تعليمُهم ما فيه خيرُهم في دنياهم وأُخراهم، فهو صلى الله عليه وسلم مع اتّصافِه بأحسنِ الأخلاقِ، وأرَقِّها، وأرْفَعها، كان يتصّف كذلك بكمالِ الحِرصِ على تَعليمِ النّاس دينَهم، وتبييِنِ كلِّ ما يحتاجونَه في مسيرَتِهم إلى الله عز وجل والدّارِ الآخرةِ، وهذا الدافعُ الشريفُ يحملُه صلى الله عليه وسلم ابتداءً على إجابةِ سؤالِ السائلِ الباحثِ عن الحقيقةِ، ما لم يَسألْ عمّا نُهي عنِ السؤال عنه، أو يَظهرُ مِنه نوعُ تعنّتٍ، أو تشكيكٍ، أو غير ذلك مِن الصوارفِ التي تحول بينَه وبينَ الوصولِ إلى الهداية.
وما أرى جنوحَ المُعتَرِضِ إلى التّذكيرِ برحمةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وكمالِ عَطْفِه، إلا بسبَبِ الشِّقِّ الثاني مِن الجواب، وهو المتعلّقُ بمَصيرِ أبي النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإلا لو كان الجواب مُقْتَصرًا على الشّقِّ الأول، لما خَطر ببالِ المُعترضِ ما يتعلّق بَرِحمته صلى الله عليه وسلم، لأنه يعلمُ هو وغيرُه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد أخبرَ عن مَصيرٍ بعضِ الناس بأعيانِهِم بأنهم من أهلِ النّار، سواء كانوا ممّن ناصبوه العداءَ، أو وردت مناسبةٌ تقتضي ذلك، كإجابته السيّدة عائشة رضي الله عنها عندما سألته عن حال ابن جُدعان الذي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ فقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»(686) وكإخبارِه صلى الله عليه وسلم بحالِ ذلك الرّجلِ الذي قاتل بِبسالةٍ غيرِ معهودةٍ، استدعت إعجابَ كلِّ مَن شاهَدَهُ، وشهادتَهم له بحُسنِ الحال والمآل، ومع ذا، فقد أخبرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنه
