بوصفٍ لم يطرأْ على قلبِ بشرٍ في كلِّ زمان، حيث وُصَفَ بأنه قد سَدّ الأُفُقَ(195) جالسٌ على كرسيٍّ بين السّماء والأرضِ(196) وله سِتُمائة جَناحٍ(197) وقد ظهر له فجأةً وطَلبَ منه أن يقرأَ كلُّ ذلك من غيرِ مقدّماتِ-!، فهل كان ينبغي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو أعْقَلُ النّاس أن يَستَفْصِلَ عن مُرادِ المَلَكِ؛ لو افترضنا عدَمَ وضوحِ مُراده-؟ أم يُجيبُ مُباشرةً بهذا الجوابِ الموافقِ لِواقِعِه صلى الله عليه وسلم؟ وهو الذي أخبرَنا به هذا الحديثُ الشريفُ.
ولو تذكّرنا خوفَ إبراهيمَ عليه السلام مِن ضيوفه الذين أتَوْهُ بصورةٍ اعتياديةٍ، في وقتٍ لا يُستبعدُ فيه قدومُ الضيوفِ، حينما رأى أيديَهم لا تصلُ إلى ما قُدّم لهم من طعام ف {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: 70]: وقارنّاه بما حَصَل للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لوجدْنا أن جوابَه صلى الله عليه وسلم بَهذه الكلماتِ كان نتيجةً طبيعيةً مناسبةً لخَوْفِه، موافقةً لواقِعه؛ مِن عدمِ قدرتِه على القراءَة، ولما كان في هذا أيُّ غرابةٍ؛ تدعو صاحبَها إلى السُّخريّة من هذا الحديثِ الشريف، كما حاول المظفّر إن يصوّره ويهوّلَ به!
ثم قال المظفر: « ثمّ كيف يجوز لجبرئيل إيذاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وترويعه وهو يراه عاجزًا عن إتيان ما أمره به؟ فهل جاء معنِّفاً أو معلّماً » ؟!
أقول: نرى المظفّرَ هنا قد اعترف من حيث لا يشعُر بأن جَبريلَ عليه السلام قد تبيّن له عدمُ قدرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم على إجابةِ طلبِه، بتصريحِه أن النبيّ صلى الله
