سُليمانُ، فلم يُنفِّذْ ما قَوِي عِليْهِ مِن حَبْسِهِ رَغْبَةً عمّا أراد سُليمانُ الانفرادَ بِه، وحِرصًا على إجابةِ الله دَعْوَتَه، وأمّا غيرُ الرّسولِ صلى الله عليه وسلم مِن النّاس فلا يُمَكَّنُ مِن هذا، ولا يَرى أحَدٌ الشّيطانَ على صُورَتِه غير الرّسول؛ لأن الله يقول: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، لكنّه يراه سائرُ الناس إذا تَشَكَّلَ في غيرِ شَكْلِهِ، وتَصوَّرَ في غَيرِ صُورَتِه، كما تَشكَّلَ الذى طَعَنَهُ الأَنصاريُّ حينَ وَجَدَهُ في بَيتِهِ في صُورةِ حَيَّةٍ فَقتلهُ، فمات الرَّجلُ بِه، وبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فِي قوله: إنّ بالمدينةِ جنًّا قد أَسلموا(611) اهـ.
قلت: والتصريحُ بإثبات هذه الخِصّيصةِ لنبيّنا الكريم صلى الله عليه وسلم، كافٍ في التّسليم لتصحيح الحديث، أو على الأقلِّ بَعَدَمِ مُعارضَتِهِ بالآيةِ الكريمةِ، وما نفاهُ ابن بطّال رحمه الله من إمكانِيّةِ وقوعِه لغيرِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قد أثبتَه غيرُه من العلماء عن طريق حوادثَ شخصيةٍ وقعت له، وسيأتي النّقلُ عن الإمام الخطّابي في ذلك، بل لو تأمّل المرءُ قليلًا في حال الجنِّ والشياطينِ في زَمِنِ سليمانَ عليه السلام، وهم تحتَ سُلطانه وقَهْرِهِ: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13]، و{يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء: 82]، وعِفريتٌ من عفارِيتِهم يُخاطبُ سليمانَ عليه السلام عارضًا عليه عرضًا لم يُسمع مثلُه عن أحدٍ من البشر، قائلًا: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]، يقول هذا في حقِّ عرشِ ملكة سبأ الذي أخبرَ عنه الهدهد قائلًا: {وَلَهَا
