وهما باللغو متشابهان(213)
قلت: دَعْكَ مِن أسلوبِه الاستفزازيّ، وتأمّلْ كيف صَرَفَهُ أسلوبُه هذا عن التأمِّل في هذا الحديث الذي احتجّ به لإبطالِ حديثِ بَدء الوَحي، ولو تأمّل يسيرًا وتنحّى عن الهوى المسيِّرِ له قليلًا لأبْصَرَ كيف أنَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُخبرُ عن شيءٍ رآه مِن قَبلُ، وهو الوحيُ الكريمُ الذي جاءَه قبلَ ذلك بغارِ حِراء، وهو ما جاء صريحًا في قولِه صلى الله عليه وسلم: فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ(214) ، وهذه الروايةُ تقعُ في صحيح البخاريِّ بعد الروايةِ التي ساقَها المظفّرُ مباشرةً، فالعَجبُ كلّ العجبِ مِن اكتفائِه بتلك الرّواية للتّهويشِ بها في وَجهِ الروايةِ الصّحيحة وعدمِ النظرِ فيما قرُب منها من رواياتٍ للحديث نفسه، ليقفَ على مجموعِ ألفاظِها، ليُعْلم أن فيما أورده اعتراضًا على الحديثِ الصحيحِ شينًا له لا للحديث، وإظهارًا لقلّة اطّلاعٍ، أو سوء طويّةٍ تعمّد بسببها إخفاءَ هذا اللفظ الصريح.
ومع ذا، فلو لم يأتِ تصريحٌ بالروايةِ التي سُقتها بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبرَ عن المَلَك الذي رآه أولّ مرّة بحراء، لكان سياقُ الرّوايةِ التي اكتفى المظفّرُ بإيرادِها مظهرًا لذلك، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم يُخبر - كما أسلفتُ - عن رؤيةِ شيءٍ قد رآه قبلَ ذلك، فعرفَه بمجرّد أن رآه مرّة أخرى، وهذا يقوّي قولَ جماهيرِ العلماءِ القائلين: بأنّ المُدثِّرَ لم تكن أولَّ ما أُوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وجابرٌ رضي الله عنه
