بال قائماً وإنْ خلا من كلِّ المحاذير السابقة، وهو ما يحتج به بعضُ أصحابِ الشُّبهات، حيث روى الخطيبُ رحمه الله بإسناده إلى جريرٍ قوله: «رأيتُ سِماكَ بنَ حربٍ يبولُ قائِمًا، فَلَمْ أكتبُ عَنْهُ».
ثم قال الخطيب رحمه الله: وقد قال كثيرٌ من النَّاس: يَجِبُ أن يكونَ المحدِّثُ والشّاهدُ مُجْتنبينَ لكثيرٍ من المباحاتِ، نحوِ التَّبذُّلِ، والجلوسِ للتَّنَزُهِ في الطُرُقاتِ، والأكلِ في الأسواقِ، وصُحبة العامّة الأرذالِ، والبولِ على قوارعِ الطُرُقات، والبولِ قائمًا، والانبساطِ إلى الخُرْق في المداعبة والمزاح، وكلِّ ما قد اتفق على أنه ناقصُ القدرِ والمروءةِ، ورأوا أنّ فِعلَ هذه الأمور يُسقطُ العدالةَ، ويُوجبُ ردَّ الشَّهادةِ. ثم قال الخطيبُ: والذي عندنا في هذا البابِ ردُّ خبرِ فاعلي المُباحات إلى العالِم، والعملُ في ذلك بما يَقوى في نفْسِه، فإن غلبَ على ظنِّه مِن أفعالِ مُرتَكِب المباحَ المُسْقطِ للمروءةِ أنه مطبوعٌ على فِعلِ ذلك والتَّساهلِ به مع كونِه ممَّن لا يَحْمل نفسَه على الكذِبِ في خَبرِه وشَهادتِه، بل يرى إعظامَ ذلك وتحريمَه والتَّنَزُّهَ عنْه، قُبِل خَبرُه، وإن ضَعفت هذه الحال في نفس العالِمِ واتهمّه عَندها، وَجبَ عليه تركُ العَملِ بِخبَرِه وردِّ شَهادَتِه(411) . اهـ ما جاء في الكفاية.
قلت: وتحليل ما سبق كالآتي:
أولًا: ما رُوي عن جريرٍ فيه نظر من حيث ثبوتُه، فهو من روايةِ محمد بن حميدٍ الرازي(412) ، وقد طعن فيه غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث.
ثانيًا: أن ما عقّب به الخطيب إنما هو نقلٌ عن غيره، وليس قولًا له.
ثالثًا: أن هذا الغير لم يُسَمِّه الخطيب، بل عبّر عنه بالكثير، والكثيرُ كما لا يخفى لا يعني الأكثر.
رابعًا:
