عليه وسلم كان عاجزًا عن فِعل ما طُلِبَ منه، وهذا يعني أن سؤالَ جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم كان واضحًا بيّنًا، وأن جوابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كان كافيًا شافيًا، وهذا الذي عدّه المظفّر تًرويعًا، هو في حقيقةِ الأمر: تهيئةٌ لاستقبالِ أعظمِ كلامٍ سيطرقُ سمعَه الشريف صلى الله عليه وسلم، كلامِ ربِّ العزّة سبحانه وتعالى الذي لو أنزل {عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].
فكان لا بُد لمثلِ هذه المقدِّمات المُمهّداتِ من جِبريل عليه السلام لمثلِ هذا الأمرِ الجللِ، فضَمَّه مرّة ثم أخرى ثم ثالثة، بِقوّة بلغت الجَهد من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كلُّ ذلك لتسكينِ رَوعِه صلى الله عليه وسلم، وتَثبيتِ قلبِه، وتَهدئةِ بالِه، وطَمأنةِ نَفْسِه، ثم لمَّا تَهيَّأ صلى الله عليه وسلم لهذا الأمرِ العظيمِ، وبدأ عنصرُ المفاجأةِ في التلاشي شيئًا فشيئًا، أسمَعَهُ جبريلُ عليه السلام كلامَ ربِّه سبحانه وتعالى، مُبيّنًا له أنّه إنما يقرأ باسم ربِّه الأكرم، {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 4، 5].
والله سبحانه وتعالى قد وصفَ ما سيحمِّلُه نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالقَولِ الثقيل، فقال سبحانه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5]، ووصف لنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم طُرقَ نزولِ الوحيِ عليه، وبيَّن شدّتها عليه في كلِّ مرّةٍ يتنزّل عليه فيها، بحيث كان جبينُه صلى الله عليه وسلم يتفصَّدُ مِن العَرَقِ في اليومِ الباردِ شديدِ البُرودَة(198) مما كان يعالِجُه مِن شدَّةٍ عندَ تلقّي الوحيِ الكريم عليه
