لكنّه ليس الرُّكنَ الوحيدَ الذي قامت عليه هذه الشريعةُ الغرّاء الكاملةُ المنزّهةُ عن كلّ نقصٍ، لأن مِن أركانِه الأخرى: الحِكمةَ، وهي متمثّلةٌ في إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقّه، ووضعِ الشيءٍ في مكانه اللائقِ به، ومن صورِ هذه الحكمةِ: الرِّفقُ في الموضع المحتاجِ له، اللائقِ به، والشدّةُ في الموضع المحتاج لها؛ اللائقةِ به، ولذا كان ينبغي على عبدِ الحسين أن يُشير إلى هذه الناحيةِ التي أخفاها، فيَذكر بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أمرَ بالرِّفق واتصف به، هو نفسُه صلى الله عليه وسلم الذي أمرَ بإقامَةِ الحُدودِ الشَّرعية على مُستَحقيها، ورجمِ الزّاني المُحصَن، وقطعِ يدِ السّارق، وبالقِصاص في القتلى، بل نَفّذ أشدَّ أنواع العقوباتِ في أولئك النّفرِ من عُكْلٍ، الذين أَسْلَموا فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ «فَأَمَرَهُمْ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا»، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ «فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا»(546)
وإن أنكرَ عبدُ الحسينِ كلَّ ذلكَ أو بَعضَه؛ فهل يستطيعُ أن يُنكرَ أن الله عز وجل الذي أَمَرَ بالرِّفق؛ قد أمرَ بإقامة الحدود على مستحقيها، فنصّ على جلد الزُّناة، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].
