نَظرٌ، لأنّ النّصوصَ الصّحيحةَ التي بين أيدينا تُثبتُ وجودَ قلّةٍ قليلةٍ كانت تَطلبُ التّوحيدَ، وتبحثُ عن دين الله في أرْضِه، كورقةَ بن نوفلٍ عن طريق قراءةِ الكتبِ السابقَةِ، وكزيدِ بنِ عمرو بنِ نفيلٍ عن طريقِ السياحة في الأرضِ، ولذا دعوى كثرةِ وجود المُوَحّدين في عصرِ الجاهليةِ بحاجةٍ إلى نصوصٍ ثابتةٍ صحيحةٍ صريحةٍ، يُقرُّ بصِحّتِها المُحتجُّ بها، والفريقُ المقابلُ له.
ولو سَلّمْنا تنزُّلًا بِكثرةِ الموحّدين في عصر الجاهليةِ، لانتقلنا بذلك إلى السُّؤالِ الأهمِ، وهو: هل كان أكثر النّاسِ قبلَ بِعثةِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم على دينِ التوحيد، والفئةُ الأقل هي مِن المشركين؟ أم كان أكثرُهم مشركين بالله العظيم، والفئةُ الأَقلُّ هي فئة الموحّدين أو الباحثين عن دين التوحيد؟
ولو كان الجوابُ هو الأوّل، أي: أنّ أكثرَ النّاس الذين بُعث فيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم كانوا على دِين التّوحيدِ، للزِمَنا أن نقولَ: بأن الأصلَ في حقّ كلِّ مَن جاءَ ذِكرُه مِن أهلِ تلك الحِقبة أنه على التّوحيد، في حياتِه وبعدَ مماته، إلا أنْ يأتيَ خبرٌ صَحيحُ ينقلُ صاحبَه عن هذا الأصلِ، ولو قلنا بأنّ أكثرهم كانوا مشركين لَلَزِمَنا أن نَقول: إن الأصلَ في حقِّ كُلِّ مَن جاء ذِكرُه مِن أهل تلك الحِقبة أنّه مُشركٌ كافرٌ باللهِ العظيمِ في حَياته وبعدَ مَماته، إلا أن يأتيَ خَبرٌ صَحيحُ يَنقلُ صاحبَه عن هذا الأصلِ، واحتياجُنا إلى الخبرِ الصّحيح في كلا الحالَينِ: لكونِ الانتقالِ مِن حالِ اليقينِ أو
