وبهذا الجوابِ يندَفِعُ إيراد مَن استشكلَ قولَه تعالى: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)} [الصافات: 10] فقال: كيف تَحرِقُ النّارُ النّارَ(617) اهـ كلامُ الحافظِ ابنِ حجرٍ رحمه الله.
ثم ختم السبحانيُّ اعتراضاتِه بالشُّبهةِ الرّابعةِ التي قال فيها: « الرواية تدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم انصرف عن عمله، لأنّه ذكر قول أخيه سليمان: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)} [ص: 35] ، فلأجل ذلك ردَّ الله ذلك الجن خاسئًا ذليلًا صاغرًا مطرودًا، ولكن الآية لا تصلح أن تكون سبباً لانصرافه، وذلك لأنّها لا تدل على أنّ ربط الجن العاتي من خصائص سليمان، فما هو من خصائصه هو المُلك المبنيُّ على قدرة قاهرة، واستخدام الجن والإنس والطير إلى غير ذلك مما جاء في الذكر الحكيم من الجنود، وأين هذا من ربط الجن العاتي بسارية من سواري المسجد في مورد واحد » ؟
قلت: بل إن كتاب الله عز وجل قد دلّ على أنّ مما فضّل الله به عبدَه سليمان على سائرِ مِن سَبقهُ مِن الأنبياءِ عليهم السلام: تمكينَه له مِن السيطرةِ على الجِنّ والشّياطين، وإخضاعَها له عليه السلام، ونَصّ سبحانه في كتابِه على صورٍ مِن أعمالِ الجنّ والشياطين بين يدي سليمان عليه السلام، فقال سبحانه: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 12، 13]، وقال سبحانه: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82]، وقال سبحانه: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ
