لكنّ أهلَ العلم الرّاسخين فيه أحسنوا التعاملَ مع هذه الأحاديثِ، كإِحسانِهم التعاملَ مع غيرِها مِن سُنّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقَبِلوها بكلّ صدرٍ رحبٍ وقاموا بتوجِيهها أَحسنَ التوجيهات، لعِلْمِهم الواسِعِ بِلُغةِ العَرَبِ، واطّلاعِهم الأوْسعِ على مَضامينِ ومَعانِي ومَغازي أقْوالِهِم، ومِن هؤلاء الكِبار: الإمامُ الحافظ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سَلاّم، حيث شرح شيئًا مِن هذه الألفاظ قائلًا: وأمّا قولُه: (تَرِبَتْ يَداك) فإنَ أَصْلَهُ أنَّه يُقال للرَّجلِ إذا قَلَّ مالُه: قَد تَرِبَ، أي: افْتَقَرَ حتى لَصَقَ بالتُّرابِ، وقال الله عز وجل {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)} [البلد: 16، 17]، فَيَروْن - والله أعلم - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يَتَعَمَّد الدُّعاءَ عَليه بالفَقرِ؛ ولكنّ هذه كلمةٌ جاريةٌ على أَلْسِنة العربِ يقولونها وهم لا يُريدون وقوعَ الأَمْر، وهذا كقوله لِصَفِيّة ابنَةِ حُيَيِّ حين قِيل له يَومَ النّفْر: إنّها حائضٌ، فقال: عَقْرًا حَلْقًا ما أَراها إلا حابِسَتُنا. فَأَصْلُ هذا معناهُ: عَقَرَها اللهُ وحَلَقَها، وقوله: عَقرَها الله بمعنى عَقَر جَسدها، وحَلقها بمعنى أصابَها وجعٌ في حَلْقِها(538) . اهـ.
قلت: ولو حُمل حديث الباب ابتداءً على ما جاء في توجيهِ هذه الأحاديث؛ لكان حملًا مناسبًا جدًّا، لا تكلُّفَ فيه، بل قد يُستفاد مِن دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ربّه بأن يَجعلَ دعاءه على من لم يستحقّ ذلك رحمةً ومغفرةً وصلاةً وقربةً إليه سبحانه وتعالى؛ بأن يُطمعَ في رحمةِ الله باستجابةِ دعاءِ نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يُعمّم فضْلَه هذا على أفرادِ مَن دعا عليهم وأجناسِهم، فيشمل
