في العقل ما يمنع ذلك.. إلى أن قال رحمه الله: وأمّا تحقيقُ القول فيه: فالله سبحانه إنما يَصطفي لرسالِته مَن كان مِن خِيار قومِه،... ومَن نشأ بين قومٍ مُشركين جُهّال؛ لم يكن عليه مِنهم نقصٌ ولا بُغضٌ ولا غَضاضةٌ؛ إذا كان على مِثل دينِهم، إذا كان عندهم معروفًا بالصّدقِ والأمانةِ وفعل ما يعرفون وجوبه واجتناب ما يعرفون قبحه، وقد قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15] فلم يكن هؤلاء مستوجبينَ العذابَ قبل الرسالة، وإن كان لا هو ولا هم يَعرفونَ ما أُرسل به، وفرقٌ بين من يَرتكب ما عُلم قبحُه وبين من يَفعل ما لم يَعرِف؛ فإنّ هذا الثاني لا يَذمُّونه ولا يَعيبون عليه، ولا يكون فِعلُه ممّا هُم عليه منفّرًا عنه؛ بخلاف الأول(206) اهـ
والمقصود من إيراد ما سبق: بيان ضعفِ ما قرّره المظفّرُ في سياقِ إنكارِه لهذا الحديثِ، فلا العقلُ يوجبُ ابتداءً ما أوجبَه هو أو غيرُه من إِثباتِ العِصمةِ للأنبياءِ عليهم السلام قَبلَ مبعثِهِم، ولا النّقلُ كذلك.
ثم إنّ النّظر في ورودِ جُملةِ هَمّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالانتحارِ يُوقفُ النّاظرَ ابتداءً على أنها سُبقت بقول الراوي: (فبلغني) والبلاغُ هنا هو مِن الزهريِّ كما سبق معنا في سياقِ طُرُقِ الحديث فهو النّاقل لهذه الجملةِ المتعلّقة بهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء نفسِه من الشّواهق، دون أن يَذكرَ الزهريُّ مصدَره في ذلك، وأهلُ العلم وشرّاح الحديث لم يُغفلوا الكلامَ على هذه الجُملةِ مِن جُملِ الحديث الشريفِ، حيث بيّنوا أنها من مُدْرجاتِ الزهري، وعليه: فلا ضيرَ يَلحقُ
