ما يلي:
أن أحسَنَها ما كان مرسلًا من طريق الزهريِّ، ومثلُه لا ينبغي أن يُعارَضَ به الحديثُ المرفوعُ الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، وتأكيدُ ذلك مِن وجوهٍ:
لما مضى من قوةِ ووثاقةِ رواية حماد بن سلمة عن ثابت البُنانيِّ، وتقديمِه على كلِّ من خالفَه من الثقاتِ. لو افترضنا صحّةَ الحديث مرفوعاً من طريق سعد بن أبي وقاص، فالنظر يقتضي أن لا يقدّم ابتداءً على ما أخرجه مسلمٌ في صحيحه، وذلك لأن صحيحَ مسلمٍ أصحُّ مِن كلِّ هذه الكتبِ (البزّار - ابن السُّنيّ - دلائل النُّبوة للبيهقيِّ).
مع بيانِ أنه إنما يلجأ إلى المفاضلة بعد النظر في صحّةِ الإسنادِ عند تعارضِ ظاهرِ الحديثين، وأما في حالَتِنا هذه فلا تعارضَ بين الحديثين بحالٍ من الأحوال، كلُّ ما في الأمرِ أن الرّجلين اشتركا في السّؤالِ نفسِه، وتَنوّع جوابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهُما بما لا يتعارض، فالأول تحدّث فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن مصيرِ أبيه كما تحدّث عن مصير أبي السائل، وأما الثاني فقد أَمَرَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأن يُبَشِّرَ الكفار الأموات بالنار إذا ما مَرّ على قبورهم، فكأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يُرسِّخَ في قَلبِ هذا الأعرابيِّ مبدأَ البراءةِ مِن المشركين {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113].
والنَّاظرُ المُنصفُ في سِياق هذه الأخبارِ لا يَجدُ إلا أن يُذعِنَ لهذه النتيجةِ الواضحةِ التي دلّ عليها هذا الحديثُ الصّحيحُ الذي رواه
