هنا حينما أغْمضوا عن اعتبارِ الجُملة التي جاء فيها همُّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بإلقاءِ نَفسِه مِن شواهقِ الجِبالِ بأنّهما من بلاغاتِ الزُّهريِّ، وأنّ البلاغَ لو كان يَعقلون أشدَّ انقطاعًا من المُرسَل، فأتَوا على بلاغِ الزُّهريِّ هذا فاتّخذوه ذريعةً لإبطالِ حديث بَدء الوحيِ المتّصل المسلسلِ بأوثقِ الرُّواة، لأن هذا الحديثَ بزعمهم يُسيءُ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم لهمّه بذلك.
فلو كان عبدُ الحسين مُطرّدًا في قاعدته هذه لما احتَجْنا إلى طولِ بيان في ردّ شبهته وشبهةِ مِن سبَقه ولحِقهُ حول الفقرةِ المتعلّقة بِهَمِّ النبي صلى الله عليه وسلم بالانتحارِ، لأنه لو أعملَ هذه القاعدةَ في ردّ الخبرِ، لتوقّف عند تصريحِ راوي الحديث - وهو الزُّهريُّ كما سبق معنا - بأن هذه الفقرةَ المتعلّقةَ إنّما هي مِن البلاغاتِ(222) ، والبلاغُ أضعفُ مِن المرسَل باتفاقٍ، لأن الساقطَ في المرسَل إنما يكون واحدًا بحسبِ تقسيماتِ أهل الحديثِ، ولو زاد على ذلك على التّوالِي لصار معضلًا، أو على غيرِ التّوالي صارَ منقطعًا(223) ، وهكذا، وأمّا البلاغ فنحن نعلم ابتداءً بانقطاع الإِسناد، لكن لا نعلمُ عددَ الرّواةِ الذين أُسقطوا مِن السند.
وهذا كان لا بد أن يَظهر لعبدِ الحسينِ باديَ الرأي، بدلًا من أن يُتعب ذِهنَه وقلمَه في تسطير شبهٍ لا قيمةَ حقيقية لها، ولا أثرَ لها إلا تشكيك النّاس بدينِهم، ومصادرِ تلقّيه، ولاقتصر على الرّوايات الأخرى التي أخرجَها البخاريُّ في صحيحه، وليورد حينها من الاشكالاتِ
