الاعتقاد الأعمى بصحة كل حديث أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما
قلت: أما ادعاءُ جَهلِ هؤلاءِ الأئمةِ بمقامِ النُّبوةِ، فهو مِن أبطلِ الباطلِ، فهم رحمهم الله ورضي عنهم أعلمُ الناس بموارِد حديث النبي صلى الله عليه وسلم ومصادِرِه، وهم أحرصُ الناس على نسبةِ كُلِّ خيرٍ لمقامه الكريمِ صلى الله عليه وسلم، ودفعِ كلِّ باطلٍ عنه، وما قالَه في حقِّ أولئك الكبارِ لا يَعدو أن يكون دعوى مِن دعاويه الزائِفةِ، غَلّفها بكلامٍ إنشائيٍ خالٍ من أيِّ مضمونٍ علميٍّ، سوى ادعائِه أن هذا الفعلَ لا يَليق أن يَصدرُ من النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا بُد هنا من توجيه سؤالٍ يُجَلِّي المسألةَ أكثرَ فأكثرَ، فنقولُ: ما الذي ينبغي على المسلمِ الصادقِ الحريصِ على رضى اللهِ عز وجل ورضى رسولِه صلى الله عليه وسلم أن يفعلَه إذا جاءه نصٌّ صحيحُ السَّند صريحُ المتن عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أيأخُذُ بهِ وبدَلالَتِه ويعملُ به ويرشدُ الناس إليه؟ ثم إذا وقف على ما يعارضِ ظاهرَه، لجأ الى التّوفيق وحُسن التوجيه، إذا تساوت درجاتُ صحة الأخبار المتعارضة في ظاهرِها؟
أم يقومُ بالاعتراض على هذا النصِّ الصحيح الثابت في أصحّ الكتب، وطرحِ هذا الخبر وعدمِ الأخذِ به، دون تعرُّضٍ لدراسة أسانيد هذه الأخبار الصحيحة، وبيانِ أحوالِ رُواتِها، وفهمِ مناهجِ مُصنّفيها، فضلًا عن موافَقتها لأصول الشريعة، وعدمِ الخروجِ عن فُروعها، وإنما يفعل كلَّ ذلك اتباعًا منه لأناسٍ نشأوا على طرائق قددًا، ومشاربَ شتّى، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)} [المؤمنون: 53، 54].
