وقد يطرأُ على البالِ بأن هذا لم يَخْفَ على النجمي، وإنما ساق ما ساقه تلبيسًا على القارئ غيرِ المنتبه، الحريصِ على اتباع قولِه، ولو كان متهافتًا أشدّ التهافت، متناقضًا أكبر التناقض، وهذا احتمالٌ لا يُستبعد، والله سبحانه هو وحده المطّلع على السرائر، وسيجازي كلّ امرئٍ على ما قدّمت يداه، ولن يستطيع أحدٌ كائنًا من كان أن يكتُم على الله عز وجل شيئًا فعَلَه، أو قاله، أو حتى أَسَرَّهُ في نفسه؛ {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)} [النور: 24 - 26].
ثم قام النّجميُّ بعرضِ توجيهاتِ أئمة الإسلام لِما وردَ في هذا الحديث مِن احتمالِ كونِ النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلَ ذلك من أجلِ الاستشفاء لوجع الصُّلْب، أو لعدمِ استطاعتِه الجلوسَ لَعلَّةٍ كانت في مَأبضه صلى الله عليه وسلم، أو لعدمِ استطاعته الجلوسَ لقضاء الحاجةِ كون المكان لا يَصلُحُ لذلك، أو لكونِ البولِ من قيامٍ أحصنَ للدُّبُر، أو كونِه صلى الله عليه وسلم فعلَ ذلك لبيانِ الجوازِ، ثم عقّب النَّجميُّ قائلًا بعد أن نَسبَ هذه الأقوالَ لشرّاح الحديث: « هذه تبريرات مؤيدي البخاري ومسلم وتأويلهم لهاتين الروايتين، وقد عرفت أيها القارئ الكريم هزال هذه التبريرات وخفتها، إنها أعذار أقبح من الذنب، وإنها لأشأم من نفس التهمة التي ألصقوها بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأعتقد أن قبول هذه الأحاديث ثم تبريرها وتأويلها بتأويلات فارغة المعنى وسخيفة لم تكن إلا لعلتين وسببين:
1 - الجهل بمقام النبوة.
2
