وفي مقابلِ أولئك، نجدُ أهَل العلم الذين وفّقهم الله عز وجل لِفَهم كلّياتِ هذه الشريعة، وشريفِ مقاصدها، وعلّمهم كيفيةَ التعاملِ مع نصوصِ الشريعة - المُحكَم منها والمتشابَه - فقاموا بهذا الدورِ الشّريفِ خيرَ قيام، وسَعَوا لتوجيهِ الأحاديثِ التي قد يُخالفُ ظاهرُها ما قعَّدتُه الشريعةُ مِن قواعدَ متينةٍ، كهذا الحديث الذي يُصرّح ظاهرُه بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بالَ في أصل جدارٍ لا يَملِكُه، وكون هذا داخلًا في بابِ التَّصرُّف في مِلك الغَير، فقال الإمام النوويُّ رحمه الله: وقوله: «بالَ في أصلِ الجدار»، أي: قريبًا منه بحيثُ لا يُفسده، أو أنه كان غيرَ مملوكٍ، أو يعلمُ أن مالِكَه لا يَكرَهُ ذلك(428) .
وقال في الحديث الآخر - مدارَ بحثنا هذا -: وأما بَولُه صلى الله عليه وسلم في سُباطةِ قومٍ فيَحْتَمِل أوجهًا، أظهرها: أنهم كانوا يُؤثرون ذلك ولا يكرهونَه، بل يَفرحون بِه، ومن كان هذا حالَه جازَ البولُ في أرضِه، والأكلُ مِن طعامه، ونظائرُ هذا في السُّنة أكثرُ من أن تُحصى، وقد أشرنا إلى هذه القاعدةِ في كتابِ الإيمانِ في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه، قال: احتفزتُ كما يَحْتَفِزُ الثّعلب.
والوجهُ الثاني: أنها لم تكنْ مُختصةً بِهم، بل كانت بفِناءِ دُورهم للنّاس كُلِّهم، فأُضيفت إليهم لقُربِها مِنهم، والثالثُ: أن يَكونوا أَذِنوا لمن أراد قضاءَ الحاجةِ؛ إما بصريحِ الإذن، وإما بما في معناه، والله أعلم(429) .
