لكنّ هذا لا يعني بحالٍ مِن الأحوال أنّ عبدَ الله بنَ عبد المطلّب كان مَن المُوحِّدين الباقينِ على مِلَّةِ إبراهيمَ عليه السلام الحَنيفيةِ، وذلك لأسبابٍ، منها: عدمُ نقلِ مثلِ هذا كما نُقل مثلُه عن غيره من معاصريه كزيدِ بن عمرِو بنِ نُفيلٍ وورقةَ بنِ نوفلٍ، فكلاهما قد جاء في أخبارِه ما يُثبت بحْثهم عن دين إبراهيم عليه السلام، ثم ما جاء في إخبار النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن حالِهِم بعد موتهم، وقد مرّ معنا ذِكرُ ذلك(696) وما نُقل عن عبدِ الله مِن تعفُّفٍ عن ارتكابِ المُحرَّم نُقل مثلُه عن غَيرِه، حيث نُقل عن غير واحدٍ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم امتناعُهم عن شربِ الخمر قبلَ إسلامِهم وإيمانِهم بدعوتِه صلى الله عليه وسلم مع شِرْكِهم بالله عز وجل وانتشارِ الخَمرِ وفُشُوِّه في مُجتَمَعِهم، وامتناعُهم عنه كان بسببِ ما يَرَوْنَ فيهِ مِن قدحٍ في مُروءَةِ فاعلِه، وإيقاعِه في أقبحِ المواقع.
وعبدُ الله بن عبد المطلب كان شريفًا من نسل الشُّرفاءِ، ومثلُه كانت تُعرُفُ له مَنْزَلَتُهُ في مُجْتَمَعِهِ، ووقوعه في مثلِ هذه الفاحشةِ لا يليقُ بمكانته، ومكانةِ أهلِ بيته، لما عُرف عن أهلِ هذا البيتِ كريم النسبِ مِن التَّحلّي بمَحاسنِ الأخلاقِ والتَّرَفُّعِ عن سَيِّئِها.
وما جاء في شِعره من إيثارِه الموتَ والهلاك على الوقوعِ بالحَرامِ، فهو على حُسْنه لا دليلَ فيه أيضًا على توحيدٍ يُنْجِي صاحبَه يومَ القيامة، لأنّ المعروف أنّ العَرَبَ قَبلَ مَبعَثِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكونوا خُلْوًا مِن كامل
