وهذا وذاك وغيرهُ يندرجُ جميعُهُ في العِلل التي تمنع صاحبَها مِن البول مِن جلوسٍ وتدفعه إلى البول قائمًا، ولذا، لو تأمّل الحِليُّ في هذا الأثر، وفكّر وقدّر ثم نظرَ لعلم بأن هذا الأثر لا يُعارِض ما ثبت من بولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قائمًا، وأن الجمع بين كلا الخبرين على افتراض صحة خبرهِ ممكنٌ متاحٌ، ويُحمل فعلُ النّبي صلى الله عليه وسلم لذلك على وجود علّةِ منعتْهُ مِن الجلوس لقضاءِ حاجَتِه.
وهكذا؛ كلّما أورد الحليُّ ما يراه صالحًا لتقوية شُبَهه ينقلبُ الأمر عليه، ويظهر الحقُّ في خلاف قولِه، والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
ثم إن الحِلّيّ نقل بعض توجيهات أهل العلم لحديث بول النبي صلى الله عليه وسلم قائماً، وسيأتي معنا ذِكرها.
إلّا أنّه في كتابه الآخر، بعد أن نَقل خبرَ حذيفةَ رضي الله عنه في بوله صلى الله عليه وسلم قائمًا، تساءل قائلًا: « فكيف يجوز أن يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البولَ قائمًا؟ مع أن أرذل الناس لو نُسب هذا إليه تبرأ منه(415) » ؟!.
والجواب على هذا أن يقال: سبق معَنا ثبوت ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في أصحّ كتب الحديث، ومثلُ هذا التهويلِ لا يدفع حقًّا ولا يقرّر باطلًا، وكلٌّ يستطيع أن يأتي بمثله، ويسعى لمصادرة الحقِّ الذي أثبته غيرُه، لكن؛ ما على هذا قام نهجُ أهل العلم في تقريرِ مسائل هذا الدين العظيم والتدليلِ عليها،
