وهذه الشائنةُ التي تُلصقُ كُلَّ العيب بفاعلها - كائنًا من كان - تُظهر كيفيةَ تلاعبِ الهوى بأصحابِه على مرِّ التاريخ، حتى يكادُ الناظرُ في سوءِ أحوالِهِم يَجْزِمُ بأن المتقدِّمَ منهم يَنقلُ هذه العدوى إلى مَن بَعْدَه، حتى يَعُمَّ الفسادُ في أرضِ الله عز وجل، {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)} [الذاريات: 53]، وتَكرُّرُ هذه الباقِعَةِ وكثرةُ تداولِها بين أهلها، تُظهرُ دِقَّةَ تَصويرِ سَلفِنا الصالحِ لأهلِ الأهواء على مَرِّ التاريخ، وتمامَ عدلهم في التّعاملِ مَعَهم؛ والحكمِ عليهم، ولأجل هذا انتشرت مقولُتهم الصادقة القائلةُ: «أَهْلُ الْعِلْمِ يَكْتُبُونَ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ لَا يَكْتُبُونَ إِلَّا مَا لَهُمْ»(548) ، وأَضْحَتْ مطابقةً تَمامَ المطابقةِ لمن قِيلتْ في حَقِّهِم، نسألُ الله أن يجعَلَنا مِنَ {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 18].
ثم لم يقتصر عبدُ الحسين على إخفاءِ الأدلة التي تخالفُ أهدافَهُ ومآرِبَه، بل راح يَطْعَنُ أشدّ الطّعنِ في أئمة هذا الدين، في: نواياهم وذِمَمِهم وتديُّنِهم وصِدقِهم، مع كونِهم هُم الذين سَخّرهم الله عز وجل لخدمة هذا الدِّين القويمِ وحِفظِه ونَشرِه في أَصقاعِ المعمورةِ بأعلى درجاتِ الأمانَةِ والصِّدق والضَّبط التي عرَفتها البشريةُ، متّهِمًا إياهُم بِتُهَمٍ لا تَصْدُر إلّا مِن أعداءِ الإسلامِ المتربّصين به وبأهله الدوائر، قائلًا: إنما وُضع هذا الحديثُ على عهد معاوية تزلُّفاً إليه، وتَقَرُّباً إلى آل أبي العاص وسائرِ بني أمية، وتداركًا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: مِن لعن جماعة من منافقيهم وفراعِنَتهم،
