أما من تنحّى عن طريقِ النّاس، وقضى حاجته بعيدًا عن أعينِهم، ولم يرافِقْ ذلك كشفٌ لعورة، فهذا لا حَرَج في فعله، وقد فعله خيرُ البشر نبيُّنا صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله عز وجل لهدايةِ الناس والتيسيرِ عليهم في عباداتهم، وإبعادِهم عن الغلوّ والتكلّف المرهق لصاحبه، وليظهر لهم سماحةَ هذا الدين القويم قائلًا: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)} [المائدة: 6].
وفعلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يوافق الأرفقَ في حياةِ النّاس، ويُطبِّق معنى نفيِ التشدّد عنهم عمليًّا، لأنه صلى الله عليه وسلم فَعلَ ذلك حينما حَضرَه البولُ، ولم يكن هنالك مِن مصلحةٍ في تأخيرِه، بلْ قد يتسبّب تأخيرُه في ضررِ صاحبه - كما هو معلومٌ -، فاستصْلَحَ صلى الله عليه وسلم تِلك البقعةَ ليتبوّل فيها من قيامٍ، مُتنحّيًا عن أعين الناس، آمرًا حذيفةَ رضي الله عنه أن يَحولَ بينهم وبينَ الوصولِ إليه حتى يَفرُغ مِن حاجته، رافعًا صلى الله عليه وسلم بِفعلهِ الحَرجَ عن كلّ من قد يتعرّض لمثلِ هذه الحالة، لِيفعلَ مثلَ فِعله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الفعل لا عَلاقة له من قريبٍ ولا من بعيدٍ بما جاء في كلام السبكيِّ رحمه الله ممّا عُدَّ مخالفًا للمروءة، والحمد لله رب العالمين، الهادي من يشاء من عباده إلى صراطٍ مستقيم.
وبالجواب عمّا حاول أن يستدل به مروان خليفات من كلام السبكي، نكون - بحمد الله - قد أنهينا ردّنا على كلِّ ما وقفنا عليه من شبهٍ سيقت في ردِّ هذا الحديث الصحيح الكريم، والفضل لله أولًا وآخرًا، {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)} [القصص: 70].
