بينهما بحملِ قولِه: «كبَّر» على: أراد أن يُكبِّر، أو بأنهما واقعتان؛ أبداه عياضٌ والقرطبيُّ احتمالاً، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابنُ حبَّان كعادته، فإن ثبت؛ وإلا فما في الصحيح أصح(319)
قلت: لم يظهر لي من كلامِ القاضي عياضٍ أنه يَميلُ إلى اعتبارِها واقعتين، بل نَصُّه السابقُ يُظهِر فيه تقديمَه لرواية الصحيحِ على ما سواه، ولم أَقف على كلامٍ له يُخالِف هذا، وأما النوويُّ فإنه نَقَل كلامَ القاضي عياضٍ هذا، ثم أتبعه قائلاً: ويحتمل أنهما قضيَّتان، وهو الأَظْهر(320) .
وقال الحافظُ ابنُ رجب: وليس في الحديث أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بنى على ما مضى من تكبيرةِ الإحرام وهو ناسٍ لِجنابته، فإن قُدِّرَ أن ذلك وقع فهو منسوخٌ؛ لإجماعِ الأمةِ على خِلافه، كما ذكره ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُه، فلم يَبق إلا أحدُ وجهين:
أحدهما: أن يكون صلى الله عليه وسلم لما رجع كبَّر للإحرامِ، وكبَّر الناسُ معه، وعلى هذا التقديرِ، فلا يبقى في الحديثِ دلالةٌ على صِحَّة الصلاةِ خلفَ إمامٍ صلّى بالنّاس مُحدِثًا ناسيًا لِحَدَثِه.
والثاني: أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم استأنفَ تكبيرةَ الإحرامِ، وبنى الناسُ خلفه على تكبيرِهم الماضي.
وهذا هو الذي أشار إليه الشافعيُّ، وجعله عمدةً على صِحَّة صلاة المتطهِّر خلفَ إمامٍ صلّى مُحْدِثًا ناسيًا لِحَدَثِه(321) . اهـ.
