ذلك لَجأوا إلى التوفيقِ بينَ هذه الأخبارِ بِوجهٍ أو أكثرَ من الوُجوه المُعتَبرةِ، فإن لم يمكنهم الجمع بين هذه الأخبار المتعارضة بِحالٍ من الأحوال لجأوا إلى التّرجيحِ بطريقةٍ أو أكثر من الطُرُق الكثيرة التي ذكرها أهل العلم في كتُبهم، مُتداوِلينها فيما بينهم.
وسنّةُ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم إنما تَصَدَّى لجَمعِها والتّصنيفِ فيها وتَرتيبِها وحُسنِ عرضِها، وسَماعِها وإِسماعِها، ونشرِها والعملِ بها، والإفادةِ منها: علماء كبارٌ تخصّصوا في هذا العلم وبرعوا فيه، وشهد لهم أوائلُ هذه الأمّة قبلَ أواخرِها بالتقدّم والرِّياسةِ، وصارت كتبُهم الموردَ العذْبَ الزُّلال الذي يتوارد عليه علماءُ كلّ فنٍّ للنّهل والارتواء منه، وفي مقدّمة أولئك الأكابر: الإمامُ البخاريُّ رحمه الله، الذي أجمع القاصي والداني على إِمامتهِ وتَقدُّمه في هذا الفنِّ النّبيلِ، وصار كتابُه الصحيحُ كالكعبة يطوف بها علماءُ الإسلام على اختلاف تخصّصاتهم(446) مُسَلِّمينَ رايةَ الإمامةِ له، مُعترفين بواسعِ اطّلاعِه وعظيمِ حِفظه، وعميقِ فِقهِه وفَهمِه، ولذا، لم نر على مرّ التاريخ من تصدّر لمناقشته من أئمة هذا الشأن إلا الواحدَ بعد الواحد، وفي مسائل يندرجُ أكثرها تحت اختلاف وُجهات النّظر، ويُقدَّم قولُ الإمام البخاريِّ على قول غيرِه في غيرِها، وهذا ما تعارف عليه علماءُ
