وهو عينُ ما أراد فعلَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ ثم تَركَهُ مراعاةً لدعوةِ سليمان عليه السلام، ولو اقتصر القرآنُ الكريمُ على ذِكر صورةٍ أو أكثرِ من تَسليطِ الله عز وجل لسليمانَ عليه السلام على الجنِّ والشياطين، ولم يكن مِن ضِمنِها هذه الصورةُ بعينها؛ ولم يأت ما يُفيد عمومَ القدرةِ والسّيطرة عليهم، لكنّا قد تَنَزّلْنا ووافقْنا السُّبحانيَّ فيما ذهب إليه مِن عَدَمِ مطابقة الحديث لما جاء في كتابِ الله عز وجل، لكننا نرى أن كلّ ما جاء في القرآنِ الكريمِ ممّا يتعلّق ببيانِ علاقة سليمانَ عليه السلام مع الجنّ والشياطين يُبطل كلَّ ما قالَهُ السّبحانيُّ في شُبهَتِه الأخيرةِ هذِه، ذلكم أن الله عز وجل نَصَّ على تَسخيرِه الجِنّ لخدمةِ سليمانَ عليه السلام والائتمار بأمرِه، والانتهاءِ بنهيه، وذكر لنا بعضَ أفراد هذا التسخير، ومنها: تصفيدُهم بالأقرانِ، وأظهر تمامَ قُدرتِه عليهم وعلى عِقابِهم، مما أدّى إلى تَمام خوفِهم منه عليه السلام، وعدمِ جرأةِ أحدٍ منهم على تركِ ما كُلِّف به مِن عملٍ، إلى أن عَلموا بموته، وعندها {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)} [سبأ: 14]، مع ملاحظَةِ أن سياقَ سَردِ النّعم التي أنعم الله عز وجل بها على سليمانَ عليه السلام إنما جاء ذِكرُه بعد دعاءِ سليمان عليه السلام الذي قال فيه: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)} [ص: 35]، فجاء جوابه سبحانه وتعالى بقوله: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ
صيانة الجناب النبوي الشريف: رد الإشكالات الواردة على سبعة أحاديثورقة PDF 430 · صفحة مطبوعة 429
