عِلمَ اليقينَ أن هذه الطُرُقَ المعوجَّةَ وأخواتِها لا تَزيدُ صاحبَها إلا انغماسًا في أوحالِ الغوايةِ والضّلال، نسأل الله السلامة والعافية.
ولَوْ نَظَرَ السُّبحانيُّ في أَصلِ كَلِمةِ (سُلطانٍ) من حيثُ اللّغةُ لعَلِمَ أنّ المُرادَ بها التَّمُكُّنُ والقَهْرُ(604) ، وهو ما لَم يَتَمكّنَ الشّيطانُ مِن فِعلِه مع نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم في حديثِنا هذا، حيثُ حَاولَ أن يَتسلَّطَ عليه ويَقْهَرَهُ ويَتمكّنَ مِنْهُ كي يُوصِلَ الأذى إلى جَسَدِهِ بما كان يَحْمِلُهُ مِن شِهابِ النّارِ، ولكنّ اللهَ عز وجل أَمكنَ نَبِيَّهَ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ، وَرَدَّ كَيدَه في نَحْرِه، وفرّ خاسئًا حسيرًا، وصَدَقَ فيه قولُه تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99، 100]، وتوافقتْ أدِلَّةُ كِتابِ اللهِ تعالى مَعَ بَعضِها البعض؛ ومع سنّةِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم الكريمة؛ وما تفارَقَت، ولله الحمدُ في الأولى والآخرَةِ.
وأما الشبهة الثالثة فقال فيها السبحاني: « إنّ الرواية تدلّ على مشاهدة الناس للجن، ولذلك صمَّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يربِط ذلك العفريت العاتي المارد من الجن، على سارية من سواري المسجد حتى يصبح الناس وينظروا إليه، مع أنّه خلاف القرآن الكريم، حيث يقول: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، وحمله على غالب الناس خلاف الظاهر، وعلى فرض الصحّة فأهل المدينة من تلك الأغلبية الذين لا يستطيعون رؤية الجنّ » . اهـ.
