دون أن يُظهرَ القاعدةَ التي ينطلقُ من خلالها لقبولِ أو ردّ الأحاديث: أهي الصّنعةُ الحديثية التي هو أبعدُ الناس عنها؟ أم موافقةُ ما صحّحه لما نَشأ عليه من اعتقادٍ ومخالفةُ الآخرِ لذلك؟ أم ركوبُ ما تيسّر له مِن وَسيلةٍ لوصوله إلى هدفِه الأكبر المُتمثِّل في إسقاطِ صحيح البخاري وما جَمَعه بين دَفّتيه مِن صحيح أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، بأسانيد قامت على روايات أوثقِ النّاسِ وأحفظِهمِ؟ أم غيرُ ذلك ممّا لا يكاد يخطُر على قلبِ بشرٍ(218)
ويرى الناظرُ المنصف بصورة واضحة بيّنة لا غبش فيها أن الجوابَ الثالثَ هو الأليقُ والأنسبُ بحال المظفَّرِ، وأنّه لا يترك شاذّةً ولا فاذّةً يستطيع مِن خِلالها التوصّلَ إلى هدفِه الأدنى في هِدمِ كتابِ صحيح البخاريِّ إلا وأبرزَها وأظهرَها وزخرَفَها وزيَّنها، مضى معنا شيءٌ كثيرٌ مِن ذلك، وسيأتي معنا شيءٌ أكثر مِنه في الأحاديث التالية في كتابِنا هذا.
وإتمامًا للإنصاف: لا بُدّ أن يَشمل هذا الجوابُ كُلَّ مَن سار على هذه الطريقَةِ اللّامنطقيةِ في إيرادِ الشبه حول صحيح أحاديث النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فليس هذا الأمر خاصًّا بالمظفّر، بل هو شاملٌ له ولغيره ممّن سارَ بسيرِهِ من أيِّ الطوائف والمذاهبِ الإسلاميةِ كان، والأمثلةُ القادمةُ في كتابِنا هذا تزيدُ الصورةَ تجليةً ووضوحًا أكثرَ فأكثرَ.
