إذ كانوا يصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، فسجّل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعْنِهِ إيّاهم في كثيرٍ من مواقفه المشهودة خِزْيًا مؤبّدًا، ليعلم الناس أنهم ليسوا من الله ورسوله في شيء، فيأمن على الدين مِن نِفاقهم، وعلى الأمة من عَبثهم، وما كان ذلك منه إلا نصحًا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين مِن بعدِه ولعامّتهم
وفي الجوابِ على ما كتَبَهُ أقولُ: أما لعنُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأناسٍ مِن بني أمّية، فهذا ما سنناقشه في الفقرة التالية، وأما دعوى وضعِ الصحابةِ هذه الأحاديث مِن قِبَلِهم لنفيِ الشَّين عنهم، فهذا من أكبرِ الكذبِ الذي يُمكن أن يُقالَ في حقِّ أُناسٍ لم يُعرفْ عَنْهم إلّا كلُّ فضيلةٍ، اختارَهَم اللهُ عز وجل على عِلمٍ منه سبحانه بتمامِ صلاحيَّتهم لهذه المهمّةِ الجسيمةِ، وفَضَّلهم - بفضلِهِ - على العالَمين مِن أهلِ زمانِهم، وكانوا رضي الله عنهم أَحْرَصَ النّاس على حِماية النبيِّ صلى الله عليه وسلم من كلِّ سوءٍ، مُحيطين بِه مِن كلِّ جانب، مُدافعين عنه في حَياته؛ بأنفُسِهم وذراريهم وأموالِهم، لم يَدَّخِروا شيئًا إلا وقدّموه في سبيلِ نُصرةَ هذا الدين القويم، وصيانة الجناب النبوي الشريف صلى الله عليه وسلم، ودفعِ كلِّ سوءٍ وُجّه لمقامه الكريم صلى الله عليه وسلم.
وكما كانوا رضي الله عنهم أكثرَ الناس حِرصًا على جنابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن أن يَقرَبَه سوءٌ ولو قَلَّ، كانوا كذلك بعدَ وفاتِه صلى الله عليه وسلم، فقاموا بِصيانةِ سنَّته الكريمةِ، وحِمايتِها مِن كلّ دخيلٍ عليها، مَع تمامِ التَّحرِّي والصِّدقِ فيما يَروونَه عنه صلى الله عليه وسلم؛ ولذا؛ وبفضلِ الله عز وجل عليهم: لم يُعهد عن أحدٍ منهم كذبةٌ واحدةٌ في كلِّ ما رَوَوه عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والحمد لله ربّ العالمين.
