ولا يعني هذا فضلًا لزيدٍ على النّبي صلى الله عليه وسلم، أو زيادةً في شجاعتِه في مقابلِ شجاعةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الأمرَ - الممنوعَ منه والمقدورَ - قد يكون لأسبابٍ اجتماعيةٍ أو عُرفية أو شخصيةٍ، فزيدٌ عُرف ببحْثِه عن دينِ التّوحيد مِن فترةٍ مبكّرةٍ، وكان كما يظهر من الروايات ذا سنٍّ، ومثلُه لا يُخشى مِن انتشارِ قوله فضلًا عن ديمومته، وأما النّبيُّ صلى الله عليه وسلم فكان مِن أعظمِ بيوتِ قريشٍ، وقولٌ يصدرُ من هذا البيتِ الشّريف يُخالفُ ما تعاهدَ الناس عليه وتعارفوا لا شكّ أن وَقْعه وثِقَله سيكونان ذا أثرٍ بالغ، يُحدثُ في المجتمع ما ليس بالحُسبان، ولم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد تقدّم بَعدُ بالسنِّ، ومثلُه قد عُرف بتمامِ الفضلِ، وحُسن القبولِ بين الناسِ، ممّا يجعلُ لقوله ثقلًا وتأثيرًا وقبولًا قد لا يوجدُ في مقولةِ غيره، أضِف إلى ذلك كلّه: كونه صلى الله عليه وسلم لم يكن قد نُبِّئ بعدُ، فضلًا عن الوصولِ إلى مرحلة الجهرِ بإنكارِ المُنكر.
وهذه الاحتمالاتُ وغيرُها إنما يحْسُن سوقها هنا لبيان أن هذه المسألةَ وغيرَها من المسائل الثابتةِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأسانيدِ الصحيحة، قد تختلفُ الأنظارُ في توجِيهها والتأمُّلِ في أبعادها، وغالبًا ما يبقى الخلافُ سائغًا بين العلماء فيها، والأقوال فيها قريبةٌ محتملةٌ، ولا يتجاوز الخلافُ فيها الإنكارَ المناسبَ المُتقبَّل بين الطرفين، أما أن يصل الأمر فيها إلى تكذيب كلِّ طرفٍ للآخر، أو تبديعِه أو تفسيقِه، فضلًا عن تكفيرِه، فهذا كما يقال: نَفَسٌ غريبٌ أجنبيٌّ لا ينبغي أن يكون له وجودٌ في ساحة العلم الشرعي، والله أعلم.
