دون تلك الُمقدِّمات المؤلِماتِ التي قَصّها اللهُ عز وجل علينا في كتابِه العزيزِ؛ من إلقاءِ إخوة يوسفَ له في الجُبّ، ثم بيعِه رقيقًا بثمنٍ بخسٍ بعد أن كان حُرًّا معزَّزًا مُكَرَّماً، ثم تُسلُّطِ امرأةِ العزيزِ عليه لإيقاعِه في الفاحشةِ الكبرى، ثم استنصارِها على ذلك بجمعِ النسوة اللاتي قطّعن أيديهن بعد رؤيتهنّ له عليه السلام، ثم سَجنِه بعد ذلك بِضعَ سنين، ليخرجَ بعد ذلك ويُصبح مكينًا أمينًا قائمًا على خزائن مِصر، مع ما سبّبه ذلك كلُّه من حزنٍ شديدِ ملأَ قلبَ يعقوبَ عليه السلام، وكان من تبعاتِه أن ابْيَضَّت {عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)} [يوسف: 84]، وصبرُ أيوب عليه السلام كان يمكنُ أن يُظهرَه ربُّ العزَّة لنا بطريقٍ غير تلك الطريق التي تمّ ابتلاؤُه فيها بمرضٍ طال عهدُه به، واشتد أمرُه عليه، حتى لجأ إلى ربّه متضرّعًا قائلًا: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83، 84]، وقُل مثلَ ذلك في كلِّ مراحلِ سيرةِ نبينا صلى الله عليه وسلم، والتي عانى فيها ما عانى، وتَعرَّض فيها لشتى صنوف الأذى، وكلُّ ذلك كان يُمكن أن يَتِمَّ بطرقٍ أخرى يقترحها المظفّر ومن اقتنع بقوله، بدلًا من حصولِها بما قدّره الله عز وجل وقضاه، وهذا استدراكٌ قبيحٌ على صنيع الله عز وجل لا يتوقّع صدوره من عامّة النّاس، فكيف يُقال ممّن أُدرج في قائمة العلماء، وتصدّر للردود على سائر فِرق المسلمين؟!
وأما احتجاجُ المظفّر بكونِ فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم قد يُحمل على الخصوصية، دون قولِه صلى الله عليه وسلم الذي يُحمل دومًا على العموم: فهو تهويشٌ منه بما لا ينفعهُ في مثلِ هذا الحديثِ، إذ ما علاقةُ
