يقومُ على دليلٍ، وهو نوعٌ من اختلالِ ميزان الاعتدال في الحُكمِ على المُتماثلات، وهو ما يأباه كلُّ عاقلٍ مِن العُقلاءِ على مَرِّ العُصور.
والمُخرجُ من هذه التناقضاتِ جَميعِها، والضابطُ لمَسيرِ صاحِبِه على طريقٍ واضحٍ مستقيم {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)} [طه: 107] يكونُ بإثبات نوعٍ من العِصْمَةِ يشمَلُهُم جميعًا، ولا يَستثني أحدًا مِن الأنبياءِ الكرام صلى الله عليه وسلم، وهذا القولُ لا بُدّ أن يَكونَ مبنيًّا على استقراءِ ما جاء في أخبارِهم عليهم الصلاةُ والسلام، وما صَدَر مِن بعضِهِم ممّا قد عُوتبوا عليه، وتَراجعوا عنه عليهم السلام، ومَنْ تأمّل كلَّ ما جاء في أَخبارِهم الشريفَةِ الكريمَةِ عليهم السلام، وَجَد أن العصمةَ الثابتةَ في حَقِّهم عليهم السلام هي ما كانت متعلّقةً بتبليغِهِم رِسالاتِ رَبِّهم، فهي التي أُمِروا بِتبليغِها كما وصلتُهم مِن غيرِ تأخيرٍ، وأما ما يتعلّقُ بالتّصرُّفاتِ البشريةِ، فقد يَقعُ منهم ما يُخالفُ الصّوابَ، ثم يُصَحَّحُ فِعْلُهُم بعد ذلك، وهذا ما أكَّدَتْهُ النُّصوصُ القرآنية التي جاءت في هذا المعنى، وهل هناك أَصْرحُ من قوله تعالى في حَقِّ آدم عليه السلام: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١ ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ} [طه: 121، 122]؟ ومِن قَوْلِه تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)} [القصص: 16]؟ وَمِن قولِهِ تعالى في حَقِّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 2، 3]؟ إلى غيرِ ذلك مِن الآياتِ الكريماتِ التي تُثبتُ صدورَ شيءٍ ممّا يؤاخذُ عليه فاعلُه من الأنبياءِ الكرامِ عليهم السلام، وما يَتبَعُ ذلك مِن تَوبَةِ الله عز وجل عليه.
