هيهات!
ولنَعُد الآن لبيان الطريقة الصحيحة التي كان ينبغي أن يسلُكها عبدُ الحسين شرفُ الدين في نقدِه لهذا الحديث - بل ولسائرِ الأحاديث التي صدّر نَفْسَه لانتقادها -، فنقول: كان ينبغي لعبدِ الحُسين أن يُصنِّف نَفسَه بالنِّسبة لعلم الحديثِ: هل هو مجتهدٌ فيه؟ أم هو مقلّدٌ فيه؟ فإن كانت الثانيةَ فالأصل في المُقلِّد أن يلتزم أحكام أهل الصنعة، ويسلّم لهم الرّاية فلا يَصدُر إلا عن قولهم، ولن يَجِدَ - إن كان صادقًا مع نَفْسِه وأتباعه - أعلَم ولا أتقن من أئمة الحديث المصنّفينَ فيه، كالإمام مالكٍ والإمامِ أحمدَ، ثم يليهم من حيث الزمان: الإمام البخاريّ - الذي ناصبه عبدُ الحسين أشدّ العداء -، ثُمَّ الإمام مسلم بن الحجاج ثاني اثنين في جمع صحيح حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أصحاب السنن الأربعة، ثم من سار بِسيرِهم مِن أئمة الحديث والعِلل، رحمهم الله ورضي عنهم.
وإن كانت الأُولى فادّعاءُ الاجتهاد يَتطلّبُ مِنْهُ أن يُظهرَ لنا آلاتِه النّظريةَ وتطبيقاتِه العمليةَ على أرضِ الواقِع، حتى يُقنعَ نَفْسَه أولًا بأهليّته لهذه المهمّة الجسيمة التي تجشّم الخوض فيها، ثم يُقنعُ غيره - ثانيًا - بِصِحّة وأرجَحِيّة ما ذهب إليه، أما أن يَخبِط خبطَ عشواءَ، ويركب متن عمياءَ في تعاملِه مع أحاديثه صلى الله عليه وسلم، فيقدّم ويؤخّر ما وافق وخالف هواه، فهذا لا يُعرفُ عندَ من أنعمَ الله عليه بمُسكةٍ من عقلٍ.
ولو سُلكت طريقتُه هذه في التعاملِ مع النُّصوصِ الشَّرعيةِ، لَما سَلِمَ إلا القليلُ منها، وذلك لتفاوتِ عقولِ النّاسِ في مراتبِ الذَّكاءِ والغَباءِ، وتفاوتِ
