أضف إلى ذلك: أن كلا الروايتين أخرجَهما البخاريُّ في صحيحه على التوالي: حديثَ عائشة في نزول الوحي في غار حراء أولًّا، ثم حديثَ جابرٍ في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام بتلك الحال، وقد جاءه بآياتِ سورةِ المُدَّثر، وهذا يعني عدمَ غَفلةِ البخاريِّ عن دَلالة الحديثين، ولو رأى فيهما معارضةَ أحدهِما للآخَر؛ لصرّح بذلك أو لَمّحَ كعاداتِه في مَثيلاتِ هذه الصورة، ولو ظهر له صحةُ أحدِ الحديثين وضعفُ الآخر، لاكتفى بإخراجِ الصحيح، ولأقصى الضعيفَ فلم يُسنده، وإنما يذكره - إن احتاجَ لذكره - مُعلّقًا مع بيانِ ضعفه، أو مبوَّبًا به(217) ، وهو إمامُ هذا الشأن، وخيرُ من أحسنَ إخراجَ حديثِ النبي صلى الله عليه وسلم، وانتقاءَ الأصحّ منه، رحمه الله.
وقد ظهر معنا في أكثرِ مِن مِحورٍ مِن محاورِ النّقاشِ مدى اضطرابِ المظفّرِ في المَنهجيةِ المُتّبعة عنده في نَقد هذا الحديثِ على الأقل حيث رأيناه يُنكرُ ويكذِّبُ ما جاء في حديث بَدءِ الوحي عند البخاريِّ، ويستدلُّ على نقضِه بحديثٍ آخرَ أخرجه البخاريُّ مباشرةً بعدَ الحديثِ المنتَقَدِ عنده،
