كان مِن سنن العرب في الجاهلية، فنقول: نعم قد جاء الخبر بهذا النص في سنن ابن ماجه، فقد جاء فيها قول ابن ماجه: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيَّ، يَقُولُ: قَالَ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَا رَأَيْتُهُ يَبُولُ قَاعِدًا». قَالَ: الرَّجُلُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْهَا.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْبَوْلُ قَائِمًا، أَلَا تَرَاهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ، يَقُولُ: «قَعَدَ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ»(458) .
وهذا النص بتمامه يُظهر توجيهَ سفيان الثوري لما روي عن عائشة رضي الله عنها في إنكار بوله صلى الله عليه وسلم قائمًا، معلّلًا ذلك بكون الرجال أعلمَ بهذا منها، وهو توجيهٌ مستقيمٌ تَعامى عنه النَّجميُّ في نقلِه السابق، ولو ذكره لنَبَّه لِوجهِ الردِّ على ما قالته أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها، ولعلّه إنّما لم يفعلِ ذلك لمزيدِ اطمئنانه أن أحدًا من أتباعه لن يُراجَع نقولَه من ورائه، فأغمض عينيه عن ذلك، وأسرّها في نفسه ولم يُبدها لهم.
ولو أردنا أن نَحتجّ بعمومِ هذا القول الذي طارَ به النّجميُّ، لقلنا: بأن عليًّا رضي الله عنه هو من ضِمن العَرَبِ الخُلَّص، وما كان مِن عادة العرب؛ لا بد أن يكونَ من عادته أيضًا، بل قد صحّ عنه رضي الله عنه موافقتُهم في هذه المسألة خاصةً: أي: في مسألة البولِ قائمًاً، وادّعاءُ النجميّ بأن بَعضَ الصحابة قد وضعَ هذا الحديث نُصرَةً لما كان مشتهرًا بينهم في الجاهلية؛
