن لم يَنْتَه عن قَولِه، وكتابُ الله جاء صريحًا في كلِّ ذلك، حيث قال في حقِّ نوح ولوط وامرأتيهما: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم: 10].
وقال في حقِّ ولد نوح عليه السلام: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46].
وقال في حقِّ أبي إبراهيم: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114].
وما يستَنْكِرُه البعضُ مِن قولِ هذا في حقِّ أبوي النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بِهِ أئمَةٌ كبار شهِد لهم القاصي والدّاني بسَعةِ الاطّلاع، وحُسنِ الإنصاف، كالإمامِ البيهقيِّ رحمه الله إذ يقول: وكيف لا يكون أبواهُ وجَدُّه بهذه الصّفةِ في الآخِرةِ، وكانوا يَعبدونَ الوَثَنَ حتى ماتوا، ولم يَدينوا دينَ عيسى بنِ مريم عليه السلام، وأمرُهُم لا يَقدحُ في نَسبِ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأن أنْكِحَةَ الكُفّار صحيحةٌ، ألا تَراهم يُسلِمون مع زوجاتِهم فلا يلزمُهُم تجديدُ العقد،
ولا مفارقتَهُنّ، إذا كان مثلُه يجوزُ في الإِسلامِ(685)
والآن لننظرْ في الشُّبهِ التي ساقها السُّبحانيُّ، ثم نذكر الجوابَ عليها بما يفتحُ الله عز وجل علينا مِن فَضْلِه:
قال السبحاني: « أخرج مسلمٌ عن ثابت، عن أنس أنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه أين أبي؟ قال في النار، فلما قفّى، دعاه فقال: إنّ أبي وأباك في النار.
وروى أحمد بهذا الطريق قال: قال رجل للنبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» : أين أبي؟ قال: في النار، قال: فلمّا رأى ما في وجهه قال: إنّ أبي وأباك في النار.
وثمة تساؤلات نَطرحُها وهي:
* إنّ المعروف عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» هو العطف والحنان في معاشرته مع الناس، وعلى ضوء ذلك: فهل كان من واجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب على سؤاله ويصرّح أنّ مكانه في النار؟ ولمّا شاهد انزعاجه من جوابه اضطرّ إلى تسليته بأنّ أباه مثل أبيه كلاهما في النار، ومثل هذا السؤال والجواب لا يصدر ممّن وصفه سبحانه بالخلق والفضل العظيم » .
قلت: لا يشكُّ منصفٌ مُسلمًا كان أو كافرًا في مقدار العطفِ والحنانِ والرّحمة المتوافرِ في شخص النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومِن صور رحمَتِه صلى الله عليه وسلم وعَطْفِه على النّاس:
تعليمُهم ما فيه خيرُهم في دنياهم وأُخراهم، فهو صلى الله عليه وسلم مع اتّصافِه بأحسنِ الأخلاقِ، وأرَقِّها، وأرْفَعها، كان يتصّف كذلك بكمالِ الحِرصِ على تَعليمِ النّاس دينَهم، وتبييِنِ كلِّ ما يحتاجونَه في مسيرَتِهم إلى الله عز وجل والدّارِ الآخرةِ، وهذا الدافعُ الشريفُ يحملُه صلى الله عليه وسلم ابتداءً على إجابةِ سؤالِ السائلِ الباحثِ عن الحقيقةِ، ما لم يَسألْ عمّا نُهي عنِ السؤال عنه، أو يَظهرُ مِنه نوعُ تعنّتٍ، أو تشكيكٍ، أو غير ذلك مِن الصوارفِ التي تحول بينَه وبينَ الوصولِ إلى الهداية.
وما أرى جنوحَ المُعتَرِضِ إلى التّذكيرِ برحمةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وكمالِ عَطْفِه، إلا بسبَبِ الشِّقِّ الثاني مِن الجواب، وهو المتعلّقُ بمَصيرِ أبي النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإلا لو كان الجواب مُقْتَصرًا على الشّقِّ الأول، لما خَطر ببالِ المُعترضِ ما يتعلّق بَرِحمته صلى الله عليه وسلم، لأنه يعلمُ هو وغيرُه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد أخبرَ عن مَصيرٍ بعضِ الناس بأعيانِهِم بأنهم من أهلِ النّار، سواء كانوا ممّن ناصبوه العداءَ، أو وردت مناسبةٌ تقتضي ذلك، كإجابته السيّدة عائشة رضي الله عنها عندما سألته عن حال ابن جُدعان الذي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»(686) وكإخبارِه صلى الله عليه وسلم بحالِ ذلك الرّجلِ الذي قاتل بِبسالةٍ غيرِ معهودةٍ، استدعت إعجابَ كلِّ مَن شاهَدَهُ، وشهادتَهم له بحُسنِ الحال والمآل، ومع ذا، فقد أخبرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنه
في النّارِ، فكان الأمر كذلك(687)
وكذا، أخبر عن غالِّ العباءة في إحدى الغزوات بأنه في النار كذلك(688) ، وإن كانت نارًا لا يَخلُد فيها على مقتضى الأخبار الواردة فيه، لكنه - أي النبيّ صلى الله عليه وسلم - قد أخبر عن سوءِ مُنقلبِ بعضِ الناس في مناسبات معيَّنة، ولم يعترض أحدٌ ممّن كان في زمانه، أو ممّن جاء بعدَهم بأن هذه الأخبارَ لا تتناسب مع ما تواترَ واشتهرَ مِن رحمته صلى الله عليه وسلم ومزيدِ عَطفِهِ.
وإنما أُلجئ هذا المعترضُ ومن سار بسيرِه إلى الاحتجاجِ برحمة النبيّ صلى الله عليه وسلم، بسبب ما ذيّل به النبي صلى الله عليه وسلم خبرَه ببيانِ حالِ أبيهِ عبد الله.
وعليه، فلا مناسبةَ لهذا الاحتجاجِ مِنَ المحتجَّ المعترضِ ابتداءً، وإلا أُلزمَ بإيراد هذا الاعتراض على كلِّ حديثٍ جاء ببيان النبيِّ صلى الله عليه وسلم سوءَ منقَلبِ صاحبه، ولا أظنُّ هذا المعترضَ راغبًا بهذا.
وفي جوابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم هذا السائلَ عن سؤالِه ببيان سوء مصير أبيه فوائدَ عدّة، قد يظهر منها بادي الرأي ما يلي:
أولًا: بيانُ أنّ مَن مات على غيرِ الإسلام فمصيره الخلودُ في نارِ جهنّم.
ثانيًا: أنّ القرابةَ والنّسب لا تُغني شيئًا عمّن ماتَ على الكفر، فإيمانُ الابنِ لا
ينفع مع كُفر الأب، وصدق الله عز وجل القائلُ في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} [آل عمران: 10]، والقائلُ سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 116].
وقد أكّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا المعنى المتوافِقَ مع قواعدِ الشّريعةِ في غير ما مناسبةٍ، منها: حديثُنا هذا، حيث بيّن لذلك السائل أن سوء مصيرِ المسؤولِ عنه؛ ليس مقصورًا عليه، بل هذا المصيرُ يشملُ كلَّ من مات على حالِه، ومنهم: أبوه صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أجابَ بما يَعلمُ مِن حال أبي السائلِ، إمّا بوحيٍ - وهذا المتبادَر -، وإما بمعرفةٍ شخصيةٍ بحال ذاك الرّجلِ المسؤولِ عنه، وفي كلا الحالين: إنّما أجاب النّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِحقيقةِ الأمر، وأن أبا هذا الرجلِ هو في النّار.
ولمّا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم عالمًا بحال المسؤول عنه، لم يكن يسَعه إلا أن يُخبِر به عندَ السؤال عنه.
وأما إتْباعُ السبحانيّ إشكالَه بافتراضِ أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ مصيرَ أبيه عبدِ الله دون أن يُسألَ عنه، مُواساةً لذاك الرجل، فهو افتراضٌ باطلٌ، لأن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر عن حالِهما بما يعلمُ، والذي يعلَمُه صلى الله عليه وسلم هو الحقُّ، وما دونَه دونَه، ولا يُعقل أن يُواسيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذاك الرّجلَ بما لا يَصحُّ، وإلا
نُسب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يَخطرُ على قلبِ مسلمٍ قط.
لكن، لا بأسَ مِن القول بأن الاشتراكَ في المُصاب من أسبابِ تخفيف وقع المصيبةِ، ولمّا يعلمُ ذاك الرّجلُ - الذي فوجئَ بمصير أبيه، وولّى حزينًا - بأن مصيرَ أبيه هو مصيرُ أبي خير البشر، فلا بُدّ أن يَزولَ عنه الجزءُ الأكبرُ مِن الحُزْنِ، ولذا لمّا صدّق العقلاءُ هذا الخبرَ، وأنعموا النّظرَ في معناه وجدوا هذه المواساةَ بين ثناياهُ، وفي هذا يقول الإمامُ النّوويُّ: وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أبي وأباك في النار» هو مِن حُسن العِشرةِ للّتسليةِ بالاشتراكِ في المصيبةِ(689) .
ولذا؛ لو تواضع المعترضُ وخَضَغ للحقّ، وسلّم بصحةِ إسنادِ هذا الخبرِ، وأدرجَ مَتْنَهُ مع مُسلّمات الشّريعةِ، ولم ينطلق في اعتراضِه عليه مِن رواسبَ خلافاتٍ عقديةٍ، لوقَفَ كما وقفَ غيرُه مِن العلماءِ العقلاءِ على جانبٍ مِن جوانبِ رحمةِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وحُسنِ مواساتِه وعظيمِ رِفْقِه بأصحابه - البعيدِ منهم والقريبِ، والمعروفِ منهم وغير المعروفِ -، ولَضَمَّ هذا الحديثَ إلى أمثالِه مِن نُصوصِ الشّريعةِ القاضيةِ بهذا المعنى العظيمِ، الذي عُرف به نبيُّ الرّحمةِ صلى الله عليه وسلم.
وقد نَقلَ المعترضُ نصّ الإمامِ النّوويِّ السابق في بيان حُسن مواساة النبيّ صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل، ثم أتبعه قائلاً: « نعم من حسن العشرة، لكن من غير مبرِّرٍ لكَسرِ قلبِه ببيانِ مصير أبيه، ثمّ تسليته » . اهـ.
وهذا الاعتراض كان يمكن أن يكون له حظٌّ من نظرٍ له لو افترضنا أن الخَبر جاءَ بمناداةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم لرجلٍ مِن مكان بعيدٍ، دون أدنى مناسبةٍ، ومن ثُمَّ إخبارِه بأنه إنما ناداه ليُخبرَه بسوءِ مصيرِ أبيهِ، وأنه في نارِ جهنّم خالدًا فيها، فلَو كان سياقُ الخَبرِ هو هذا لقلنا باحتماليةِ وجاهةِ هذا التعقيب من السُّبحانيّ على كلام الإمامِ النوويّ رحمه الله، لكن الخبر جاء بخلاف ذلك، حيث جاء الرّجلُ نفسُه للنبيّ صلى الله عليه وسلم سائلًا له عن حال أبيه، فأجابه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك، وزاد بيانًا بأنّ كلّ مَن كان حالُه كحاله في الدنيا فمآله كمآله في الآخرةِ، وعُدّ هذا البيانُ مِن حُسنِ مواساتِه لذاك السائل، وإن كان السائلُ قد كُسر قلبُه - بحسب تعبيرِ المعترض -، فذلك بسببِ حِرصِه على مَعرفَةِ جوابِ سؤالِه الذي سأَلَه، ومع ذا؛ فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم ألحقَ ذلك بإخبارِه بالواقعِ القاضي بمماثلة مصيرَ أبيه مع مصير أبي السائل، لاشتراكهما في العلّة نفسِها، ألا وهي عدمُ الإيمانِ بالله العظيم.
ثم تابع السبحانيُّ اعتراضه بقوله:
إنّ الذين عاشوا بعد المسيح إلى حين بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على طائفتين، فمنهم من تمّت عليه الحجّة فلا شكّ انّه في نار الجحيم، وأمّا من لم تتم عليه الحجّة فهو ممّن قال سبحانه في حقّه: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكيم) (التوبة/106) فليس كلّ من عاش بين الفترتين في النار قطعاً، فهل كان والد السائل ممن تمت عليه الحجة؟
قلت:
وجوابُ هذا السؤال هو: نعم، كان والدُ السائل ممّن تَمّتْ عليه الحُجَّة، والدليلُ على ذلك: إخبارُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الحديثِ، ولا يخفى على أحدٍ أن أحاديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم الصحيحةَ هي المصدرُ الثاني مِن مصادرِ تشريعِ هذا الدين العظيمِ، وإنما بُعث صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا ومعلّمًا للخير، ولا طريق لنا إلى مَعرفةِ الغيبيات ومنها حالُ هذا الرّجل المسؤولِ عنه إلا عن طريقِ كتاب الله وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، ولمّا وجدنا كتابَ الله عز وجل قد بيّن مصيرَ أقوام وأفرادٍ، حيث أخبر سبحانه عن إهلاك الأقوام البائدة، الذين كفروا بالله واليوم الآخر، وكذّبوا أنبياءهم المرسلين عليهم السلام، وبيّن سبحانه وتعالى بأنه إنما أرسل {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)} [النساء: 165]، ونصّ سبحانه على سوء مصير أشخاصٍ بأعيانهم، فقال سبحانه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)} [المسد: 1 5]، ونظرنا في سنة النبيّ صلى الله عليه وسلم: وجدناها موافقةً لكتابِ الله عز وجل، ومبيِّنةٍ لمآلات أفرادٍ، جرى ذكرُهم إنشاءً أو جوابًا، ممن تُوفّوا قبلَ بِعثَته صلى الله عليه وسلم، كما روي عنه من إخبارِه صلى الله عليه وسلم بحُسن مآل ورقةَ بن نوفلٍ(690) وكذا ما جاء في خبر زيد بن
عمرو بن نفيل(691) وقُل مثل ذلك في حقّ علي بن زيد بن جُدعان(692) لكن على الضّفة الأُخرى في الآخرةِ، ولم يُنكَر مِن هذه الأخبار شيءٌ لذاتها، لأنّ السُّنة كما هو معلوم وسبق ذكرُه المصدرُ الثاني مِن مصادرِ التشريع، ومِن خلالِها يَعرفُ المُسلمُ ما يحتاجُ إليه في شؤونِ دينِه.
وإنما وقعَ إنكارُ بعضِ هذه الأخبارِ المُبَيِّنةِ لأحوال بعضِ النّاس بسببِ وجودِ نصوصٍ أُخر، رأى المحتجّون بها صلاحيّتَها لدفعِ هذه النصوصِ الدّالةِ على مصيرِ بعضِ النّاسِ بأعيانِهم، وقد تكون هذه النصوصُ المعترضُ بها صحيحةً في نفسِها، صحيحةً في الاستدلالِ بها، فيسلّم لأصحابها الاحتجاجُ بها في مقابلِ تلك الأخبار، والتي سيظهر بطبيعة الحالِ عدمُ صحة
نسبتِها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، لأن القاعدة السليمة التي لا تنخرِمُ بحالِ من الأحوال؛ هي: عدمُ وجود نصّين شرعيين متكافِئين مِن كلِّ وجه، يضادُّ أحدُهما الآخرَ، هذا ما لا يُوجدُ، ومتى ما وُجد فإن التضادَّ يكون في ظاهِره، لا يلبثُ أن يَزولَ متى ما عَرض أو عُرض هذا الإشكالُ على العلماء الرّاسخين في العلوم الشرعية، الذين أمضوا طويلَ أعمارِهم في تحصيلِها، وتَعلُّمِها وتَعليمِها(693)
ومن أمثلةِ النُّصُّوصِ التي اعترض بعضُ النّاسُ عليها، وكان الصوابُ مجانبًا لهم في اعتراضِهم، ما جاء في بيان موتِ أبي طالب عمِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على الكفر، فهذا الخبرُ قد اعتُرض عليه بما تَواترَ مِن أخبارِ دَفعِ أبي طالبٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أذى قريشٍ، فضلًا عن كفالَته وصيانَتِه والقيامِ على رعايَتِه، وهذا كلّه لا يُنكر، ولكن لا يصحُّ الاعتراض به على ما صَحَّ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنّ العمل مهما حسُن في ظاهره فإنه لا يكون سببًا في نجاة صاحبِه إلا إذا كان موحِّدًا لله عز وجل، والنصوص الشّرعية قاطعةٌ في ذلك، في كتاب الله عز وجل، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصحَّ في شأن أبي طالبٍ شيءٌ في ذلك، وإنما صحّ نقيضُه، وهو موته على ملّة أبيه عبد المطلّب، فلم يستطع النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلا أن يَتشفَّعَ لربه سبحانه وتعالى في تخفيف العذابِ السّرمدي عليه، فكان في ضحضاحٍ مِن نارِ جهنم، يغلي منها دماغُه(694) ، نسأل الله السلامة.
ومن أمثلة النصوص التي صحّ الاعتراضُ عليها، تلكم التي نسبَها بعضُ المُغرضين للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفيها الحطُّ والذمُّ بل والتكفيرُ لبعض أصحابِه الكِرامِ، فهذه النّصوص فضلًا عن عَدمِ صحة أحادها ومجموعها، فإنها تخالفُ ما تقرّر واستقرَّ مِن فضلِ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقُوّةِ ديانَتِهم، وعظيمِ حرصِهم على خدمة دينِ الله سبحانه وتعالى، وسنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
وعودًا على أصلِ هذا التفريع، أُذَكِّر فأقولُ: إن إخبارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن مآلِ بَعضِ الناسّ قُبل مِن الجميعِ مِن حيثُ الجُملةُ، وإنما تمّ الاعتراضُ على بَعْضِه من بعضٍ، فمن هذه الاعتراضات ما سُلّم لصاحِبها فيها، وتبيّن بذلك عدمُ صِحّة النصّ المعترضِ عليه، ومنها ما لم يسلّم لصاحبها فيها، وبقيَ النصُّ المعترَضُ عليه هو المَقَدَّم.
وعليه: فإن سؤالَ المعترِض: (فهل كان والد السائل ممّن تمّت عليه الحجة؟) لا وَجْهَ له، لأنه يَسألُ عمّا قد أجابَ عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي جوابِ النبيّ صلى الله علبيه وسلم بيانُ إقامةِ الحُجّة عليه وموتِه على كُفرِه، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)} [الكهف: 49]، وماذا يَعلمُ المعترِضُ مِن حالِ ذاك الرّجلِ، حتى تُسوِّلَ له نفسُه دفعَ حديثِ النبي صلى الله عليه وسلم في بيان سوء مصيرِهِ؟
وكما أسلفتُ من قبلُ: لو كان الحديث مقتصرًا على بيانِ مآل ذلك الرّجلِ المسؤولِ عنه، لما اعترضَ عليه أحدٌ مِمّن ضرب بِسَهمٍ مِن العلم الشرعي، لأن مآله سيكونُ مثلَ مآلِ أبي لهب الذي أخبر الله عز وجل
بأنّه هو وزوجُه مِن أهل العذابِ الدّائمِ الذي لا يَنقطعُ، أو كحال عليِّ بن زيد بن جُدعان الذي أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنّه مِن أهل النّارِ مع كونِه كان وصولًا لرَحِمِه، مُطعِمًا للمساكين، وذلك لأنّه لم يقل في يومٍ من أيامِه: ربّ اغفر لي خَطيئتي يومَ الدّين.
بل على قاعدةِ هذا المُعتَرضِ: فإن ابن جُدعان أولى بَعدمِ قَبول ما قيل في سُوءِ مَصيرِه، لِما له من أيادٍ بيضاءَ في جاهليَّتِه، أما هذا الرجلُ المسؤول عنه فلا نَعلمُ عنه شيئًا إلا ما أخبرنا به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم بأنّه مِن أهلِ النار، نعوذ بوجه الله الكريم من نارِ جهنّم.
ثم تابع السبحانيُّ سردَ عناصرِ شُبْهَتِه قائلًا:
* إنّ الرواية تخالف ما عليه الإمامية والزيدية وجملة من محققي أهل السنّة من أنّ والدي النبيِّ كانوا موحدين، وشذَّ من قال إنّ النبي مع كثرة ما أنعم اللّه عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إحسان والديه، فإنّ هذه الكلمة صدرت من غير تحقيق، فانّ التاريخ لم يضبط من سيرتهما إلاّ شيئاً يسيراً، وفيما ضبط إيعازٌ لو لم نقل دلالة على إيمان والديه، فقد نقل التاريخ عن والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه عندما عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه، فقال رداً عليها:
| أمّا الحرام فالممات دونه | والحلّ لا حلّ فاستبينه |
|---|---|
| يحمي الكريمُ عرضَه ودينَه | فكيف بالأمر الذي تبغينه |
قلت: هو كما ذكر فيما نسَبَهُ للإمامية والزيدية فيما أعلم
وكذا هو قولٌ لِبعضِ علماءِ أهل السُّنة، أو لجُمْلةٍ من محقّقيهم كما عبّر المعترض ولا يَلزمُ مِن جُمْلَتِهم كثرتهم، ووصفُه لهم بكوْنِهم مِن محقِّقيهم يَصعُبُ إنزالُه على كلِّ أفرادِهم، فمِنهم مَن قد يتحقّقُ فيه وصفُ المُحقِّق، ومنهم مَن تتراوحُ منزِلَتُه بين التّقليدِ والتّحقيقِ، ومنهم من هو دونَ ذلك؛ وهكذا، ولو قال قائلٌ إنّ قَبولَ ما جاء في هذا الحديثِ هو قولُ جُمهور علماءِ أهل السنة(695) على اختلافِ درجاتِهم لما أبْعَدَ النُّجْعة، ولو كان الصوابُ مرادفًا للكَثرةِ على الدّوام لكان هذا في صالحِ جمهورِ أهلِ السُّنة، ولا شكّ أنَّ لاجتماعِهم على القولِ بدلالةِ الحديث ثِقَلٌ لا يخفى على أحدٍ.
وما ذكرَه مِن قَلَّةِ أخبارِ والدي النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما جَمَعَهُ أهلُ التّاريخِ: صوابٌ أيضًا، وفي أخبارِهم على قِلَّتها ما يَدلُّ على حُسن خلقٍ وتَرَفُّعٍ عن الوُقوعِ في المُحرَّمات، كما جاء في الخبرِ الذي ساقه المعترضُ مِن امتناع عبدِ الله والد النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن مقارَفَةِ الزِّنى مع تلك المرأةِ، وبِغَضّ النَّظر عن إسنادِ هذا الخبر، وصعوبةِ إثبات اتّصالِه، إلا أن فيه إظهارَ مدى العِفَّةِ التي كان يتحلَّى بها عبدُ الله بنُ عبد المطلب، وهي عفَّةٌ ونَزاهةٌ وتَرَفُّعٌ عن المُوبِقاتِ تُعرف في هذا الأصلِ الطّاهرِ،
لكنّ هذا لا يعني بحالٍ مِن الأحوال أنّ عبدَ الله بنَ عبد المطلّب كان مَن المُوحِّدين الباقينِ على مِلَّةِ إبراهيمَ عليه السلام الحَنيفيةِ، وذلك لأسبابٍ، منها: عدمُ نقلِ مثلِ هذا كما نُقل مثلُه عن غيره من معاصريه كزيدِ بن عمرِو بنِ نُفيلٍ وورقةَ بنِ نوفلٍ، فكلاهما قد جاء في أخبارِه ما يُثبت بحْثهم عن دين إبراهيم عليه السلام، ثم ما جاء في إخبار النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن حالِهِم بعد موتهم، وقد مرّ معنا ذِكرُ ذلك(696) وما نُقل عن عبدِ الله مِن تعفُّفٍ عن ارتكابِ المُحرَّم نُقل مثلُه عن غَيرِه، حيث نُقل عن غير واحدٍ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم امتناعُهم عن شربِ الخمر قبلَ إسلامِهم وإيمانِهم بدعوتِه صلى الله عليه وسلم مع شِرْكِهم بالله عز وجل وانتشارِ الخَمرِ وفُشُوِّه في مُجتَمَعِهم، وامتناعُهم عنه كان بسببِ ما يَرَوْنَ فيهِ مِن قدحٍ في مُروءَةِ فاعلِه، وإيقاعِه في أقبحِ المواقع.
وعبدُ الله بن عبد المطلب كان شريفًا من نسل الشُّرفاءِ، ومثلُه كانت تُعرُفُ له مَنْزَلَتُهُ في مُجْتَمَعِهِ، ووقوعه في مثلِ هذه الفاحشةِ لا يليقُ بمكانته، ومكانةِ أهلِ بيته، لما عُرف عن أهلِ هذا البيتِ كريم النسبِ مِن التَّحلّي بمَحاسنِ الأخلاقِ والتَّرَفُّعِ عن سَيِّئِها.
وما جاء في شِعره من إيثارِه الموتَ والهلاك على الوقوعِ بالحَرامِ، فهو على حُسْنه لا دليلَ فيه أيضًا على توحيدٍ يُنْجِي صاحبَه يومَ القيامة، لأنّ المعروف أنّ العَرَبَ قَبلَ مَبعَثِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكونوا خُلْوًا مِن كامل
دينِ التّوحيدِ الذي بُعث به أنبياءُ الله عليهم السلام، وإنما كان قد بَقي عندهم بَقايا مِن ملّة إبراهيمَ عليه السلام، يَظهرُ ذلك في صورٍ مُختلفةٍ، منها: تعظيمُهم لبيت الله الحرام الذي بَناه كلٌّ من إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام، وكذا في بَعضِ مناسكِ حَجِّهم لهذا البيتِ الكريمِ، ولم أقفْ على خبرٍ يدلُّ على مشروعية الزّنا يتناقلونه بينهم، ولا يتورّعون عن فِعلِ هذه الفاحشةِ بناءً عليه، وقُبحُ الزِّنا ظاهرٌ لا خَفاءَ فيه، وفيهِ مِن انتشارِ الفاحشة واختلاطِ الأَنْسابِ، والانحدارِ بالبشرية إلى مصافِّ الأنعامِ، وغيِر ذلك من عوامل هدمِ المجتمعات ما لا يخفى على عاقلٍ من أيّ الملل كان، وهو ما لَم يُبَح في شريعةٍ مِن الشّرائعِ السّماوية، بل اتفقت كلُّها على تحريمِه وتجريمِه والتحذيرِ مِن الوقوعِ به.
فاستنكافُ رجلٍ شريف عاقلٍ متشبِّثٍ ببعضِ بقايا دينِ إبراهيمَ عليه السلام مِن الوُقوعِ في فاحشةٍ قبَّحها العقل والنّقل، وتحريمُه ذلك على نفسِه لا يُعدُّ غريبًا في مثلِ هذه المُعطَيات، وإن كان يُمدحُ به صاحبُه، ويضاف إلى رصيدِ ما عُرفت به هذه العائلةُ الكريمةُ التي تواترت الأخبار وتواردت على بيان فضلِها، ورِفعة نَسبِه وأفضَليّته على ما سِواه(697) .
ثم تابع السُّبحانيُّ سَردَ شبهه قائلًا: أضف إلى ذلك تضافر الروايات
حول طهارة ولادة النبي التي جمعها الحافظ أبو الفداء ابن كثير في تاريخه، قال: وخطب النبي وقال: أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب... وما افترق الناس فرقتين إلاّ جعلني اللّه في خيرها، فأخرجت من بين أبويَّ، فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأُمّي فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً
ثم تابع ذكر مثيلات هذا الخبر من بيان شرف نسب النبي صلى الله عليه وسلم، مما لا يدفعُه إلا مكابِرٌ يُضمرُ البُغضَ للنّبيِّ صلى الله عليه وسلم وآله الكرام، ولا شَكَّ أن ما ذكره المُعترضُ وأضعافَه ممّا ذكره أهل العلم هو الحَقُّ المبين، ولو لم يأتِ إلا خبرٌ أو اثنان في هذا لكفى، بل لو افترضنا - تَنَزُلًّا - أن شيئًا مِن هذه الأخبارِ الصّحيحةِ المُتواترةِ لم تَصِلْنا، لكان ما استقرّ في الفِطرِ السليمة مِن وَجوبِ ذلك كافيًا في تقرِيرِه واستقراره بين الناس على مَرِّ العصور، وهل تُبعث الأنبياءُ عليهم السلام إلا في نَسَبِ أقوامِهم؟
لكن، كلُّ ذلك لا يَلزمُ منه القول بإسلامِ أَبويِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمُحتجُّ بمثلِ هذه الأخبار على هذا سيطالَب بِمَدِّ هذه الدعوى حتى تشملَ أجدادَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى عدنان، بل إلى ما بعدِ عدنان، وهذا كلُّه مِن التوسّع المَبنيِّ على عاطفةٍ جيّاشةٍ تُجاهَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يُشكرُ صاحبُها عليها، ويُرجى له الأجرُ والمثوبةُ، ما لم تدفعْه عاطِفَتُه هذه إلى رَدِّ ثوابتِ الشّريعة، والاعتراضِ على صحيحِ نُصوصها، ومصادَمة الحقائقِ والوقائعِ
الثّابتةِ بأصحّ الأسانيدِ.
ثم ختم المعترضُ نقدَه لحديثِ البابِ بقولِه: « وبما ذكرنا يُعلم عدمُ صحّة ما أخرجه أحمد عن وكيع بن حدس(698) ، عن أبي رزين عمّه، قال: قلت: يا رسول اللّه أين أُمّي؟ قال: أُمّك في النار. قال: قلت: فأين من مضى من أهلك؟ قال: أما ترضى أن تكون أُمّك مع أُمّي(699) » .
وأقول في ختام تَعقيبي على نَقدِه: نعم أخرج هذا الحديثَ الطيالسيُّ وأحمدُ(700) وغيرُهما مِن طريقِ شعبةَ عن يعلى بنِ عطاءٍ عن وكيعِ بن حُدس به.
ووكيعُ هذا لا تعرف له حالٌ، تفرّد عنه يعلى بنُ عطاء(701) ولذا فإن خبره ضعيف، وصحّحه بعضُهم باعتباره شاهدًا لحديثِ أنسٍ: إن أبي وأباك في النار(702) ولا أرى ذلك يُسلَّمُ له، لاختلافِ مناسبةِ الحديثين، والمُتعلَّق فيهما، فحديثُ أنسٍ إنما هو في أبي النبي صلى الله عليه وسلم، بينما حديث أبي رزين في أُمِّه صلى الله عليه وسلم، نعم؛ لو قيل بأنّ هذا الحديث يوافقُ في دَلالته ما جاء في مَنع النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن الاستغفارِ لأمّه،
لصحَّ القول، وشهِدَ كلٌّ من الحديثين لمعنى الآخرِ، دون تصحيحِ إسنادِ حديثِ أبي رَزين، والحديثُ المشارُ إليه هنا هو ما أخرجَه الإمامُ مسلم وغيره(703) من حديث أبي هريرة، أنه قال: زَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».
ولو لم يكن فيما يتعلّق بمآلِ أمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا حديثَ أبي رزين الضعيف، لما قلنا بِمعناهُ، ولكان هذا أحبَّ إلى قلوبِنا وقلوبِ المُسلمين قاطبةً، لكن؛ جاء حديثُ مسلمٍ الصحيح في تأكيد هذا المعنى، ولله الأمرُ مِن قبلُ ومن بعدُ.
وعليه، فلا بُدّ أن يُستحضرَ على الدّوام عند الخوضِ في هذه المسألَةِ الشّائكةِ المتعلّقةِ بوالديّ أحبّ النّاس إلينا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: أنّه لولا النُّصوصُ الصحيحةُ التي جاءت في بيانِ هذا الأمْرِ، لما فكّر أحدٌ ممّن يُحبُّ اللهَ ورسولَه صلى الله عليه وسلم أن يطرُقَها، بل يُسكتُ عنها كما سكتت عنها الشَّريعة، بل؛ لو لم ترد النّصوصُ بهذا لكان القولُ بموتهما على خيرِ حالِ هو المقدّم، وغيرُه غيرَ واردٍ ابتداءً وانتهاءً، ثم بعد ورود النصوصِ بذلك والتسليمِ بدَلالتها، لا ينبغي أن يحرصَ المسلمُ على إشهارها ونشرِها بين المسلمين بمناسبةٍ وبدون مناسبةٍ، وأن تُجعلَ هذه الأحاديث
حديثَ المجالس، ومادةَ تفكُّه تدورُ على ألسن النّاس في حلّهم وترحالِهم، لما تحملُه هذه الأحاديث الشريفةِ من معانٍ لها أكبر الأثرِ على السّامع المُحبِّ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولولا تكلُّفُ البعضَ لإنكارِ هذه النُّصوص ودفعِها بما لا يثبتُ على ساق مِن الاعتراضات والنُّقود، لكان الحديثُ عنها وبِها لا يتم إلا بأضيقِ الدّوائر، وبإرفاقِها بما يُجلِّي المُرادَ مِنها، والله أعلم.
وممّن اعترض على حديثِ البابِ: مُحمد صادق النّجمي الذي ذكر حديثَ أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما(704) في بيانِ مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، ثُم ادّعى كونَهما مُختلقين - أي مَكذوبين - على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، معلّلًا ذلك بقولِه: « الدلائل التي ذكرناها آنفا وهكذا الروايات الصحيحة والمصادر التاريخية اليقينية تثبت كون هذين الحديثين من المفتريات والموضوعات، لأن الأخبار الصحيحة تبين بأن الكثير من العرب في الجاهلية، كانوا موحدين ومؤمنين بالله الواحد، وأشهرهم في هذا الإيمان بنو هاشم - عبد المطلب وأبو طالب وعبد الله والد النبي -، حيث كانوا يعبدون الله عز وجل ، ويجتنبون عبادة الأصنام، وينكرون ما كان أكثر العرب يعتقدون به، وهؤلاء المؤمنون كانوا يعبدون الله عز وجل تارة على مرأى من كفار قريش، وتارة أخرى في مغارات الجبال » .
قلت: ما قَدّمَ به مِن كونِ كثيرٍ مِن العَربِ في الجاهلية كانوا موحدّين فيه
نَظرٌ، لأنّ النّصوصَ الصّحيحةَ التي بين أيدينا تُثبتُ وجودَ قلّةٍ قليلةٍ كانت تَطلبُ التّوحيدَ، وتبحثُ عن دين الله في أرْضِه، كورقةَ بن نوفلٍ عن طريق قراءةِ الكتبِ السابقَةِ، وكزيدِ بنِ عمرو بنِ نفيلٍ عن طريقِ السياحة في الأرضِ، ولذا دعوى كثرةِ وجود المُوَحّدين في عصرِ الجاهليةِ بحاجةٍ إلى نصوصٍ ثابتةٍ صحيحةٍ صريحةٍ، يُقرُّ بصِحّتِها المُحتجُّ بها، والفريقُ المقابلُ له.
ولو سَلّمْنا تنزُّلًا بِكثرةِ الموحّدين في عصر الجاهليةِ، لانتقلنا بذلك إلى السُّؤالِ الأهمِ، وهو: هل كان أكثر النّاسِ قبلَ بِعثةِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم على دينِ التوحيد، والفئةُ الأقل هي مِن المشركين؟ أم كان أكثرُهم مشركين بالله العظيم، والفئةُ الأَقلُّ هي فئة الموحّدين أو الباحثين عن دين التوحيد؟
ولو كان الجوابُ هو الأوّل، أي: أنّ أكثرَ النّاس الذين بُعث فيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم كانوا على دِين التّوحيدِ، للزِمَنا أن نقولَ: بأن الأصلَ في حقّ كلِّ مَن جاءَ ذِكرُه مِن أهلِ تلك الحِقبة أنه على التّوحيد، في حياتِه وبعدَ مماته، إلا أنْ يأتيَ خبرٌ صَحيحُ ينقلُ صاحبَه عن هذا الأصلِ، ولو قلنا بأنّ أكثرهم كانوا مشركين لَلَزِمَنا أن نَقول: إن الأصلَ في حقِّ كُلِّ مَن جاء ذِكرُه مِن أهل تلك الحِقبة أنّه مُشركٌ كافرٌ باللهِ العظيمِ في حَياته وبعدَ مَماته، إلا أن يأتيَ خَبرٌ صَحيحُ يَنقلُ صاحبَه عن هذا الأصلِ، واحتياجُنا إلى الخبرِ الصّحيح في كلا الحالَينِ: لكونِ الانتقالِ مِن حالِ اليقينِ أو
غلبةِ الظنِّ إلى حالِ المشكوكِ به المخالفِ للأصل المُستَصْحَبِ؛ لا يَتِمُّ إلا به.
ولا أظنُّ عاقلًا مُنصفًا قد تَبصَّر في مقاصدِ هذه الشريعةِ وغاياتِها، ووقفَ على أسبابِ مبعث النبيِّ صلى الله عليه وسلم يذهبُ إلى القولِ الأول، بل الكُلُّ يَعلمُ بأنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد بُعث في قومٍ مُشركينَ، يَعبدون الأصْنامَ، ويركبونَ الفَواحشَ، ويأتون القبائِحَ، وهذا حال أغلَبِهم في ذلك الزمان، والمخالفُ لهم إنما هم أفرادٌ قلائلُ، جاءت النصوصُ بذكْرهِم، وعليه: فمن أراد أن يُثبتَ إيمانَ أحدٍ مِن أهلِ ذلك الزّمانِ، فعليه أن يَأتيَ بالدّليلِ الخاصِّ النّاصِّ على ذلك، ولا بد أن يكون الدّليلُ صحيحًا حتى تقومَ به الحُجَّةُ، وهذا ما لم نَجدْه في طرحِ النّجميِّ، الذي قرّرَ إيمانَ بني هاشَم، بل وَعَدَّهم أشهرَ المؤمنين في زَمانهم، عارضًا بشيءٍ مِن التّفصيل إلى ذِكر أماكن عباداتِهم، مُتْبِعًا ذلك بقولِه: « والدليل على إيمان أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وآبائه نذكر حديثين كنموذج لا الحصر: 1 - عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: والله ما عبد أبي ولا جدّي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنمًا قط. قيل: فما كانوا يعبدون؟ قال عليه السلام : كانوا يعبدون - يصلون إلى - البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به(705) » .
2 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي!
إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين أبي إبراهيم عليه السلام»(706)
ونقل أحمدُ بن حنبل في مسنده، وكذا ابن سعد في طبقاته: إن أبا ذَرٍّ كان في الجاهلية موحِّدًا ومؤمنًا بالله.
قلت: هذا ما ذكره النَّجميُّ للدَّلالة على ما ادّعاه مِن إيمان أجدادِ النّبي صلى الله عليه وسلم، والظاهرُ أن هذا أقوى ما يَستطيعُ ذِكرَه هنا للاحتجاج على دعواه، إذ لو وجد ما هو أصَحُّ إسنادًا لصاحَ به، ولقدَّمه وما أخَّرَهُ.
وعند محاولةِ النّظر في هذين الحديثين، نجدُ أن المَرجِعَ المعاصَر مُحمد آصفِ مُحسني قد استثناهُما من الأحاديثِ المُعتبرةِ مِن رواياتِ البابِ(707) .
ومصطلحُ المُعتبرُ عند الإمامية يُقابلُ الحديثَ المقبولَ عند أهلِ السُّنة بدرجتيه الصّحيحِ والحَسن، ويعني هذا أن ما احتجّ به النّجميُّ لا يَصِحُّ بحالٍ من الأحوالِ، لا عندنا ولا عندهم.
وأما ما ذكرَهُ عن أبي ذرٍّ فحالُه في هذا كحالِ غيره ممّن جاءت الأخبارُ في طَلَبِهم دينَ الحنيفية،
كورقةَ وزيدِ بن عمرو، وهذا لا يعني تعميمَ حُكمه على غيرِه من أهل الجاهليةِ، وقد سبقت مثلُ هذه الإشارةِ، والله أعلم.
ثم تابع النّجميُّ قائلًا: أما الذين اختلقوا هذين الحديثين لم تكن غايتهم إلا محوَ الخزي والعار الذي أحدق بهم وبقبيلتهم - الذين حاربوا الإسلام، حفظا للوثنية والشرك وتثبيتا لهما -، وقاوموا القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم، وماتوا وهم مشركين كافرين، أو أنهم أظهروا إسلامهم مكرهين، وطمعًا في المال والدنيا وهم في الواقع كفار ومشركين، نعم إن مختلقي هذه الأحاديث أرادوا بوضعهم حديث كفر أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أن يشبهونهما بآبائهم، وأن يزيلوا العار المطبق على أجدادهم وضمادا لحقارتهم، ولكن المؤسف أن أكثر المسلمين يعتبرون هذه الروايات الموضوعة صحيحة، وعليها بنوا أسس عقائدهم(708) .
قلت: مثلُ هذه الشُّبه الخاليةِ عن كلّ داعمٍ يُسنِدها ويثبتُ أركانَها هي من الرّكاكةِ بمكانٍ، بحيث يسهُل ردّها على كلّ أحدٍ، لأنها باختصارٍ شديدٍ مجرّد أفكارٍ مجرّدةٍ عن كلِّ دليلٍ أو شِبهِ دليلٍ، لا يعجزُ أيُّ واحدٍ نحّى خشيةَ اللهِ جانبًا أن يخوضَ بمثلها، ويَطعنَ بمن شاء مِن خلقِ الله بمثيلاتِها، ويُبطلَ أو يشكّك بما شاء من الحقائق التاريخية والنّصوص الثابتة، والحَقُّ الذي لا حقّ غيره أن المفترَضَ فيمن تصدّر للكتابة والتأليف
في مثل هذه المسائل الشائكة، أن يكون على قَدرٍ من التديّنِ ومراقبة الله تعالى والوعيِ واحترام عقل القارئ، وأن يتأنّى أشدّ التأنّي فيما يَسْطُرُه ويعْرِضُه، وكما قيل فيما مضى: لا يزال المرءُ مستورًا، وفي مندوحةٍ ما لم يصنع شعرًا أو يؤلِّف كتابًا، لأن شِعرَه تَرجُمانِ عِلْمِه، وتأليفَه عنوان عقله(709) و: مَن صَنّفَ فقد جَعلَ عَقْلَهُ على طبقٍ يَعرِضُهُ على النّاسِ(710) أي أظهرَه للنّاس فرأوا مدى رجاحةِ عقلِ المؤلّف أو رجوحِه، ومثلُ هذه الإداناتِ والاتّهاماتِ التي لا تقومُ على دليلٍ، بل ولا على شبهةِ دليلٍ، يكفي لردِّها عند العُقلاءِ عرضُها.
ولو أرَدْنا تنزُّلًا أن نحلّل كلامَه فإنما نفعلُ ذلك لبيان سخافَةِ اتّهامِه هذا، وأنه فضلًا عن خُلُوّه من أيِّ نقلٍ صحيحٍ، فهو أبعدُ ما يكونُ عن العقلِ السليم الصحيح، إذ لا أدري كيف يُزيلُ واضعُ هذا الحديثِ - كما افترضَ النّجمي - العَارَ عن أَبيهِ وجَدِّه بوضعِه حديثًا يثبتُ فيه أن أبا النّبي صلى الله عليه وسلم شاركهما في دخول النّار؟ وهل كثرةُ الدّاخلينَ في نارِ جَهَنَّمَ تُزيل المؤاخذةَ عن أفرادِهم؟ وترفعُ العارَ والخزيَ عن مجموعِهم؟
كان يمكن أن يكونَ لهذا الهذيانِ حظٌّ من نظرٍ بادي الرأي لو كان الأمرُ بالعكس، أي لو قيل: بأن رجلًا قام فَوَضَعَ حديثًا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يثبت فيه أن أبا النّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الجَنّةِ، حتى يَحتجّ هذا
الواضعُ المُفترَضُ بحُسنِ مآل أبي النبيّ صلى الله عليه وسلم، ليُعَمِّمَهُ على مَن شاءَ مِن أهل الجاهليةِ مِن آبائِه وأجدادِه، أما أن يأتي فيضعُ حَديثًا يُثبتُ فيه دخولَ أبي النّبي صلى الله عليه وسلم النّار حتى يُزيلَ العارَ عن أبيهِ أو جَدِّه الذي دخل النّار أيضًا فهذا مِن أعجبِ العَجبِ، إذ يُوحي للنّاظرِ أن دخولَ النار مفخرةٌ تَجلبُ لصاحبها كلّ ثناءٍ وتجُبُّ عنه كلّ خزيٍّ وعارٍ!
وهكذا، الهوى ما يزال يُظهر عوارَ أصحابه، ويَكشفُ سوءاتِهم، وينقلهم من فضيحةٍ إلى أخرى، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله العليّ العظيم.
وهذه آخرُ الشُّبه التي وقفتُ عليها عندَ النّجمي، مما زادَه على كلامِ السبحاني، وبذكرِها وردِّها وبيانِ عدمِ صحّتها، ينتهي حديثُنا عن هذا الحديثِ الشريف، والحمدُ لله الذي بَنعْمَته تَتمُّ الصّالحات.
المطلب الرابع: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه
بوّب لهذا الحديثِ الإمامُ القرطبيّ في شرحه لصحيح مسلم بقوله: بابُ مَن لم يُؤمنْ لم ينفَعْه عملٌ صالح ولا قربةٌ في الآخرة(711) .
وبوّب الإمامُ المُنذريُّ على ذلك بقولِه: في اتّباع النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101](712) .
ومِن شُرّاح مُسلمٍ مَن قال في تبويبه لهذا الحديث: بابُ بيانِ أن مَن ماتَ على الكُفرِ فهو في النّار، ولا تنالُه شفاعةٌ، ولا تنفعُه قرابةُ المقرّبين(713) .
وبوّب أبو داود في سننه على هذا الحديث بقوله: بابٌ في
ذراري المُشركين(714)
وبوّب أبو عَوانة بقوله: بابُ بيانِ تَهوين العذابِ على أبي طالب بشفاعةِ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يناله شفاعتُه بنجاتِه ونجاةِ أبيه(715) مِن النار، وأنّ الكافرَ لا ينفعُه معروفُه إذا مات(716) .
وبوّب ابنُ حبان في صحيحِه على هذا الحديث بقولِه: ذِكْرُ الاستحبابِ للمرْءِ استمالة قلبِ أخيه المسلمِ بما لا يَحظُرُه الكتابُ والسُّنَة(717) .
وبوّب ابنُ منده على هذا الحديثِ بقولِه: ذِكْرُ وجوبِ الإيمان برؤيةِ الله عز وجل(718) .
وأخرج البيهقيُّ هذا الحديثَ في سُنَنِه الكبرى، وبوّب له قائلًا: بابُ نِكاحِ أهلِ الشّركِ وطلاقِهم(719) .
وأخرجه كذلك في دلائلِ النُّبوَّة، فقال: بابُ ذِكرِ وفاةِ عبدِ الله أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاةِ أمّه آمنةَ بنتِ وهبٍ ووفاةِ جدّه عبدِ المُطّلبِ بنِ هاشِم(720) .
الفوائد:
لو كان ولدٌ ينفع والدًا مشركًا لكان الأولى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم(721) من مات على الكفرِ
فهو في النّار، ولا تنفعُه قرابةُ المقربين(722) من مات في الفترةِ على ما كانت عليه العربُ مِن عبادةِ الأوثان؛ فهو من أهل النّارِ(723) حسنُ العِشرةِ للتّسليةِ بالاشتراكِ في المُصيبةِ(724) فيه أدبُ السائل مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم، حيث راعى حرمَتَه صلى الله عليه وسلم، ولم يسألْهُ عن حالِ أبيه هو أيضًا، حتى بادرَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِذلك(725)
الخاتمة
اللهم ربنا لك الحمدُ، حمدًا كثيرًا طيًبًا مباركًا فيه، ملءَ السموات ومِلءَ الأرضِ ومِلءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجدِ أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبدٌ، اللهمّ لا مانعَ لما أعطيتَ؛ ولا معطيَ لما منعتُ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجدِّ.
تمّ بحمد الله ومزيد فضله وكريم عطائه الانتهاء من هذه الكتاب، والذي قامت مادّته على عرضِ إشكالاتٍ واردةٍ على عددٍ من أحاديث صحيحي الإمامين البخاريِّ ومسلم، ومناقشةِ هذه الإشكالات، وبيان ما فيها من خللٍ في تأصيلاتها وفروعها، والتنبيه على عدمِ قيامها على قواعد علمية مطّردةٍ واضحة المعالم.
ومن خلال هذه المناقشات والتحليلات تطرّق البحثُ لمهمّاتٍ متعلّقة بعلم الحديث الشّريف وشيءٍ ممّا يتعلّق بمنهج الإمامين البخاريِّ ومسلم، والسُّبل المسلوكةِ من قِبَلِهما في تصنيف هذين الكتابين الجامعين لأصحّ ما جاء في سنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
وكان لا بد من تضمين هذه المناقشات الإشارة إلى بيان خطورةِ ما تنطوي عليه هذه الإشكالات من تشكيك وتكذيب لمادّة هذين الكتابين
الأساسين في هذا الفنِّ الكريم، ودور هذه الدعاوى كلّها في العودِ على هذه الشريعة المحكمة بكلِّ سوء.
وكذا؛ بيان البون الشاسع بين كثيرٍ من الإشكالات الواردة على أصحّ كتب الحديث الشريف، وبين طرائق وأساليب البحث العلمي القائمة على الفَهم السّديد، والفقه الرشيد لنصوص الوحيين الشريفين.
والحمد لله أولًّا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، على ما أولى وأنْعم؛ وأعان وأكْرم، وسدّدَ وألْهمَ، وأسألُه سبحانه أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعلَ أجرَه في ميزان حسناتِ والداي الكريمين، وإخواني وأخواتي وزوجتي وأولادي، بفضله ومنّه ومزيد كرمه، سبحانه وتعالى.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمّدًا عبدُه ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلّم تسليمًا كبيرًا.
الفهارس
فهرس الأحاديث الشريفة.
فهرس غريب الحديث .
فهرس المراجع والمصادر.
الفهرس التفصيلي.
فهرس الأحاديث الشريفة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ | 217 |
|---|---|
| أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ | 115 |
| إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا | 265 |
| إذا مررتَ بقبرِ كافرٍ فَبشِّرْه بالنَّارِ | 456 |
| أُرِيتُهُ فِي المَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ | 469 |
| اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي | 447 |
| اعْتَرَضَ لِي الشَّيْطَانُ فِي مُصَلَّايَ فَأَخَذْتُ بِحَلْقِهِ فَخَنَقْتُهُ | 393 |
| أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ | 171 |
| اكتب! فوالذي نفسي بيده ما يَخرجُ مِنه إلا حقٌّ | 357 |
| أما ترضى أن تكون أُمّك مع أُمّي | 478 |
| أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ | 398 |
| إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ | 445 |
| إِنَّ الشَّيْطَانَ يُلْقِي عَلَيَّ شَرَارَ النَّارِ لِيَفْتِنَنِي عَنِ الصَّلَاةِ | 395 |
| إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ | 476 |
| أن المشركين لما اجتمعوا بدار الندوةِ للتشاورِ في شأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم | 128 |
| أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى سُبَاطَةَ | 220 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ | 165 |
| أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ | 190 |
| أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ | 397 |
| أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ بِهِمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ | 166 |
| أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو | 34 |
| أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا | 96 |
| أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا | 263 |
| إنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي | 445 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم «دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ مَنْ خَلْفَهُ | 194 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم «دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ فَكَبَّرَ | 170 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ فَكَبَّرَ | 169 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ فَكَبَّرَ | 193 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ | 268 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خرج للصلاة فلما اصطفت الصفوف | 192 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ | 163 - 164 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ وَكَبَّرْنَا مَعَهُ | 168 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَفَعَ إِلَى حَفْصَةَ ابْنَةِ عُمَرَ رَجُلًا | 327 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ بَنِي الْحَكَمِ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ وَيَنْزِلُونَ | 374 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ | 396 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَائِمًا يُصَلِّي بِهِمْ إِذ انْصَرَفَ | 167 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ | 170 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ | 195 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَارِ حِرَاءٍ | 95 |
| أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ | 221 |
| إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ، جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ | 401 |
| إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي | 393 |
| إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ | 391 |
| إن كان لأولّ مَن عابَ على الأوثان ونَهاني عنها | 49 |
| إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا | 352 |
| آنْتِ هِيَهْ؟ لَقَدْ كَبِرْتِ، لَا كَبِرَ سِنُّكِ | 328 |
| إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ | 335 |
| إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ وَأُعَاقِبُ | 323 |
| إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي | 329 |
| إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ | 291 |
| أَنَّهُ «رَأَى جِبْرِيلَ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ». | 114 |
| أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ | 31 - 32 |
| إِنِّي أَتَغَيَّظُ عَلَيْكُمْ وَأَعْذُرُكُمْ، ثُمَّ أَدْعُو اللهَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ: | 332 |
| إِنِّي أُرِيتُ كَأَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَتَعَاوَرُونَ مِنْبَرِي هَذَا | 373 |
| إِنِّي عَهِدْتُ إِلَى رَبِّي عَهْدًا | 324 |
| إِنِّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ | 265 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| إني لأَنسى أو أُنَسَّى لأَسُنَّ | 213 |
| إنّي لم أُبعث لَعّانًا | 346 |
| أَوَّلُ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ النُّبُوَّةِ | 94 |
| أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الوَحْيِ | 87 - 89 |
| أَوَمَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ | 324 |
| أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟ | 263 |
| أَيُّمَا أَحَدٍ لَعَنْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ | 335 |
| أَيُّمَا أَحَدٍ لَعَنْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ | 336 |
| أيُّما رجُلٍ من أمتى سببتُه سَبّةً أو لعنته لَعنةً في غضبي | 333 |
| بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاء | 100 |
| بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ أُصَلِّي اعْتَرَضَ لِي الشَّيْطَانُ | 394 |
| بَيْنَا نَحْنُ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُنَا | 397 |
| بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نُصَلِّي إِذِ انْصَرَفَ وَنَحْنُ قِيَامٌ | 195 |
| ثَكَلْتَكَ أُمُّك | 352 |
| ثَلاثَةٌ لا تَقْرَبُهُمُ الْمَلائِكَةُ السَّكْرَانُ | 182 |
| ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ | 182 |
| جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم | 459 |
| جَاءَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم | 377 |
| جَاءَ رَجُلَانِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَاهُ، |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| فَلَمْ يُعْطِهِمَا | 323 |
| حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ | 458 |
| خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ | 269 |
| خَرَجْتُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَقِيَنِي الشَّيْطَانُ فِي السُّدَّةِ | 396 |
| خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا حَارًّا | 39 |
| خُلُقُه القرآن | 358 |
| دَخَلَ النَّبِيُّ عليه السلام فِي صَلَاةٍ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرْنَا مَعَهُ | 193 |
| دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ | 324 |
| دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَسِيرٍ | 325 |
| دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ | 240 |
| دَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَإِذَا شَيْطَانٌ خَلْفَ الْبَابِ | 395 |
| دخلتُ الجَنّةَ فرأيتُ لزيدِ بنِ عمرِو بنِ نفيلٍ دوحتين | 470 |
| رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَنِي فُلَانٍ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ | 372 |
| رَأَى نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جَارِيَةً يَتِيمَةً عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ | 328 |
| رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الصَّفَا وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى شَخْصٍ فِي صُورَةِ الْفِيلِ | 399 |
| رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا | 222 |
| رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأُنَاسٌ يَتْبَعُونَهُ فَأَتْبَعْتُهُ مَعَهُمْ | 331 |
| زَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ | 479 |
| سِبابُ المُسلمِ فُسوقٌ | 346 |
| سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَعِيبُ أَكْلَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ | 47 |
| سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ وَرَقَةَ | 469 |
| صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي | 268 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَصْحَابِهِ مَرَّةً وَهُوَ جُنُبٌ | 169 |
| صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَجَعَلَ يَهْوِي بِيَدَيْهِ | 395 |
| ضَعِي يَدَيْكِ، فَإِنِّي سَأَلْتُ اللهَ: أَيُّمَا إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي | 327 |
| عَقْرى حَلْقى | 352 |
| غشى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الأمدادُ مِن أهلِ اليمنِ | 331 |
| فَانْطَلَقَتْ خَدِيجَةُ رضي الله عنها، إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ | 96 |
| فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ | 366 |
| فَمَا رُؤِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ | 44 |
| قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ | 401 |
| قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ الْغَدَاةِ | 400 |
| كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ | 91 |
| كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ يَدَيْهِ يَدْعُو | 325 |
| كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ | 328 |
| كلّا والله، لقد اشْتَرَطْتُ على ربّي فقلتُ: اللّهُمَّ إنَّما أنا بَشرٌ | 331 |
| كنت أكتب كلَّ شيءٍ أسمعُه مِن رسولِ الله أُريدُ حِفظَه | 357 |
| كنت في حراء، فلمّا قضيت جواري | 131 |
| لَا تَسُبُّوا وَرَقَةَ | 470 |
| لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ | 205 |
| لا تَمْسَحْهُمَا فَإِنَّهُمَا رِجْسٌ | 40 |
| لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ | 134 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| لا يَقبلُ الله صلاةَ أحدِكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ | 200 |
| لا يَقبل اللهُ صلاةً بغيرِ طهور | 200 |
| لا يكون اللّعّانون شُفعاءَ | 350 |
| لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا | 464 |
| لُعِنْتَ أَوْ قَالَ: خُزِيتَ | 397 |
| لَقَدْ شِبْتِ لَا أَشَبَّ اللهُ قَرْنَكِ | 328 |
| لِمَ تَنَحَّيْتَ عَنِّي؟ | 226 |
| لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا | 352 |
| لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا | 352 |
| اللَّهمّ الْعَنْهُم، اللَّهمّ الْعَنْهُم | 331 |
| اللهُمَّ إِنَّ أُنَاسًا يَتْبَعُونِي، وَإِنِّي لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتْبَعُونِي | 332 |
| اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ | 323 |
| اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ | 321 |
| اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا عَبْدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دَعَوْتُ عَلَيْهِ بِدَعْوَةٍ | 326 |
| اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ | 325 |
| اللهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ | 322 |
| اللهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ | 320 |
| اللهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ | 322 |
| اللهُمَّ إِنِّي بَشَرٌ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ | 326 |
| اللهُمُّ إِنِّي مُتَّخِذٌ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْفِرَهُ | 319 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| اللهُمَّ فَأَيُّمَا عَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ | 322 |
| اللهُمَّ مَنْ لَعَنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ | 335 |
| لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ، فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي | 396 |
| مَا لَكِ قَطَعَ اللهُ يَدَكِ | 325 |
| مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ | 328 |
| مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ | 352 |
| مَا لِي رَأَيْتُ بَنِي الْحَكَمِ يَنْزُونَ عَلَى مِنْبَرِي نَزْوَ الْقِرَدَةِ؟ | 374 |
| مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا | 180 |
| مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين | 292 |
| مَرَّ عَلَيَّ الشَّيْطَانُ، فَأَخَذْتُهُ، فَخَنَقْتُهُ | 400 |
| مَكَانَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ فَاغْتَسَلَ | 171 |
| مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ | 134 |
| من تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو يردى في نار | 122 |
| من حدَّثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائمًا | 302 |
| مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ | 359 |
| مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا | 359 |
| مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَا، فَأَيُّمَا عَبْدٌ مِنْ أُمَّتِي لَعَنْتُهُ لَعْنَةً | 334 |
| نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا | 289 |
| نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ | 180 |
| نعم فإنّي لا أقولُ في ذلك كلّه إلا حَقًّا | 357 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ القِرْبَةِ | 240 |
| هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ | 471 |
| وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ المَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ الأُفُقَ | 113 |
| وإني خشيت أن أكون كاهنًا | 148 |
| ولم يكن من خَلْق الله أبغض إلي من شاعر | 150 |
| وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً | 69 |
| وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ | 353 |
| يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي | 328 |
| يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَوَ مَا عَلِمْتِ أَنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَ رَبِّي عَهْدًا | 329 |
| يَا حُذَيْفَةُ اسْتُرْنِي | 269 |
| يَا حَفْصَةُ، مَا فَعَلَ الرَّجُلُ؟ | 327 |
| يَا خَدِيجَةُ، إِنِّي أَسْمَعُ صَوْتًا، وَأَرَى ضَوْءًا | 149 |
| يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ | 263 |
| يا رسول الله أين أُمّي | 478 |
| يا رسول الله! جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِي عِقَالَيْنِ | 291 |
| يَا زَيْدُ! أَلَمْ تُنْهَ | 40 |
| يَا زَيْدُ؛ مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ | 39 |
| يَا عُمَرُ، لَا تَبُلْ قَائِمًا | 244 |
| يَا عُمَرُ، لَا تَحْلِفُ بِأَبِيكَ | 244 |
فهرس غريب الحديث
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| أزر | 109 |
|---|---|
| إيماء | 173 |
| برح | 402 |
| بلدح | 50 |
| جأش | 110 |
| جُنُب | 174 |
| جهد | 107 |
| حنث | 105 |
| خسئ | 403 |
| رِزّ | 173 |
| رؤيا | 103 |
| زمّل | 107 |
| سارية | 403 |
| سبط | 228 |
| سدّة | 404 |
| سفرة | 50 |
| شطن | 404 |
| عذاب | 339 |
| عفريت | 402 |
| غار حراء | 106 |
| غطّ | 107 |
| غفران | 338 |
| غيظ | 338 |
| فلق الصبح | 105 |
| قرى | 108 |
| كلٌّ | 108 |
| كنه | 337 |
| لعن | 337 |
| نُصُب | 50 |
| نطف | 172 |
| نمس | 109 |
| وجد | 337 |
| وحي | 102 |
فهرس المراجع والمصادر
الشيباني، أحمد بن محمد بن حنبل، المسند، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1421هـ. 2001م. الحربي، إبراهيم بن إسحاق، غريب الحديث، تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، الناشر: جامعة أم القرى مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، 1405هـ. النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى، 1421 هـ 2001 م. العبسي، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المصنَّف، تحقيق: محمد عوامة، الناشر: دار القبلة، الطبعة الأولى 1427هـ، 2006 م. البستي، محمد بن حبان، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ترتيب الأمير ابن بلبان الفارسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثانية 1414هـ. 1993م. البستي، محمد بن حبان، الثقات، طبع بإعانة: وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية، تحت مراقبة: الدكتور محمد عبد المعيد خان مدير دائرة المعارف العثمانية، الناشر: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة: الأولى، 1393 ه 1973. البستي، محمد بن حبان، كتاب المجروحين، تحقيق: محمود إبراهيم زايد دار الوعي حلب ط. الأولى 1396هـ. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الناشر: مكتبة ابن تيمية القاهرة، الطبعة: الثانية. البخاري، محمد بن
إسماعيل، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ. البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، وفي ذيله الجوهر النقي، الناشر: مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد، الطبعة الأولى 1344 هـ. المزي، يوسف بن عبد الرحمن، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت ط. الأولى، 1400 1980. السبتي، عياض بن موسى، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، دار النشر: المكتبة العتيقة ودار التراث. ابن قرقول، إبراهيم بن يوسف بن أدهم الوهراني الحمزي، مطالع الأنوار على صحاح الآثار، تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية دولة قطر، الطبعة: الأولى، 1433 هـ 2012 م. الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت، تاريخ بغداد، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة: الأولى، 1422هـ 2002 م. الأصبهاني، أحمد بن عبد الله، ذكر أخبار أصبهان أبو نعيم، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، مطابع الفاروق الحديثة، القاهرة. الموصلي، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثُنى، المسند، تحقيق: حسين سليم أسد، الناشر: دار المأمون للتراث دمشق، الطبعة: الأولى، 1404 1984.
البيهقي، أحمد بن الحسين، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط. الأولى 1405 هـ. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، 1405 هـ 1985 م. الجرجاني، عبد الله بن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود علي محمد معوض. السَلامي، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي، تحقيق: الدكتور همام عبد الرحيم سعيد، الناشر: مكتبة المنار الزرقاء الأردن، الطبعة الأولى، 1407هـ 1987م. خيثمة، أحمد بن أبي خيثمة، التاريخ الكبير تحقيق: صلاح بن فتحي هلال، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر القاهرة. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1382 هـ 1963 م. البصري، محمد بن سعد بن منيع الطبقات الكبرى، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر بيروت، الطبعة الأولى، 1968 م. البصري، محمد بن سعد بن منيع، الطبقات الكبرى، القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم، تحقيق: زياد محمد منصور، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، ط. الثانية، 1408. الطيالسي، أبو داود سليمان بن داود، المسند، تحقيق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر مصر. البزار، أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، المسند المنشور باسم البحر
الزخار، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله وعادل بن سعد وصبري عبد الخالق الشافعي، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (بدأت 1988م، وانتهت 2009م). الغزالي، محمد السقا، فقه السيرة، تخريج الأحاديث: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: دار القلم دمشق، الطبعة: الأولى، 1427 هـ. العراقي، عبد الرحيم بن الحسين، التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر: محمد عبد المحسن الكتبي صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1389هـ/1969م. البخاري، محمد بن إسماعيل، التاريخ الكبير، الناشر: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان. الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله، دلائل النبوة، تحقيق: الدكتور محمد رواس قلعه جي، عبد البر عباس، الناشر: دار النفائس، بيروت، الطبعة: الثانية، 1406 هـ 1986 م. الرازي، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، الجرح والتعديل، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، ط. الأولى، 1271 هـ 1952 م. الشيباني، أحمد بن محمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، الناشر: دار الخاني، الرياض الطبعة: الثانية، 1422 هـ 2001 م. الشيباني، أحمد بن محمد بن حنبل، من كلام أحمد بن حنبل في علل الحديث ومعرفة الرجال، رواية المروذي، تحقيق: صبحي البدري السامرائي، الناشر: مكتبة المعارف الرياض. ابن عساكر،
علي بن الحسن بن هبة الله، تاريخ دمشق، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415 هـ 1995 م. البكري، عبد الله بن عبد العزيز، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، الناشر: عالم الكتب، بيروت، الطبعة: الثالثة، 1403 هـ. الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، 1414 هـ 1993 م. القزويني الرازي، أحمد بن فارس، مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399هـ 1979م. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال. الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين بيروت، الطبعة: الرابعة 1407 هـ 1987 م. الراغب الأصفهانى، الحسين بن محمد، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الناشر: دار القلم، الدار الشامية دمشق بيروت، الطبعة: الأولى 1412 هـ. ابن سيده، علي بن إسماعيل، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1421هـ 2000 م. السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، الناشر: منشورات دار مكتبة الحياة بيروت.
حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله، سلم الوصول إلى طبقات الفحول، تحقيق: محمود عبد القادر الأرناؤوط، إشراف وتقديم: أكمل الدين إحسان أوغلي، تدقيق: صالح سعداوي صالح، الناشر: مكتبة إرسيكا، إستانبول تركيا، عام النشر: 2010 م. الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت، شرف أصحاب الحديث، تحقيق: د. محمد سعيد خطي اوغلي، الناشر: دار إحياء السنة النبوية أنقرة. النيسابوري محمد بن عبد الله بن البيع الحاكم، المدخل إلى الصحيح، تحقيق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، ساعده بعض طلاب العلم في إنجازه، الناشر: دار الإمام أحمد [طبع المجلد الأول فقط سنة 1984 مؤسسة الرسالة]، الطبعة: 1430 هـ 2009 م. الكتاني، محمد بن جعفر، الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، تحقيق: محمد المنتصر بن محمد الزمزمي، الناشر: دار البشائر الإسلامية، ط. السادسة 1421هـ 2000م. السبحاني، جعفر بن محمد، الحديث النبوي. النجمي، محمد صادق، القول الصراح. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الناشر: دار المعرفة بيروت، 1379هـ. النجمي، محمد صادق، أضواء على الصحيحين. السهيلي، عبد الرحمن بن عبد الله، الروض الأنف في شرح السيرة النبوية، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط. الأولى، 1412 هـ.
الكرماني، محمد بن يوسف، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، طبعة أولى: 1356هـ 1937م، طبعة ثانية: 1401هـ 1981م. ابن بطال، علي بن خلف بن عبد الملك، شرح صحيح البخاري تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، الناشر: مكتبة الرشد السعودية، الرياض، ط. الثانية، 1423هـ 2003م. ابن الملقن، عمر بن علي بن أحمد التوضيح لشرح الجامع الصحيح تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث الناشر: دار النوادر، دمشق سوريا الطبعة: الأولى، 1429 هـ 2008 م. النمري، عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1412 هـ 1992 م. الزركشي، محمد بن عبد الله، التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح، تحقيق: د.يحيى بن محمد الحكمي، الناشر: مكتبة الرشد، الطبعة الثانية، 1425هـ، 2004 م. البِرْماوي، محمد بن عبد الدائم، اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب، الناشر: دار النوادر، سوريا، الطبعة: الأولى، 1433 هـ 2012 م. الدماميني، محمد بن أبي بكر بن عمر، مصابيح الجامع شرح الجامع الصحيح للإمام البخاري، تحقيق: نور الدين طالب، دار النوادر، ط. الثانية، 1430هـ، 2010م. الكوراني، أحمد بن إسماعيل، الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1429 هـ 2008 م.
السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، التوشيح شرح الجامع الصحيح، المؤلف: تحقيق: رضوان جامع رضوان، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى، 1419 هـ 1998 م. القسطلاني، أحمد بن محمد بن أبى بكر، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة: السابعة، 1323 هـ. الخطّابي، حمد بن محمد، أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)، تحقيق: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، الناشر: جامعة أم القرى (مركز البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي)، الطبعة: الأولى، 1409 هـ 1988 م. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها القول الصواب بل لا يوجد فيها إلا ما هو خطأ، تحقيق: عبد العزيز بن محمد الخليفة، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى، 1417هـ 1996م. الخَلَّال، أحمد بن محمد بن هارون، السنة، تحقيق: د. عطية الزهراني، الناشر: دار الراية الرياض، الطبعة: الأولى، 1410هـ 1989م. الكشميري، محمد أنور، فيض الباري على صحيح البخاري،، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت. الخطابي، حمد بن محمد بن إبراهيم، غريب الحديث، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، خرج أحاديثه: عبد القيوم عبد رب النبي، الناشر: دار الفكر دمشق، عام النشر: 1402 هـ 1982 م. العينى، محمود بن أحمد، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، 1405 هـ
1985 م. الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد، كشف المشكل من حديث الصحيحين، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن الرياض. السفيري، المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من صحيح الإمام البخاري، تحقيق: أحمد فتحي عبد الرحمن، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1425 هـ 2004 م. الشيباني، أبو بكر بن أبي عاصم، الآحاد والمثاني، تحقيق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة، دار الراية الرياض، الطبعة الأولى، 1411 1991. الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة، جامع الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض (جـ4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، ط. الثانية، 1395هـ 1975 م. الآجُرِّيُّ، محمد بن الحسين الشريعة، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن الرياض السعودية، الطبعة: الثانية، 1420هـ 1999 م. الهيثمي، علي بن أبي بكر بن سليمان، بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، تحقيق: د. حسين أحمد صالح الباكري، الناشر: مركز خدمة السنة والسيرة النبوية المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1413 1992. الدارقطني، علي بن عمر، الضعفاء والمتروكون، تحقيق: د. عبد الرحيم محمد القشقري، أستاذ مساعد بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية، الناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ابن
معين، أبو زكريا يحيى ين معين، التاريخ، رواية الدوري، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف الناشر: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي مكة المكرمة الطبعة الأولى 1399 1979م. المؤلف: أبو جعفر، بن حماد، العُقيلي، الضعفاء، محمد بن عمرو بن موسى، تحقيق: قسم التحقيق بدار التأصيل، الناشر: دار التأصيل، الطبعة: الأولى 2013. الدارقطني، علي بن عمر، السنن، تحقيق: شعيب الارنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1424هـ، 2004م. المسند، إسحاق بن راهويه، تحقيق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، الناشر: مكتبة الإيمان المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1412 1991. أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل، شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى، تحقيق: جمال عزون، الناشر: مكتبة العمرين العلمية الشارقة/ الإمارات، الطبعة: الأولى، 1420هـ /1999 م. الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة: الأولى، 2001م. البزار، أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، المسند المنشور باسم البحر الزخار، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله وعادل بن سعد وصبري عبد الخالق الشافعي، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (بدأت 1988م، وانتهت 2009م). المناوي، محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي، التوقيف على مهمات التعاريف، الناشر: عالم الكتب 38 عبد الخالق ثروت القاهرة، الطبعة: الأولى، 1410هـ 1990م. السبتي،
عياض بن موسى، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، الناشر: دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1409 هـ 1988 م. الكفوي، أيوب بن موسى، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش محمد المصري، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت. العسكري، الحسن بن عبد الله، الفروق اللغوية، تحقيق: محمد إبراهيم سليم، الناشر: دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة مصر. الأزهري، محمد بن أحمد بن الهروي، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، تحقيق: مسعد عبد الحميد السعدني،. الناشر: دار الطلائع. الخطّابي، حمد بن محمد، إصلاح غلط المحدثين، تحقيق: د. حاتم الضامن، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثانية، 1405 هـ 1985 م. الحربي، عاتق بن غيث بن زوير، معالم مكة التأريخية والأثرية، الناشر: دار مكة للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1400 هـ 1980 م. الأزدي، محمد بن الحسن بن دريد، جمهرة اللغة، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين بيروت، الطبعة: الأولى، 1987م. الجزري، محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى محمود محمد الطناحي، الناشر: المكتبة العلمية بيروت، 1399هـ 1979م. ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، لسان العرب، الناشر: دار صادر بيروت، الطبعة: الثالثة 1414 هـ. الفيومي، أحمد بن محمد بن علي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الناشر: المكتبة العلمية بيروت. الفيروزآبادي، محمد
بن يعقوب، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط. الثامنة، 1426 هـ 2005 م. الهروي، القاسم بن سلام، غريب الحديث، تحقيق: الدكتور حسين محمد محمد شرف، أستاذ م بكلية دار العلوم، مراجعة: الأستاذ عبد السلام هارون، الأمين العام لمجمع اللغة العربية، الناشر: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1404 هـ 1984 م. الزجاج، إبراهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، الناشر: عالم الكتب بيروت، الطبعة: الأولى 1408 هـ 1988 م. الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد، غريب الحديث، تحقيق: الدكتور عبد المعطي أمين القلعجي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1405 1985. المديني، محمد بن عمر بن أحمد، المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، تحقيق: عبد الكريم العزباوي، الناشر: جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية مكة المكرمة، دار المدني للطباعة والنشر والتوزيع، جدة المملكة العربية السعودية. السبتي، عياض بن موسى، إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ 1998 م. الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد، زاد المسير في علم التفسير، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة: الأولى 1422 هـ. الآمدي، علي بن محمد بن
سالم، أبكار الأفكار في أصول الدين، تحقيق: أ. د. أحمد محمد المهدي، الناشر: دار الكتب والوثائق القومية القاهرة، الطبعة: الثانية 1424 هـ 2004م. الحميدي محمد بن فتوح، الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، تحقيق: د. علي حسين البواب، الناشر: دار ابن حزم لبنان/ بيروت، الطبعة الثانية، 1423هـ 2002م. الزرقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى 1417هـ 1996م. الدولابي، محمد بن أحمد بن حماد، الذرية الطاهرة النبوية، تحقيق: سعد المبارك الحسن، الناشر: الدار السلفية الكويت، الطبعة: الأولى، 1407 ه. عرجون، محمد صادق، محمد رسول الله؛ منهج ورسالة، بحث وتحقيق، دار القلم. المظفر، محمد حسن، دلائل الصدق، منشورات مكتبة بصيرتي قم ايران، دون تاريخ، دون طبعة. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس الحراني تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م. الموسوي، عبدالحسين شرف الدين العاملي، النص والاجتهاد، منشورات مؤسسة الأعلمي للطباعة كربلاء العراق، 1386 هـ 1966م ط4. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي،، تحقيق: نظر محمد الفاريابي، دار طيبة. عتر، الدكتور نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث، الناشر: دار الفكر، دمشق سورية، الطبعة: الثالثة، 1401 هـ 1981 م. ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله، تبيين كذب المفتري فيما نسب
إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة: الثالثة، 1404هـ. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: د. بشار بن عواد معروف الناشر: دار الغرب، 1424هـ 2003م. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام، تحقيق: أبو عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري، دار النشر: الفاروق الحديثة القاهرة مصر، الطبعة: الأولى، 1426 هـ 2005 م. الفاسي، علي بن محمد بن ابن القطان بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام،، تحقيق: د. الحسين آيت سعيد، الناشر: دار طيبة الرياض، الطبعة الأولى، 1418هـ 1997م. ابن الموّاق، محمد بن أبي بكر بن خلف بغية النقاد النقلة فيما أخل به كتاب «البيان» وأغفله أو ألم به فما تممه ولا كمله، دراسة وتحقيق وتعليق: الدكتور محمد خرشافي، الناشر: مكتبة أضواء السلف، الرياض المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1425 هـ 2004 م. النووي، يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت الطبعة: الثانية، 1392 هـ. الشهرزوي، عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، (مقدمة ابن الصلاح)، تحقيق: نور الدين عتر، الناشر: دار الفكر سوريا، دار الفكر المعاصر بيروت، سنة النشر: 1406هـ 1986م. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، تقريب التهذيب تحقيق: محمد عوامة الناشر: دار الرشيد سوريا الطبعة الأولى 1406هـ 1986م. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، الناشر: دار التراث بيروت، الطبعة: الثانية
1387 هـ. العراقي، عبد الرحيم بن الحسين، وأحمد بن عبد الرحيم، طرح التثريب في شرح التقريب، الناشر: دار إحياء التراث العربي). ابن منده، الإيمان، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى، تحقيق: د.علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الثانية، 1406ه. النيسابوري، محمد بن عبد الله (ابن البيع) الحاكم، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت ط. الأولى، 1411 1990. اللالكائي، هبة الله بن الحسن، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الناشر: دار طيبة السعودية، الطبعة: الثامنة، 1423هـ 2003م. القاري، علي بن سلطان محمد، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الناشر: دار الفكر، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ 2002م. السجستاني، سليمان بن الأشعث (أبو داود)، السنن، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد المكتبة العصرية صيدا بيروت. النسائي، أحمد بن شعيب: (سنن النسائي الصغرى)، تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية، 1406ه 1986م. ابن خُزَيمة، محمد بن إسحاق، الصحيح، تحقيق: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ 2003 م. السرّاج، محمد بن إسحاق بن إبراهيم، تحقيق: الأستاذ إرشاد الحق الأثري،
الناشر: إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد باكستان، الطبعة: 1423 هـ 2002 م. الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة، شرح مشكل الآثار، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى 1415 هـ، 1494 م. النيسابوري، محمد بن إبراهيم بن المنذر، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، الناشر: دار طيبة الرياض السعودية، الطبعة: الأولى 1405 هـ، 1985 م. البيهقي، أحمد بن الحسين، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط. الأولى 1405 هـ. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين القاهرة، الطبقة الرابعة، 1425 هـ 2004 م. الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الصغير، الروض الداني (المعجم الصغير)، تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير، الناشر: المكتب الإسلامي، دار عمار بيروت، عمان، الطبعة: الأولى، 1405 1985. البوصيري، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار النشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: الأولى، 1420 هـ 1999 م. الصنعاني، عبد الرزاق بن همام، المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية، 1403هـ. العبسي، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المصنَّف، تحقيق: محمد عوامة، الناشر: دار القبلة، الطبعة الأولى 1427هـ، 2006 م. الأصبحي، مالك
بن أنس، الموطأ، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، الناشر: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية أبو ظبي الإمارات، الطبعة: الأولى، 1425 هـ 2004 م. بن سيده، علي بن إسماعيل، المخصص، تحقيق: خليل إبراهم جفال، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة: الأولى، 1417هـ 1996م. الحميدي، محمد بن فتوح بن عبد الله، تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم، تحقيق: الدكتورة: زبيدة محمد سعيد عبد العزيز، الناشر: مكتبة السنة القاهرة مصر، الطبعة: الأولى، 1415 1995. المخَلِّص، محمد بن عبد الرحمن بن العباس، المخلصيات وأجزاء أخرى، تحقيق: نبيل سعد الدين جرار، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة قطر، الطبعة: الأولى، 1429 هـ 2008 م. الفَتَّنِي الكجراتي، محمد طاهر بن علي، مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار، الناشر: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الطبعة: الثالثة، 1387 هـ 1967م. القزويني الرازي، أحمد بن فارس، حلية الفقهاء، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: الشركة المتحدة للتوزيع بيروت، الطبعة: الأولى (1403هـ 1983م). ابن دقيق العيد، إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام، الناشر: مطبعة السنة المحمدية. الرازي، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، المراسيل، تحقيق: شكر الله نعمة الله قوجاني،
الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى 1397. الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، (لمكتبة المعارف). الطوسي، محمد بن الحسن، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، تحقيق: السيد حسن الموسوي، دار الكتب الإسلامية طهران ايران، 1390 هـ ش ط3. القزويني: عبد الله بن محمد بن يزيد بن ماجه، السنن، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي الناشر: دار إحياء الكتب العربية فيصل عيسى البابي الحلبي. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن أبي داود، الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة: الأولى، 1423 هـ 2002 م. الحسيني، علي بن طاووس الحسني، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، حققه: مهدي رجائي، مؤسسة البلاغ لبنان، 1419 هـ 1999 م. النمري، يوسف بن عبد الله ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، 1387 هـ. الاسفراييني، يعقوب بن إسحاق، المسند الصحيح المخرّج على صحيح مسلم، تحقيق: مجموعة باحثين، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الطبعة الأولى 1435هـ، 2014م. الحميدي، عبد الله بن الزبير بن عيسى، المسند، تحقيق: حسن سليم أسد الدَّارَانيّ، الناشر: دار السقا، دمشق سوريا، الطبعة: الأولى، 1996 م. الدينوري، عبد الله بن مسلم بن قتيبة،
تأويل مختلف الحديث، الناشر: المكتب الاسلامي مؤسسة الإشراق، الطبعة الثانية مزيده ومنقحة 1419هـ 1999م. ابن شاهين، عمر بن أحمد بن عثمان، ناسخ الحديث ومنسوخه، تحقيق: سمير بن أمين الزهيري، الناشر: مكتبة المنار الزرقاء، الطبعة: الأولى، 1408هـ 1988م. الطبري، محمد بن جرير بن يزيد، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1422 هـ 2001 م. الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن أحمد، المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1417هـ 1996م. النمري، يوسف بن عبد الله بن محمد، الاستذكار، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 2000. الرافعي، عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، التدوين في أخبار قزوين، تحقيق: عزيز الله العطاردي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: 1408هـ 1987م. الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن أحمد، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، الناشر: السعادة بجوار محافظة مصر، 1394هـ 1974م. الخليلي، خليل بن عبد الله، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تحقيق: د. محمد سعيد عمر إدريس، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، ط. الأولى، 1409.
الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة، العلل الكبير، رتبه على كتب الجامع: أبو طالب القاضي، تحقيق: صبحي السامرائي، أبو المعاطي النوري، محمود خليل الصعيدي، الناشر: عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية بيروت، الطبعة: الأولى، 1409هـ. الرازي، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، العلل، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية د/ سعد بن عبد الله الحميد ود/ خالد بن عبد الرحمن الجريسي، الناشر: مطابع الحميضي، الطبعة: الأولى، 1427 هـ 2006 م. السمعاني، عبد الكريم بن محمد الأنساب، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، ط. 1382 هـ 1962 م. ابن ماكولا، علي بن هبة الله بن جعفر الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة: الطبعة الأولى 1411هـ 1990م. الزَّبيدي، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية. القرشي، إسماعيل بن عمر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420هـ 1999 م. الطوسي، أبي جعفر محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، تصحيح وتعليق/علي أكبر الغفاري، كتبة الصدوق طهران، الطبعة الأولى، 1417هـ. الأعرجي، حسن الكاظمي، وسائل الشيعة في أحكام الشريعة، تقديم/البروجردي، قم، طهران، 1346 هـ.
المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول في شرح أخبار الرسول، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1363 هـ. البروجردي، حسين الطباطبائي، جامع أحاديث الشيعة، قم إيران، 1413 هـ. الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم، نشر البنود على مراقي السعود، تقديم: الداي ولد سيدي بابا أحمد رمزي، الناشر: مطبعة فضالة بالمغرب. الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، الناشر: دار المعارف، الرياض المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1412 هـ 1992 م. الألباني، محمد ناصر الدين، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، إشراف: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الثانية 1405 هـ 1985م. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد، المغني، الناشر: مكتبة القاهرة، تاريخ النشر: 1388هـ 1968م. الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، الناشر: مكتبه الحلبي، مصر، الطبعة: الأولى، 1358هـ/1940م. الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، الناشر: دار المعرفة بيروت، الطبعة: بدون طبعة، سنة النشر: 1410هـ/1990م. الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت، الكفاية في علم الرواية، تحقيق: أبو عبدالله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، الناشر: المكتبة العلمية المدينة المنورة.
السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، تحقيق: د. عبد الكريم الخضير، د. محمد بن عبد الله آل فهيد، الناشر: مكتبة دار المنهاج، الطبعة الثانية، 1428هـ. الحلي، الحسن بن يوسف، نهج الحق وكشف الصدق، منشورات دار الهجرة، قم، إيران، 1414 هـ. العراقي، عبد الرحيم بن الحسين، التبصرة والتذكرة في علوم الحديث، قدم لها وراجعها: الدكتور عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن الخضير، تحقيق ودراسة: العربي الدائز الفرياطي، الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، 1428 هـ. البغوي، الحسين بن مسعود، تحقيق: الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي، محمد سليم إبراهيم سمارة، جمال حمدي الذهبي، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1407 هـ 1987 م. النووي، يحيى بن شرف، الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني، قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: الدار الأثرية، عمان الأردن، الطبعة: الأولى، 1428 هـ 2007 م. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، تحقيق: محمد عوامة، أحمد محمد نمر الخطيب، الناشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية مؤسسة علوم القرآن، جدة، الطبعة الأولى، 1413 هـ 1992 م. السبحاني، محمد جعفر، الحديث النبوي بين الرواية والدراية، مؤسسة الإمام الصادق، قم، إيران، 1419هـ. المروروذي، القاضي حسين بن محمد، التعليقة على مختصر المزني، تحقيق: علي محمد معوض عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز مكة المكرمة. الأنصاري، زكريا بن محمد،
الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، الناشر: المطبعة الميمنية. وركبت السفينة، مروان خليفات، النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذّب، الناشر: دار الفكر. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب، الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه، تحقيق: د. محمد جميل غازي، الناشر: مكتبة المدني جدة. الزركشي، محمد بن عبد الله بن بهادر، تشنيف المسامع بجمع الجوامع، دراسة وتحقيق: د سيد عبد العزيز د عبد الله ربيع، الناشر: مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث توزيع المكتبة المكية، الطبعة: الأولى، 1418 هـ 1998 م. ابن الجارود، المنتقى من السنن المسندة، تحقيق: عبد الله عمر البارودي، الناشر: مؤسسة الكتاب الثقافية بيروت، الطبعة: الأولى، 1408 1988. ابن هبيرة، محمد بن هبيرة الذهلي، الإفصاح عن معاني الصحاح، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، الناشر: دار الوطن، سنة النشر: 1417هـ. المازري، محمد بن علي، المعلم بفوائد مسلم، تحقيق: محمد الشاذلي النيفر، الناشر: الدار التونسية للنشر، المؤسّسة الوطنية للكتاب بالجزائر، المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات بيت الحكمة، الطبعة: الثانية، 1988 م، والجزء الثالث صدر بتاريخ 1991م. العيني، محمود بن أحمد بن موسى، شرح سنن أبي داود، تحقيق: خالد بن إبراهيم المصري، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى، 1420 هـ 1999 م. الصنعاني، محمد بن إسماعيل، التَّحبير لإيضَاح معاني التَّيسير، تحقيق: محَمَّد صُبْحي بن حَسَن حَلّاق أبو مصعب، الناشر: مَكتَبَةُ الرُّشد، الرياض المملكة الْعَرَبيَّة
السعودية، الطبعة: الأولى، 1433 هـ 2012 م. البزَّاز، محمد بن عبد الله بن إبراهيم، كتاب الفوائد (الغيلانيات)، تحقيق: حققه: حلمي كامل أسعد عبد الهادي، قدم له وراجعه وعلق عليه: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن الجوزي السعودية الرياض، الطبعة: الأولى، 1417هـ 1997م. الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن أحمد، كتاب الإمامة، تحقيق: الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1407 هـ 1987 م. المقدسي، محمد بن عبد الواحد، الأحاديث المختارة، دراسة وتحقيق: معالي الأستاذ الدكتور عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، الناشر: دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، الطبعة: الثالثة، 1420 هـ 2000 م. ابن الأعرابي، أحمد بن محمد بن زياد بن بشر، المعجم، تحقيق وتخريج: عبد المحسن بن إبراهيم بن أحمد الحسيني، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1418 هـ 1997 م. الأصبهاني، أحمد بن عبد الله، معرفة الصحابة، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض، ط. الأولى 1419هـ 1998 م. ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، المسند، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي وأحمد بن فريد المزيدي، الناشر: دار الوطن الرياض، الطبعة: الأولى، 1997م. البخاري، محمد بن إسماعيل الأدب المفرد، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار البشائر الإسلامية بيروت، ط. الثالثة، 1409 1989، وط. الصديق، ت: عصام هادي. ابن سمعون، محمد بن أحمد بن إسماعيل، الأمالي، دراسة تحقيق: الدكتور
عامر حسن صبري، الناشر: دار البشائر الإسلامية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1423 هـ 2002 م. البخاري، محمد بن إسماعيل، التاريخ الأوسط،، تحقيق: د. تيسير بن سعد أبو حيمد، الناشر: مكتبة الرشد، ط. الأولى1426هـ، 2005م. الفارابي، إسحاق بن إبراهيم، معجم ديوان الأدب، تحقيق: دكتور أحمد مختار عمر، مراجعة: دكتور إبراهيم أنيس، طبعة: مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، عام النشر: 1424 هـ 2003 م. السمعاني، عبد الكريم بن محمد بن منصور أدب الاملاء والاستملاء، تحقيق: ماكس فايسفايلر، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1401 1981. الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، 1414 هـ، 1994 م. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، النكت على كتاب ابن الصلاح، تحقيق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1404هـ/1984م. القرشي، إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1418 هـ 1997 م، 1424هـ 2003م. الأشعري، أحمد بن عيسى، النوادر، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي (ع) قم المقدسة، الطبعة: الأولى سنة الطبع: محرم الحرام ١٤٠٨. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق: محمد الباقر البهبودي، الطبعة: الثانية المصححة، ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م.
الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن، مسند الدارمي المعروف بـسنن الدارمي، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية الطبعة الأولى 1412هـ. 2000م. الشاشي، الهيثم بن كليب، المسند تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله، الناشر: مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1410. الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الأولى، 1414 هـ 1993 م. الشنقيطي، محمد الخَضِر بن سيد عبد الله، كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الأولى، 1415 هـ 1995 م. البكجري، مغلطاي بن قليج، إكمال تهذيب الكمال، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن محمد وأبو محمد أسامة بن إبراهيم، الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1422هـ 2001 م. الماوردي، علي بن محمد بن محمد بن حبيب، تفسير النكت والعيون، تحقيق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت/ لبنان. الزمخشري، محمود بن عمرو بن أحمد، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة: الثالثة 1407 هـ. أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف بن علي، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: صدقي محمد جميل، الناشر: دار الفكر بيروت. القمّي، محمد المشهدي، تفسير كنز الدقائق، دار الغدير، قم إيران 1424هـ، 2003م.
البقاعي، إبراهيم بن عمر بن حسن، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة. ابن عطية، عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى 1422 هـ. الحميري، عبد الله جعفر، قرب الإسناد، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، 1413 هـ، 1993 م. القمي، ابن بابويه، عيون أخبار الرضا، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان، 1404هـ، 1984م. السَلامي، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: مجموعة من المحققين، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية المدينة النبوية، الطبعة الأولى، 1417 هـ 1996 م. الآجري، أبو عبيد، سؤالات أبا داود السجستاني، تحقيق: د. عبد العليم البستوي، الناشر: مكتبة دار الإستقامة، مؤسسة الريان، الطبعة الأولى، 1418هـ، 1997م. المعلمي، عبد الرحمن بن يحيى التنكيل بما في تأنيب الكوثري من أباطيل اليماني تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني الناشر: المكتب الإسلامي الطبعة الثانية 1406هـ 1986م. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الحاوي للفتاوي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت لبنان، عام النشر: 1424 هـ 2004 م. ابن معين، موسوعة أقوال يحيى بن معين في رجال الحديث وعلله، جمعها وحقّقها: بشار عواد معروف، جهاد محمود خليل، محمود محمد خليل، الناشر: دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1430 هـ، 2009م. الرحماني
المباركفوري، عبيد الله بن محمد عبد السلام، مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الناشر: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء الجامعة السلفية بنارس الهند، الطبعة: الثالثة 1404 هـ، 1984 م. الشيباني، أحمد بن عمرو بن الضحاك، كتاب السنة، (ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة بقلم: محمد ناصر الدين الألباني)، الناشر: المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1400هـ/ 1980م. محسني، محمد آصف، مشرعة بحار الأنوار، الناشر: مؤسسة العارف للمطبوعات، الطبعة الثانية، لبنان، 1426هـ 2005 ابن رشيق القيرواني، أبو على الحسن، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: دار الجيل، الطبعة: الخامسة، 1401 هـ 1981 م. القرطبي، أحمد بن عمر بن إبراهيم، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، تحقيق: محيي الدين ديب مستو أحمد محمد السيد يوسف علي بديوي محمود إبراهيم بزال، الناشر: (دار ابن كثير، دمشق بيروت)، (دار الكلم الطيب، دمشق بيروت)، الطبعة: الأولى، 1417 هـ 1996 م. المنذري، عبد العظيم بن عبد القوي، مختصر صحيح مسلم، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت لبنان، الطبعة: السادسة، 1407 هـ 1987 م. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، النسخة العامرية، (1853هـ). طبعة أخرى: تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى 1415 هـ.
الفهرس التفصيلي
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| تلخيص | 5 |
|---|---|
| الفهرس العام | 6 |
| المقدّمة | 7 |
| مادة هذا الكتاب | 20 |
| المَنْهجُ المُتَبَّعُ في دِراسةِ الأحاديثِ | 22 |
| الحديث الأول: ما نُسب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن أكْلِه ما ذُبح على النُّصُب | 29 |
| المطلب الأول: ذكر الحديث | 31 |
| المطلب الثاني: تخريج الحديث | 32 |
| المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع | 50 |
| المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها | 52 |
| المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه | 83 |
| الحديث الثاني: حديث بدء الوحي | 85 |
| المطلب الأول: ذكر الحديث | 87 |
| المطلب الثاني: تخريج الحديث | 89 |
| المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث | 103 |
| المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها | 111 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه | 153 |
| الحديث الثالث: إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بالجنابة | 161 |
| المطلب الأول: ذكر الحديث | 163 |
| المطلب الثاني: تخريج الحديث | 164 |
| المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث | 172 |
| المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها | 175 |
| المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه | 207 |
| الحديث الرابع: بول النبيِّ صلى الله عليه وسلم قائمًا | 215 |
| المطلب الأول: ذكر الحديث | 217 |
| المطلب الثاني: تخريج الحديث | 218 |
| المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث | 228 |
| المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها | 229 |
| المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه | 310 |
| الحديث الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ آذَيْتُهُ، جَلده، أَوْ لَعَنْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً». | 317 |
| المطلب الأول: ذكر الحديث | 319 |
| المطلب الثاني: تخريج الحديث | 320 |
| المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الحديث | 337 |
| المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها | 340 |
| المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه | 384 |
| الحديث السادس: عُروضُ الشيطانِ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم | 389 |
| المطلب الأول: ذكر الحديث | 391 |
| المطلب الثاني: تخريج الحديث | 392 |
| المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له | 402 |
| المطلب الرابع: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها | 406 |
| المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه | 435 |
| الحديث السابع: مصير أبوي النبيِّ صلى الله عليه وسلم | 443 |
| المطلب الأول: ذكر الحديث | 445 |
| المطلب الثاني: تخريج الحديث | 446 |
| المطلب الثالث: ذكر الإشكالات الواردة على الحديث، والردُّ عليها | 448 |
| المطلب الرابع: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه | 487 |
| الخاتمة | 491 |
| فهرس الأحاديث الشريفة | 495 |
| فهرس غريب الحديث | 504 |
| فهرس المراجع والمصادر | 505 |
