ويؤيّد هذا أن القاضي حسينًا وبعده الإمام النوويّ(448) ثم الحافظ السيوطي ثم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري(449) ؛ لم يسوقوا هذا الخبر على سبيل الذمّ لفاعِلِيه، وإنّما تأييدًا لما قيل مِن كون هذا الفعلِ ممّا يَتطبّب النّاس به، ومنهم سيد ولد آدم نبيّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
مع الإشارةِ بأنّهم إنما ذكروا ذلك في أبواب الطهارة، وآداب الخلاء، لا في أبواب ما ابتدعه الناس من بدعٍ ومحدثاتٍ يتقرّبون بها إلى الله - بزعمهم -، وهذا واضحٌ لا خَفاء فيه على من شرح الله صدره للهداية والتوفيق.
وعليه، فما ساقه النَّجميُ على سبيل الذمّ إنما نتج عن سوءِ فَهْمِهِ لعِبارةِ علماء المسلمين، ومرادِهم في نقولهم، وهذا أمرٌ يَخفِضُه ولا يرفعُه، ويؤخّره ولا يقدّمه، ويُظهرُ ظُلْمَه لنفسِه بتصدِّيه لِنقدِ علماءَ جهابذة؛ ما عُرفوا على مَرِّ التاريخ إلاّ بالتقدّم والرِّفعةِ والإمامةِ في دينِهم وأخلاقِهم وعُلومِهم، واهبين أعمارَهم لخدمة دين الله عز وجل وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فأثابهم الله على حُسنِ صَنيعهم بأن ذلّل لهم العلوم، وأَلانَها لهم كما أَلانَ لداود عليه السلام الحديد، وشرح صدورَهم، وبارك في فُهومهم، وحفظ لنا آثارهم ومصّنفاتهم التي أبهرت عقلَ كلَّ عاقلٍ مؤالفًا كان أو مخالفًا، وأسخنت عيونَ أناسٍ امتلأت خِلال قلوبِهم بأشدّ الحِقد على أولئك البررة، وما نَقموا منهم إلا لاصطفاء الله عز وجل
