الوصولِ إلى أصحّ الألفاظ، ومن ثَمَّ الحكم على اللفظ الآخر بأنّه وهمٌ وقع من بعضِ الرواة، لا يؤثِّر في صحّة أصلِ الرواية، فضلًا عن أن يكون سببًا في ردِّها، واتخاذُ مثلِ هذه الأوهام اليسيرة إن وُجدت ذريعةً لردِّ روايةٍ بأكمَلِها من علاماتِ جَهلِ القائل بها، وبيانِ ضحالةِ عِلمِه، وسَطحِية تعامُله مَع كُتب الرّواية، إذ لو كان ذا معرفةٍ وممارسةٍ لهذه الكتبِ لعَلِم بوجودِ مِثلِ هذه الأوهامِ اليسيرة في بعض روايات الأحاديثِ المتفّق عليها، ولا قائلَ بردّها، ولا يعدو الأمرُ أن يُحكم على راويها بالوهم في هذه اللفظة أو تلك، ممّا قد يقعُ فيه أشدُّ النّاسِ حفظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما حديثُ البابِ فكما أسلفتُ: لم يقعْ بين رُواته اختلافٌ في تَحديدِ الصّلاة التي وقعتْ الحادثةُ عِندها، وإنما نَصَّ أبو سعيد على كونِها صلاةَ الفجر، وسَكَتَ غَيرُهُ مِن الصحابةِ الكِرام عن ذلك، ولم يَتطرَّقوا لتحديدِ زَمانِها، فكانَ ماذا؟
وما قد يُتوّهَمُ مِن أن بعضَ الرُّواةِ في روايتي أبي هُريرة وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما قد صَرّحَ أو لَمَّحَ بِوقوعِ الحادِثةِ في غَيرِ صلاةِ الفَجْرِ ففيه نَظَرٌ، إذ ليس فيهما أدنى إشارةٍ لهذا الوَهم، وقولُه صلى الله عليه وسلم: «حتى تُصْبِحوا» لا يعني وقوعَ تلك الحادثةِ في اللّيلة السّابقةِ، إمّا لأنّ المرادَ بالإصباحِ هنا الصيرورةُ، أي ستَصيرونَ لرُؤيَتِهِ بعدَ ربطِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ، ومنه قوله تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الكهف: 42]، أي صار يُقلِّبُ كَفَّيه، أو أن الإِصباحَ
