بل في شريعةِ إبراهيم، على ما اعترف بعضُ أعيانهم، وارتكز قبحُه في العقول، ولننقل بعض كلمات القوم مما يتعلق بالمقام
قلت: أما على رواية البخاريِّ والتي نصّ فيها الراوي على أن السُّفرة قُدِّمت للنبي صلى الله عليه وسلم فامتنع عن الأكل منها، ثم قال زيدٌ ما قال، فلا إِشكالَ فيها، إذ لا يَبْعُد أن يقال: إنها قُدّمت أولًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يأكلَ منها، ولم يُعلّل امتناعَه، ثم قُدِّمت لزيد بن عمرٍو فأبى، وبيّن سبب إبائِه قائلاً: لا آكلُ ممَّا ذُبِح على النُّصُب، وإن أعوزك الدليلُ على هذا التّرتيبِ، فلك أن تقول: إنها قُدّمت للنّبيِّ صلى الله عليه وسلم وزيدِ بن عمرٍو في وقتٍ واحدٍ، فأبى كلٌّ من النبيُّ صلى الله عليه وسلم وزيدٍ الأكلَ منها، ولم يُعلّل النبيُّ صلى الله عليه وسلم سببَ امتناعِه، بينما قال زيدٌّ ما قال، والجوابُ القائمُ على هذا الترتيبِ هو الذي قال به ابنُ بطّال، ولا تكلُّفَ فيه ولا إشكالَ، وإن عَدَّه الحافظ ابن حجر مُشكلًا، مُقدِّمًا عليه توجيهَ الخطابيٍّ. وللحافظِ ابنِ حجرٍ وغيرِه من علماء المسلمين الحقُّ فيما يختارونَه أو يُرجِّحونَه مِن توجيهاتٍ، ما دامَ موافقًا لقواعدِ الشريعة العامة غيرَ مخالفٍ لها - وهم من أعلم النّاس بها -، ومِن هؤلاء الأجلّاء: العلامّةُ ابنُ بطال، الذي اختار وجهَ ترتيبِ سياقِ الحديثِ الذي أشرتُ إليه آنفًا، ولا غرابةَ فيه - كما سبق معنا - ولا إشكالَ ولا تكلُّفَ، ويعزّز حُسنَ توجيهِه واختيارِه: اختيارُ العلامة ابن المُنيِّر شارحِ البخاريِّ له، وهو المعروفُ بحسن اختياراته وسلامةِ ذَوقِه وتوجيهاتِه.
وكونُ الموضِّح لسبب الرفض هو زيدَ بن عمرو لا إشكالَ فيه أيضاً، فهو قد قال مقولَته بحضرةِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإقرارُه صلى الله عليه وسلم على ذلك تَمثَّل في سكوته، وهو
