د. أحمد سيد أحمد علي
الباحث بمركز البحوث والدراسات بالمبرة
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر
الطبعة الأولى
1436ه/2015م
هاتف: 22560203 - 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
إلى رجل أسلمت له السيادة زمامها طائعة، وانحنت عنده العظمة إجلالاً وهيبة. إلى رجل من سَرَوَات آل بيت النبوة، زَانَهُ حَلِمٌ، وعَلَاهُ فَهْمٌ، كسِب حِبَالَهُ كُلُّ مُهَنَّدٍ، وأقرَّ بشرَفه كُلُّ عظيم. إلى رجل تَلَاشَتِ الْأَخْدَانُ عِنْدَ ذِكْرِ فَضِيلَتِهِ، وَتَبَاعَدَتِ الْأَنْسَابُ عِنْدَ ذِكْرِ عَشِيرَتِهِ. إلى رجل أحبَّ النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا خالط شغاف قلبه، وأحبَّه النبي صلى الله عليه وسلم حبًّا أظهرته العبارة قبل الإشارة، وأجلَّه إجلال الولد والده. إلى رجل أجلَّه الصديقُ، واستسقى به عمرُ، وقدَّره عثمان، وقبَّل علي يده. إلى عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وقرة عينه، وصنو أبيه. إلى صاحبِ السِّقَايَةِ والرِّفادة وَالنَّسَبِ وَالْقَرَابَةِ.
إلى العبَّاس بن عبد المطلب أهدي هذا البحث
في رحاب العباس
بن عبد المطلب رضي الله عنه
إن عم الرجل صنو أبيه. النبي صلى الله عليه وسلم العباس مني وأنا منه. النبي صلى الله عليه وسلم ما رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام يجلّ أحداً ما يجل العباس السيدة عائشة اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون. عمر بن الخطاب مَهْلًا يَا عَبَّاسُ، فَوَاللهِ لَإِسِلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ. عمر بن الخطاب
فهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المقدمة | 15 |
|---|---|
| الفصل الأول |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| العباس في بيته وأسرته (إطلالة ذاتية وإشراقة اجتماعية) | |
| الناس معادن | 25 |
| أرومة العباس | 27 |
| قبيلة قريش | 29 |
| بنو هاشم | 33 |
| العباس إطلالة ذاتية | 37 |
| اسمه ونسبه: | 38 |
| مولده: | 39 |
| كنيته: | 40 |
| صفته رضي الله عنه: | 41 |
| (بيت العباس) أهل بيته زوجاته وأولاده | 45 |
| أم الفضل أكرم النساء أصهاراً | 46 |
| أولاد العباس رضي الله عنه: | 53 |
| أبناء العباس | 53 |
| الفضل بن العباس | 53 |
| قثم بن العباس | 54 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| معبد بن العباس | 56 |
| عبد الله بن العباس | 56 |
| عبيد الله بن العباس | 60 |
| كثير بن العباس | 62 |
| تمام بن العباس | 65 |
| عبد الرحمن بن العباس | 66 |
| الحارث بن العباس | 66 |
| عون بن العباس | 67 |
| تباعد قبور بني العباس | 68 |
| بنات العباس: | 70 |
| أم حبيب بنت العباس | 70 |
| أميمة بنت العباس | 73 |
| صفية بِنْت الْعَبَّاس | 73 |
| إخوة العباس: ( أولاد عبد المطلب ): | 74 |
| موالي العباس: | 82 |
| (العباس واليوم المحتوم) (أما آن للمسافر أن يقيم؟) | 95 |
| الفصل الثاني | |
| العباس في مكة | |
| مشاركة العباس في بناء الكعبة: | 105 |
| جعفر في كفالة العباس: | 107 |
| العباس وريث مجد تليد وسليل بيت حميد «العباس والسقاية» | 110 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| تعريف السقاية | 111 |
| السقاية شرف لا يجادل فيه أحد | 114 |
| السقاية نظرة تاريخية (السقاية عبر آباد الزمن). | 118 |
| قصي والسقاية | 119 |
| عبد مناف والسقاية | 121 |
| هاشم والسقاية | 122 |
| عبد المطلب وحفر زمزم | 123 |
| العباس وإرث السقاية | 129 |
| أنعم بالمقِر والمقَر له | 131 |
| العباس وحنين المآثر | 134 |
| علي بن أبي طالب وشرف المحاولة | 136 |
| صفة سقاية العباس | 137 |
| السقاية في عقب العباس | 138 |
| العباس في الشعب | 140 |
| العباس يوم العقبة «أُيدت تلك الليلة بعمي العباس». | 145 |
| العباس ويوم بدر | 156 |
| العباس ورؤيا عاتكة قبل بدر | 157 |
| المشركون وجنون الارتياب .. توجس وخيفة | 160 |
| العباس في الأسر: (أسير البشر أم الملائكة؟) | 164 |
| النبي صلى الله عليه وسلم وأنين العباس | 170 |
| الفداء (نبأني العليم الخبير) | 171 |
| الفصل الثالث | |
| العباس في المدينة | |
| مدخل | 179 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| العباس في ركب الإيمان (إسلامه رضي الله عنه) | 181 |
| الأقوال في وقت إسلام العباس رضي الله عنه | 182 |
| القول الأول: إسلامه قبل الهجرة وإخفاؤه أمر إسلامه التزاماً باتفاق بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم. | 183 |
| القول الثاني: إسلام العباس بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بدر. | 208 |
| القول الثالث: إسلام العباس بعد غزوة بدر مباشرة | 220 |
| القول الرابع: إسلامه قبل فتح خيبر. | 230 |
| القول الخامس: إسلامه عام الفتح، قبيل فتح مكة. | 237 |
| القول السادس: إسلامه بعد الفتح. | 242 |
| الترجيح: | 243 |
| هجرة العباس وجهاده | 253 |
| هجرة العباس رضي الله عنه | 253 |
| جهاده رضي الله عنه | 261 |
| * العباس يوم فتح مكة | 261 |
| * يوم حنين وزئير الأسد | 272 |
| * يوم الطائف والإقدام على المنايا | 279 |
| * العباس يوم العسرة | 281 |
| * العباس وفتح بيت المقدس في خلافة الفاروق | 283 |
| العباس ومنبر النبي صلى الله عليه وسلم: | 286 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| ميمونة والزواج الميمون | 290 |
| العباس ومرض النبي صلى الله عليه وسلم | 295 |
| - إنك ميت وإنهم ميتون | |
| العباس والبيعة | 310 |
| - موقف العباس من بيعة الخلفاء الثلاثة | 312 |
| الفصل الرابع | |
| العباس مكانته ومناقبه | |
| 1- العباس مكانة ومنزلة | 319 |
| مكانته رضي الله عنه عند قريش (في الجاهلية). | 319 |
| النبي والعباس مكانة رفيعة وحب متبادل. | 327 |
| * مكانة العباس عند النبي صلى الله عليه وسلم وحب النبي صلى الله عليه وسلم له | 327 |
| * مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند العباس وحبه له | 334 |
| مكانة العباس عند الصحابة رضي الله عنهم. | 338 |
| * من صور إجلال الصحابة وتقديرهم للعباس. | 338 |
| 2- العباس بين الفضائل والمناقب | 345 |
| صحيح فضائل العباس رضي الله عنه | 347 |
| الضعيف والموضوع في فضائل العباس رضي الله عنه | 361 |
| آيات روي نزولها في العباس رضي الله عنه | 389 |
| الفصل الخامس | |
| العباس شخصيته وأخلاقه | |
| شخصيته رضي الله عنه | 409 |
| مفتاح شخصية العباس رضي الله عنه | 410 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| حكمة العباس وسداد رأيه | 412 |
| البعد الاقتصادي في شخصية العباس رضي الله عنه (غناؤه وثراؤه) | 417 |
| شواهد ثرائه | 419 |
| البذل والعطاء | 426 |
| الاعتزاز بالنفس | 427 |
| ملامح من أخلاق العباس وصفاته رضي الله عنه | 429 |
| تأدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم | 429 |
| شجاعته رضي الله عنه | 430 |
| صدقه | 431 |
| عفته ورعايته للأخلاق | 432 |
| ثباته | 434 |
| جواره وحمايته للمظلوم | 435 |
| جوده وكرمه: العباس بحر من العطاء لا ساحل له | 437 |
| إنفاقه في سبيل الله | 439 |
| حنوه وإشفاقه وبخاصة على أهل الإسلام | 441 |
| الفصل السادس | |
| العباس في محراب العلم والحكمة | |
| مرويات العباس رضي الله عنه | 447 |
| فقه العباس رضي الله عنه | 461 |
| بلاغة العباس رضي الله عنه | 467 |
| العباس شاعراً | 471 |
| الفصل السابع | |
| العباس إشكالات وشبهات | |
| أولاً: إشكالات على العباس | 479 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| - لماذا لم يكن العباس من العشرة المبشرين بالجنة؟ | 479 |
| - لماذا لم يكن العباس في أهل الشورى؟ | 485 |
| ثانياً: شبهات على العباس | 486 |
| الشبهة الأولى: (العباس والإمامة) الراوندية أو العباسية وإمامة العباس بن عبد المطلب | 487 |
| * تقرير الشبهة | 488 |
| * الرد: هل نصّ النبي صلى الله عليه وسلم على إمامة العباس؟ | 493 |
| الشبهة الثانية: العباس ليس من جملة الصحابة | 499 |
| * تقرير الشبهة | 499 |
| * الرد عليها | 504 |
| الشبهة الثالثة: العباس وبيعة أبي بكر رضي الله عنهما (السقيفة) | 516 |
| * تقرير الشبهة والرد عليها | 516 |
| الشبهة الرابعة: ذمُّ العباس ووصمه بالذلة | 554 |
| * تقرير الشبهة | 554 |
| * الرد على الشبهة ومتضمناتها: | 560 |
| 1 - تهافت البناء العام للشبهة | 562 |
| نقض النص على إمامة علي | 562 |
| 2 - نقض ذلة العباس وبيان عزته (العباس من أعز قريش وأشجعها) | 572 |
| 3 - العباس ليس من الطلقاء | 575 |
| 4 - العباس وفدك | 577 |
| الشبهة |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| الخامسة: شبهة سوء العلاقة بين عمر والعباس | 592 |
| 1 - عمر وميزاب العباس | 593 |
| * تقرير الشبهة | 593 |
| * الرد عليها | 598 |
| 2 - سوق عكاظ بين عمر والعباس | 602 |
| * تقرير الشبهة | 602 |
| * الرد عليها | 604 |
| 3 - قصة النزاع في دار العباس (بين الشح والخصومة) | 607 |
| * تقرير الشبهة | 607 |
| * الرد عليها | 608 |
| 4 - عمر وصدقة العباس | 612 |
| * تقرير الشبهة | 612 |
| * الرد عليها | 614 |
| - دفع الالتباس عما ورد في منع العباس | 615 |
| - تعجيل أم تأجيل | 616 |
| 5 - إجبار عمر للعباس ليزوِّجه من أم كلثوم بنت علي | 622 |
| * تقرير الشبهة | 622 |
| * الرد عليها | 624 |
| * تقرير وبيان (قلوب انصهرت على المحبة) | 630 |
| الخاتمة | 635 |
| المراجع | 641 |
المقدمة
الحمد لله خالق المصنوعات، وبارئ البريات، ومدبر الكائنات، ومصرف الألسن الناطقات، ذي النعم السوابغ والفضل الواسع والحجج البوالغ، أحمده استتماماً لنعمته، واستسلاماً لعزته، واستعصاماً من معصيته، وأستعينه فاقةً إلى كفايته، إنه لا يضل من هداه، ولا يئل(1) من عاداه، ولا يفترق من كفاه.
وأصلي وأسلم على عبده ورسوله، وأمين وحيه، وخاتم رسله، وبشير رحمته، ونذير نقمته، محمد صلى الله عليه وسلم، بعثه على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وعلى آله وأصحابه أعلام الدجى، وأرباب الحجا، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فدراسة تاريخ الصحابة زرافات ووحداناً مطلب عظيم يحيي في الأمة جانب التأسي والاقتداء؛ لأنهم رضي الله عنهم أفضل هذه الأمة، وأبرها
قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً. وفضائلهم لا زالت تعيها ذاكرةُ الدهر، ويرويها لسانُ التاريخ.
فهم السابقون الأولون وتابعوهم بإحسان الذين أثنى عليهم ربنا في كتابه بقوله عز من قائل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة، آية: 100].
وقال تعالى: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا...﴾ [سورة الفتح، الآية: 29].
وقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ(2) .
إنهم أناس شهد لهم القرآن بالفضل، والسنة بالعدل، إن عبتهم بشيء لم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾تعبهم إلا أنهم دون الملائكة، أناس دارت الكرة الأرضية في عهدهم ثلاث دورات: واحدة حول الشمس، وثانية: حول نفسها، وثالثة حولهم(3) .
وتاريخهم وتراثهم عليهم سحائب الرضوان مليء بالدروس والعبر التي تحتاجها أمتنا في بناء حاضرها وصنع مستقبلها؛ لأنه إذا أُحسن
عرضه يغذِّي الأرواح ويهذِّب النفوس، وينِّور العقول، ويشحذ الهمم، ويقدِّم الدروس، ويسهِّل العبر، وينضج الأفكار، فنستفيد من ذلك في إعداد الجيل المسلم وتربيته على منهاج النبوة، حيث صنع الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه مسيرة خير، آتت أكلها عطاء ونماء، ولا تزال تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وهذا البحث بين أيدينا يحوي حديثاً طيباً عن نفس طيبة زكية، آمنت بيقين، وانقادت باختيار، وأحلَّت حب النبي صلى الله عليه وسلم في سويدائها، وكان حبها عملاً واتباعاً، وقد صاغت حياتها وفق المنهج الإلهي الرباني القرآني النبوي، وأسهمت في بناء المسيرة الإسلامية التي بناها الباني الأول محمد صلى الله عليه وسلم.
إنه الحديث عن شخصية عم النبي صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه، هذه الشخصية المظلومة والمهضوم حقها في مجال التأليف.
وكان مما دفعني إلى البحث في سيرة العباس رضي الله عنه بجانب ما سبق؛ أن أحداً لم يُفرد له فيما أعلم تأليفاً مستقلاً مطبوعاً(4)
وبخاصة من المحدثين، وجلّ سيرته رضي الله عنه مبثوثة ومتفرقة في مظانها من كتب الطبقات والسير والتراجم والتواريخ؛ فكان أن شمرت عن سواعد الجد مستلهماً من ربي المدد والتوفيق، مستشعراً الرهبة لمحاولتي الاقتراب من محراب وساحة عم النبي صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه.
وقد تتبعت قدر جهدي ووسع طاقتي في هذا البحث سيرة عم النبي العباس رضي الله عنه ومسيرته منذ ولادته حتى وفاته مروراً بحياته في بيته وأسرته من حيث نسبه وأبنائه وإخوته، معرجاً على حياته في مكة متتبعاً بعض فصولها من نحو حصاره في الشعب، وموقفه يوم العقبة، ومشاركته مكرهاً في بدر، ثم حياته في المدينة، مسلطاً الأضواء على توقيت إسلامه وما ورد فيه من أقوال وما طرأ عليه من استشكالات شكَّلت لغزاً يصعب فهمه أحياناً، ثم هجرته ومشاهده في ميادين الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم موقفه من بيعة الصديق والخلفاء بعده رضي الله عنهم، متلواً بالحديث عن ظلال شخصيته من نحو: مكانته وفضائله ما صحَّ منها وما لم يصح، وكذا صفاته الخُلقية، ومعالم شخصيته، وروايته وفقهه وأشعاره وبلاغته، إلى غير ذلك من مشتملات سيرته رضي الله عنه، خاتماً بحثي بفصل كامل عن أهم الاستشكالات والشبهات التي لحقت
أو قد تلحق به رضي الله عنه.
وقد حاولت جهدي في هذا البحث أن أبحر بعيداً في شخصية العباس رضي الله عنه منتشراً في نسيجها، ومتخللاً دروبها، ومختلجاً في نبضها، ومتتبعاً بل وراصداً كل حركة فيها، وهو أمر لا يتم إلا بسبرٍ لكل فصول حياتها وصفحات تاريخها.
وكان موقعي في الدراسة موقع المؤرخ بحيادية، والمحلل بموضوعية، وإن كنت لم أستطع تنحية عاطفتي تجاه عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من صفحات الدراسة.
إن هذا البحث يكشف عن معالم السيادة التي ولد العباس رضي الله عنه تحت ظلالها، وغذيّ بها، وشبّ تحت خمائلها. كما أنه يبرهن على عظمة عمّ النبي صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه، ويثبت للقارئ أنه كان عظيماً بإيمانه، عظيماً بحبه للنبي صلى الله عليه وسلم وحبِّ النبي صلى الله عليه وسلم له، عظيماً بخلقه وفكره وحكمته وسعة عقله وسداد رأيه، عظيماً ببلاغته وبيانه، فرضي الله عنه وأرضاه.
إن حياة العباس صفحة مشرقة من صفحات تاريخنا الإسلامي الذي بهر كل تاريخ وفاقه، ولم تحوِ تواريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة في سبيل الله، ولذلك قمت بتتبع أخباره وحياته وعصره في المصادر والمراجع واستخرجتها من بطون الكتب وقمت بترتيبها وتنسيقها وتوثيقها وتحليلها قدر المستطاع لكي تصبح في متناول الدعاة والخطباء والعلماء وطلاب العلم وعامة
الناس لعلهم يستفيدون منها في حياتهم ويقتدون بها في أعمالهم فيكرمهم الله بالفوز في الدارين(5)
وقد انتظم البحث في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، وكان على النحو التالي إجمالاً:
المقدمة: وتحتوي على أهمية البحث في تاريخ الصحابة زرافات ووحداناً، وخصوصية البحث في حياة العباس رضي الله عنه، ثم منهج البحث وخطته.
* الفصل الأول: العباس في بيته وأسرته (إطلالة ذاتية وإشراقة اجتماعية)
ويشمل الحديث على أرومة العباس وأصله ونسبه، ثم الحديث عن أهل بيته زوجاته وأولاده، ثم إخوته ومواليه، وانتهاءً بالحديث عن وفاته رضي الله عنه.
* الفصل الثاني: العباس في مكة
ويتضمن استقراءً لبعض معالم حياة العباس رضي الله عنه في مكة، وأشهر مشاهده فيها، من نحو: مشاركته في بناء الكعبة، وكفالته لجعفر، مروراً بسقايته، ثم مشاركته في معاناة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه في الشِّعب، وانتقالاً لدوره يوم العقبة، ومشاركته في بدر مع المشركين ووقوعه
في الأسر.
* الفصل الثالث: العباس في المدينة
ويُعرض فيه بشيء من التفصيل بعضُ معالم حياته في المدينة بدءاً من الحديث عن لحوقه بركب الإيمان، وعرض الأقوال في وقت إسلامه رضي الله عنه، ثم الترجيح، وانتقالاً بالحديث عن هجرته والأقوال في وقتها، وجهاده، ثم عرضاً لبعض مشاهده ومواقفه في المدينة، كتزويجه ميمونة للنبي صلى الله عليه وسلم، ودوره إبَّان مرض النبي صلى الله عليه وسلم، ووفاته، وموقفه من بيعة الخلفاء الثلاثة الأول رضي الله عنهم.
* الفصل الرابع: العباس مكانته ومناقبه
ويتضمن هذا الفصل الحديث عن مكانة العباس رضي الله عنه جاهلية وإسلاماً، وبخاصة مكانته عند النبي والصحابة، وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم الحديث عن ما صحَّ من مرويات في فضائله ومناقبه، وما ضعف منها أو حُكم عليه بالوضع، مع تخريج تلك الروايات من مظانها المعتبرة، والحكم عليها.
* الفصل الخامس: العباس شخصيةً وأخلاقاً
وفي هذا الفصل سنتعرض تفصيلاً للحديث عن شخصية العباس رضي الله عنه، ومحور ارتكازها، أو إن شئت فقل: مفتاحها ومناط امتيازها، ثم ملامح وصور من أخلاقه رضي الله عنه من واقع النصوص والروايات.
* الفصل السادس: العباس في محراب العلم والحكمة
وسنلقي في هذا الفصل الضوء على الناحية العلمية في حياة العباس رضي الله عنه، انطلاقاً من مروياته للحديث، ومروراً بفقهه، ثم انتهاءً ببلاغته وشعره رضي الله عنه.
* الفصل السابع: العباس إشكالات وشبهات
وهذا هو الفصل الأخير من فصول البحث، وهو كما يظهر من عنوانه سيتناول بشيء من التفصيل والإطناب بعض الإشكالات التي قد تطرأ على ذهن من يطالع سيرة العباس رضي الله عنه، في محاولة للإجابة عليها، بما يطمئن القارئ الكريم ويزيل عنه أي إشكال بعون من الله وتوفيق.
كما يتطرق الفصل أخيراً للحديث عن أهم الشبهات التي تثار على عم النبي صلى الله عليه وسلم، على اختلاف مثيريها، وردّها من واقع دلالات الروايات الصحيحة، ومسلمات العقول السليمة.
ثم الخاتمة: وتحتوي على أهم النتائج والتوصيات.
هذا والله سبحانه أسأل التوفيق والسداد، مع غفر الزلل في القلب والقول والعمل، مشفوعاً بخالص دعائي وشكري وتقديري لمبرة الآل والأصحاب، التي أَشْرُف بالانضواء تحت لوائها البحثي، والتي أشرفت على هذا البحث تكليفاً ودعماً وطباعةً ونشراً، فجزاهم الله خير الجزاء، وكلل مساعيهم باليمن والتوفيق. كتبه الراجي عفو ربه
أحمد سيد أحمد علي
الفصل الأول
العباس في بيته وأسرته
إطلالة ذاتية وإشراقة اجتماعية
وسنعنى في هذا الفصل بذكر نسب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، ومولده، وصفته، ثم نتطرق للحديث عن أهل بيته «زوجاته» وأولاده، ثم إخوته ذكوراً وإناثاً، ومواليه، انتهاءً بوفاته رضي الله عنه وأرضاه.
الناس معادن:
للأسرة تأثير بالغ في الأعقاب خَلقاً وخُلقاً، أو شبَهاً وسلوكاً، فالشيء من معدنه لا يستغرب، والولد صورة أبيه، بل ربما حمل شبه جد بعيد لم يره ولم يعاصره، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم مجيباً من جاء يسأله عن سبب مفارقة ابنه له في اللون، حيث كان أسوداً بخلاف والده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ(6) .
أي جَذَبه، والعِرق هو الأصل من النسب(7) .
وهذا ما يسمى بقانون الوراثة، وهو من القوانين المهمة في حياة الموجودات الحية. وهذا القانون هو الذي يكفل للنبات والحيوان والإنسان بقاء صورها النوعية الخاصة بها. وعلى هذا الأساس يكتسب الأبناء صفات الآباء من دون حاجة إلى أي نشاط إرادي منهم(8) .
فتأثر الأبناء بالآباء قائم نظرياً وواقع فعلياً لا
يماري فيه أحد، وتأثير الدم والسلالات في أخلاق الأجيال وصلاحياتها ومواهبها وطاقاتها أمر مقرر وإلى حدّ بعيد، بل وفي أكثر الأحوال.
فالصفات الوراثية تنتقل من جيل إلى آخر وفقاً لقوانين، والجيل اللاحق يكتسب صفات الجيل السابق(9) .
وهذا التأثير لا يقف فقط عند حد الجانب الخلقي أو ما يتعلق بعلم الوراثة، وتأثير الدم الموروث في أعضاء الأسرة، بل إنه يتعداه إلى غيره من نحو:
- القيم والمثل التي يؤمن بها آباء وأجداد هذه الأسرة.
- حكايات الآباء وعظماء الأسرة في البطولة والفروسية والشهامة والجود والسخاء(10) .
وهذا ليس كليَّة مطلقة وقاعدة مطردة، لا تقبل استثناءً ولا شذوذاً، فهي ليست سنَّة إلهية لا تتغير ولا تتبدل، بل قد يشذّ عن هذا الأمر أناس، ولكن الأكثر على ثبوت هذا الإرث النسبي، مصداقاً لما نطق به لسان النبوة: النَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي
الإِسْلاَمِ، إِذَا فَقُهُوا(11)
والمعدِن هو ما استقرَّ في باطن الأرض، وتارة يكون نفيساً وتارة يكون خسيساً، وكذلك الناس تتفاوت قيمتهم وقدرهم بحسب ما اشتملت عليه نفوسهم من خسة أو شرف.
وهكذا فلا بد للوالد أن يترك في ولده بصمة، ولا بد للابن أن يحمل من أبيه شبهاً، أو يرث منه شرفاً، أو يكتسب منه خلقاً، أو يستقي منه طبعاً.
وهذا هو الحال مع العباس رضي الله عنه، الذي ورث الشرف من آبائه، فكان فرعاً لأصل كريم.
أرومة العباس(12) :
العباس رضي الله عنه سليل بيت كريم، ورث المجد كابراً عن كابر. فهو عربي قرشي هاشمي، وقريش سادة العرب، وبنو هاشم واسطة عقد قريش، ومنهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم درَّة تاج بني هاشم، بل درَّة تاج الجنس البشري بعامة.
وذلك مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»(13) .
فدلَّ الحديث على فضل كنانة واصطفائها من ولد إسماعيل، ثم دلَّ على فضل قريش واصطفائها من كنانة.
فقد فضَّل الله العرب على؛ العجم لأنهم كانوا لا ينكحون البنات ولا الأخوات، وفضَّل الله مضر بن نزار على سائر العرب؛ لأنهم كانوا أعلمهم بسنة إبراهيم صلى الله عليه وعلى محمد وآله وألزمهم لمناسكه، وفضَّل الله قريشاً على سائر مضر؛ لأنهم كانوا لا يظلمون الجار ولا يغير بعضهم على بعض، وفضَّل الله بني هاشم على قريش؛ لأنهم كانوا أوصلهم للأرحام وأكفُّهم عن الآثام، وفضَّل الله بني عبد المطلب على سائر بني هاشم بولادة محمد صلى الله عليه وعلى آله، وفضَّل الله محمداً صلى الله عليه على سائر بني عبد المطلب؛ لأنه كان خيرهم وأبرهم وأصدقهم وأوصلهم صلى الله عليه وسلم(14) .
وهنا واستقاءً مما سبق سنشير إيجازاً إلى وضع الأسرة والسلالة - اللتين ولد ونشأ فيهما العباس رضي الله عنه - العرقي والاجتماعي، وما كانتا تمتازان به من خصائص وأعراف، وتقاليد وتراث خلقي ونفسي، وكيف كان العرب ينظرون إليهما ويقرون لهما بالفضل، ونبدأ في ذلك بقريش، ثم نثنِّي ببني هاشم.
قبيلة قريش:
قريش كما هو معلوم سادة العرب وقادتها، عرفوا بفصاحة اللسان وقوة البيان وكرم الأخلاق والشجاعة والفتوة، فلغة قريش أفصح اللغات ونسبها أصح الأنساب.
وتنتسب قريش إلى فهر بن مالك فهو المراد بقريش، وقيل: النضر ابن كنانة(15) . وفي المعارف: وأمّا «النّضر بن كنانة»، فهو أبو «قريش»(16) .
والأكثرون على أن المراد بقريش فهر بن مالك، لا النضر.
ففي نسب قريش: فولد مالك بن النضر: فهراً، وهو قريش(17) .
وقال ابن حجر: وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَبِهِ جَزَمَ مُصْعَبٌ قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ قُرَشِيًّا(18) .
وأصل لفظة قريش راجع إلى عدة أمور: فيقال: قريش من التقرُّش، وهو التجمُّع في بعض كلام العرب، وسُميت بذلك لأنها تجمَّعت مع قصي حين جمَع قَوْمَهُ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى مَكَّةَ يَسْتَعِزُّ بِهِمْ عند خِلافه مع خُزاعة ونَفيِه لهم عن الحَرَم(19) .
وقيل:
سُميت قريش بذلك نسبة إلى قريش بن بدر بن يخلد بن النضر، وكان دليل بني كنانة في تجارتهم، فكان يقال: قدمت عِير قريش، فسميت قريش بذلك(20) وقيل: إن أصل تسميتها راجع إلى دابة في البحر تُسمى القرش، ولها نوع سيادة على دوابِّ البحر.
وجمع ابن حجر الأقوال في سبب تسمية قريش بهذا وقال: قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ بِدَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ هِيَ سَيِّدَةُ الدَّوَابِّ الْبَحْرِيَّةِ وَكَذَلِكَ قُرَيْشٌ سَادَةُ النَّاسِ قَالَ الشَّاعِر:
| وقريش هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر | بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا |
|---|---|
| تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا | تتْرك فِيهِ لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيشَا |
| هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ | يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا(21) ( 21 ) |
| وَلَهُمْ آخِرُ الزَّمَانِ نَبِيٌّ | يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا(22) ( 22 ) |
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: قُرَيْشٌ دَابَّةٌ فِي الْبَحْرِ لَا تَدَعُ دَابَّةً فِي الْبَحْرِ إِلَّا أَكَلَتْهَا، فَجَمِيعُ الدَّوَابِّ تَخَافُهَا، وَأَنْشَدَ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ، قُلْتُ:) ابن حجر) وَالَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ الْبَحْرِ: الْقِرْشُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ لَكِنَّ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ شَاهِدٌ صَحِيحٌ فَلَعَلَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ الْعَامَّةِ فَإِنَّ الْبَيْتَ الْأَخِيرَ مِنَ الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مُصَغَّرُ الْقِرْشِ الَّذِي بِكَسْرِ الْقَافِ، وَقَدْ أخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قُرَيْشٌ تَصْغِيرُ قِرْشٍ وَهِيَ دَابَّةٌ فِي الْبَحْرِ لَا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ غَثٍّ وَلَا سَمِينٍ إِلَّا أَكَلَتْهُ(23) وَقِيلَ: سُمِّيَ قُرَيْشًا لِأَنَّهُ كَانَ يَقْرِشُ عَنْ خَلَّةِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ وَيَسُدُّهَا، وَالتَّقْرِيشُ: هُوَ التَّفْتِيشُ، وَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالطِّعَانِ، وَالتَّقْرِيشُ وَقْعُ الْأَسِنَّةِ، وَقِيلَ: التَّقَرُّشُ التَّنَزُّهُ عَنْ رَذَائِلِ الْأُمُورِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَقْرَشَتِ الشَّجَّةُ إِذَا صَدَّعَتِ الْعَظْمَ وَلَمْ تُهَشِّمْهُ، وَقِيلَ: أَقْرَشَ بِكَذَا إِذَا سَعَى فِيهِ فَوَقَعَ لَهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ(24)
وقد أقرَّ العرب كلهم بعلو نسب قريش، وسيادتها، وفصاحة لغتها، ونصاعة بيانها، وكرم أخلاقها وشجاعتها وفتوتها، وذهب ذلك مثلاً لا يقبل نقاشًا ولا جدالاً، وكانوا حلفاء متآلفين متمسكين بكثير من شريعة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ولم يكونوا كالأعراب الذين لا يوقرهم دين، ولا يزينهم أدب، وكانوا يحبون أولادهم، ويحجون البيت، ويقيمون المناسك، ويكفنون موتاهم، ويغتسلون من
الجنابة، ويتبرءون من الهرابذة(25) ويتباعدون عن المناكح من البنت وبنت البنت والأخت وبنت الأخت، غيرة وبعدًا من المجوسية، ونزل القرآن بتأكيد صنيعهم وحسن اختيارهم، وكانوا يتزوجون بالصداق والشهود ويطلقون ثلاثًا(26) ومما زاد شرفهم أنهم كانوا يتزوجون من أي قبيلة شاءوا، ولا شرط عليهم في ذلك، ولا يزوجون أحدًا حتى يشترطوا عليه أن يكون متحمسًا(27) على دينهم، يرون ذلك لا يحلّ لهم ولا يجوز لشرفهم، حتى يدان إليهم وينقاد(28)
وقد ذكرت قريش باسمها في القرآن، في سورة سميت باسمها (سورة قريش)، وقال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روته عائشة: «لَوْلَا أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ، لَأَخْبَرْتُهَا بِمَا لَهَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(29) .
وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ(30) .
وقال صلى الله عليه وسلم
فيما رواه عنه معاوية: «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ، إِلَّا كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ»(31)
بنو هاشم:
بنو هاشم أشرف قبائل قريش وأعظمها، وهم أبناء هاشم بن عبد مناف، وكان له من الولد: عبد المطلب، والشفاء، وأمهما: سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش من الخزرج.
ونضلة بن هاشم، انقرض عقبه، وأمه: أميمة بنت أد بن علي من بني سلامان بن سعد هذيم..
وأسد بن هاشم، انقرض عقبه إلا من ابنته فاطمة ابنة أسد؛ وأمه: قيلة، ويقال لها: «الجزور» لعظمها، بنت عامر بن مالك بن المصطلق، واسمه جذيمة، ابن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة من خزاعة.
وأبا صيفي، انقرض عقبه إلا من بنته رقية، هي أم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.
وصيفياً، درج(32) ؛ أمهما: هند بنت عمرو بن ثعلبة بن الخزرج..
وضعيفة؛
وخالدة، وكانت تسمى قبة الديباج؛ وأمهما: واقدة بنت أبي عدي..
وحية بنت هاشم، وأمها: أم عدي بنت حبيب بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم ابن قسي، وهو ثقيف، ابن منبه بن بكر بن هوازن(33) .
وهاشم بن عبد مناف رأس السلالة الهاشمية قد حظي بمكانة عظيمة عند قريش وأصبح في عهده زعيم مكة الذي لا ينازع.
وكان بنو هاشم واسطة العقد في قريش، وإذا قرأنا ما حفظه التاريخ وكتب السيرة من أخبارهم وأقوالهم - وهو قليل من كثير جدًا - استدللنا به على ما كان يمتاز به هؤلاء من مشاعر الإنسانية الكريمة، والاعتدال في كل شيء، ورجاحة العقل، وقوة الإيمان بما للبيت من مكانة عند الله، والبعد عن الظلم ومكابرة الحق، وعلو الهمة، والعطف على الضيف والمظلوم، والسخاء، والشجاعة، وما تشتمل عليه كلمة (الفروسية) عند العرب من معان كريمة وخلال حميدة، والسيرة التي تليق بأجداد الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، تتفق ويتفق مع ما كان يفضله ويدعو إليه من مكارم الأخلاق، غير أنهم عاشوا في زمن الفترة، وسايروا أبناء قومهم في عقائد الجاهلية، وعباداتها(34) .
ومن خيار بني هاشم: عبد المطلب بن هاشم: والد العباس وجدّ الرسول صلى الله عليه وسلم، واسمه شيبة،
وهو الذي أتى به عمه المطلب من عند أخواله في المدينة، وهو الذي حفر بئر زمزم بعد أن رأى رؤيا حددت له مكان البئر، فحفرها وسقى منها الحجيج(35)
وقد ورث عبد المطلب مكانة أبيه هاشم، مستحقاً إياها بجدارة، ومتطلعاً إلى آفاق بعيدة في السيادة والشرف، حيث سعى إلى تعزيز موقع ومكانة قريش بين القبائل، بل وجعل مكة في عهده حاضرة كبيرة يتوفر فيها الماء وشتى الاحتياجات للقادمين إليها من التجار، كما واجه بشجاعة التحديات التي تربصت بها.
فكان سيد قريش غير مدافع، قد أعطاه الله ما لم يعط أحداً، وسقاه زمزم وذا الهرم، وحكمته قريش في أموالها، وأطعم في المحل حتى أطعم الطير والوحوش في الجبال(36) .
وكان عبد المطلب من حكَّام قريش، وكان يقال له: «الفيّاض» لجوده، و«مُطْعِم طَيْرِ السماءِ»؛ لأنه كان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رءوس الجبال، وكان ممن حرَّم الخمر على نفسه في الجاهلية. وكان يأمر بترك الظلم والبغي، ويحث قومه على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيئات الأمور، وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها وجاءت السنة بها، منها: الوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة، وتحريم الخمر
والزنا وأن لا يطوف بالبيت عريان(37)
وقد ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة، بعد عمِّه المطلب، فأقامهما للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره(38) فيهم(39) .
ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش، ولم يكن سيد مكة الوحيد المطاع، كما كان قُصى، إذ كان في مكة رجال كانوا أكثر منه مالاً وسلطاناً، إنما كان وجيه قومه؛ لأنه كان يتولى السقاية والرفادة، وبئر زمزم، فهي وجاهة ذات صلة بالبيت(40) .
وله قصة مع أبرهة في عام الفيل مشهورة ومعروفة، ذكرها أصحاب التواريخ والسير(41) .
ومات عبد المطلب بعد أن جاوز الثمانين، وعمر الرسول صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، ومعنى ذلك أنه توفى حوالي سنة 578 للميلاد، وذكر أنه لم تقم بمكة سوق أياماً كثيرة لوفاة عبد المطلب(42) .
ومن أولاد عبد المطلب العباس رضي الله عنه،
وارث شرف أبيه وسقايته ورفادته وعمارته للمسجد الحرام، وفيما يلي ذكر نسبه كاملاً.
العباس إطلالة ذاتية
لعل من المتعارف عليه عند دراسة أي شخصية واستقراء تاريخها وإبراز مكامن شخصيتها أن يتم وضعها تحت المجهر ذاتياً واجتماعياً، لتشمل الدراسة الحديث عن جوانب الشخصية الذاتية والاجتماعية أصلاً وفرعاً وسكناً، من نحو إبراز سلسلة النسب، من جهتيه، والحديث عن صفة صاحب الشخصية وأبنائه وإخوته إلى غير ذلك من مفردات الناحية الاجتماعية والأُسرية، وهذا ما سنلمِح إليه في صفحات البحث التالية فيما يتعلق بالعباس رضي الله عنه.
وعند الحديث عن العباس رضي الله عنه أجد الكلمات تتصاغر فلا توفيه حقه، والمعاني تتضاءل فلا تناسب قدره، والصفحات تتداخل فلا تسع ذكره، وحينما أغض الطرف عن هذا كله وأحاول تناسيه تاركاً لنفسي مجالاً للحديث عن العباس رضي الله عنه، فإذ بالحيرة تأخذني والدهشة تعلوني، ترى من أين أبدأ، وكيف أبدأ، وبأي لسان أتكلم وبأي يراع أسطر؟ ترى هل أنا أهل لهذا الحديث، أو يحتاج عم النبي صلى الله عليه وسلم إلى مثلي ليتحدث عنه؟ أو يتسع إناء لماء البحر؟ ولكن عذري أني أكتب بمداد المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وعمه وصحبه، وقلم الاتباع على صفحات الشرف والنور.
اسمه ونسبه رضي الله عنه:
هو: العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان(43) .
وهذا هو القدر المتفق عليه بين النسَّابين من نسبه رضي الله عنه، وما بعد ذلك مختلف فيه، إلا أنهم اتفقوا على أن النسب يرجع إلى إسماعيل ابن ابراهيم خليل الله(44) .
أمُّه (أم العباس): نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو ابن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان(45) .
وفي تاريخ دمشق: أن اسمها نتيلة بنت خباب بن كليب(46) .
وواضح أن نسب والد العباس ووالدته يلتقي في نزار بن معد بن عدنان.
ووالدة العباس هي أول عربية كست البيت الحرام الحرير والديباج
وأصناف الكسوة؛ لأن العباس ضلَّ وهو صبي، فنذرت كسوة البيت إن وجدته، فلما وجدته وفَّت بنذرها(47)
وقد ترجَم له ابنُ سعد في الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ المُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْراً، وَبَدَأَ بِه(48) .
مولده رضي الله عنه:
كان مولد العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قبل عام الفيل بثلاث سنين.
فقد روى ابن سعد بسنده عن شعبة مولى ابن عباس قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: ولد أبي العباس بن عبد المطلب قبل قدوم أصحاب الفيل بثلاث سنين، وكان أسنَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين(49) .
وفي تاريخ دمشق: وولد - أي العباس - قبل النبي صلى الله عليه وسلم - قال الذهلي: قال يحيى بن كثير: بثلاث سنين، وقال الواقدي: ولد العباس قبل الفيل بثلاث سنين، فكان أسنَّ من رسول الله بثلاث سنين(50) .
وروى الحاكم بسنده عن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: «كَانَ الْعَبَّاسُ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم بِثَلَاثِ سِنِينَ» أُتِيَ إِلَى أُمِّي فَقِيلَ لَهَا: وَلَدَتْ آمِنَةُ غُلَامًا فَخَرَجَتْ بِي حِينَ أَصْبَحْتُ آخِذَةً بِيَدِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَمْصَعُ(51) رِجْلَيْهِ فِي عَرْصَتِهِ، وَجَعَلَ النِّسَاءُ يُحَدِّثْنَنِي وَيَقُلْنَ: قَبِّلْ أَخَاكَ(52)
وفي سير أعلام النبلاء: قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ: سُئِلَ العَبَّاسُ أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ، مَوْلِدُهُ بَعْدَ عَقْلِي أُتِيَ إِلَى أُمِي فَقِيْلَ لَهَا: وَلَدَتْ آمِنَةُ غُلاَماً فَخَرَجَتْ بِي حِيْنَ أَصْبَحَتْ آخِذَةً بِيَدِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهَا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَمْصَعُ بِرِجْلَيْهِ فِي عَرَصَتِهِ، وجعل النساء يجبذنني عَلَيْهِ وَيَقُلْنَ: قَبِّلْ أَخَاكَ(53) .
كنيته رضي الله عنه:
كان العباس رضي الله عنه يُكنى أبَا الفضل، نسبة إلى ابنه الفضل الآتية ترجمته(54) .
صفته رضي الله عنه:
حبا المولى تعالى العباس رضي الله عنه صفاتاً خلقية عديدة، فكان رضي الله عنه بهي الرونق، رائع المجتلى، ترتاح العين لمرآه، وتأنس النفس للقياه، بسطت عليه النعمة ظلالها، وجلله الحسب بردائه. فكان أبيض الوجه، طويلاً، معتدل القامة، حسن الصورة.
روى ابن عساكر بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: وُلِد أبي قبل الفيل بثلاث سنين، ومات بالمدينة وهو ابن ثمان وثمانين سنة، قال: وكان العباس معتدل القناة(55) وكان عبد المطلب معتدل القناة.. قال عكرمة: وكان عبد الله معتدل القناة، وكان علي بن عبد الله معتدل القناة، يعني طويلاً، حسَن الانتصاب، ليس فيه جنأ(56) .
وعن صفة العباس رضي الله عنه روى البلاذري بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أبي أبيض بضاً(57) رجِل الشعر، حسَن اللحية في رقة، تام القامة رحب الجبهة أهدب الأشفار(58) أو قال: أوطف(59) أقنى الأنف(60)
عظيم العينين سهل الخدين بادناً جسيماً، وكان قبل أن تكبر سنه ذا ضفيرتين، وكف بصره قبل موته بخمس سنين، وقد كان خضب ثم ترك الخضاب(61)
وذكر الذهبي في سيره: قال الكلبي: كان العباس شريفاً، مهيباً، عاقلاً، جميلاً، أبيض، بضاً، له ضفيرتان، معتدل القامة... قلت - أي الذهبي -: بل كان من أطول الرجال، وأحسنهم صورة، وأبهاهم، وأجهرهم صوتاً، مع الحلم الوافر، والسؤدد(62) .
ومن حديث ابن أبي شيبة عن صفة العباس رضي الله عنه: كَانَ الْعَبَّاسُ أَقْرَبَ النَّاسِ شَحْمَةَ آذَانٍ إِلَى السَّمَاءِ(63) .
وزاد ابن عبد ربه: وكان إذا طاف بالبيت يشبه الفسطاط العظيم، وإذا مشى بين قوم تحسبه راكباً(64) .
وهذا يدل على طوله وعظم جسمه رضي الله عنه، حتى يروي البخاري وغيره عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، «فَنَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهُ(65) .
وقال ابن حجر في معنى قوله «يَقْدُرُ عَلَيْهِ بِضَمِّ الدَّالِ»: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ بَيّنَ الطُّولِ وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ(66) .
وجُل من تحدث عن صفة العباس ذكر طوله غير ابن طاهر المقدسي، فقد ذكر في ترجمته للعباس أنه كان قصير القامة طويل اللحية(67) . ولعله تحريف، أو وهم منه، وبخاصة وأنه ذكره دون إسناد.
وكان العباس رضي الله عنه جَهوَرِي الصوت، وعن جَهورية صوته يقول الذهبي: قال الضحاك بن عثمان الحزامي: كان يكون للعباس الحاجة إلى غلمانه وهم بالغابة، فيقف على سلع(68) ، وذلك في آخر الليل، فيناديهم فيسمعهم. والغابة نحو من تسعة أميال. قلت: (الذهبي) كان تام الشكل، جهوري الصوت جدًّا، وهو الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يهتف يوم حنين: يا أصحاب الشجرة..
وقال الأصمعي: كان للعباس راع يرعى له على مسيرة ثلاثة أميال، فإذا أراد منه شيئاً صاح به، فأسمعه حاجته(69) .
فكان العباس رضي الله عنه بهذا جميلاً من أحسن الناس صورة حتى أنه وكما يروي أحمد بسنده عن محمد بن علي بن الحسين: أَقْبَلَ على النبي صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَلَهُ ضَفِيرَتَانِ وَهُوَ أَبْيَضُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَبَسَّمَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَضْحَكَكَ، أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ؟ فَقَالَ: «أَعْجَبَنِي جَمَالُ عَمِّ النَّبِيِّ»، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: مَا الْجَمَالُ فِي الرِّجَالِ؟ قَالَ: «اللِّسَانُ»(70) .
وفي حديث جابر من رواية أبي نعيم والبيهقي: أَقْبَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَبَسَّمَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْجَمَالُ؟ قَالَ: «صَوَابُ الْقَوْلِ بِالْحَقِّ»، قَالَ: فَمَا الْكَمَالُ؟ قَالَ: «حُسْنُ الْفِعَالِ بِالصِّدْقِ»(71) .
ورغم كبر سن العباس رضي الله عنه حين موته إلا أنه مات معتدل القناة
فلم ينحن ظهره، وهكذا كان أبوه عبد المطلب بل إنه عبد المطلب وكما يروي الحاكم مات وهو أعدل قناة من العباس(72)
ويروى أنه كُفَّ بصره قبل أن يموت(73) . كما كُفَّ بَصَرُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَكُفَّ بَصَرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ.
روى ابن عساكر بسنده عن الأصمعي قال: وقد كان العباس قد عمِي قبل موته(74) .
وروى أيضاً عن الهيثم بن عدي قال: قال ابن عباس في تسمية العميان من الأشراف العباس بن عبد المطلب(75) .
وذكره الجاحظ عند تسميته العميان من الأشراف(76) .
وذكر ابن الأثير في الأُسد: أنه أضرّ في آخر عمره(77) .
(بيت العباس) أهل بيته زوجاته وأولاده:
تزوج العباس بن عبد المطلب أكثر من واحدة، وحفلت كتب التاريخ والتراجم بذكر زوجتين له إضافة إلى أمهات أولاد، ورزقه
الله جملة من البنين والبنات، وفيما يلي بيان زوجتيه، وأبنائه من كل واحدة منهن، وكذا أبنائه من أمهات الأولاد، مع التفصيل في ترجمة أم الفضل أشهر زوجاته وأمّ أكثر أبنائه.
أم الفضل أكرم النساء أصهاراً:
هي أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم... ابن قيس بن عيلان بن مضر(78) .
ذكرها ابن الأثير وقال: أم الفضل: لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن دويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، أم الفضل وهي زوج العباس بن عبد المطلب وأم الفضل وعبد الله ومعبد وعبيد الله وقثم وعبد الرحمن وغيرهم من بنى العباس، وهي لبابة الكبرى وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وخالة خالد ابن الوليد يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها ويقيل عندها، وكانت من المنجبات، ولدت للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم ولها يقول عبد الله بن يزيد الهلالي:
| مَا وَلَدَتْ نَجِيبَةٌ مِنْ فَحْلِ(79) ( 79 ) | بِجَبَلٍ نَعْلَمُهُ أَوْ سَهْلِ |
|---|---|
| كَسِتَّةٍ مِنْ بَطْنِ أُمِّ الْفَضْلِ | أَكْرِمْ بِهَا مِنْ كَهْلَةٍ وَكَهْلِ |
| عَمُّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ذِي الْفَضْلِ |
| وَخَاتَمِ الرُّسُلِ وَخَيْرِ الرُّسْلِ(80) ( 80 ) |
ولبابة أخت أسماء وسلمى وسلامة بنات عميس الخثعميات لأمهن، وأخوهن لأمهن محمية بن جزء الزبيدي أمهن كلهن هند بنت عوف الكنانية، وقيل: الحميرية... وهي - لبابة - التي قيل فيها: إنها أكرم الناس أصهاراً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة، والعباس زوج لبابة الكبرى وجعفر بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب أزواج أسماء بنت عميس وحمزة بن عبد المطلب زوج سلمى بنت عميس وخلف عليها بعده شداد ابن الهاد والوليد بن المغيرة زوج لبابة الصغرى وهي أم خالد وكان المغيرة من سادات قريش فأولاد العباس وأولاد جعفر ومحمد بن أبي بكر ويحيى بن علي وخالد بن الوليد أولاد خالة، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث روى عنها ابناها عبد الله وتمام وأنس بن مالك وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعمير مولاها..(81) .
وفي لبابة وأخواتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْأَخَوَاتُ مُؤْمِنَاتٌ: مَيْمُونَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأُخْتُهَا أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَأُخْتُهَا سَلْمَى بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ حَمْزَةِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ أُخْتُهُنَّ لِأُمِّهِنَّ»(82) .
وقد أنجبت أم الفضل للعباس سبعة من أولاده.
* ومن زوجاته: حجيلة بنت جندب بن الربيع بن عامر بن كعب ابن عمرو بن الحارث... ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وأنجبت له الحارث بن العباس..(83) .
* وكان للعباس أمهات أولاد أنجبن له بعض أولاده.
- فكانت له أم ولدٍ أنجبت له: كثيرًا وتمامًا.
- وأخرى أنجبت له ابنته صفية.
- وثالثة أنجبت له آمنة، ويقال: اسمها أميمة(84) .
أولاد العباس رضي الله عنه:
رزق الله العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه جملة من الأولاد ذكوراً وإناثاً، وقد اختلف العلماء في عدتهم، وفي أسماء بعضهم.
وقد أوصل ابن سعد في طبقاته عدد أبناء العباس إلى اثني عشر ما
بين ذكرٍ وأنثى، ومن قوله في ذلك: كَانَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْوَلَدِ: الْفَضْلُ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ وَبِهِ كَانَ يُكْنَى.. وَعَبْدُ اللهِ وَهُوَ الْحَبْرُ.. وَعُبَيْدُ اللهِ.. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ.. وَقُثَمُ.. وَمَعْبَدٌ.. وَأُمُّ حَبِيبَةَ. وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا أُمُّ الْفَضْلِ وَهِيَ لُبَابَةُ الْكُبْرَى بِنْتُ الحارث بن حزن الهلالية.
وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ أَيْضًا مِنَ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ أُمِّ الفضل: كثير بن عباس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.. وَتَمَّامُ.. وَصَفِيَّةُ، وَأُمَيْمَةُ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ وَلَدٍ. وَالْحَارِثُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَأُمُّهُ حُجَيْلَةُ بِنْتُ جُنْدُبِ بْنِ الرَّبِيعِ(85) . ولم يذكر من جملتهم عوناً.
وبلغت عدتهم عند مصعب الزبيري أحد عشر ولداً، بإسقاطه عبد الرحمن من جملة من ذكرهم ابن سعد(86) . وكذا لم يذكر عوناً.
أما ابن عبد البر فقد ذكر أن للعباس عشرة من الولد، بإضافة عون على ما ذكره ابن سعد، ولم يذكر من جملتهم أميمة وصفية(87) .
وكذا فعل ابن الجوزي في المنتظم، فلم يذكر أميمة وصفية، وزاد على ابن عبد البر أن أسقط عوناً(88) .
وفي البداية لابن كثير: أنهم عشرة غير الإناث. وأورد منهم عوناً(89) .
وعند أبي نعيم من رواية ابن إسحاق أن عدتهم عشرة من الذكور، بإضافة عون إليهم، وثلاثاً من النساء، هن: أم حبيب وصفية وآمنة بدلاً من أميمة(90) .
وبلغت عدتهم عند الذهبي في السير عشرة. ولم يذكر فيهم عون ابن العباس، ولا صفية(91) .
وقد تفرَّد ابن الكلبي بذكر صبيح ومسهر في أبناء العباس. وقال الدّار الدّارقطنيّ في الإخوة: لا يتابع عليه(92) .
وذكر السخاوي من أبنائه: صبح(93) . كما ذكر الهيثمي في جملة أولاده: روح. وأوصلهم إلى ثلاثة عشر ولداً، عشرة ذكور وثلاث إناث(94) .
وعند البلاذري في الأنساب: أن عددهم اثنا عشر ولداً، السبعة المذكورين من أم الفضل، وتمام وكثير والحارث، وصفية وآمنة
ويقال: أمينة(95)
وذكر ابن الكلبي وابن حزم أن عدة الذكور منهم، تسعة، ليس فيهم عوناً(96) .
وذكر ابن حبيب في المحبر في معرض حديثه عن أصهار العباس: أن بناته ثلاثة: أم حبيب، وصفية، وأميمة(97) .
ومع الاختلاف السابق بين العلماء في تحديد عدة أبناء العباس، إلا أننا نلمح عدة أمور:
* أنهم مجتمعون على ذكر أولاد العباس السبعة من أم الفضل، دون اختلاف يُذكر.
* أن كثيراً منهم لم يذكر عوناً في أبناء العباس، كما فعل البلاذري، وابن الكلبي، والزبيري، وابن سعد، وابن الجوزي، والذهبي، وابن حزم.
غير أن ابن عبد البر ترجم له، وكذا عدَّه ابن حجر من أبناء العباس، وترجم له في الإصابة(98) . وكذا ذكره ابن كثير في أولاد العباس، كما أورده أبو نعيم في روايته عن ابن إسحاق. مما يقتضي ترجمته.
أنه ورد اختلاف في اسم أميمة بنت العباس، فبعضهم أسماها
آمنة والبعض أميمة، والبعض أسماها أمينة.
* نسب البعض للعباس بعض الأبناء الذين لا يُعرفون، كما فعل ابن الكلبي بذكره مسهر وصبيح من أبناء العباس، والسخاوي بذكره صبح، وكذا الهيثمي بذكره روح من أبنائه.
قال ابن عبد البر: وكل بني العباس لهم رواية، وللفضل وعبد الله وعبيد الله سماع ورواية(99) .
وفيما يلي ذكر تراجم ما اتفق عليه أغلب العلماء وعدُّوه من أبناء العباس، مع إدراج عون بينهم تأسياً بابن عبد البر، والحافظ ابن كثير، وابن حجر؛ ليكون القارئ على بينة من بيت العباس بن عبد المطلب وعلى معرفة بأولاده، وهو أمر له أهميته في حديثنا عن العباس بن عبد المطلب، مستهلين التراجم بأبنائه الذكور، ثم بناته رضي الله عنهم أجمعين.
أبناء العبَّاس رضي الله عنه
بلغ عدد أبناء العباس الذكور عشرة أبناء، وبيانهم مع تراجمهم كالتالي:
الفضل بن العباس
ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وقال: الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، يكنى أبا عبد الله، وقيل: بل يكنى أبا محمد، أمه أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية.. أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهى أم إخوته(100) .
وفي الإصابة: كان أكبر الإخوة وبه كان يكنى أبوه وأمه.. ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه في حجة الوداع، وفي صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم زَوَّجَهُ وأَمهَرَ عَنهُ(101) .
غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً، وشهد معه حجة الوداع، وشهد غسله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان يصب الماء على علي يومئذ.
واختلف في وقت وفاة الفضل: فقيل: أصيب في يوم أجنادين في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سنة ثلاث عشرة، وقيل: بل قتل
يوم مرج الصفر وذلك أيضا سنة ثلاث عشرة..
وقد قيل: مات الفضل في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة وقيل: إنه قتل يوم اليرموك سنة خمس عشرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه(102) .
ورجَّح ابن سعد وابن عساكر وفاته في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب(103) .
وذكر ابن حبان أن وفاته كانت في معركة اليرموك بالشام في عهد عمر بن الخطاب، وهو ابن ثنتين وعشرين سنة(104) .
وكان أجمل الناس وجهاً، ولم يترك ولداً إلا أم كلثوم تزوجها الحسن بن علي رضي الله عنهما ، ثم فارقها فتزوجها أبو موسى الأشعري. ثم عمران بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي. روى عنه أخوه عبد الله ابن عباس، وروى عنه أبو هريرة رضي الله عنه(105) .
قُثَمُ بن العبَّاس
أورده ابن سعد وقال: قثم بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف، وأمه أم الفضل وهي لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية،
وكان قثم يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغزا قثم خراسان وكان عليها سعيد بن عثمان، فقال له: أضْرِبُ لك بألف سهم، فقال: لا بل أَخْمِسْ ثم أعط الناس حقوقهم ثم أعطني بعد ما شئت، وكان قثم ورعاً فاضلاً، وتوفي بسمرقند(106)
وكَانَ قثم آخر من خرج من قبر النبي صلى الله عليه وسلم ممن نزل فِيهِ، وقد ادعى ذَلِكَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة لقصة ذكرها فأنكر ذَلِكَ ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: آخر الناس عهداً بالنبي صلى الله عليه وسلم قثم بْن الْعَبَّاس. وقد روي عَنْ علي مثل ذَلِكَ سواء فِي أَنَّهُ أنكر مَا ادعى الْمُغِيرَة من ذَلِكَ، وَقَالَ: آخر الناس عهداً بالنبي صلى الله عليه وسلم قثم بْن الْعَبَّاس.
وكان قثم بْن الْعَبَّاس والياً لعلي بْن أَبِي طالب على مكة، وذلك أن عليًّا لما ولي الخلافة عزل خَالِد بْن العاصي بْن هِشَام بْن الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ عَنْ مكة، وولاها أَبَا قَتَادَة الأَنْصَارِيّ، ثُمَّ عزله، وولى قثم بْن الْعَبَّاس، فلم يزل واليا عليها حَتَّى قتل علي رحمه الله هَذَا قول خليفة. وقال الزُّبَيْر: استعمل على بْن أَبِي طالب قثم بْن الْعَبَّاس، على المدينة.
رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعي وغيره. مات قثم بْن الْعَبَّاس بسمرقند، واستشهد بها، (سنة سبع وخمسين للهجرة) وَكَانَ خرج إليها مع سَعِيد بْن عُثْمَان بْن عَفَّان زمن مُعَاوِيَة، وَكَانَ قثم بْن الْعَبَّاس يُشبَّه بالنبي صلى الله عليه وسلم(107) .
وفي
طرائف المقال: قثم بن العباس بن عبد المطلب.. قبره بسمرقند.. وكان والياً من جانب أمير المؤمنين عليه السلام في مكة، وقيل: في المدينة، ثم ذهب في زمان معاوية إلى سمرقند ففاز بالشهادة(108)
مَعْبَد بن العبَّاس
معبد بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، يكنى أبا العباس، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظ عنه، قتل بإفريقية شهيداً سنة خمس وثلاثين في زمن عثمان، وكان غزاها مع ابن أبي سرح، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهى أم الفضل وعبد الله وعبيد الله وقثم ومعبد وعبد الرحمن وأم حبيبة بني العباس بن عبد المطلب(109) .
وقيل: إن استشهاده بإفريقية كان في خلافة معاوية، وذكر الدارقطني في كتاب الأخوة أن علياً ولَّاه مكة(110) .
عبد الله بن العبَّاس (حبر الأمة)
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو العباس القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كني بأبيه العباس.. وأمه لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية وهو ابن
خالة خالد بن الوليد، وكان يسمى البحر لسعة علمه ويسمى حبر الأمة ولد والنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته بالشعب من مكة فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه بريقه وذلك قبل الهجرة بثلاثة سنين، وقيل غير ذلك(111)
وقال الذهبي في ترجمته: صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاثين شهراً، وحدَّث عنه بجملة صالحة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن ابن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأبي ابن كعب، وزيد بن ثابت وخلق. وقرأ على أبي، وزيد. قرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة...
قال الزبير بن بكار: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابن عباس ثلاث عشرة سنة. قال أبو سعيد بن يونس: غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي سرح، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفساً. قال أبو عبد الله بن منده: أمه هي أم الفضل أخت أم المؤمنين ميمونة، ولد قبل الهجرة بسنتين. وكان أبيض، طويلاً، مشرباً صفرة، جسيماً، وسيماً، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة. قلت - الذهبي -: وهو ابن خالة خالد بن الوليد المخزومي..
وانتقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء(112)(113) )( .
وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالفقه والعلم فقال: اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ(114) .
واستجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم، فكان ابن عباس رحمه الله بحراً في العلم لا ساحل له، وبلغ مبلغاً عظيماً في الفقه والتأويل قلَّ من يناظره فيه أو يدانيه.
وفي أسد الغابة: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمر كان إذا جاءته الأقضية المعضلة قال لابن عباس: إنها قد طرأت علينا أقضية وعُضٌل فأنت لها ولأمثالها، ثم يأخذ بقوله وما كان يدعو لذلك أحداً سواه، قال عبيد الله: وعمر عمر، يعنى في حذقه واجتهاده لله وللمسلمين.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال بعلم ما سبقه وفقه فيما احتيج إليه من رأيه وحلم ونسب وتأويل، وما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ولا بقضاء أبى بكر وعمر وعثمان منه ولا أفقه في رأى منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أثقب رأياً فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يوماً ولا يذكر فيه إلا الفقه ويوماً التأويل ويوماً المغازي ويوماً الشعر ويوماً
أيام العرب، ولا رأيت عالماً قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلاً قط سأله إلا وجد عنده علماً(115)
وفي «التهذيب»: من الرواة عنه مئتان سوى ثلاثة أنفس.. وأولاده، الفضل، ومحمد، وعبيد الله، ماتوا ولا عقب لهم. ولبابة ولها أولاد وعقب من زوجها علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء وكانت عند ابن عمها عبد الله بن عبيد الله بن العباس، فولدت له حسناً، وحسيناً(116) .
وتوفي ابن عباس بالطائف في سنة ثمان وستين فصلى عليه محمد ابن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة رضي الله عنه، ورجَّحه الذهبي(117) .
وقال علي بن المديني: توفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين. وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان. وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة. ومسنده ألف وست مئة وستون حديثاً. وله من ذلك في «الصحيحين» خمسة وسبعون. وتفرَّد البخاري له بِمائَةٍ وعشرين حديثاً، وتفرَّد مسلم بتسعة أحاديث(118) .
عبيد الله بن العبَّاس (تيار الفرات)
عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخو عبد الله، وكثير، والفضل، وقثم، ومعبد، وتمام، وأمهم أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية. ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. والظاهر أنه ولد قبل بدر، وقد جزم به ابن سعد فقال: مات النبي صلى الله عليه وسلم وله اثنتا عشرة سنة، وقيل: له رؤية، وقال ابن سعد: رأى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه، وقال ابن حبان: له صحبة، حدث عنه: ابنه عبد الله، وعطاء، وابن سيرين، وسليمان بن يسار، وغيرهم. وكان أميراً، شريفاً، جواداً، ممدحاً. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الخامسة من الصحابة فقال: كان أصغر من عبد الله بسنة واحدة، ثم قال: سمع من النبي صلى الله عليه وسلم. وكان رجلاً تاجراً مات بالمدينة.
وقد عرف عبيد الله واشتهر بالجود والكرم، قال ابن عساكر: وكان عبيد الله من كرماء قريش وجودائهم.
وكان معاوية يقول: إن عبيد الله بن عباس علَّم قريشاً الجود.
وروى ابن عساكر بسنده إلى محمد بن سعد نا الواقدي قال: سمعت عمي يقول: كان يقال بالمدينة: من أراد العلم والسخاء والجمال فليأت دار العباس بن عبد المطلب، أما عبد الله فكان أعلم الناس، وأما عبيد الله فكان أسخى الناس، وأما الفضل فكان أجمل الناس.
وقال بعض أهل العلم: كان عبد الله وعبيد الله ابنا العباس إذا قدما مكة أوسعهم عبد الله علماً، وأوسعهم عبيد الله طعاماً، وكان عبيد الله رجلاً
تاجراً، ومات عبيد الله بالمدينة.
وقال الزبير: كان سخياً جواداً، وكان ينحر ويذبح ويطعم في موضع المجزرة بالسوق بمكة، واستعمله علي رضي الله عنه على اليمن، وحجَّ بالناس سنة ست وثلاثين. وقد ذبح بسر بن أرطاة ولديه عدواناً وظلماً، وتولهت أمهما عليهما، وهرب عبيد الله. قيل: إن عبيد الله وصل مرة رجلاً بمئة ألف. قال الفسوي: مات زمن معاوية، وقال خليفة وغيره: مات سنة ثمان وخمسين. وأما أبو عبيد وأبو حسان الزيادي، فقالا: مات سنة سبع وثمانين.
وقال الواقدي: بقي إلى دهر يزيد بن معاوية وبه جزم أبو نعيم، وقال أبوعبيدة ويعقوب بن شيبة: مات سنة سبع وثمانين.
وقال ابن عساكر: ومات عبيد الله بالمدينة سنة سبع وثمانين، فكأنه مات وله بضع وثمانون سنة، وكان لعبيد الله بن عباس من الولد محمد وبه كان يكنى، وعباس والعالية وميمونة وأمهم عائشة بنت عبد الله، وعبد الله بن جعفر وعمرة لأمهات أولاد ولبابة وأم محمد.
ولبابة ابنته هي التي تزوجها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان(119) .
وفي شرح نهج البلاغة: عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان عبيد الله عامل علي عليه السلام على اليمن، وهو عبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. أمه وأم إخوته: عبد الله، وقثم، ومعبد، وعبد الرحمن، لبابة بنت الحارث بن
حزن، من بنى عامر بن صعصعة. ومات عبيد الله بالمدينة، وكان جواداً، وأعقب ومن أولاده: قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس ولَّاه أبو جعفر المنصور المدينة، وكان جواداً ممدوحاً(120)
كَثِيْرُ بنُ العبَّاس:
كَثير بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكنى أبا تمام، وأمه رومية، ويقال: حميرية، وكان هو وتمام بن العباس من أمّ واحدة، أمهما أم ولد.
روى عن أبيه وأخيه عبد الله وأبي بكر وعمر وعثمان والحجاج بن عمرو بن غزية. وعنه الأعرج والزهري أبو الأصبغ السلمي مولى بني سليم.
قال أبو علي بن السكن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، ولم يصح سماعه منه، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة وقال:
لم يبلغنا أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا كذا قال، وقد ذكره الخطابي في كتاب من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبوه، وقال: قالوا: رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى له ابن منده وابن قانع في معجم الصحابة حديثاً يدل على صحبته، لكن في إسناده يزيد بن أبي زياد وقد اختلف عليه فيه.
روى أحمد بسنده عن جَرِيرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُفُّ عَبْدَ اللهِ، وَعُبَيْدَ اللهِ، وَكُثَيَّرًا بَنِي الْعَبَّاسِ، ثُمَّ يَقُولُ: «مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا» قَالَ: فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ، فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْتَزَمُهُمْ(121) .
وروى البغوي بسنده عن أحمد بن زهير قال: بلغني أن كثير بن العباس بن عبد المطلب ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشر من الهجرة(122) .
وقال ابن حبان في الثقات: كان رجلاً صالحاً فاضلاً فقيهاً، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان. ويروى أن معاوية سأل رجلاً
عن أعبد الناس بالمدينة، فقال: كثير بن العباس.
وروى كثير أيضاً عن أبي بكر وعمر وعثمان والحجاج بن عمرو ابن غزية الأنصاري، وروى عنه الزهري والأعرج وغيرهما. قال يعقوب بن شيبة: يعد في أهل المدينة ممن ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مصعب الزبيري: كان فقيهاً فاضلاً ولا عقب له. وقال ابن حبان: مات بالمدينة في خلافة عبد الملك(123) .
وذكره صاحب الدرجات الرفيعة فقال: كثير بن العباس بن عبد المطلب، أمه أم ولد رومية اسمها سبا، وقيل: أم حميرية، وكان يكنى أبا تمام، قال أبو عمرو: ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بأشهر في سنة عشرة من الهجرة، وكان فقيهاً ذكياً فاضلاً عابداً سيداً، روى عن أبيه وأخيه عبد الله، وعنه ابن شهاب وعبد الرحمن الأعرج وجماعة(124) .
تَمَّام بنُ العبَّاس
تمَّام بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم أصغر الاخوة العشرة أمه أم ولد، وكانت رومية تسمى سبا، وكان العباس يقول: تموا بتمام فصاروا عشرة. قاله الزبير بن بكار، وقد اختلف العلماء في صحبته.
وكان تمام والياً لعلي بن أبي طالب على المدينة بعد سهل بن حنيف، ثم ولَّاه على المدائن.
وقال أبو عمر: كل ولد العباس له رؤية، وللفضل وعبد الله سماع. قال ابن السكن: يقال: كان أصغر إخوته، وكان أشد قريش بطشاً، ولا يحفظ له عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية من وجه ثابت. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل، وإنما رواه عن أبيه.
قال ابن سعد: كان تمام من أشدِّ أهل زمانه بطشاً، وله أولاد، وأولاد أولاد، فانقرضوا وآخرهم يحيى بن جعفر بن تمام، مات زمن المنصور، وورثه أعمام المنصور، فأطلقوا الميراث كله لعبد الصمد بن علي(125) .
عبد الرحمن بن العبَّاس
عبد الرحمن بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، وهو ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخو عبد الله بن عباس، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل بإفريقية شهيداً هو وأخوه معبد بن العباس مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح، قاله مصعب وغيره، وقال ابن الكلبي: قتل عبد الرحمن بن العباس بالشام(126) .
الحارث بن العبَّاس
الحارث بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عداده في ولد العباس. قال أبو عمر: لكل ولد العباس رؤية
والصحبة للفضل وعبد الله، وأمه حجيلة بنت جندب بن الربيع الهلالية، وقيل: أم ولد. ويقال: إن أباه غضب عليه فطرده، فلحق بالزبير فجاء وشفع فيه عند خاله العباس.
وقال هشام بن الكلبي والهيثم بن عدي: طرده العباس إلى الشام فصار إلى الزبير بمصر، فلما قدم الزبير على العباس قال له: جئتني بأبي عضل ولا وصلتك رحم، ويقال: إنه عمي بعد موت العباس(127) .
عَون بن العبَّاس
عون بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن عبد البر في ترجمة أخيه تمام، وذكر أن له صحبة، وقال: وعون ابن العباس لا أقف على اسم أمه، وترجم له ابن حجر في الإصابة(128) .
ولم يذكره الزبيري في جملة أولاد العباس، وكذا البلاذري، وابن سعد، وابن الجوزي، وابن حزم، والذهبي(129) .
أكرم بها
من دار:
روى الطبراني بسنده عن عبد الله بن إبراهيم الجمحي، عن أبيه، قال: دخل أعرابي دار العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وفي جانبها عبد الله بن عباس يفتي ولا يرجع في شيء يسأل عنه، وفي الجانب الآخر عبيد الله بن العباس يطعم كل من دخل، فقال الأعرابي: من أراد الدنيا والآخرة فعليه بدار العباس بن عبد المطلب، هذا يفتي ويفقه الناس، وهذا يطعم الطعام(130) .
تباعد قبور بني العبَّاس:
كان ما سبق بياناً لأولاد العباس الذكور، ومما يلفت الأنظار في سيرة أولاد العباس وبخاصة من أم الفضل هو تباعد قبورهم ومواطن وفياتهم كما سبق.
فقد مات الفضل بالشام، ومات عبد الله بالطائف، ومات عبيد الله بالمدينة، ومات قثم بسمرقند، وقتل معبد بأفريقيا، وكذا عبد الرحمن، وقيل: مات بالشام.
وقد صار تباعد قبورهم مضرباً للمثل حتى شاعت مقولة: ما رأينا بني أم قط أبعد قبوراً من بني العباس لأم الفضل(131) .
أو: مَا رَأَيْنَا وَلَدَ أُمٍّ قَطُّ أَبْعَدَ قُبُوْراً مِنْ بَنِي العَبَّاسِ(132) .
أو: مَا رَأَيْنَا بَنِي أَبٍ وَأُمٍّ قَطُّ أَبْعَدَ قُبُورًا مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْ أُمِّ الْفَضْلِ(133) . أو: ما رأيت مثل بني أمّ واحدة إشراقة، ولدوا في دار واحدة، أبعد قبوراً من بني أم الفضل(134) .
وكان من نسل العباس الخلفاء العباسيون، يقول الذهبي: وَقَدْ صَارَ المُلْكُ فِي ذُرِّيَّةِ العَبَّاسِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ، وَتَدَاوَلَهُ تِسْعَةٌ وَثَلاَثُوْنَ(135) .
ولعل الذهبي يقصد بذلك عدد الخلفاء العباسيين في العراق، وإن كان السيوطي ذكر أنهم سبعة وثلاثون خليفة أولهم أبو العباس السفاح، وآخرهم المستعصم بالله بن المستنصر بالله.
وهؤلاء غير الخلفاء العباسيين في مصر، وعددهم خمسة عشر خليفة، بدءاً من المستنصر بالله: أحمد أبو القاسم بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد. وانتهاءً بالمتوكل على الله: أبو العز عبد العزيز بن يعقوب بن المتوكل على الله(136) .
بنات العباس رضي الله عنه
كما رزق الله تعالى العباس رضي الله عنه جملة من البنين، فقد رزقه أيضاً بثلاث بنات، بيانهن فيما يلي:
أم حبيب بنت العباس
أم حبيب بنت العباس بن عبد المطلب، وقيل: أم حبيبة والأول أكثر، ذكره ابن الأثير(137) . وقال ابن عبد البر: كذلك يقول أكثر أهل النسب(138) .
وترجم لها ابن سعد في طبقاته وقال: وأمها أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية. تزوجها الأسود بْن سُفْيَان بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ بْنِ هِلالِ بْنِ عَبْدِ الله من مخزوم فولدت له زرقاء ولبابة. وهم يسكنون بمكة(139) .
روى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم حبيب بنت العباس تدبُّ بين يديه، فقال: «لَئِنْ بَلَغَتْ هَذِهِ وَأَنَا حَيٌّ، لَأَتَزَوَّجَنَّهَا»(140) فقبض قبل
في الصحابيات، وذكر أنها ولدت للأسود ابنة أخرى اسمها زرقاء، قال: وولدها يسكنون مكّة(143)
أميمة بنت العباس
أميمة بنت العباس: ويذكرها بعضهم آمنة(144) ، ويقال: أمينة. كَانَتْ عِنْدَ الْعَبَّاس بْن عتبة بْن أَبِي لهب، فولدت لَهُ الفضل الشاعر، وأمها أم ولد(145) .
صفية بِنْت الْعَبَّاس
صفية بِنْت الْعَبَّاس، وكانت عند عبد الله بن أبي مسروح، من بكر ابن هوازن(146) .
إخوة العباس: (أولاد عبد المطلب)
اختلف العلماء في بيان عدة أولاد عبد المطلب (إخوة العباس)
فذكر مصعب الزبيري أن عدتهم اثنا عشر ذكراً - منهم العباس -وست إناث.
يقول مصعب الزبيري في نسب قريش: فولد عبد المطلب بن هاشم: عبد الله، أبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا طالب، واسمه عبد مناف؛ والزبير؛ وأم حكيم البيضاء، وهي التي يقال لها: الحَصان، وهي توأمة أبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وعاتكة؛ ومرة؛ وأميمة؛ وأروى؛ أمهم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم...
وحمزة بن عبد المطلب؛ والمقوم؛ وحَجل، واسمه المغيرة؛ وصفية، وأمهم: هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة...
والعباس بن عبد المطلب، وضرار بن عبد المطلب، أمهما: نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن النمر بن قاسط، من بني القرية...
والحارث بن عبد المطلب، وهو أكبر ولده، وبه كان يكنى؛ وقثم، هلك صغيراً، وأمهما: صفية بنت جندب بن حير بن رئاب بن حبيب بن سواء بن عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن
هوازن..
وأبا لهب، واسمه عبد العزى، وأمه: لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول من خزاعة...
والغيداق بن عبد المطلب، واسمه مصعب، وأمه خزاعية(147) .
وذكر ابن الكلبي أن عددهم أربعة عشر ذكراً، مضيفاً عبد الكعبة والعوام على ما أورده مصعب(148) .
وذكر ابن حبان أن إجمال عدد أولاد عبد المطلب الذكور عشرة ، إلا أنه حين النص على أسمائهم أورد تسعة أسماء فقط، مسقطاً من تعداد مصعب: حجل وضرار وقثم(149) .
وذكر النووي أن عدد الذكور منهم اثنا عشر، مضيفاً عبد الكعبة على ما ذكره مصعب، ومسقطاً المقوم من إحصائه، أما الإناث فهن ستة(150) .
وذكر النووي عند حديثه عن أعمام النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أحد عشر، وبإضافة والد النبي صلى الله عليه وسلم يصبح عددهم اثني عشر، ...أسلم منهم حمزة، والعباس، وكان حمزة أصغرهم سنًا؛ لأنه رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم العباس قريب منه في السن، وهو الذى
كان يلى زمزم بعد أبيه عبد المطلب، وكان أكبر سنًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين(151)
قال ابن سعد: فَالْعَقِبُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِلْعَبَّاسِ وَأَبِي طَالِبٍ وَالْحَارِثِ وَأَبِي لَهَبٍ، وَقَدْ كَانَ لِحَمْزَةَ وَالْمُقَوَّمِ وَالزُّبَيْرِ وَحَجْلٍ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْلَادٌ لِأَصْلَابِهِمْ فَهَلَكُوا وَالْبَاقُونَ لَمْ يُعْقِبُوا، وَكَانَ الْعَدَدُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فِي بَنِي الْحَارِثِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى بَنِي أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ صَارَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ(152) .
وأوضح ذلك ابن حزم في الجمهرة بقوله بعد إيراده لأبناء عبد المطلب: فلم يعقب أحد منهم عقباً باقياً إلا أربعة: العباس، وأبو طالب، والحارث، وأبو لهب(153) .
فقد أخرج حمزة من جملة أولاد عبد المطلب المعقبين، مع أن له أولاداً، ولكن توقف عقبهم.
أما عن بنات عبد المطلب - أخوات العباس وعمات الرسول صلى الله عليه وسلم - فعددهن ست.
قال النووي: وَأما عمات رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فهن سِتّ بَنَات عَبْد الْمطلب بْن هَاشم لصلبه؛ أولهنَّ عَاتِكَة بنت عَبْد الْمطلب، وَأُمَيْمَة
بنت عَبْد الْمطلب، وأروى بنت عَبْد الْمطلب، والبيضاء بنت عبد الْمطلب وَهِي أم حَكِيم، وبرة بنت عَبْد الْمطلب، وَصفِيَّة بنت عَبْد الْمطلب(154)
وفصَّل مصعب الزبيري الحديث في بنات عبد المطلب ذاكرًا أزواجهن وأولادهن حيث قال:
وكانت أم حكيم بنت عبد المطلب عند كريز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس، فولدت له عامراً، وأم طلحة.. وأروى بنت كريز وهي التي ولدت عثمان بن عفان بن أبي العاصي. (فأم حكيم جدة عثمان لأمه).
وكانت عاتكة بنت عبد المطلب عند أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم؛ فولدت له عبد الله، وزهيراً، وقريبة.
وكانت برة بنت عبد المطلب عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم؛ فولدت له أبا سلمة؛ ثم خلف عليها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل؛ فولدت له: أبا سبرة.
وكانت أميمة بنت عبد المطلب عند جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة؛ فولدت له: عبد الله المجدع في الله، قتل يوم أحد، ومثَّل به المشركون، وأبا أحمد الأعمى الشاعر، واسمه عبد، هاجر إلى المدينة، وعبيد الله، تنصر بأرض
الحبشة، وزينب بنت جحش.. وحبيبة بنت جحش، وهي المستحاضة.. وحمنة بنت جحش، كانت عند مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي.. وقتل مصعب بن عمير يوم أحد شهيداً، وليس له عقب إلا من بنته زينب؛ فخلف على حمنة بنت جحش طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم، فولدت له: عمران، ومحمداً السجاد، قتل يوم الجمل.
وكانت أروى بنت عبد المطلب عند عمير بن وهب بن عبد بن قصي؛ فولدت له طليب بن عمير، من المهاجرين الأولين، قتل بأجنادين شهيداً، وليس له عقب..
ثم خلف على أروى بنت عبد المطلب كلدة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فولدت له فاطمة..
وكانت صفية بنت عبد المطلب عند العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى؛ فولدت له الزبير، سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الحواري»، قال: «لكل نبي حواري، وحواريي الزبير!»؛ والسائب، قتل يوم اليمامة شهيداً؛ وأم حبيب(155) .
وذكر ابن حبان أنه لم يسلم من عمات النبي صلى الله عليه وسلم إلا صفية(156) .
أما المحب الطبري فذكر أنهن ست، وأنه لم يسلم منهن إلا صفية أم الزبير بلا خلف. وقال: واختلف في أروى وعاتكة، فذهب أبو جعفر العقيلي إلى إسلامهما وعدّهما في الصحابة، وذكر الدارقطني عاتكة في جملة الأخوة والأخوات، ولم يذكر أروى، وأما محمد بن إسحاق وغيره فذكروا أنه لم يسلم من عماته صلى الله عليه وسلم غير صفية(157) .
وقال ابن الأثير عند ترجمته لأروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكرها أبو جعفر في الصحابة، وذكر أيضا أختها عاتكة بنت عبد المطلب. وخالفه غيره، فأما ابن إسحاق ومن وافقه فقالوا: لم يسلم من عمات النبي صلى الله عليه وسلم غير صفية أم الزبير، وقال غير هؤلاء: أسلم من عمات النبي صلى الله عليه وسلم صفية وأروى(158) .
قال الذهبي في ترجمته لصفية: وَالصَّحِيْحُ أَنَّهُ مَا أَسْلَمَ مِنْ عَمَّاتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - سِوَاهَا(159) .
وحيث إن صفية من اتفق على إسلامها من بين عمَّات النبي صلى الله عليه وسلم فسنخصها هنا بترجمة موجزة.
هي: صفية بنت عبد المطلب بْن هاشم بْن عبد مناف؛ عمة رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم. وأمها هالة بنت وهيب بْن عبد مناف بْن زهرة.
وهي شقيقة حمزة والمقوم وحجل بني عبد المطلب. كانت صفية فِي الجاهلية تحت الحارث بْن حرب بْن أمية بْن عبد شمس، ثم هلك عنها، وتزوجها العوام بْن خويلد بْن أسد، فولدت له الزُّبَيْر، والسائب، وعبد الكعبة، وعاشت زمانًا طويلًا. وتوفيت فِي خلافة عُمَر بْن الْخَطَّابِ سنة عشرين، ولها ثلاث وسبعون سنة، ودفنت بالبقيع بفناء دار الْمُغِيرَة [بْن شعبة]. وقد قيل: إن العوام كَانَ عليها قبل، وليس بشيء(160)

موالي العباس رضي الله عنه
الموالي كلمة أصيلة في العربية وتدل بمشتقاتها على القرب بأنواعه، من حيث الدين والنسبة والمكان والزمان والنصرة(161) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْوَلاَءُ اصْطِلاَحًا: فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَصَرُوهُ عَلَى الْقَرَابَةِ الْحُكْمِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْ زَوَال الْمِلْكِ عَنِ الرَّقِيقِ بِالْحُرِّيَّةِ(162) خلافاً للأحناف، فَقَدْ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ قَرَابَةٌ حُكْمِيَّةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ
عِتْقٍ أَوْ مُوَالاَةٍ.
فالْوَلاَءَ عِنْدَهُمْ نَوْعَانِ: - وَلاَءُ عَتَاقَةٍ: وَيُسَمَّى وَلاَءَ نِعْمَةٍ. وَسَبَبُهُ الإْعْتَاقُ.
- وَوَلاَءُ مُوَالاَةٍ: وَسَبَبُهُ الْعَقْدُ الْمَعْرُوفُ الْمُوَالاَةِ. وَهُوَ أَنْ يُعَاهِدَ شَخْصٌ شَخْصًا آخَرَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَنَى فَعَلَيْهِ أَرْشُهُ، وَإِنْ مَاتَ فَمِيرَاثُهُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَا رَجُلَيْنِ أَوِ امْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا رَجُلاً وَالآْخَرُ امْرَأَةً(163) .
والولاء أقرَّه الإسلام وجعل له أحكاماً، ومن أخصِّ أحكامه أنه لا يباع ولا يوهب، كالنسب تماماً.
فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ»(164) .
وفي البخاري عن ابن عمر: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الوَلاَءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ»(165) .
وذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْوَلاَءِ وَلاَ هِبَتُهُ. وَذَلِكَ لأِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ(166) .
وعدَّ النبي صلى الله عليه وسلم مولى القوم منهم فقال: صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(167) .
وقد عرف تاريخنا الإسلامي بعض الموالي الذين اشتهر أمرهم وذاع صيتهم، ولعل من أبرزهم:
زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. بِلالٌ: مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ. عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ: مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ. أَسْلَمَ: مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. خَالِدُ بْنُ أَسْلَمَ: مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. حُمْرَانَ: مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. سُلَيْمَانُ بْنُ كِنَانَةَ: مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. أبو جعفر: مَوْلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. هَانِئٍ: مَوْلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي
طَالِبٍ. أَبُو صَالِحٍ: مَوْلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أبو عياش: مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ: مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. يُحَنَّسَ: مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. أَبو عُبَيْدٍ: مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. سالم: مولى أبي حذيفة. وكان يؤم المهاجرين والأنصار في قباء(168) نافع مولى ابن عمر: ومن أبرز من روى عنه. عبد الله بن دينار: مولى ابن عمر. كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ومن أبرز من روى عنه. أَبِو مَعْبَدٍ: مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. ذَكْوَانَ: مَوْلَى عَائِشَةَ. عَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ: مَوْلَى مَيْمُونَةَ. وَرَّادٍ: مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. أَبِو قَيْسٍ: مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ.
والناظر لمن تقدم ذكره من الموالي يجد من بينهم صحابة جاهدوا في سبيل الله، ونشروا العلم، ويكفي أن عمر بن الخطاب حين طعن قال: لو كان سالم حيًّا ما جعلتها شورى. قال أَبُو عمر: معناه أَنَّهُ كان يصدر عن رأيه فيمن يوليه الخلافة(169) .
ومما يجدر ذكره أن الموالي لم يقتصر دورهم على عصر الصحابة، بل كان لهم دورهم السياسي والعلمي في التاريخ الإسلامي بعامة؛ وبخاصة في الدولة الأموية، فقد قاموا بأعمال الفتوحات الواسعة، والقيام على أمر الدواوين وتعريبها، ثم ظهور العديد من العلماء منهم الذين كان لهم أكبر الأثر وأعظمه في الخلافة الإسلامية.
وعلى ضوء ما سبق ولما للموالي من أهمية باعتبار ملازمتهم لمن يوالونه، ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم السابق «مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(170) كان لزاماً علينا، ونحن نبحث في سيرة ومسيرة العباس رضي الله عنه أن نتحدث عن مواليه، وإليكم التفصيل:
إبراهيم بن عبد الله بن حنين، مولى العباس، روى عن أبيه، روى عنه نافع والزهري ومحمد بن عجلان وشريك بن أبى نمر وداود ابن قيس وأسامة بن زيد ويزيد بن أبي حبيب ومحمد بن إسحاق وغيرهم(171) .
وأورده صاحب الوافي قائلاً: إبراهيم بن عبد الله بن حنين أبو إسحاق المدني مولى العباس، روى عن أبي هريرة وأرسل عن علي، كان ثقة، روى له الجماعة، وتوفي رحمه الله تعالى بعد المائة في العشر الأول من المائة الثانية(172) .
أبو رافع: مولى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقال: مولى العباس(173) . واسمه أسلم، قال ابن الأثير: واسمه أسلم مولى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -. هو أبو رافع أسلم مولى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم-. قاله مصعب، وقال يحيى بن معين: اسمه إبراهيم، وقيل: ثابت، وقيل: يزيد، والأول أشهر وأصح، وغلبت عليه كنيته، كان قبطياً، وكان للعباس فوهبه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فلما بشَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسلام العباس أعتقه. شهد أحداً وما بعدها من المشاهد ولم يشهد بدراً، وكان إسلامه قبلها لأنه كان مقيماً بمكة فيما ذكروا، وقيل: إنه شهد بدراً، وزوّجه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مولاته فولدت له عبيد الله.
روى عنه ابناه عبد الله والحسين، والحسن، وعطاء بن يَسار، وسعيد المقبري، مات قبل قتل عثمان بيسير، وقيل: مات في خلافة علي(174) .
أبو الجهضم: موسى بن سالم أبو الجهضم مولى
العباس بن عبد المطلب الهاشمي، سمع عبد الله بن عبيد الله، روى عنه حماد بن زيد والثوري(175) أبو حلوة: مولى العباس بن عبد المطلب.
ذكره الفاكهيّ في كتاب «مكّة» من طريق ابن جريج، قال: جاء مولى العباس إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أنا أبو مرّة مولى العباس، قال: «بل أنت أبو حلوة»(176) .
أبو طلحة واسمه سالم بن المخارق الهاشمي، أورده المزي في التهذيب في ترجمة ابنه علي وقال: ويقال أبو طلحة مولى العباس ابن عبد المطلب(177) . أبو ميسرة: أورده ابن أبي حاتم وقال: روى عن العباس بن عبد المطلب عليه السلام روى عنه أبو قبيل، سمعت أبى يقول ذلك(178) .
وفي الإصابة: مولى العباس بن عبد المطلب، ذكره المستغفريّ في الصحابة، وتبعه أبو موسى(179) .
بابى: مولى العباس بن عبد المطلب، سمع مولاه وكعباً،
روى عنه القاسم بن عباس الهاشمي، ذكره البخاري في باب الباء وقال: قاله محمد بن ابراهيم بن دينار(180) حنين: أوله حاء مهملة مضمومة وبعدها نون مفتوحة بعدها ياء ساكنة معجمة باثنتين من تحتها وآخره نون فهو حنين كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فوهبه لعمه العباس بن عبد المطلب فأعتقه. وقيل: حنين مولى مثقب، ومثقب مولى مسحل، ومسحل مولى شماس، وشماس مولى العباس(181) وترجم له البخاري في التاريخ الكبير(182)
وترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب وقال: كان عبداً وخادماً للنبي صلى الله عليه وسلم فوهبه لعمه العباس، فأعتقه العباس، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء، هو جد إبراهيم بن عبد الله بن حنين. وقد قيل: إنه مولى علي بن أبي طالب(183) .
وفي أسد الغابة: أن حنيناً كان غلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم يخدمه، وكان إذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج وضوءه إلى أصحابه، فكانوا إما تمسحوا به وإما شربوه قال: فحبس حنين الوضوء فشكوا إلى النبي فسأله فقال: حبسته عندي فجعلته في جر فإذا عطشت شربت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«هل رأيتم غلاما أحصى هذا». ثم وهبه العباس فأعتقه(184)
شماس: مولى العباس بن عبد المطلب بن هاشم. حفظ سورة يوسف من في عمر بن الخطاب وهو يتلوها في الصلاة، وروى عنه ابنه عثمان بن شماس(185) . صباح مولى العباس بن عبد المطلب. روى عمر بن شبة من طريق صالح بن أبي الأخضر عن عمر بن عبد العزيز أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله وأعطاه عمالته، وذكر غيره عن عمر أيضا أنه هو الذي عمل المنبر(186) . صهيب: أورده البخاري في التاريخ الكبير وقال: صهيب مولى العباس بن عبد المطلب الهاشمي، وَقَالَ الأعمش: صُهبان، قَالَ خَالِد بْن الحارث عَنْ شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّةَ سَمِعَ أبا صالح ذكوان سَمِعَ صهيبا مولى الْعَبَّاس: بعثني الْعَبَّاس إلى عثمان وعلي(187) .
وروى حديث تقبيل علي ليد العباس وطلبه رضاه. وقال: الذهبي بعد تحسينه لإسناد هذه الرواية: وصهيب لا أعرفه(188) .
وترجم له ابن حبان: صهيب مولى العباس بن عبد المطلب يروي عن عثمان وعلي، روى عنه أبو صالح السمان(189) . وكذا ابن حجر في التقريب: وقال صدوق من الثالثة(190) .
عبادة بن سليمان: أورده ابن حجر قائلاً: مولى العباس، له في النكاح، قاله ابن سعد، واستدركه الذهبي. والصواب عبّاد، بفتح أوله وتشديد الموحدة(191) . عبد اللّه بن جبير: مولى العباس بن عبد المطلب، ويُقال: إنه مولى مولى العباس. توفي سنة خمس ومائة(192) . عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ: مولى العباس بن عبد المطلب بن هاشم وله بقية وعقب بالمدينة، وكان ابنه إبراهيم بن عبد الله بن حنين من رواة العلم، وحمل عنه الزهري وغيره، وهم يقولون نحن موالي العباس ابن عبد المطلب، ينتمون إلى ذلك إلى اليوم(193) .
وقيل: هو مولى علي، روى عن علي وابن عباس وأبي أيوب رضي الله عنهم(194) .
وترجم له الذهبي في السير وقال: عبد الله بن حنين المدني، مولى العباس، أبو علي، يروي عن علي، وأبي أيوب، وابن عباس.
وعنه ابنه إبراهيم، وابن المنكدر، وشريك بن أبي نمر، وأسامة ابن زيد وآخرون. ثقة، كبير(195) .
الغمر بن حمزة بن أبي رملة: أورده الطبري في التاريخ، وقال: مولى العباس بن عبد المطلب(196) فليح بن سليمان: بن أبي المغيرة بن حنين بن أخي عبيد ابن حنين، واسم فليح عبد الملك وفليح لقبه وكنيته أبو يحيى، يقال: مولى زيد بن الخطاب، ويقال: مولى العباس، ويقال: مولى علي بن أبي طالب(197) قثم بن لؤلؤة: مولى العباس بن عبد المطلب روى عن أمه وعن علي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ذكره البخاري في التاريخ فقال روى عنه مغيرة بن مقسم الضبي ويزيد بن عبد الرحمن والوليد بن جميع وذكره ابن أبي حاتم كذلك ولم يذكر فيه جرحاً ولا عدالة(198) كلاب: مولى العباس بن عبد المطلب. وقيل: هو من صنع
منبر النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكره ابن سعد، وأخرج بسند فيه الواقدي، عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائماً، فقال: إنّ القيام قد شق عليّ، فقال له تميم الداريّ، ألّا أعمل لك منبراً كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور النبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه. فقال العبّاس ابن عبد المطّلب: إن لي غلاما يقال له: كلاب أعمل الناس، فقال: مره أن يعمله، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها وعمل منها درجتين ومقعدا، ثم جاء فوضعه في موضعه اليوم، فقام عليه، وقال: «منبري على ترعة من ترع الجنّة»(199) .
محمد بن حنين: مولى العباس، يروى عن ابن عباس، روى عنه عمرو بن دينار(200) . مينا: مولى العباس: أحد من قيل: إنه عمل المنبر. حكاه الزكي المنذريّ وغيره(201) .
العباس واليوم المحتوم
(أما آن للمسافر أن يقيم؟)
الموت خاتمة الحياة ونهاية مرحلتها، ومصير كل مخلوق، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26 - 27].
ولم يكن العباس بدعاً من ذلك، فقد جرت عليه سنة الله في خلقه، فبعد حياة حافلة بالعطاء مليئة بالأحداث، طال فيها العمر، وكُف فيها البصر، وفُقد فيها الحبيب، تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ، وكانت وفاته يَوْمَ
الْجُمُعَةِ لأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي هَاشِمٍ(202)
وقيل: تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لاثْنَتَيْ عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: بَلْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ قَبْلَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِسَنَتَيْنِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَدُفِنَ بالبقيع، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: ابْنُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ. أَدْرَكَ فِي الإِسْلامِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ سَنَةً وَفِي الْجَاهِلِيَّةِ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: كَانَتْ وَفَاةُ الْعَبَّاسِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ، وَدَخَلَ قَبْرَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الله بن عباس(203) .
ورجّح الذهبي وفاته سنة اثنتين وثلاثين، حيث قال مخبراً عن وفاته: كَانَتْ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ مِنَ الهِجْرَةِ وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ هَذِهِ السِّنَّ مِنْ أَوْلاَدِهِ وَلاَ أَوْلاَدِهِمْ وَلاَ ذُرِّيَّتِهِ الخُلَفَاءِ(204) .
وقبل وفاة العباس دخل عليه عثمان في مرضه الّذي مات فيه فقال: أوصني بما ينفعني به، وزوّدني، فقال: الزم ثلاث خصال(205) تصب بها ثلاث عوامّ، فالخواصّ: ترك مصانعة الناس في الحق، وسلامة القلب، وحفظ اللسان، تصب بها سرور الرعية، وسلامة
الدين، ورضى الرب(206)
وهذا من كمال إيمان العباس رضي الله عنه، وسلامة طبعه، وجودة عقله، وحسن تأتِّيه، كما أنه من شواهد العلاقة الطيبة التي كانت بين العباس وعثمان رضي الله عنهما ، حيث زاره عثمان في مرض موته خاطباً ودَّه، وطالباً نصحه، لما يعلم عنه من خصال البر، وشواهد الخير، وأجابه العباس رضي الله عنه بما يصلح به رعيته، ويسلم به دينه، وقبل ذلك يرضي ربه جل وعلا.
وبعدها مات العباس، وصعدت روحه إلى باريها، وحضر جنازته خلق كثير، وكانت جنازة مشهودة.
ومن المعلوم أن تكثير الجمع في الصلاة على الميت مرغّب فيه، لحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ»(207) .
ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ»(208) .
فدلَّ ما سَبق عَلَى فَضِيلَةِ تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَنَّ شَفَاعَةَ الْمُؤْمِنِ نَافِعَةٌ مَقْبُولَةٌ عِنْدَهُ تَعَالَى(209) .
وقديماً كان فقهاؤنا يتفاخرون على الملوك والمبتدعة بكثرة شهود الجنائز، فكانوا يقولون: بيننا وبينكم شهود الجنائز. كما روي عن الإمام أحمد بن حنبل. وذلك أن حضور الجنازة إنما يكون في الغالب لوازع الحب المحض، وهذا طبعاً مقيّد بظاهر الاستقامة والالتزام بالكتاب والسنة.
ولعل من فضل الله على العباس رضي الله عنه حتى بعد مماته كثرة مشيعيه ومن شهد جنازته، فعَنْ نَمْلَةَ بْنِ أَبِي نَمْلَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعَثَتْ بَنُو هَاشِمٍ مُؤَذِّنًا يُؤْذِنُ أَهْلَ الْعَوَالِي: رَحِمَ اللهُ مَنْ شَهِدَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ: فَحَشَدَ النَّاسُ وَنَزَلُوا مِنَ
العوالي(210)
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ قَالَ: جَاءَنَا مُؤَذِّنٌ يُؤْذِنَّا بِمَوْتِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِقُبَاءَ عَلَى حِمَارٍ. ثُمَّ جَاءَنَا آخَرُ عَلَى حِمَارٍ فَقُلْتُ: مَنِ الأَوَّلُ؟ فَقَالَ: مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ، وَالثَّانِي رَسُولُ عُثْمَانَ. فَاسْتَقْبَلَ قُرَى الأَنْصَارِ قَرْيَةً قَرْيَةً حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَافِلَةِ بَنِي حَارِثَةَ وَمَا وَلاهَا فَحَشَدَ النَّاسُ فَمَا غَادَرْنَا النِّسَاءَ. فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ تَضَايَقَ فَتَقَدَّمُوا بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ صَلَّيْنَا عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ ذَلِكَ الْخُرُوجِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ قَطُّ وَمَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَدْنُوَ إِلَى سَرِيرِهِ. وَغُلِبَ عَلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى اللَّحْدِ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَأَرَى عُثْمَانَ اعْتَزَلَ وَبَعَثَ الشُّرْطَةَ يَضْرِبُونَ النَّاسُ عَنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى خَلُصَ بَنُو هَاشِمٍ. فَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَزَلُوا فِي حُفْرَتِهِ وَدَلَّوْهُ فِي اللَّحْدِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى سَرِيرِهِ بُرْدَ حِبَرَةٍ(211) قد تقطع من
زحامهم(212)
وما كاد خبر وفاة العباس يشيع إلا أقبل الناس من كل فج وصوب يتسابقون لشهود جنازة عم النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: جَاءَنَا رَسُولُ عُثْمَانَ. رَحِمَهُ اللهُ. وَنَحْنُ بِقَصْرِنَا عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَدْ تُوُفِّيَ. فَنَزَلَ أَبِي وَنَزَلَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ نُفَيْلٍ، وَنَزَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنَ السَّمُرَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَاءَنَا أَبِي بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ فَقَالَ: مَا قَدَرْنَا عَلَى أَنْ نَدْنُوَ مِنْ سَرِيرِهِ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ. غُلِبْنَا عَلَيْهِ. وَلَقَدْ كُنْتُ
أُحِبُّ حَمْلَهُ(213)
وَعَنْ عَبَّاسِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَضَرَ غَسْلَهُ عُثْمَانُ، وَغَسَّلَهُ: عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَخَوَاهُ؛ قُثَمُ وَعُبَيْدُ اللهِ(214) .
وروي أن العباس قبل وفاته أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي بُرْدِ حِبَرَةٍ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كُفِّنَ فِيهِ(215) .
وقالُوا: ونزل فِي حفرة الْعَبَّاس: عَلِي بْن أَبِي طَالِب وعبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنا الْعَبَّاس والحسن والحسين ابنا عَلِي وقثم بْن الْعَبَّاس.. وَقَالَ عَبْد اللهِ بْن الْعَبَّاس: لَقَدْ كُنَّا محتاجين إِلَى نزول أكثَرَ منّا
لبدنه وعظمه(216)
وكانت جنازته مهيبة حضرها خلق كثير، حتى نساء الأنصار حرصن على حضورها، فعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ قَالَتْ: حَضَرْنَا نِسَاء الأَنْصَارِ طُرًّا جَنَازَةَ الْعَبَّاسِ، وَكُنَّا أَوَّلَ مَنْ بَكَى عليه، ومعنا المهاجرات الأول المبايعات(217) .
وصلَّى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ يُكَبِّرُ عَلَى الْعَبَّاسِ بِالْبَقِيعِ وَمَا يَقْدِرُ مِنْ لَفْظِ النَّاسِ، وَلَقَدْ بَلَغَ النَّاسُ الْحَشَّانَ(218) وَمَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ(219) .
وتحت ثرى البقيع هدأ جثمان أبي الفضل واستراح.. ونام قرير العين، بين الأبرار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه!!
ويقال: إنه دفن إليه بعد ذلك بعض من آل البيت، يقول ابن تيمية: وَالْقُبَّةُ الَّتِي عَلَى الْعَبَّاسِ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ فِيهَا سَبْعَةٌ: الْعَبَّاسُ وَالْحَسَنُ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ: إنَّ فَاطِمَةَ تَحْتَ الْحَائِطِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ هُنَاكَ(220) .
الفصل
الثاني
العباس في مكَّة
مشاهد من حياته في مكة وأبرز مواقفه فيها
مدخل
قضى العباس رضي الله عنه جل فترات حياته في مكة، فقد وُلد على أرضها، وعاش بين ربوعها، وتنقل بين دروبها وشعابها، فيها حالف وفيها خاصم، وفيها تزوج وأنجب، فيها تاجر، وفيها صاهر، وفيها حضر بيعة العقبة الثانية مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها كانت سقايته التي ألفها وشرف بها.
وكانت للعباس رضي الله عنه في مكة وقبل إسلامه - على المشهور والراجح - مواقف ينبغي ذكرها، ولو أردنا حصر دراستنا عن العباس رضي الله عنه في حياته بالمدينة بعد إسلامه لضاع من بين أيدينا تراث ضخم، وفقدنا معالم رئيسة في حياة العباس رضي الله عنه أسهمت بشكل واضح في إبراز علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم، وموقفه منه.
لذا كان من الأهمية بمكان التعرض لبعض مواقف من حياة العباس في مكة قبل إعلانه إسلامه، وتحليلها، وهذا ما ستوضحه الصفحات التالية.
مشاركة العباس في بناء الكعبة:
حين نتحدث عن أبرز مشاهد حياة العباس رضي الله عنه في مكة فلا يمكن بحال أن يفوتنا مشهد مشاركته في بناء الكعبة مع النبي صلى الله عليه وسلم
إبان شبابهما.
روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما ، قَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ الْحِجَارَةَ إِلَى الْبَيْتِ حِينَ بَنَتْ قُرَيْشٌ الْبَيْتَ وَأَفْرَدَتْ قُرَيْشٌ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ يَنْقُلُونَ، وَالنِّسَاءُ يَنْقُلْنَ الشِّيدَ(221) وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ أَخِي وَكُنَّا نَنْقُلُ عَلَى رِقَابِنَا وَأُزُرُنَا تَحْتَ الْحِجَارَةِ، فَإِذَا غَشِيَنَا النَّاسُ اتَّزَرْنَا فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، قُدَّامِي لَيْسَ عَلَيْهِ - يَعْنِي إِزَارٌ - قَالَ: فَخَرَّ فَانْبَطَحَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجِئْتُ أَسْعَى وَأَلْقَيْتُ حَجَرِي وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَفْتُ فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: فَقَامَ فَأَخَذَ إِزَارَهُ وَقَالَ: «نُهِيتُ أَنْ أَمْشِيَ عُرْيَانًا» قَالَ: فَكُنْتُ أَكْتُمُهَا النَّاسَ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولُوا: مَجْنُونٌ(222) .
ورغم أن الحادثة كانت قبل المبعث، وفي شباب العباس رضي الله عنه حيث لم يبلغ وقتها العشرين من عمره، حيث قيل: إن عمر النبي صلى الله عليه وسلم كان وقتها خمس عشرة سنة، والعباس أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوت فيكون عمره على هذا النحو ثمان عشرة سنة(223) إلا أنها تدل على رجاحة عقل العباس وبُعد نظره، وذلك ظاهر من ردِّ فعله حين سمع مقالة النبي صلى الله عليه وسلم: نهيت أن أمشي عريانا.. فكتمها العباس مخافة أن يقولوا: مجنون، وفي رواية: قلت: اكتمها
الناس مخافة أن يقولوا: مجنون(224)
حيث فهم العباس من هذا أن النهي الوارد إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من مصدر معلوم له؛ لأن مسألة التعري عندهم كانت جائزة، ورغم أنهم في الجاهلية كانوا يتسامحون في النظر إلى العورات(225) . إلا أنه علِم بنظره الثاقب أنه إن شاعت هذه المقولة فإن قريشاً لن تتمالك نفسها ولن تدع النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن تذيقه من مرارة لسانها، وقبيح فعلها، فسارع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ناصحاً بقوله: «اكتمها».. أو أنه بادر إلى نفسه محدثاً إياها بكتمان ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم على اختلاف في الروايات الواردة في ذلك.
جعفر في كفالة العباس:
وقصة ذلك تتلخص في أن أبا طالب كان ذا عيالٍ ولم يكن ميسور الحال، وزاد عليه أن اجتاحت مكة أزمة شديدة أثَّرت عليهم، وبالأخص على فقرائهم الذين كان من بينهم أبو طالب، فكان يعاني شظفاً في العيش وقلة في الرزق.
ولم يقف النبي صلى الله عليه وسلم مكتوفاً أمام هذه الشدة التي اعترت عمه أبا طالب، والمحنة التي ألمَّت به، فانبرى ومعه عمّه العباس للمساهمة في تخفيفها، واقترح على العباس أن يكفل كل منهما ابناً من أبناء أبي طالب،
فأذعن العباس للنجدة وارعوى للأمر، ووافق على المطلب، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم علياً، وأخذ العباس جعفراً.
روى الحاكم بسنده عنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، قَالَ: كَانَ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه مَا صَنَعَ اللهُ لَهُ وَأَرَادَهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزمةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ فِي عِيَالٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ: وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ يَا أَبَا الْفَضْلِ «إِنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ، فَانْطَلق بِنَا إِلَيْهِ نُخَفِّفُ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، آخُذ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وَتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا فَنَكْفُلُهُمَا عَنْهُ» فَقَالَ الْعَبَّاسُ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ، فَقَالَا: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفِّفَ عَنْكَ مِنْ عِيَالِكَ حَتَّى تَنْكَشِفَ عَنِ النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إِذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلًا فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَعَثَهُ اللهُ نَبِيًّا فَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا، وَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ مَعَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، وَاسْتَغْنَى عَنْهُ(226) .
لقد أحسَّ النبي صلى الله عليه وسلم ومعه العباس رضي الله عنه، بما يكابده أبو طالب من أعباء الحياة وأثقالها فهرعا إليه بنيةٍ صادقةٍ وقلبٍ مطمئنٍ،
وذاكرة نبوية لم تنس صنيع أبي طالب معها؛ ليشاطراه همومه وأعباءه، وكانت نتيجة ذلك أن انتقل علي رضي الله عنه للعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجعفر للعيش مع العباس رضي الله عنهما.
وهكذا كفل النبي صلى الله عليه وسلم علياً، والعباس جعفراً، وظل جعفر عند العباس إلى أن أسلم واستغنى عنه، فهي كفالة إلى حين اكتفاء، ورعاية إلى حين استغناء، ولا يقوم بها في الغالب إلا محباً، كريماً، مختاراً لا مضطراً ومجبراً.
العباس وريث مجدٍ تليد وسليل بيتٍ حميد
العباس والسقاية
ورث العباس المجد كابراً عن كابر، كيف لا؟ وهو من سلالة شرف وبيت مجد وسؤدد، توَّجه الإسلام. ويكفينا حديث مسلم عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»(227) .
فالعباس رضي الله عنه من صفوة بني هاشم، بل إنه وكما روى ابنه - ابن عباس - كان الَّذِي يَلِي أَمْرَ بَنِي هَاشِمٍ(228) .
وقد حظي العباس رضي الله عنه بمآثر كثيرة، لعل من أبرزها أنه صاحب العمارة والسقاية.
ويقصد بالعمارة: أنه كان لا يدع أحداً يستب في المسجد الحرام ولا يقول فيه هجراً: يحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون
لذلك امتناعاً؛ لأن قريش اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك وسلموا له ذلك وكانوا له أعواناً(229)
وفيما يلي تفصيل وتأريخ لسقاية العباس باعتبارها من أهم مفاخره قبل الإسلام وبعده.
* تعريف السقاية:
السقاية المنسوبة للعباس رضي الله عنه هي سقي الحجيج الماء، وهي مشتقة من الفعل سقى الذي يدل في اللغة على إشراب الشيء الماء، وما أشبهه(230) .
قال ابن منظور: السَّقْيُ معروف والاسم السُّقْيا بالضم.. ويقال: سَقَيْته لشَفَتِه وأَسْقَيْته لِماشيَتهِ وأَرْضِهِ والاسْمُ السِّقْيُ بالكسر والجمعُ الأَسْقِيَةُ.. وهي السَّحابة.. والسِّقاية موضعُ السَّقْي.. والمَسْقى وقتُ السَّقْيِ والمِسْقاةُ ما يُتَّخذ للجِرار والكيزان تُعَلَّق عليه.. والسِّقايةُ الإناءُ يُسْقى به.. وسِقاية الحاجِّ سَقْيُهم الشراب.. السِّقايةُ إناءٌ يُشرب فيه وسِقاية الماء معروفة(231) .
وقال ابن الأثير: سقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه الحاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها عباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام(232) .
إذن فالسقاية هي ما يبنى للماء، وهي حياض من أدم لسقيا الحجيج، كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، وأحياناً يضاف إليه شيء من الزبيب.
حيث كانوا يملؤون للحجاج حياضاً من الماء، يحلُّونها بشيء من التمر والزبيب، فيشرب الناس منها إذا وردوا مكة(233) .
إذن فالسقاية من حيث الأصل سقي الحجيج الشراب، ثم اختص هذا الأمر بسقيهم من بئر زمزم.
وأخرج الفاكهي عن عطاء، قال: سقاية الحاج زمزم(234) .
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سُقي منها، ففي البخاري عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما حَدَّثَهُ قَالَ: «سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ» قَالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرٍ(235) .
ويلحق بالسقاية الرفادة وهي: طعام كان يصنع للحجّاج على طريق الضيافة؛
وكانت قريش تساعد قصيّا على ذلك بما تقدّمه له من الخرج الذي تخرجه كل سنة(236)
وقال الأزرقي: وَأَمَّا الرِّفَادَةُ فَخَرْجٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُخْرِجُهُ مِنْ أَمْوَالِهَا فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، فَتَدْفَعُهُ إِلَى قُصَيٍّ يَصْنَعُ بِهِ طَعَامًا لِلْحَاجِّ، يَأْكُلُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سَعَةٌ وَلَا زَادٌ، فَلَمَّا هَلَكَ قُصَيٌّ أُقِيمَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ(237) .
وأصل ذلك ما ذكره ابن إسحاق أَن قصياً فَرضه عَلَيْهِم، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ جِيرَانُ الله، وَأهل مَكَّة وَأهل الْحرم، وَإِن الْحجَّاج ضَيْفُ اللهِ وَزُوَّارُ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ بِالضِّيَافَةِ، فَاجْعَلُوا لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الْحَجِّ حَتَّى يَصْدُرُوا عَنْكُمْ. فَفَعَلُوا، فَكَانُوا يُخْرِجُونَ لِذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ خَرْجًا فَيَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِ، فَيَصْنَعُهُ طَعَامًا لِلنَّاسِ أَيَّامَ مِنًى، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ، ثُمَّ جَرَى فِي الْإِسْلَامِ إِلَى يَوْمِكَ هَذَا، فَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يَصْنَعُهُ السُّلْطَانُ كُلَّ عَامٍ بِمِنًى لِلنَّاسِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَجُّ. قُلْتُ: - ابن كثير - ثُمَّ انْقَطَعَ هَذَا بَعْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ(238) .
والرفادة لا تفترق عن السقاية من حيث تعلقهما بالحاج؛ فإذا ما
أطلقت السقاية فإنها تحمل معها الرفادة حتى وإن لم ينص عليها، تماماً كالحال مع اللواء والسدانة.
ورد في الفائق: وَإِنَّمَا ذكر أحد الشَّيْئَيْنِ دون قرينه أَعنِي السدَانَة دون اللِّوَاء والسقاية دون الرفادة لِأَنَّهُمَا لَا يفترقان وَلَا يَخْلُو أَحدهمَا من صَاحبه فَكَانَ ذكر الْوَاحِد متضمناً لذكر الثَّانِي(239) .
السقاية شرف لا يجادل فيه أحد
عرفت قريش في جاهليتها بعض المآثر والمفاخر، والتي تمثلت في: العمادة والعقاب والرفادة والحجابة والندوة واللواء والمشورة والإساف والقبة والأعنة والأيسار والحكومة والأموال المحجرة للآلهة.
وكانت السقاية من مكارم قريش في الجاهلية ومآثرها، حيث حازت قريش كثيراً من المكارم والمفاخر التي وزعت على بطونها، وإليك البيان:
السقاية وعمارة المسجد الحرام: وكانت للعباس بن عبد المطلب من بني هاشم، فكان يسقي الحجيج، وكانت له العمارة، وهي أن لا يتكلم أحد فِي المسجد الحرام برفث ولا هجر، ولا يُرفع صوت. راية الحرب وتدعى العُقاب: وهي راية حرب قريش، وإذا
كانت عند رجل أخرجها إذا حميت الحرب، فإن اجتمعت قريش عَلَى أحد أعطوه العقاب، وكانت عند أبي سفيان بن حرب من بني أمية. الرفادة: وهي مال كانت تخرجه قريش من أموالها وترفد بِهِ منقطعي الحاج، وكانت الرِّفادة إلى الحارث بن عامر من بني نوفل. المشورة: وهي أن رؤساء قريش لم يكونوا يجتمعون عَلَى أمر حَتَّى يعرضوه على صاحب مشورتهم، فإن وافقه والاهم عَلَيْهِ، وإلا تخيّر(240) فكانوا أعواناً، وكانت المشورة إلى يزيد بن زمعة بن الأسود ابن المطلب من بني أسد. الإساف والأشناق: وهي الديات والمغرم، وكانت لأبي بكر الصديق من بني تيم. فكان إذا احتمل شيئاً يسأل فيه قريشاً، وإن أحمله غيره خذلوه. السَّدانة(241) الخزانة مع الحجابة واللواء، وكانت سِدانة البيت واللواء إلى عثمان بن طلحة بن عبد العزى من بني عبد الدار. القبة والأعنة: وكانت إلى خالد بن الوليد من بني مخزوم.
فأما القبة فإنهم كانوا يضربونها، ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش، وأما الأعنة فإنه كان على خيل قريش فِي الحرب. السفارة: وكانت في الجاهلية لعمر بن الخطاب من بني عدي. وذلك إذا وقعت بين قريش وغيرهم حرب بعثوه سفيراً، أو إن نافرهم حي بعثوه مفاخراً، ورضوا به. الأيسار وهي الأزلام وكانت إلى صفوان بن أمية من بني جمح. فكان هو الذي يجري ذلك عَلَى يديه. الحكومة والأموال: وكانت إلى الحارث بن قيس من بني سهم. حيث كانوا يعطونه الحكومة والأموال التي يسمونها لآلهتهم.
وجاء الإسلام فوصل ما يصلح وصله من هذه المآثر، وكذلك كل شرف من شرف الجاهلية أدركه الإسلام فوصله(242) .
وهكذا فقد كانت سقاية الحاج في الجاهلية وعمارة المسجد الحرام في بني هاشم إضافة إلى حلول الثغر، فأما حلول الثغر فإن قريشاً لم تكن تملك عليها في الجاهلية أحداً فإذا كانت الحرب أقرعوا بين أهل الرئاسة فإذا حضرت الحرب أجلسوه لا يبالون صغيراً أو كبيراً أجلسوه تيمناً به، فلما كان أيام الفجار أقرعوا بين بني هاشم فخرج سهم العباس وهو غلام فأجلسوه على ترس...(243) .
فلم تزل هذه المناصب في قريش إلى أن جاء الإسلام، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح عام ثمان من الهجرة، وقد صارت الحجابة إلى عثمان بن أبي طلحة من بني عبد الدار، وصارت السقاية إلى العباس بن عبد المطلب، فأقرهما النبي صلى الله عليه وسلم على ما في أيديهما.
فبعد الفتح أبطلت جميع وظائف قريش إلا السقاية والحجابة وذلك لقيام الدولة الإسلامية وتوليها تلك الوظائف. قال سعيد بن المسيب: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ففتحها، أخذ المفتاح بيده ثم قام للناس، فقال: هل من متكلم؟ هل من أحد يتكلم؟ قال: فتطاول العباس ورجال من بني هاشم رجاء أن يدفعها إليهم مع السقاية، قال: فقال لعثمان بن طلحة: تعال. قال: فجاء فوضعها في يده(244) .
ولا أدل على فضل السقاية وشرفها مما رواه البخاري في صحيحه بسنده عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: «اسْقِنِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: «اسْقِنِي»، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ» ثُمَّ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ» يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ(245) .
السقاية نظرة تاريخية: (السقاية عبر آباد الزمن).
أصل السقاية مرتبط ببئر زمزم بعد قدوم إبراهيم خليل الرحمن إلى مكة بأمر من ربه ومعه زوجه هاجر وولده إسماعيل - كما هو معروف ومشهور - ثم تخليته لهما بأمر من ربه في هذا المكان، وظهور بئر زمزم من تحت قدم نبي الله إسماعيل بن خليل الرحمن نبي الله إبراهيم عليهما السلام، ولو لم تحوطه هاجر بيديها وتحفر له لكان عيناً تجري(246) ، ثم بناء إبراهيم البيت الحرام بأمر من المولى تعالى، ومجاورة بعض القبائل العرب للبيت وللبئر، وكانت أولى هذه القبائل قبيلة جرهم، ثم وفودهم على البيت الحرام، وقد حافظ إسماعيل على بئر زمزم هو وأبناؤه عليها إلى أن استخفت قبيلة جرهم بالحرم وتهاونت بحرمة البيت الحرام، عندها شاء الله لماء زمزم أن ينضب وينقطع، ولم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمر عليه السيول عصراً بعد عصر حتى خفي مكانه، ثم سلط الله عليهم قبيلة خزاعة التي أخرجتهم من الحرم ووليت عليهم الكعبة، وموضع زمزم كما هو مدروس مطموس(247) .
وكانت قريش وقتها تشرب من آبار أخرى ليست تضاهي بئر زمزم ولا ينافس ماؤها ماءها.
قصي والسقاية
تبدأ قصة السقاية مع قصي بن كلاب الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث تجمَّع لهذا الرجل جملة من الفضائل والمكارم التي لم يحظ بها أحد ممن عاصره من مكة.
قال الأزرقي: كَانَ قُصَيٌّ أَوَّلَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ أَصَابَ مُلْكًا، وَأَطَاعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَكَانَتْ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ، وَالرِّفَادَةُ وَالسِّقَايَةُ، وَالنَّدْوَةُ، وَاللِّوَاءُ، وَالْقِيَادَةُ، فَلَمَّا جَمَعَ قُصَيٌّ قُرَيْشًا بِمَكَّةَ سُمِّيَ مُجَمِّعًا(248) .
وبهذا حاز قصي شرف مكة كله جميعاً. فسمى مجمِّعاً لهذا السبب، وقيل: لجمعه قومه أي لأنه جمع قومه بعد تفرقهم. وفي ذلك قال الشاعر:
| أَبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا | بِهِ جَمَعَ اللهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ |
|---|---|
| وَأَنْتُم بَنو زيدٍ وزيدٌ أبوكم | بِهِ زيدت الْبَطْحَاء فخراً على فَخر |
وبنى دار الندوة. والندوة في اللغة: الاجتماع؛ لأنهم كانوا يجتمعون فيها للمشورة وغير ذلك، فلا تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر إلا في داره، ولا يعقدون لواء حرب إلا فيها، يعقدها لهم قصي أو بعض بنيه.
وكان قصي يسقي الحجيج في حياض من أدم ينقل إليها الماء من بئر ميمون وغيرها خارج مكة، وذلك قبل أن يحفر الْعَجُولَ(249) .
روى البلاذري عن معروف بن خربوذ وغيره قالوا: كانت قريش قبل قصي تشرب من بئر حفرها لؤي بن غالب خارج مكة، ومن حياض ومن مصانع على رؤوس الجبال ومن بئر حفرها مرة بن كعب مما يلي عرفة. فحفر قصي بئراً سماها العجول، وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة(250) .
قال الأزرقي: وكَانَ قُصَيٌّ حَفَرَ بِمَكَّةَ آبَارًا، وَكَانَ الْمَاءُ بِمَكَّةَ عَزِيزًا، إِنَّمَا يَشْرَبُ النَّاسُ مِنْ آبَارٍ خَارِجَةٍ مِنَ الْحَرَمِ، فَأَوَّلُ مَنْ حَفَرَ قُصَيٌّ بِمَكَّةَ، حَفَرَ بِئْرًا يُقَالُ لَهَا الْعَجُولُ، كَانَ مَوْضِعُهَا فِي دَارِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ بِالْحَزْوَرَةِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ يَرِدُونَهَا، فَيُسْقَوْنَ مِنْهَا وَيَتَرَاجَزُونَ عَلَيْهَا..
وَحَفَرَ قُصَيٌّ أَيْضًا بِئْرًا عِنْدَ الرَّدْمِ الْأَعْلَى عِنْدَ دَارِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ الَّتِي كَانَتْ لِآلِ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ ثُمَّ دَثَرَتْ، فَنَثَلَهَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأَحْيَاهَا(251) .
ومن خلال ما سبق فقد أنشأ قصي بن كلاب سقاية الحجيج وتولاها بنفسه هو وأولاده، حيث كان ينقل الماء لسقي الحجيج من بئر ميمونة خارج مكة، ثم يوضع بفناء الكعبة إلى أن حفر بئر العَجُول التي سهَّلت عليه وعلى أولاده من بعده القيام بواجب السقاية وخدمة الحجيج.
عبد مناف والسقاية
وتولى السقاية بعد قصي ولده عبد مناف. قال ابن إسحاق: لما ولي قصي بن كلاب أَمْرَ الكعبة كان إليه الحجابة والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية والرفادة، والبقية للآخرين(252) .
وتحمَّل عبد مناف أعباء المهمة بعد والده قصي وقام بها خير قيام، فكان عبد مناف يتحمل الماء في الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج(253) .
قال الأزرقي: كَانَ عبد مناف يَسْقِي الْمَاءَ مِنْ بِئْرِ كَرْآدَمَ(254) وبئر خُم(255) على الإبل في المزاد والقرب، ثم يسكب ذلك الماء في
حياض مِنْ أَدَمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَيَرِدُهُ الْحَاجُّ حَتَّى يَتَفَرَّقُوا، وَكَانَ يُسْتَعْذَبُ ذَلِكَ الْمَاءُ(256)
ولم تزل السقاية مع عبد مناف يقوم بها، فكان يسقي الماء من بئر كَرْآدَمَ وغيره إلى أن مات.
هاشم والسقاية:
وولي أمر السقاية بعد عبد مناف ابنه هاشم ، وقام بها هاشم خير قيام أيضاً، وحفر عدة آبار يسقي منها الحجيج.
فحَفَرَ هَاشِمُ بْن عَبْدِ مَنَافٍ بئر بَذَّرَ، وَقَالَ حِينَ حَفَرَهَا: لَأَجْعَلَنَّهَا لِلنَّاسِ بَلَاغًا.
وَحَفَرَ هَاشِمٌ أَيْضًا سَجْلَةً، وَهِيَ الْبِيرُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، دَخَلَتْ فِي دَارِ الْقَوَارِيرِ، فَكَانَتْ سَجْلَةً لِهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَلَمْ تَزَلْ لِوَلَدِهِ حَتَّى وَهَبَهَا أَسَدُ بْنُ هَاشِمٍ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ حِينَ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ وَاسْتَغْنَوْا عَنْهَا.. ولَمْ يَزَلْ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ يَسْقِي الْحَاجَّ حَتَّى تُوُفِّيَ(257) .
المطلب والسقاية:
وبعد هاشم وليها أخوه المطلب بن عبد مناف.
روى ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: كان
المطلب بن عبد مناف بن قصي أكبر من هاشم، ومن عبد شمس وهو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشي في متجرها، وكان شريفاً في قومه مطاعاً سيداً، وكانت قريش تسميه الفيض لسماحته، فولي بعد هاشم السقاية والرفادة وقال في ذلك:
| أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي هَاشِمٍ | بِمَا قَدْ فَعَلْنَا وَلَمْ نؤمر |
|---|---|
| أقمنا لنسقي حجيج الحرام | إذ تُرِكَ الْمَجْدُ لَمْ يُؤْثَر |
| نَسُوقُ الْحَجِيجَ لأَبْيَاتِنَا | كَأَنَّهُمْ بَقَرٌ تُحْشَر(258) ( 258 ) |
ولا ندري تحديداً سرَّ إيثار عبد مناف ولده هاشم بالسقاية وتقديمه على أخيه المطلب رغم أن هاشما هو الأصغر، ولعل ذلك مرتبط بالوضع المالي للمطلب، فلعله كان قليل الحظ من المال، مقارنة مع أخيه، وهو ما جعل والده يؤثر أخاه عليه ويعهد إليه أمر السقاية رغم صغره عن أخيه، وهو الأمر الذي نلمحه في انتقال السقاية من أبي طالب الأخ الأكبر إلى أخيه العباس كما سيأتي تفصيله.
عبد المطلب وحفر زمزم
توفي المطلب بن عبد مناف بردمان من أرض اليمن بعد أن خرج إليها تاجراً(259) وبعد وفاة المطلب تولى أمر السقاية ابن أخيه عبد المطلب بن هاشم، واسم عبد المطلب شيبة، وهو الذي
أتى به المطلب من عند أخواله في المدينة، وهو الذي حفر بئر زمزم وسقى منها الحجيج.
روى الفاكهي بسنده إلى ابْن إِسْحَاق قَالَ: ولي السِّقَايَة والرفادة بعد الْمطلب بن عبد منَاف عبد الْمطلب بن هَاشم، وتزعم بَنو أَسد أَن الْحُوَيْرِث بْن أَسد قد ولي الرفادة فِي بعض الزَّمَان، وَقد كَانَت بَنو أَسد تَقول ذَلِك وَلم يسمع ذَلِك بتاتا(260) .
وكان عبد المطلب في بادئ أمره يطعم الحاج ويسقيهم في حياض من أدم بمكة، فلما حفر زمزم ترك السقي في الحياض بمكة وسقاهم من زمزم حين حفرها وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم.
وفي حفره لزمزم قصة أوردها عبد الرزاق في مصنفه.
وفيها: عن معمر عن الزهري قال: إن أول ما ذكر من عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشاً خرجت من الحرم فارَّة من أصحاب الفيل وهو غلام شاب فقال: والله لا أخرج من حرم الله أبتغي العز في غيره فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش فقال:
| اللهم إن المرءَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ.... فَامْنَعْ رحالَكْ |
|---|
| لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ... وَمِحَالُهُمْ غَدْوًا مِحَالَكْ(261) ( 261 ) |
فلم يزل ثابتاً حتى أهلك الله تبارك وتعالى الفيل وأصحابه فرجعت قريش وقد عظم فيهم بصبره وتعظيمه محارم الله، فبينا هو على ذلك ولد له أكبر بنيه فأدرك وهو الحارث بن عبد المطلب، فأتي عبد المطلب في المنام فقيل له: احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم، قال: فاستيقظ فقال: اللهم بيِّن لي، فأُري في المنام مرة أخرى: احفر زمزم تكتم بين الفرث والدم في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبلة الأنصاب الحمر(262) قال: فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينظر ما خبئ له من الآيات، فنحرت بقرة بالحزورة(263) فأفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث فبحث في قرية النمل، فقام عبد المطلب يحفر هنالك، فجاءته قريش فقالوا لعبد المطلب: ما هذا الصنيع لم نكن نزنك بالجهل، لم تحفر في مسجدنا؟ فقال عبد المطلب: إني لحافر هذه البئر ومجاهد من صدَّني عنها، فطفق يحفر هو وابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فيسعى عليهما ناس من
قريش فينازعونهما ويقاتلونهما، وينهى عنه الناس من قريش لما يعلمون من عتق نسبه وصدقه واجتهاده في دينه يومئذ حتى إذا أمكن الحفر واشتد عليه الأذى نذر إن وفّي له بعشرة من الولدان ينحر أحدهم، ثم حفر حتى أدرك سيوفاً دفنت في زمزم، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف فقالوا لعبد المطلب: أحذنا(264) مما وجدت، فقال عبد المطلب: بل هذه السيوف لبيت الله، ثم حفر حتى أنبط الماء(265) فحفرها في القرار، ثم بحَّرها حتى لا تُنزف، ثم بنى عليها حوضاً، وطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض، فيشرب منه الحاج، فيكسره ناس من حسدة قريش بالليل ويصلحه عبد المطلب حين يصبح، فلما أكثروا إفساده دعا عبد المطلب ربه فَأُرِيَ في المنام فقيل له: قل: اللهم إني لا أحلّها لمغتسل، ولكن هي لشارب حِلٌّ وَبَلٌّ(266) ثم كُفيتُهم، فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش بالمسجد فنادى بالذي أُري ثم انصرف، فلم يكن يفسد عليه حوضه أحد من قريش إلا رمى بداء في جسده حتى تركوا له حوضه ذلك وسقايته، ثم تزوج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط فقال: اللهم إني كنت نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم فأصب بذلك من شئت، فأقرع بينهم فصارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب ولده إليه فقال: اللهم هو أحب
إليك أو مئة من الإبل، قال: ثم أقرع بينه وبين مئة من الإبل فصارت القرعة على مئة من الإبل فنحرها عبد المطلب مكان عبد الله(267)
وفي رواية الأزرقي بسنده عن علي بن أبي طالب: أنه لما ظهر لعبد المطلب ما ظهر من أمارات عند حفره لزمزم نازعه قومه وطالبوا بحقهم فيها، فأبى عليهم فاتفقوا على الاحتكام إلى كاهنة بني سعد هذيم بأشراف الشام، وفي طريقهم فني ماؤهم حتى أيقنوا بالهلكة واحتفروا لأنفسهم قبوراً، حتى حمسهم عبد المطلب للبحث عن الماء، وبعدها انفجرت من تحت خُفِّ راحلة عبد المطلب عين ماء عذب، فأسلموا له أمرهم، وقالوا: قد والله قضى الله عز وجل لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة، هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا. فرجع ورجعوا معه، ولم يمضوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم(268) .
ومما سبق يتضح لنا دور عبد المطلب بن هاشم في حفر زمزم حين شحَّ الماء في مكة فرأى رؤيا، وقد حُدد فيها موقع بئر زمزم وحفرها رغم منازعة قريش له فيها وانتصر عليهم رغم أنه في
ذلك الوقت لم يكن له سوى ابن واحد يعمل معه وهو الحارث بن عبد المطلب
تلك الحادثة التي جعلته يقول: لئن رزقني الله بعشرة من الولد لأذبح أحدهم، وقد رزقه الله بهم وقصة إبراره بقسمه ذكرت في كتب التاريخ والسير إلى إن أنجا الله والد نبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم من الذبح وفدي بمائه من الإبل.
وعليه فكانت زمزم سقيا من الله حيث أُرشد عبد المطلب برؤيا رآها إلى مكان بئر زمزم، وأقام سقاية زمزم للحاج.
وعن صفة سقاية عبد المطلب وما كان يفعله يروي الأزرقي بسنده عن ابن إسحاق قال: وَكَانَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا كَانَ الْمَوْسِمُ جَمَعَهَا، ثُمَّ يَسْقِي لَبَنَهَا بِالْعَسَلِ فِي حَوْضٍ مِنْ أَدَمٍ عِنْدَ زَمْزَمَ، وَيَشْتَرِي الزَّبِيبَ فَيَنْبِذُهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَيَسْقِيهِ الْحَاجَّ؛ لِأَنْ يَكْسِرَ غِلَظَ مَاءِ زَمْزَمَ، وَكَانَتْ إِذْ ذَاكَ غَلِيظَةً جِدًّا، وَكَانَ النَّاسُ إِذْ ذَاكَ لَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ أَسْقِيَةٌ يَسْقُونَ فِيهَا الْمَاءَ مِنْ هَذِهِ الْبِيَارَ، ثُمَّ يَنْبِذُونَ فِيهَا الْقَبَضَاتِ مِنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ؛ لِأَنْ يَكْسِرَ عَنْهُمْ غِلَظَ مَاءِ آبَارِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْمَاءُ الْعَذْبُ بِمَكَّةَ عَزِيزًا، لَا يُوجَدُ إِلَّا لِإِنْسَانٍ يُسْتَعْذَبُ لَهُ مِنْ بِئْرِ مَيْمُونٍ وَخَارِجَ مَكَّةَ، فَلَبِثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَسْقِي النَّاسَ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَقَامَ بِأَمْرِ السِّقَايَةِ بَعْدَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ(269) .
العباس وإرث السقاية:
وظل أمر بئر زمزم والسقيا منها للحجاج وغيرهم موكولاً لعبد المطلب بن هاشم إلى إن انتقلت بعد وفاته إلى ابنه أبي طالب، ولما اشتد الفقر بأبي طالب، أسند السقاية إلى أخيه العباس، وكان من أكثر بني هاشم مالاً، فقام بها.
قال ابن إسحاق: ثم ولي السقاية من بعد عبد المطلب ولده العباس وهو يومئذ من أحدث إخوته سناً، فلم تزل بيده حتى قام الإسلام وهي بيده فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه فهي اليوم إلى بني العباس(270) .
ويذكر لنا ابن عساكر قصة انتقال السقاية من أبي طالب إلى العباس ويقول فيما يرويه بسنده عن ابن سلام قال:
لما أمعر أبو طالب قالت بنو هاشم: دعنا فليأخذ كل رجل منا رجلاً من ولدك، قال: اصنعوا ما أحببتم إذا خليتم لي عقيلاً، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم علياً، فكان أول من أسلم ممن يلتف عليه حيطانه من الرجال، ثم ابن زيد أسامة، فكان أبو طالب يدان لسقاية الحاج حتى أعوزه ذلك فقال لأخيه العباس بن عبد المطلب وكان أكثر بني هاشم مالاً في الجاهلية: يا أخي قد رأيت ما دخل علي وقد حضر الموسم ولا بد لهذه السقاية من أن تقام للحاج فأسلفني عشرة آلاف
درهم، فأسلفه العباس إياها، فأقام أبو طالب تلك السنة بها وبما احتال، فلما كانت السنة الثانية وأفد الموسم قال لأخيه العباس: يا أخي إن الموسم قد حضر ولا بد للسقاية من أن تقام فأسلفني أربعة عشر ألف درهم، فقال: إني قد أسلفتك عام أول عشرة آلاف درهم ورجوت ألا يأتي عليك هذا الموسم حتى تؤديها، فعجزت عنها، وأنت تطلب العام أكثر منها وترجو زعمت ألا يأتي عليك الموسم حتى تؤديها، فأنت عنها أعجز اليوم، ها هنا أمر لك فيه فرج أدفع إليك هذه الأربعة العشر ألف فإن جاء موسم قابل ولم توف حقي الأول وهذا فولاية السقاية إليَّ فأقوم بها وأكفيك هذه المؤنة إذ عجزت عنها، فأنعم له أبو طالب بذلك فقال: ليحضر هذا الأمر بنو فاطمة(271) ولا أريد سائر بني هاشم، ففعل أبو طالب وأعاره العباس الأربعة عشر الألف درهم بمحضر منهم ورضي، فلما كان الموسم العام المقبل لم يكن بد من إقامة السقاية فقال العباس لأبي طالب: قد أفد الحج وليس لدفع
حقي إلي وجه وأنت لا تقدر أن تقيم السقاية فدعني وولايتها أكفكها وأبريك من حقي، ففعل فكان العباس بن عبد المطلب يليها وأبو طالب حي، ثم تمِّ ذلك لهم إلى اليوم(272)
وهكذا انتقلت السقاية من أبي طالب بن عبد المطلب إلى أخيه العباس، ومنه إلى بنيه، وهي شرف لا ينكره أحد ولا يجادل فيه مجادل.
أنعم بالمقِر والمقَر له
السقاية مغنم وكلفة، فمغنمها ذكر يبقى وشرف يؤثر، وكلفتها جهد يُعطى ومال يبذل، ولكن الجهد يطوى والذكر يبقى؛ ولذا فهي مطمع كل شريف يهوى المآثر، لأن مغنمها ينسي بالغ كلفتها.
وقد حرص العباس على حيازة السقاية جاهليةً وإسلاماً، ففي الجاهلية توسدها من أخيه، وفي الإسلام أقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم عليها من بين سائر مآثر الجاهلية، وقال: أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ(273) كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى مِنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ»(274) .
وفي رواية أحمد: «فَإِنِّي أُمْضِيهِمَا لِأَهْلِهِمَا عَلَى مَا كَانَتْ»(275) .
وفي أخبار مكة: «أَلَا إِنَّ كُلَّ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، إِلَّا سِقَايَةَ الْحَاجِّ، وَسِدَانَةَ الْكَعْبَةِ، فَإِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُهُمَا لِأَهْلِهِمَا عَلَى مَا كَانَتَا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»(276) .
فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس على سقايته وأبقاها له، بل وأذن أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ(277) .
وفي حجته صلى الله عليه وسلم شرب من سقاية عمه وحث بني عمومته على السقاية، حيث أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وهم يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا، بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ(278) .
وفي رواية البخاري(279) «اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ» ثُمَّ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ» يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ. يعنى:
لنزلت لاستقاء الماء.
فهذه ولاية من النبي عليه السلام للعباس وآله السقاية، وإنما خشي أن تتخذها الملوك سنة يغلبون عليها من وليها من ذرية العباس(280) .
وروى مسلم بسنده عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المزني قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَأَتَاهُ أعرابي فَقَالَ: مَا لي أَرَى بَنِى عَمِّكُمْ يَسْقُونَ الْعَسَلَ وَاللَّبَنَ وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ، أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ وَلاَ بُخْلٍ قَدِمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ فَاسْتَسْقَى فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ وَقَالَ: «أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ كَذَا فَاصْنَعُوا». فَلاَ نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم(281) - .
وَرَوَي من حَدِيثَ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اشْرَبُوا مِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ(282) .
قال جماعة
من أهل السير: كانت السقاية للعباس مكرمة، يسقى الناس نبيذ التمر، فأقرها النبي عليه السلام في الإسلام، وروي عن طاوس قال: شُرْبُ نبيذ السقاية من تمام الحج(283)
العباس وحنين المآثر
العباس رضي الله عنه قنّاص مآثر، وجمَّاع مفاخر، وكيف لا؟ وقد عشق المآثر وهوتها نفسه أملاً في ثواب الخالق ورغبة في رضاه، وحرصاً على مجد تليد بناه الأجداد، وذكر حميدٍ توارثه الأحفاد، ولو لم يكن للسابقين من بني هاشم فضل على اللاحقين إلا أنهم عبَّدوا لهم طريق المجد، وذللوا لهم صعابه لكفاهم، وأقل ما يفعله الأحفاد مع شرف الأجداد أن يُحفظ فلا يضاع، وأن يبقى فلا يندرس.
ولذا نجد العباس رضي الله عنه لم يكتف بما وُسد إليه من أمر السقاية والرفادة وتكاليفهما، وأراد أن يجمع معهما الحجابة كذلك لولا أن سدَّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه الطريق وأبقاها في يد عثمان بن طلحة.
فبعد فتح مكة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم يطلب مفتاح الكعبة من عثمان ابن طلحة، ولما جاءه به، وناوله إياه بسط العباس بن عبد المطلب يده فقال: يا نبي الله بأبي أنت اجْمَعْ لنا الحجابة والسقاية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيكم ما ترزؤون(284) فيه ولا
أعطيكم ما تَرزؤون منه(285)
وفي الفتح من طريق ابن جُرَيْجٍ قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ جَمَعْتَ لَنَا الْحِجَابَةَ وَالسِّقَايَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَعطيتكُم مَا تُرْزَءُونَ ولم أعطكم مَا تَرْزَءُونَ(286) .
ولما رفع عثمان مفتاح الكعبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ردَّه إليه النبي صلى الله عليه وسلم ثانية قائلاً له: هَاؤُمْ غَيِّبْهُ؛ فلذلك تغيِّب المفتاح(287) .
وبهذا تأكدت أحقية عثمان بن طلحه وبنيه بالحجابة، والعباس رضي الله عنه وبنيه ببئر زمزم والسقاية، ولكن يبدو أن هناك من لم يستقر عنده هذا الإقرار ولم يصله هذا التأكيد، وبخاصة فيما يتعلق بالسقاية.
علي بن أبي طالب وشرف المحاولة
النفس البشرية السوية تبغي الخير وتقاتل عليه، فحب الصنائع الشريفة مركوز في الفطر المنيفة، وما علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن هذا ببعيد، لقد تاقت نفسه أن يسترد مجد أبيه وأن يسترجع سقايته من أبناء عمه العباس - بعد وفاته - لكن سرعان ما واجهه ابن عباس بشهادة واضحة من شاهد صدق أذعن بعدها للأمر وارعوى.
فقد أورد ابن حجر من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن العباس لما مات أراد علي أن يأخذ السقاية، فقال له طلحة: أشهد لرأيت أباه يقوم عليها وأن أباك أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة، قال: فكف علي عن السقاية(288) .
ولم تكن هذه المحاولة الوحيدة من آل علي فقد كررها بعده ابنه محمد ابن الحنفية إلا أنه أذعن لما واجهه ابن عباس بما واجه به أباه.
وورد في أخبار مكة عن السقاية بعد العباس: فوَلِيَهَا أي السقاية بَعْدَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه، فَكَانَ يَفْعَلُ فِيهَا كَفِعْلِهِ دُونَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ كَلَّمَ فِيهَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ نَحْنُ أَوْلَى بِهَا مِنْكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، قَدْ كَانَ أَبُوكَ تَكَلَّمَ فِيهَا، فَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ
يَلِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَجَدُّكَ أَبُو طَالِبٍ فِي إِبِلِهِ فِي بَادِيَتِهِ بِعُرَنَةَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهَا الْعَبَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ دُونَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَعَرَفَ ذَلِكَ مَنْ حَضَرَ(289)
صفة سقاية العباس رضي الله عنه
أما عن صفة سقاية العباس فقد أورد الفاكهي في أخبار مكة وصفها قائلاً: وَذَرْعُ طول سقاية العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أربعة وعشرون ذراعاً وتسع عشرة أصبعاً، وفيها من الأساطين ستة؛ في جدرانها أربع، وفي وسطها صدر، وجهها أسطوانة، وفي جدرها في وسطه من مُؤَخِّرِهَا أُسْطُوَانَةٌ، وما بين الأساطين ألواح ساج، وَطُولُ جُدُرَاتِهَ في السماء ثمانية أذرع، الساج من ذلك ستة أذرع وثماني أصابع، وعلى الأساطين جوائز عليها بناء ذراع وست عشرة أصبعا، وعلى جُدُرَاتِ السقاية كان فيما مضى ست وأربعون شرافة، منها على الجدر الذي يلي الكعبة ثلاث عشرة شُرَّافَةً، ومنها على الْجَدْرِ الذي يلي المسعى ثلاث عشرة، ومنها على الْجَدْرِ الذي يلي دار الندوة عشر، ومنها على الْجَدْرِ الذي يلي المشرق عشر، وكان ذلك عمل المهدي حتى غيره حسين بن حسن الطالبي لما قدم في سنة مائتين في الفتنة(290) .
وكان العباس رضي الله عنه ينفق عليها نفقة من لا يخشى الفقر،
فكان له كَرْمٌ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ يَحْمِلُ زَبِيبَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ يُدَايِنُ أَهْلَ الطَّائِفِ، وَيَقْتَضِي مِنْهُمُ الزَّبِيبَ، فَيَنْبِذُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَسْقِيهِ الْحَاجَّ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ حَتَّى يَنْقَضِيَ، فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ(291)
وكان العباس رضي الله عنه يقوم عليها خير قيام، وينفق عليها بكرم بالغ، وسخاء منقطع، حتى يطيب مشربها ويأنس شاربوها، وكذا أبناؤه من بعده.
قال عطاء: لقد أدركت هذا الشراب، وإن الرجل ليشربه فتلتزق شفتاه من حلاوته، فلما ذهب الخزنة وَوَلِيَهُ العبيد تهاونوا بالشراب(292) .
السقاية في عقب العبَّاس رضي الله عنه
وبعد أن وصلت السقاية إلى العباس رضي الله عنه استمرت معه في الإسلام، وانتقلت منه إلى أبنائه من بعده.
قال النووي: واعلم أن سقاية العباس حَقٌّ لِآلِ الْعَبَّاسِ، كَانَتْ لِلْعَبَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ، فهي لآل العباس أبداً(293) .
وقد ولي السقاية بعد العباس ابنه عبد الله بن عباس حبر الأمة، ومن بعده انتقلت إلى ابنه علي بن عبد الله بن عباس، ثم تسلسلت في
أبنائه من بعده لا تخرج منهم إلى غيرهم.
ففي أخبار مكة: فَكَانَتْ - أي السقاية - بِيَدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ أَبِيهِ، لَا يُنَازِعُهُ فِيهَا مُنَازِعٌ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا مُتَكَلِّمٌ، حَتَّى تُوُفِّيَ، فَكَانَتْ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، يَفْعَلُ فِيهَا كَفِعْلِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، يَأْتِيَهُ الزَّبِيبُ مِنْ مَالِهِ بِالطَّائِفِ وَيَنْبِذُهُ، حَتَّى تُوُفِّيَ، وَكَانَتْ بِيَدِ وَلَدِهِ حَتَّى الْآنَ(294) .
كانت هذه قصة السقاية وتاريخها من قصي إلى العباس رضي الله عنه، ثم إلى أبنائه من بعده، وقد أطلت الحديث عنها نسبياً لشرفها وتعلُّق العباس رضي الله عنه الشديد بها، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له بها، وبخاصة وأنها من أبرز مآثره ومحامده رضي الله عنه.
العباس في الشِّعب(295)
شراكة المحن
من يوم أن صدع الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة واستعلن بها ومحاولات الصدِّ والكيد لم تتوقف ولم تخبُ نارها، وازداد الأذى لما ذاع أمر الإسلام وانتشر، ودان به خلق كثير منهم حمزة وغيره، حينها شعر المشركون بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في علو وازدياد، فآذوه وهَمُّوا بِهِ، فَأَجْمَعُوا مَكْرَهُمْ وَأَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَانِيَةً، فَقَامَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ؛ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ(296) دُونَهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوهُ، فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَتَعَاقَدُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ، وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُكَلِّمُوهُمْ، وَلَا يُجَالِسُوهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَتَبُوا
بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلَّقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ، وَعَمَدَ أَبُو طَالِبٍ فَأَدْخَلَهُمُ الشِّعْبَ شِعْبَ أَبِي طَالِبٍ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ مَكَّةَ، بداية من هِلَال الْمحرم سنة سبع من حِين النُّبُوَّة، وقيل: إن المشركين اجتمع رأيهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب، واتفقوا على إخراجهم من مكة إلى شعب أبي طالب.
وَأَقَامَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ حيث حصروهم ومن معهم حَتَّى جَهِدُوا جَهْدًا شَدِيدًا، وحيث قطع المشركون عَنْهُم الْميرَة(297) والمارة، فَكَانُوا لَا يخرجُون إلَّا من موسم إِلَى موسم حَتَّى بَلغهُمْ الْجهد، فأقاموا فِيهِ ثَلَاث سِنِين، ثمَّ أطلع الله رَسُوله صلى الله عليه وسلم على أَمر صحيفتهم، وَأَن الأرضة أكلت مَا كَانَ فِيهَا من جور وظلم. وَبَقِي مَا كَانَ فِيهَا من ذكر الله، عز وَجل، وَأَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا طَالِبٍ، وَاسْتَنْصَرَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ عَلَى قَوْمِهِ، وَقَامَ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ فِي جَمَاعَةٍ بِنَقْضِ مَا فِي الصَّحِيفَةِ وَشَقِّهَا(298) .
وكان الابتلاء على من حضر الشعب شديداً، وقد طال العباسَ كما طال غيره من بني هاشم، حيث أدرك العباس شدة حصار بني هاشم في شعب أبي طالب، وعاين معاناتها، ونال نصيباً وافراً منها، وأصابته بسهمها كغيره، ومع أننا لم نحفل بنصٍ يوضح موقفاً خاصاً بالعباس
في الشِّعب إلا أن هذا لا يعني عدم مشاركته في العناء ولا وقوعه تحت الحصار، فهو داخل في عموم المحاصرِين اقتصادياً في الشِّعب، فالهجمة كانت على بني هاشم بعمومها مسلمها وكافرها، ولم يكن العباس عن هذا ببعيد.
يقول الإمام ابن القيم: انْحَازَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ إِلَّا أبا لهب، فَإِنَّهُ ظَاهَرَ قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ(299) .
ويكفينا أن نعلم أن عبد الله بن العباس(300) وُلِد في الشّعب قبل خروج بني هاشم منه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا من أدلِّ الدلائل على شهود العباس رضي الله عنه حصار بني هاشم في الشِّعب، وتلظيه بناره.
كما أنه من الثابت أن العباس رضي الله عنه صاحب مكانة كبيرة وبخاصة عند قومه؛ فكان له ثوب لعاريهم، وجفنة لجائعهم، وكان حفياً بقومه حريصاً عليهم، وليس من المعقول ولا المقبول من رائد كالعباس رضي الله عنه أن يغيب عن معاناة بني هاشم أو تغيب عنه معاناتهم، أو يفضِّل الركون إلى الترف ويخلِّيهم، وفيهم قرَّة عينه وأنيس نفسه محمد صلى الله عليه وسلم بجوار أبي طالب وحمزة.
كما أن قريشاً والمشركين لن يخلوه لو آنس الميل واختار عدم
المشاركة، مهما عظم شأنه فيهم، فليس من الجائز كذلك أن يُخلَّى العباس ويُحصر أبو طالب في الشِّعب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكبر من العباس سناً وأمنع منه مكانة عند قريش.
ولم يكن العباس رضي الله عنه ليخلي الرسول صلى الله عليه وسلم وحده ومعه صفوة بني قومه يحاصرون ويضيَّق عليهم وهو آمن في سربه مترف في عيشه يتقلب في النعمة صباح مساء؛ وبخاصة وأنه يحب محمداً حباً شديداً، وكان كثيراً ما يتفقَّد حاله ويحوطه برعايته ونصحه. ولا أدل على ذلك من يوم العقبة وشهوده البيعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ليستوثق له من أمر الأنصار، رغم أن عيون المشركين عليه، وآذانهم تتحسس أخباره، والاقتراب منه وبخاصة في هذا الوقت العصيب نذير هلاك.
ويضاف إليه أن العباس رضي الله عنه هاشمي النسب والهوى وغير مقبول أن يتخلف عن نجدة قومه، أو تغيب عنه معاناتهم، وبخاصة وأنه كان حريصاً على ذلك.
ويكفينا أن نعلم أنه لما فُقد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج تفرقت بَنو عبد الْمطلب يطلبونه ويلتمسونه، وقد شاركهم العباس رضي الله عنه بحثهم وَخرج مجنِّداً طاقاته الجسدية وإمكاناته الصوتية وكان جَهوَري الصوت حَتَّى بلغ ذَا طوى فَجعل يصْرخ: يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد، فَأَجَابَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لبيْك، فَقَالَ: يَا ابْن أخي عنيت قَوْمك مُنْذُ اللَّيْلَة، فَأَيْنَ كنت؟ قَالَ: أتيت من بَيت الْمُقَدّس، قَالَ: فِي ليلتك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: هَل
أَصَابَك إِلَّا خير؟ قَالَ: مَا أصابني إِلَّا خير(301)
إن الرجل حريص على مجد قومه، حفي بهم، يأنس لفرحهم، ويكرب لمصابهم، فلم يكن والحال هذا أن يتركهم في الشعب تطالهم ناره، فآثر المشاركة حتى ولو في عناء، وكان مولد ابنه عبد الله في الشِّعب دليل حضور والده، كما أنه لو فرضنا وآثر النجاة لما خلَّاه المشركون.
العباس يوم العقبة («أُيدت تلك الليلة بعمي العباس»)
النبي صلى الله عليه وسلم
كانت للعباس رضي الله عنه مواقف مشرِّفة مع الإسلام حتى قبل أن يسلِم، حيث جنَّده الله لخدمة نبيه ودينه في وقتٍ مبكرٍ من تاريخ الدعوة إلى الإسلام.
فكان العباس رضي الله عنه قبل إسلامه شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بجانبه يدفع عنه أذى المشركين، وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية (في العام الثالث عشر للبعثة)؛ ليستوثق من أمر مبايعيه، ويؤكد عليهم العهود والمواثيق.
ففي هذه البيعة المباركة بيعة العقبة الثانية قدم مكة في موسم الحج وفد الأنصار، ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم، وليتفقوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الهجرة إلى المدينة، ووقتها أنهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - نبأ هذا الوفد إلى عمه العباس الذي كان موضع سرِّ وثقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول يأنس برأيه لما له من عقل راجح، وقول صائب، ولما يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من محبته له وإشفاقه عليه.
روى الطبراني
بسنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَمَلَنِي خَالِي جَدُّ بْنُ قَيْسٍ فِي السَّبْعِينَ رَاكِبًا الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ قِبَلِ الأَنْصَارِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، خُذْ عَلَى أَخْوَالِكَ، فَقَالَ لَهُ السَّبْعُونَ: يَا مُحَمَّدُ، سَلْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي أَسْأَلُكُمْ لِرَبِّي فتعَبْدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي أَسْأَلُكُمْ لِنَفْسِي فَتَمْنَعُونِي مَا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، قَالُوا: فَمَا لَنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ(302)
وقد فهم بعض العلماء من هذه الرواية إسلام العباس رضي الله عنه وقتها، فقد عقَّب عليها الحاكم بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وليس للعباسية رضي الله عنهم في تقدّم إسلام العباس أصحّ من هذا الحديث(303) .
إلا أنه لا يفهم من هذه الرواية أن العباس رضي الله عنه وقتها كان مسلماً، وإنما تشير إلى شهود العباس ليلة العقبة الثانية، وغاية ما هنالك أنها تدل على ثقة النبي صلى الله عليه وسلم في عمه، واطمئنانه إليه، لا أنه كان وقتها مسلماً، ولا أفهم السر في تعقيب الحاكم على هذه الرواية بأنها وردت في إسلام العباس، لاسيما وقد ورت روايات أخرى في الحادثة عينها نصت صراحة على عدم إسلام العباس وقتها.
وما يعنينا هنا أنه في هذه البيعة العظيمة بيعة العقبة الثانية أنهى الرسول إلى عمه العباس نبأ هذا الوفد، وهذه البيعة.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يثق بعمه في رأيه كله..
ولما جاء موعد اللقاء الذي انعقد سراً وخفية، خرج الرسول وعمه العباس الى حيث الأنصار ينتظرون.. وأراد العباس أن يعجم عود القوم ويتوثق للنبي صلى الله عليه وسلم منهم..
ولندع واحداً ممن شهد الموقف يروي لنا النبأ، كما سمع ورأى.. ذلكم هو كعب بن مالك رضي الله عنه.
فقد روى الإمام أحمد بسنده إلى كعب بن مالك(304) - أحداث العقبة، وثقة النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العباس رضي الله عنه، ودور العباس الفاعل في هذه البيعة العظيمة وفيها يقول كعب :
وَخَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ، فَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْعَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْحَجِّ، وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَعَدْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَعَنَا عَبْدُ اللهِ
بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرٍ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمْرَنَا فَكَلَّمْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ، إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، ثُمَّ دَعَوْتُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا، قَالَ: فَنِمْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِمْ نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عُمَارَةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ.
قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا بِالشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقُ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ مِمَّا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا، إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ.
قَالَ: فَقُلْنَا: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ، وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَلَا وَدَعَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ»
قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا يَعْنِي الْعُهُودَ فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ، وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: «بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ مِنِّي أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ»(305)
وعن عُرْوَةُ بن الزبير قال: عَبَّاسٌ وَاللهِ أَخَذَ بَيَدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَتَاهُ السَّبْعُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ الْعَقَبَةَ، فَأَخَذَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي غُرَّةِ الْإِسْلَامِ وَأَوَّلِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْبُدَ أَحَدٌ اللهَ عَلَانِيَةً(306) .
ويذكر ابن سعد أحداث بيعة العقبة الثانية ودور العباس فيها فيقول
فيما رواه عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ لِي سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ: يَا عُوَيْمُ انْطَلِقْ بِنَا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَإِنَّا لَمْ نَرَه قَطُّ وَقَدْ آمَنَّا بِهِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ، فَقِيلَ لِيَ: هُوَ فِي مَنْزِلِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَرَحَلْنَا عَلَيْهِ، فَسَلَّمْنَا، وَقُلْنَا لَهُ: مَتَى نَلْتَقِي؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ مَعَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ مَنْ هُوَ مُخَالِفٌ لَكُمْ، فَأَخْفُوا أَمْرَكُمْ حَتَّى يَنْصَدِعَ هَذَا الْحَاجُّ، وَنَلْتَقِيَ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فَنُوَضِّحَ لَكُمُ الْأَمْرَ، فَتَدْخُلُونَ عَلَى أَمْرٍ بَيِّنٍ، فَوَعَدَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللَّيْلَةَ الَّتِي فِي صُبْحِهَا النَّفَرُ الْآخِرُ أَنْ يُوَافِيَهُمْ أَسْفَلَ الْعَقَبَةِ حَيْثُ الْمَسْجِدُ الْيَوْمَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُنَبِّهُوا نَائِمًا، وَلَا يَنْتَظِرُوا غَائِبًا(307)
وتأمل معي كيف بادر العباس رضي الله عنه بالكلام في محضر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تأمل أيضاً نصحه للقوم بإخفاء أمرهم وأن يكونوا على حذر؛ حتى لا يخلص إليهم ولا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكروه، أفلا يدلنا هذا على ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بعمه العباس واطمئنانه له رغم أنه كان وقتها مشركاً؟ ثم إن فيها دلالة ضمنية على إقرار النبي صلى الله عليه وسلم واعترافه بسداد رأي العباس، كما أن فيها دلالة على عظم مكانة ومنزلة العباس عند النبي صلى الله عليه وسلم.
ونتابع مع ابن سعد روايته لفصول بيعة العقبة فيقول فيما يرويه عن معاذ بن رفاعة بن رافع قال:
فخرج القوم تلك الليلة ليلة النَّفْرِ الأَوَّلِ بَعْدَ هَدأة يَتَسَلَّلُونَ الرجل والرجلان وَقَدْ سَبَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرُهُ. وَكَانَ يَثِقُ بِهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ. وَكَانَتِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ تُدْعَى الْخَزْرَجِ. إِنَّكُمْ قَدْ دَعَوْتُمْ مُحَمَّدًا إِلَى مَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَعَزِّ النَّاسِ فِي عَشِيرَتِهِ يَمْنَعُهُ وَاللهِ مَنْ كَانَ مِنَّا عَلَى قَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَّا عَلَى قَوْلِهِ مَنَعَةً لِلْحَسَبِ وَالشَّرَفِ. وَقَدْ أَبَى مُحَمَّدٌ النَّاسَ كُلَّهُمْ غَيْرَكُمْ فَإِنْ كُنْتُمْ أَهْلَ قُوَّةٍ وَجَلَدٍ وَبَصَرٍ بِالْحَرْبِ وَاسْتِقْلالٍ بِعَدَاوَةِ الْعَرَبِ قَاطِبَةً فإنها سترميكم عن قوس واحدة فارتأوا رَأْيَكُمْ وَأْتَمِرُوا أَمْرَكُمْ وَلا تَفْتَرِقُوا إِلا عَنْ مَلأٍ مِنْكُمْ وَاجْتِمَاعٍ فَإِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ أَصْدَقُهُ.
وكأني بالعباس رضي الله عنه وهو يلقي بكلماته الحازمة هذه، وعيناه تحدقان كعيني الصقر في وجوه الأنصار.. يتتبع وقع الكلام وردود فعله العاجلة..
ولم يكتف العباس رضي الله عنه بهذا، فذكاؤه العظيم ذكاء عملي يتقصّى الحقيقة في مجالها المادي، ويواجه كل أبعادها مواجهة الحاسب الخبير.. إنه عاود سؤالهم مستأنفاً حديثه معهم ونظراته إليهم، قائلاً:
«صِفُوا لِيَ الْحَرْبَ كَيْفَ تُقَاتِلُونَ
عَدُوَّكُمْ؟ قَالَ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ وَتَكَلَّمَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، فَقَالَ: نَحْنُ وَاللهِ أَهْلُ الْحَرْبِ غُذِّينَا بِهَا وَمُرِّنَّا عَلَيْهَا وَوَرِثْنَاهَا عَنْ آبَائِنَا كَابِرًا فَكَابِرًا. نَرْمِي بِالنَّبْلِ حَتَّى تَفْنَى. ثُمَّ نُطَاعِنُ بِالرِّمَاحِ حَتَّى تُكْسَرَ الرَّمَّاحُ. ثُمَّ نَمْشِي بِالسُّيُوفِ فُنَضَارِبُ بِهَا حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا أَوْ مِنْ عَدُوِّنَا. فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنْتُمْ أَصْحَابُ حَرْبٍ، فَهَلْ فِيكُمْ دُرُوعٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ شَامِلَةٌ.
وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ. إِنَّا وَاللهِ لَوْ كَانَ فِي أَنْفُسِنَا غَيْرُ مَا يَنْطِقُ بِهِ لَقُلْنَاهُ وَلَكِنَّا نُرِيدُ الْوَفَاءَ وَالصِّدْقَ وَبَذْلَ مُهَجِ أَنْفُسِنَا دُونَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: وَتَلا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقُرْآنَ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَرَغَّبَهُمْ فِي الإِسْلامِ وَذَكَرَ الَّذِي اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَجَابَهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِالإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ فَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ذَلِكَ. وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ آخِذٌ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُؤَكِّدُ لَهُ الْبَيْعَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَنْصَارِ(308) .
إن الرواية التي بين أيدينا تعطينا دلالات وإشارات لا يمكن إغفالها لعل منها: إبراز مكانة العباس عند النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر ذلك جليا في قول الراوي متحدثا عن النبي صلى الله عليه وسلم: وكان يثق به في أمره كله. مشيرا إلى العباس وقاصدا إياه، وهذه العبارة تنبئ عن مكانة العباس في قلب النبي صلى الله عليه وسلم .
كما أن الناظر
لكلام العباس رضي الله عنه يجد ملامح الخبرة في الحياة بادية على صاحبه، إن العباس رضي الله عنه كان رجلاً مجرباً متمرساً يجيد الحكم على الناس والتفرس في طبائعهم، ويعرف كيف يزنهم ويميز بينهم، إن أسئلته تلك للقوم تنبئ عن بصيرةٍ نافذةٍ وحسٍّ عميقٍ وفكرٍ بعيدٍ يستشرف المستقبل ويسبر أغواره، ويجوب بخياله في دروبه وشعابه، إن الرجل بخبرته يعلم أن الرسول في حال جهر بدعوته واستعلن بها، لابد وأن يعارضه قومه، واحتمال إخراجه ممكن ومتوقع، وكذا يمكن أن يواجَه في حال ترك وطنه ولجأ إلى قوم آخرين، فأراد أن يستوثق من أمره، ويتأكد من جاهزية الآخرين للدفاع عنه، وكأني به يسأل الأنصار ويلقي بكلماته عليهم وعيناه تحدقان في وجوههم وترصدان ردود فعالهم.
ثم إن العبارة الأخيرة في الرواية تكشف عن مدى الصلة القوية بين العباس رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أن العباس رضي الله عنه أمسك بيده صلى الله عليه وسلم ليؤكد له البيعة، إنه يشد أزره ويقوي جانبه، وكأنه يقول له بلسان الحال: استمر على أمرك، واستقم على نهجك فنحن معك حتى وإن تركك غيرنا، فلن نسلمك.
وسواء أكان العباس رضي الله عنه يومئذ اعتنق الإسلام سراً، أم كان لا يزال يفكّر، فإن موقفه العظيم هذا يحدد مكانه بين قوى الظلام الغارب، والشروق المقبل، ويصوّر أبعاد رجولته ورسوخه(309) .
وعلى ضوء الروايات السابقة فقد اتضح لنا دور العباس الذي قام به في بيعة العقبة الثانية وهو دور عظيم له مكانته وأهميته في التمكين للإسلام وتثبيت دعائم الدولة القادمة، وهذا ما عرفه له الرسول صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه فيه حيث قال يوماً وهو في مجلس بالمدينة - فيما يرويه ابن سعد - وهو يذكر ليلة العقبة فقال: أيدت تلك الليلة بعمي العباس، وكان يأخذ على القوم ويعطيهم(310) .
وكانت النتيجة أن أُيدت تلك البيعة العظيمة بالنجاح الباهر، والتوفيق الملفت للنظر والمسترعي للانتباه، وهذا يعود برمته بعد رعاية الله إلى قيادة النبي صلى الله عليه وسلم الحكيمة التي رتبت مثل هذا اللقاء وأسهمت في إنجاحه، واصطحبت معها العباس خبيرياً ومجرباً ومتحدثاً، ثم إلى المعايير الخاصة للّقاء من حيث طبيعته وزمانه ومكانه، ثم إلى المبايِعين؛ الذين كانوا في أعلى درجات الحيطة والحذر والنظام والترابط؛ فأخفوا أمرهم، ونظموا صفَّهم، وضبطوا عددهم؛ لئلا يدخل فيه من ليس من أهله؛ وكل ذلك بسرّية عجيبة تذهل العقول.
ولقد اشتهر أمر حضور العباس رضي الله عنه بيعة العقبة، وصار العباس رضي الله عنه مرجعاً لمن يريد أن يسترجع أخبارها ويعرف ما دار فيها، فقد روى ابن سعد بسنده عن سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: تَفَاخَرَتِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فِيمَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَوَّلَ النَّاسِ
فَقَالُوا: لا أَحَدَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَسَأَلُوا الْعَبَّاسَ فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَعْلَمَ بِهَذَا مِنِّي. أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ تِلْكِ اللَّيْلَةِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ثُمَّ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ ثُمَّ أُسَيْدُ ابْنُ الْحُضَيْرِ(311)
العباس ويوم بدر
أرسل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الناس كافة، ومن يوم أن صدع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته والمخاطر تحدق به، والأهوال تحيطه من كل صوب وحدب، إلا أنه كان ثابت الجنان قوي الأركان.
وتتوالى الأيام يوماً بعد يوم، وتمضي الأعوام عاماً بعد عام، وتمر الحوادث حادثة عقب أختها، إلى أن تأتي الهجرة، ويؤسس الرسول صلى الله عليه وسلم أولى دعائم ومعالم دولته الفتية، وتتلمظ قريش بأحقادها، وتتلظى بنيران عداوتها وأحقادها، فتعدّ عدّة باطلها، لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين، وتقوم غزوة بدر، ويتلاقى فيها جيشا الإيمان والطغيان، وحزبا الرحمن والشيطان، وتخرج قريش بحدِّها وحديدها، وقضها وقضيضها؛ تبغي غلبة وتستدعي نصرة، فتتلقى فيها درساً يفقدها بقية صوابها.
وقعت أحداث غزوة بدر في رمضان من السنة الثانية للهجرة حيث أراد النبي صلى الله عليه وسلم اعتراضَ عيرٍ لقريشٍ متوجهةٍ من الشام إلى مكة يقودها أبو سفيان بن حرب ولكن أبا سفيان تمكَّن من الفرار بالقافلة، بعد أن أرسل ضمضم بن عمرو الغفاري رسولاً إلى قريش يستنفرهم لإنقاذ
أموالهم، ويخبرهم أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم عرض لها في أصحابه، ويطلب عونهم ونجدتهم، فاستجابت قريشٌ للنفير، وخرجت لقتال المسلمين
العباس ورؤيا عاتكة قبل بدر
وقبل الشروع في موقف العباس رضي الله عنه يوم بدر لا بد من ذكر واقعة وردت في بعض الروايات فيما يتعلق ببدر ألا وهي رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب.
حيث «رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ قَبْلَ مَقْدَمِ ضَمْضَمَ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ رُؤْيَا، فَأَصْبَحَتْ عَاتِكَةُ فَأَعْظَمَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، لَقَدْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا أَفْزَعَتْنِي لَيَدْخُلَنَّ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ وَبَلَاءٌ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَتْ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ فَوَقَفَ بِالْأَبْطَحِ، فَقَالَ: انْفِرُوا يَا آلَ غَدْرٍ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَأَرَى النَّاسَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ أُرَى بَعِيرَهُ دَخَلَ بِهِ الْمَسْجِدَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى رَأْسِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: انْفِرُوا يَا آلَ غَدْرٍ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، ثُمَّ إِنَّ بَعِيرَهُ مَثُلَ بِهِ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَقَالَ: انْفِرُوا يَا آلَ غَدْرٍ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةً، فَأَرْسَلَهَا مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي حَتَّى إِذَا كَانَتْ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ، أَرْفَضَتْ فَمَا بَقِيَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ قَوْمِكَ، وَلَا بَيْتٍ إِلَّا دَخَلَ فِيهِ بَعْضُهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللهِ،
إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا فَاكْتُمِيهَا، قَالَتْ: وَأَنْتَ فَاكْتُمْهَا لَئِنْ بَلَغَتْ هَذِهِ قُرَيْشًا لَيُؤْذُونَنَا، فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ مِنْ عِنْدِهَا وَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا فَذَكَرَهَا لَهُ وَاسْتَكْتَمَهُ إِيَّاهَا، فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ، فَتَحَدَّثَ بِهَا فَفَشَا الْحَدِيثُ، قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللهِ، إِنِّي لَغَادٍ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَطُوفَ بِهَا إِذْ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَحَدَّثُونَ، عَنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، مَتَى حَدَّثَتْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ، قَالَ: رُؤْيَا رَأَتْهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمَا رَضِيتُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْ يَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَنبَّأَ نِسَاؤُكُمْ فَسَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ الَّتِي ذَكَرَتْ عَاتِكَةُ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَسَيَكُونُ، وَإِلَّا كَتَبْنَا عَلَيْكُمْ كِتَابًا إِنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ، فَوَاللهِ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنِّي مِنْ كَبِيرٍ إِلَّا أَنِّي أَنْكَرْتُ مَا قَالَتْ، فَقُلْتُ: مَا رَأَتْ شَيْئًا وَلَا سَمِعْتُ بِهَذَا، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا أَتَتْنِي، فَقُلْنَ: أَصَبَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمَّ تَنَاوَلَ النِّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ غَيْرَةٌ؟ فَقُلْتُ: قَدْ وَاللهِ صَدَقْتُنَّ، وَمَا كَانَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرَةٍ إِلَّا أَنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مَا قَالَ، فَإِنْ عَادَ لَأَكْفِيَنَّهُ، فَقَعَدْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَتَعَرَّضُهُ لَيَقُولَ شَيْئًا فَأُشَاتِمُهُ، فَوَاللهِ إِنِّي لَمُقْبِلٌ نَحْوَهُ، وَكَانَ رَجُلًا حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ الْمَنْظَرِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ إِذْ وَلَّى نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَشْتَدُّ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اللهُمُ الْعَنْهُ كُلَّ هَذَا فَرَقًا مِنْ أَنْ أُشَاتِمَهُ، وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ ضَمْضَمَ
بْنَ عَمْرٍو وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِالْأَبْطَحِ قَدْ حَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَجَدَعَ بَعِيرَهُ، يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اللَّطِيمَةُ اللَّطِيمَةُ(312) أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، وَتِجَارَتُكُمْ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، فَالْغَوْثُ، فَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِّي، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الْجِهَازُ حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا أَصَابَهَا يَوْمَ بَدْرٍ، مِنْ قَتْلِ أَشْرَافِهِمْ، وَأَسرِّ خِيَارِهِمْ، فَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
| أَلَمْ تَكُنِ الرُّؤْيَا بِحَقٍّ وَعَابَكُمْ | بِتَصْدِيقِهَا قَلَّ مِنَ الْقَوْمِ هَارِبُ |
|---|---|
| فَقُلْتُمْ وَلَمْ أَكْذِبْ كَذَبْتِ وَإِنَّمَا | يُكَذِّبْنَ بِالصِّدْقِ مَنْ هُوَ كَاذِبُ»(313) ( 313 ) |
ويظهر أن هذه الرؤيا قد أقلقت بعض رؤوس قريش، ولا أدل على ذلك من امتناع أبي لهب عن الخروج لنجدة العير، قائلاً: واللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا أَخْرُجُ وَلَا أَبْعَثُ أَحَدًا، وَمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِشْفَاقًا مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: رُؤْيَا عَاتِكَةَ أَخْذٌ بِالْيَدِ(314) .
ويقول الذهبي في ترجمة عاتكة: هِيَ صَاحِبَةُ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي مَهْلِكِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَتِلْكَ الرُّؤْيَا ثَبَّطَتْ أَخَاهَا أَبَا لَهَبٍ عَنْ شُهُودِ بَدْرٍ(315) .
المشركون وجنون الارتياب.. (توجس وخيفة)
يظهر أن مشركي مكة لم يكونوا مطمئنين لموقف العباس رضي الله عنه وانحيازه الكامل لهم حيث أخرجوه إلى بدر مستكرهاً، وقد حرصوا كل الحرص على أن يكون العباس رضي الله عنه بينهم، حيث رأوها فرصة سانحة لاختبار نواياه والتثبت من موقفه وصدق تأييده لهم، فدفعوه إلى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها حتى يتبينوا موقفه ويتثبتوا من انحيازه وركونه إليهم(316) .
روى ابن سعد بسنده عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: أَنَّ قُرَيْشًا
لَمَّا تَفَرَّقُوا إِلَى بَدْرٍ فَكَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ(317) هَبَّ أَبُو جَهْلٍ مِنْ نَوْمِهِ فَصَاحَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلا تَبًّا لِرَأْيِكُمْ مَاذَا صَنَعْتُمْ؟ خَلَّفْتُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَرَاءَكُمْ، فَإِنْ ظَفَرَ بِكُمْ مُحَمَّدٌ كَانُوا مِنْ ذَلِكَ بِنَحْوِهِ. وَإِنْ ظَفِرْتُمْ بِمُحَمَّدٍ أَخَذُوا آثَارَكُمْ مِنْكُمْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْ أولادكم وأهليكم. فلا تدروهم فِي بَيْضَتِكُمْ وَفِنَائِكُمْ، وَلَكِنْ أَخْرِجُوهُمْ مَعَكُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ غَنَاءٌ. فَرَجَعُوا إِلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوا الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وطالباً وعقيلاً كرهاً(318)
فلما كانت غزوة بدر والتقى الجمعان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين ألا يقتلوا العباس رضي الله عنه؛ لأنه خرج مستكرهاً.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام قَالَ لأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ يَوْمَ بَدْرٍ إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالاً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كَرْهًا، لا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلا يَقْتُلهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ ابْن هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ فَلا يَقْتُلهُ، وَمَنْ لَقِيَ العباس بن عبد المطلب عم رسول الله فَلا يَقْتُلهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا، قَالَ: فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَعَشِيرَتَنَا، وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ! وَاللهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لأَلْحِمَنَّهُ السَّيْفَ، فَبَلَغَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَبَا حَفْصٍ، أَمَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ أَبِي حُذَيْفَةَ، يقول: اضرب وجه عمّ رسول الله بِالسَّيْفِ! فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، دَعْنِي فلأضربن عنقه بالسيف، فو الله لقد نافق. قال عُمَرُ: وَاللهِ إِنَّهُ لأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّانِي فِيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِأَبِي حَفْصٍ قَالَ: فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ: مَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُ يَوْمَئِذٍ، وَلا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا إِلا أَنْ تُكَفِّرَهَا عَنِّي الشَّهَادَةُ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شهيداً(319)
العباس في الأسر: (أسير البشر أم الملائكة؟)
ودارت رحى الحرب واشتد أوارها وتأججت نيرانها، وسكتت الألسنة، ونطقت الأسنَّة، وتطايرت الأكفّ، وخطبت السيوف على منابر الرقاب، وقُتل نفر من صناديد المشركين إلا أنه لم تُذكر للعباس رضي الله عنه مواقف تدل على المشاركة في القتال، غير الحضور.
ولما انتهت وقائع غزوة بدر، وكان النصر حليف المسلمين وقع العباس في الأسر، دون مقاومة منه أو مدافعة، بل إن الروايات التي ذكرت وقوعه في الأسر حوت إشارات دلت على أن هذا الأمر كان بتسليم من قِبل العباس رضي الله عنه.
واختلف العلماء في تحديد من أسره تبعاً لاختلاف الروايات الواردة في ذلك.
ورد في عمدة القاري: واختلفوا في الذي أسر العباس، فقيل:
ملك من الملائكة.. وقيل: أسره أبو اليسر كعب بن عمرو وأخو بني سلمة الأنصاري، وقيل: أسره عبيد الله بن أوس الأنصاري من بني ظفر وسمي: بمقرن(320)
وإن كانت جلّ الأقوال تشير إلى أن آسر العباس في بدر هو أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري.
قال ابن حبان في ترجمة أبي اليسر: وأسر أَبُو الْيُسْر كَعْب بْن عَمْرو الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب وأوثقه(321) .
وقال أبو نعيم في ترجمته أيضاً: وَهُوَ الَّذِي أَسَرَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمَ بَدْرٍ(322) . وبمثله قال ابن عبد البر(323) . وابن الأثير(324) . والذهبي(325) . والصفدي(326) . وابن حجر العسقلاني(327) . وابن كثير(328) . وغيرهم.
وقد وردت كثير من الروايات في أسٌرِ أبي اليسر للعباس رضي الله عنهما
سواء أسره بمفرده أم بمؤازرة ملك.
قال ابن حجر في الفتح: رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْعَبَّاسِ قَدْ أَسَرَهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: لَيْسَ هَذَا أَسَرَنِي، بَلْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَنْزَعُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْأَنْصَارِيِّ: أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ، وَاسْمُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ أَبُو الْيَسَرِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ أَنَّهُ أَسَرَ الْعَبَّاسَ. وَمِنْ حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ قُلْتُ لِأَبِي: كَيْفَ أَسَرَكَ أَبُو الْيَسَرِ وَلَوْ شِئْتَ لَجَعَلْتَهُ فِي كَفِّكَ؟ قَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ(329) .
وفي المستدرك عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: أبو اليسر الأنصاري، اسمه كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن تميم بن شداد ابن عثمان بن كعب بن سلمة، من أهل بدر، وشهد العقبة، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب(330) .
وفيه أيضاً عن عروة فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من بني عمرو بن سوادة: أبو اليسر كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن تميم ابن سواد بن غانم بن كعب بن سلمة، من أهل بدرٍ، شهد
العقبة، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب(331)
وعن قصة أسره للعباس وما دار فيها يروي الطبراني بسنده عَنْ أبِي الْيَسَرِ، قَالَ: نَظَرْتُ يَوْمَ بَدْرٍ إِلَى الْعَبَّاسِ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّهُ صَنَمٌ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ، قُلْتُ: «جَزَاكَ اللهُ مِنْ ذِي رَحِمٍ شَرًّا، أَتُقَاتِلُ ابْنَ أَخِيكَ مَعَ عَدُوِّهِ؟»، قَالَ: «مَا فَعَلَ وَهَلْ أَصَابَهُ الْقَتْلُ؟»، قُلْتُ: «اللهُ أَعَزُّ لَهُ وَأَنْصَرُ مِنْ ذَلِكَ»، قَالَ: «مَا تُرِيدُ إِلَيَّ؟»، قُلْتُ: «إِسَارٌ، لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنْ قَتْلِكَ»، قَالَ: «لَسْتُ أَوَّلَ صُلْبِهِ»،» فَأَسَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(332) .
وروى ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمد بن إسحاق قال: حدثني بعض أصحابنا عن مقسم أبي القاسم عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً، وكان العباس رجلاً جسيماً، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي اليسر: كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ولا بعد، هيئته
كذا وهيئته كذا، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليه ملك كريم(333)
وَرَوَى أَحْمَد بسنده عَنِ الْبَرَاءِ، أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْعَبَّاسِ قَدْ أَسَرَهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ هَذَا أَسَرَنِي، أَسَرَنِي رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَنْزِعُ مِنْ هَيْئَتِهِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلرَّجُلِ: «لَقَدْ آزَرَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ»(334) .
وروى البزار بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، كَيْفَ أَسَرَكَ أَبُو الْيَسَرِ وَلَوْ شِئْتَ لَجَعَلْتَهُ فِي كَفِّكَ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، لَا تَقُلْ
ذَلِكَ، لَقِيَنِي وَهُوَ أَعْظَمُ فِي عَيْنِي مِنَ الْخَنْدَمَةِ(335)
فهذه الروايات تشهد بأن من أسرَ العباس هو أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، ومع أن كل رواية منها على حدة لا تخلو من مقال إلا أنها بمجموعها حسنة.
وهذا هو الراجح في قصة أسر العباس في بدر ولا يقدح فيها ما روي من أسر الملائكة له، لإمكان الجمع بينهما بأن يقال: إن أبا اليسر هو من باشر أسره وقد أعانه ملك على ذلك، وهذا ما نطقت به الروايات.
وقد ورد في أسره غير ذلك، فقد أورد ابن سعد (بصيغة التمريض) أن الذي أسره هو عبيد بن أوس، فقد أورد في ترجمته:
عبيد بن أوس بن مالك بن سواد بن ظفر، ويكنى أبا النعمان وأمه لميس بنت قيس بن القريم بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم بن سلمة ابن الخزرج. وكان له عقب فانقرضوا وذهبوا، وشهد عبيد بدراً ويقولون: إنه الذي أسر العباس ونوفلاً وعقيلاً، فقرنهم في حبل وأتى بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليهم ملك
كريم، وسمَّاه رسول الله مقرناً(336)
وروى ابن سعد بسنده عن عبيد بن أوس (مقرن) من بني ظفر قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَسَرْتُ الْعَبَّاسَ بْن عَبْد الْمُطَّلِبِ وَعُقَيْلَ بْن أَبِي طَالِبٍ وَحَلِيفًا لِلْعَبَّاسِ فِهْرِيًّا فَقَرَنْتُ الْعَبَّاسَ وَعَقِيلاً. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَمَّانِي مُقَرِّنًا وَقَالَ: أَعَانَكَ عَلَيْهِمَا مَلَكٌ كَرِيمٌ(337) .
والرواية ضعيفة بالواقدي، فهو متروك الحديث كما هو معلوم، فضلاً عن مخالفته لمن هو أوثق منه، كما مر.
النبي صلى الله عليه وسلم وأنين العباس:
ولما أُسر العباس رضي الله عنه عاملوه معاملة غيره، فبات في قيده يئن من شدة القيد عليه، فبَاتَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ساهرا، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: مَالك لَا تنام؟ فَقَالَ: سمعت أَنِين الْعَبَّاس فِي وثَاقه، فَقَامَ رجل مِنْهُم إِلَى الْعَبَّاس فَأرْخى من وثَاقه، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: مَالِي لَا أسمع أَنِين الْعَبَّاس؟ فَقَالَ رجل من الْقَوْم: إِنِّي أرخيت من وثَاقه، قَالَ: فافعل ذَلِك بالأسارى كلهم(338) .
وفي هذا رعاية للعدل ومحافظة على الإحسان المأمور به في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾ [النحل: 90] وذلك بأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الفداء (نبأني العليم الخبير)
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وانتصرت رابطة الإيمان، وكانت كلمة الله هي العليا بعدها وقع العباس في الأسر وجاء وقت الفداء، فعامل النبي صلى الله عليه وسلم عمه معاملة غيره، ولم يعفه من الفداء، بل زاده عليه حتى كان أكثر الأسرى فداءً(339) ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم رفض طلب من حاول أن يخفف من فداء العباس.
روى البخاري بسنده عن أنس رضي الله عنه: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ قَالَ: وَاللهِ لاَ تَذَرُونَ
مِنْهُ دِرْهَمًا(340)
فمع حبِّ النبي صلى الله عليه وسلم للعباس وقرابته منه إلا أنه رفض أن يحابيه في الفداء كله أو بعضه، وفي هذا إرشاد للأمة وتوجيه لها من نبيها صلى الله عليه وسلم أن تلتزم الجادة وتنتهج المساواة وتترك المحاباة حتى ولو مع الأقربين.
ويوضح ابن الجوزي سبب رغبة بعض الأنصار ترك فداء العباس، قائلاً: وَأَرَادُوا بذلك أَمريْن: أَحدهمَا: إكرام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. وَالثَّانِي: لقرابة الْعَبَّاس مِنْهُم؛ فَإِن هاشما كَانَ قد تزوج امْرَأَة من بني النجار فَولدت لَهُ عبد الْمطلب، فَلذَلِك قَالُوا: ابْن أُخْتنَا، وَإِنَّمَا قَالُوا: ابْن أُخْتنَا لتَكون الْمِنَّة عَلَيْهِم فِي إِطْلَاقه، وَلَو قَالُوا: عمك، لَكَانَ منَّة عَلَيْهِ، وَهَذَا من قُوَّة الذكاء وَحسن الْأَدَب فِي الْخطاب.. فَلم يَأْذَن لَهُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لِئَلَّا يكون فِي الدّين نوع مُحَابَاة، فَأخذ الْفِدَاء من الْعَبَّاس، وكلفه أَن يفْدي ابْني أَخِيه عقيل بن أبي طَالب وَنَوْفَل بن الْحَارِث(341) .
قال ابن حجر في الفتح معلِّلاً رفض النبي صلى الله عليه وسلم ترك فداء العباس: قِيلَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يكُونَ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةً لَهُ لِكَوْنِهِ عَمَّهُ لَا لِكَوْنِهِ قَرِيبَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ فَقَطْ(342) .
وقال القسطلاني معلقاً على رواية أسر العباس: وإنما لم يترك له - صلى الله عليه وسلم - لئلا يكون في الدين نوع محاباة(343) .
وهنا طلب النبي صلى الله عليه وسلم من عمه أن يفدي نفسه وابني أخويه وحليفه، كما في رواية الحاكم عن ابن إسحاق وفيها: وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الله أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ، فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ فَاللهُ يَجْزِيكَ، فَافْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخَوَيْكَ: نَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُقَيْلَ بْنَ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَحْدَمٍ أَخَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ» فَقَالَ: مَا ذَاكَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتَ أَنْتَ وَأُمُّ الْفَضْلِ فَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فَهَذَا الْمَالُ لِبَنِي الْفَضْلِ، وَعَبْدِ اللهِ وَقُثَمَ؟» فَقَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، إِنَّ هَذَا لِشَيْءٍ مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ أُمِّ الْفَضْلِ، فَاحْسِبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَصَبْتُمْ مِنِّي عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنْ مَالٍ كَانَ مَعِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «افْعَلْ» فَفَدَى الْعَبَّاسُ نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ وَحَلِيفَهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا
أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: 70] فَأَعْطَانِي مَكَانَ الْعِشْرِينِ الْأُوقِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو مِنْ مَغْفِرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ(344)
وفي الدلائل لأبي نعيم من حديث ابن عباس أن فداء العباس كان مائة أوقية، وعقيل ثمانين، وفيه: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُسِرَ سَبْعُونَ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، وَجَعَلَ عَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ مِائَةً، وَعَلَى عَقِيلٍ ثَمَانِينَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَلِلْقَرَابَةِ صَنَعْتَ بِي هَذَا؟ وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ الْعَبَّاسُ لَقَدْ تَرَكْتَنِي فَقِيرَ قُرَيْشٍ
مَا بَقِيتُ..(345)
وقال مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَأُخِذَ مِنَ الْعَبَّاسِ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ(346) .
وقال ابن إسحاق: «وَكَانَ أَكْثَرُ الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ فِدَاءً الْعَبَّاسَ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُوسِرًا فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةِ ذَهَبٍ»(347) .
وهكذا فدى العباس رضي الله عنه نفسه ومن معه وعاد الى مكة، ولم تخدعه قريش بعد ذلك أبداً... وبعد حين جمع ماله ومتاعه وأدرك الرسول الكريم بخيبر، وأخذ مكانه بين المسلمين وصار موضع حبهم وإجلالهم.
وقد عوَّض الله العباس رضي الله عنه بما فدى به نفسه وابني أخويه وحليفه:
فقد روى البخاري بسنده عَنْ أَنَسٍ قال: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَقَالَ: «انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ»، فَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي إِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، قَالَ: «خُذْ»، فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: «لاَ» قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لاَ»، فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَرْفَعْهُ، فَقَالَ: فَمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: «لاَ»، قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لاَ»، فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ
احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَمَا زَالَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا، عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ(348)
الفصل الثالث
العباس في المدينة
مشاهد من حياته في المدينة
مدخل
المدينة المنورة مهوى الأنفس ومحطّ الرحال، تحكي لنا حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة في تفاصيلها الدقيقة، ففيها عاش النبي صلى الله عليه وسلم حياته بعد هجرته، وفيها تزوج كثيراً من زوجاته، ومنها خرج غازياً، ومعتمراً وحاجاً.
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه أن يحببه وأصحابه في المدينة فقال: «اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ»(349) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خرج منها إلى غيرها: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(350) .
وحثَّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه والمسلمين من بعدهم على الموت فيها فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي
أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا»(351)
وثبت أن أقام العباس في المدينة عقب هجرته إليها وما كان يفارقها إلا لسقايته في مكة، وجهاده مع النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، وأحياناً لبعض حاجاته من تجارة أو نحوها، ولما قدم العباس ومعه نوفل بن الحارث المدينة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُهَاجِرَيْنِ أقْطَعَهُمْا جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَفَرَعَ بَيْنَهُمَا بِحَائِطٍ فَكَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ فِي مَوْضِعٍ... وَكَانَتْ دَارَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيدَهَا وَهِيَ الَّتِي فِي دَارِ مَرْوَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهِيَ دَارُ الإِمَارَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْيَوْمَ دَارُ مَرْوَانَ. وَأَقْطَعَ الْعَبَّاسَ أَيْضًا دَارَهُ الأُخْرَى الَّتِي بِالسُّوقِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُسَمَّى مُحْرَزَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ(352) .
وسنتعرض في هذا الجزء من البحث لبعض معالم حياة العباس رضي الله عنه في المدينة، وتبدأ هذه المعالم بإدراك العباس ركب الإيمان.
العباس في ركب الإيمان
( إسلامه )
إسلامه رضي الله عنه :
توقيت إسلام العباس رضي الله عنه قضية في غاية الإشكال وطالما لفتت أنظار كثير من العلماء، بل وكانت مدعاة لحيرتهم وعدم الخروج برأي قاطع فيها، وذلك تبعاً لبروز جملة من التساؤلات والإشكالات لعل منها:
- تضارب الروايات الناقلة لوقت إسلامه.
- شهوده لبيعة العقبة الكبرى واستيثاقه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وثقة النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
- موقفه حين أشهر أبو ذر إسلامه حيث صدَّ عنه أذى المشركين مرة تلو أخرى.
- خروجه إلى بدر مكرهاً، فهل لعلة إسلامه أم لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم؟
تغيُّبه عن شهود كثير من الغزوات كأحد وخيبر وصلح الحديبية،
حيث لم يرد له ذكر فيها، ولماذا تركه مشركو مكة دون إجباره على الخروج لا سيما وقد فعلوا ذلك في بدر، حيث أخرجوه مكرَهاً؟
- بقاؤه في مكة عند من قال بإسلامه مبكراً، وعلة ذلك.
- موقفه من قصة الحجاج بن علاط، وفرحه بظهور النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود عند من قال بتأخر إسلامه.
كانت هذه بعض الإشكالات التي تترى على ذهن من يحاول البحث في وقت إسلام العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، والتي كانت سبباً في حيرة كثير من العلماء وعدم قطعهم بوقت إسلام العباس رضي الله عنه.
وفيما يلي نقدم عرضاً لأقوال العلماء في وقت إسلام العباس رضي الله عنه، مع بيان أدلة كل قول، محاولين الترجيح إن أمكن.
الأقوال في وقت إسلام العباس رضي الله عنه(353) :
تعددت الأقوال في تحديد الوقت الذي أسلم فيه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، تبعاً لتعدد الروايات الواردة في ذلك، ولقد حكى
الحاكم اختلاف الروايات في ذلك إجمالاً حيث قال: ذِكْرُ إِسْلَامِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه، وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي وَقْتِ إِسْلَامِهِ.. وشرع بعدها بذكر الروايات تفصيلاً(354)
وإليك خلاصة أقوال العلماء في وقت إسلام العباس رضي الله عنه، مع بيان أدلة كل قول:
* القول الأول: إسلامه قبل الهجرة
يرى البعض أن العباس رضي الله عنه أسلم قبل الهجرة، وزاد بعضهم أنه أخفى إسلامه باتفاق بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليكون عيناً للمسلمين ينقل إليهم أخبار المشركين من جهة، وعوناً لمن أسلم وبقي في مكة من جهة أخرى.
وهذا القول قد أورده ابن الأثير بصيغة التمريض دون أن يحدد قائله.
يقول ابن الأثير في معرض حديثه عن إسلام العباس: وقيل: إنه أسلم قبل الهجرة وكان يكتم إسلامه، وكان بمكة يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار المشركين، وكان مَن بمكة من المسلمين يتقوون به، وكان لهم عوناً على إسلامهم، وأراد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مقامك بمكة خير، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: من لقي العباس فلا يقتله فإنه أخرج كرهاً، وقصة الحجَّاج
بن علاط تشهد بذلك، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت آخر المهاجرين كما أنني آخر الأنبياء(355)
ويبدو أن ابن هشام كان يميل إلى تقدُّم إسلام العباس؛ بدلالة أنه لم يذكره فيمن أُسر يوم بدر من المشركين. تبعاً لرواية ابن إسحاق. قال أبو ذر الخشني في شرحه على السيرة: «ولم يذكر معهما العباس ابن عبد المطلب، لأنه كان أسلم، وكان يكتم إسلامه خوف قومه»(356) .
أن أبا الفرج الحلبي صاحب السيرة الحلبية يرى تقدُّم إسلام العباس رضي الله عنه أيضاً، لكنه خالف ما سبق في تعليل إخفاء إسلامه، وأرجعه إلى عامل اقتصادي، حيث يرى أنه أخفى إسلامه خشية تفرُّق ماله وضياعه.
ومن قوله في ذلك معلقاً على ما روي من مناشدة عمر للعباس رضي الله عنهما أن يسلم بعد بدر(357) ولا ينافي هذا، أي قول عمر له أسلم إلى
آخره، ما تقدَّم عن مولاه أبي رافع، من أن العباس كان مسلماً، ومن قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه كان مسلماً، ومن إتيانه بالشهادتين عنده صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذاك لم يظهره علانية بل أظهره له صلى الله عليه وسلم فقط، ولم يعلم به عمر ولا غيره، ولم يُظهر النبي صلى الله عليه وسلم إسلام العباس رفقاً به، لما تقدم أن العباس كان له ديون متفرقة في قريش، وكان يخشى إن أظهر إسلامه ضاعت عندهم.
ومن ثمّ لما قهرهم الإسلام يوم فتح مكة أظهر إسلامه، أي فلم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح، وكان كثيراً ما يطلب الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكتب له مقامك بمكة خير لك(358) .
وقد مال بعض الباحثين المعاصرين إلى هذا الرأي - تقدُّم إسلام العباس رضي الله عنه - ورجَّح هذه الوجهة، حيث يشير الغضبان إلى تقدُّم إسلام العباس حتى قبل بيعة العقبة التي شهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، متعللاً كتمانه الأمر ليبقى قادراً على حماية الرسول صلى الله عليه وسلم(359) .
ويستند هذا القول على مجموعة من الروايات التي لا تخلو في مجملها من مقال، وفيا يلي بيان لبعضها مع الحكم على أسانيدها
بالحاشية.
- أولاً: روايات تفيد تقدُّم إسلام العباس، وكتمانه الأمر
أورد الخطيب البغدادي وابن عساكر رواية حكت إسلام العباس في ليلة الغار، ليلة مبعث النبي صلى الله عليه وسلم:
فروى ابن عساكر بسنده إلى سيف بن عمر عن سعيد بن عبد الله الجمحي عن محمد بن عبد الرحمن بن فروخ عن عمرو بن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُمَّتِي أُمَّةٌ مُبَارَكَةٌ لاَ يُدْرَى أَوَّلُهَا خَيْرٌ أَو آخِرُهَا».. ثم أردفه قائلاً: فأسلم العباسُ ليلةَ الغار، وأسلم عمرُ بعدَ أربع سنين مِن مبعثِ النبي
صلى الله عليه وسلم(360)
ففي الرواية ذِكر لإسلام العباس ليلة الغار، ويراد بالغار؛ غار حراء، لا غار ثور؛ بدلالة سوق الرواية لإسلام عمر بعدها بأربع سنوات، والتسليم بهذه الرواية يجعل العباس من أول من أسلم من الرجال، بل أولهم على الإطلاق، وهذا ما لم يقل به أحد(361) .
والرواية ضعيفة السند، فسندها مترع بالمجاهيل والمناكير، كما أنها مرسلة، ولا يصحّ الاحتجاح بها.
2
روى الحاكم بسنده عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي أَبُو رَافِعٍ قَالَ: كُنَّا آلَ الْعَبَّاسِ قَدْ دَخَلْنَا الْإِسْلَامَ، وَكُنَّا نَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِنَا..(362)
3 روى أحمد بسنده عن ابْنُ إسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ
قَدْ دَخَلَنَا، فَأَسْلَمْتُ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ قَدْ أَسْلَمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَهَابُ قَوْمَهُ، فَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ(363)
4 - روى ابن سعد بسنده قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني ابن أبي حبيبة عن داود ابن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ(364) .
والرواية سندها واه كما ذكر الذهبي.
ثانياً:
رواية إقرار العباس بصدق النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه مع أبي سفيان في رحلتهما لليمن.
وهذه الرواية أوردها ابن كثير في البداية وفيها: قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ ابْنُ بَكَّارٍ الضَّبِّيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: خَرَجْتُ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الْيَمَنِ فِي رَكْبٍ مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَدِمْتُ الْيَمَنَ فَكُنْتُ أَصْنَعُ يَوْمًا طَعَامًا، وَأَنْصَرِفُ بِأَبِي سُفْيَانَ وَبِالنَّفَرِ، وَيَصْنَعُ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمًا، وَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لِي فِي يَوْمِي الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ فِيهِ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا الْفَضْلِ أَنْ تَنْصَرِفَ إِلَى بَيْتِي، وَتُرْسِلَ إِلَيَّ غَدَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَانْصَرَفْتُ أَنَا وَالنَّفَرِ إِلَى بَيْتِهِ، وَأَرْسَلْتُ إِلَى الْغَدَاءِ فَلَمَّا تَغَدَّى الْقَوْمُ قَامُوا وَاحْتَبَسَنِي فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتَ يَا أَبَا الْفَضْلِ أَنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ؟ فَقُلْتُ: أَيُّ بَنِي أَخِي؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِيَّايَ تَكْتُمُ؟! وَأَيُّ بَنِي أَخِيكَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ؟! قُلْتُ: وَأَيُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلَ. قَالَ: بَلَى قَدْ فَعَلَ، وَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنِ ابْنِهِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِيهِ: أُخْبِرُكَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَامَ بِالْأَبْطَحِ فَقَالَ: أَنَا رَسُولٌ أَدْعُوكُمْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: قُلْتُ لَعَلَّهُ يَا أَبَا حَنْظَلَةَ صَادِقٌ. فَقَالَ: مَهْلًا يَا أَبَا الْفَضْلِ فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا إِنِّي لَا أَخْشَى أَنْ يَكُونَ عَلَيَّ ضَيْرٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنَّهُ وَاللهِ مَا بَرِحَتْ قُرَيْشٌ تَزْعُمُ أَنَّ لَكُمْ هَنَةً وَهَنَةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَايَةٌ، لَنَشَدْتُكَ يَا أَبَا الْفَضْلِ هَلْ سَمِعْتَ
ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَدْ سَمِعْتُ. قَالَ: فَهَذِهِ وَاللهِ شُؤْمَتُكُمْ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا يُمْنَتُنَا. قَالَ: فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا لَيَالٍ حَتَّى قَدِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ بِالْخَبَرِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَفَشَا ذَلِكَ فِي مَجَالِسِ الْيَمَنِ وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَجْلِسُ مَجْلِسًا بِالْيَمَنِ يَتَحَدَّثُ فِيهِ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ.
فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ مَا هَذَا الْخَبَرُ؟ بَلَغَنِي أَنَّ فِيكُمْ عَمَّ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ مَا قَالَ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: صَدَقُوا وَأَنَا عَمُّهُ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَخُو أَبِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَحَدِّثْنِي عَنْهُ قَالَ: لَا تَسْأَلْنِي مَا أُحِبُّ أَنَّ يَدَّعِيَ هَذَا الْأَمْرَ أَبَدًا وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَعِيبَهُ وَغَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ فَرَأَى الْيَهُودِيُّ أَنَّهُ يُغَمِّضُ عَلَيْهِ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَعِيبَهُ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: لَيْسَ بِهِ لَا بَأْسَ عَلَى الْيَهُودِ، وَتَوْرَاةِ مُوسَى قَالَ الْعَبَّاسُ: فَنَادَانِي الْحَبْرُ فَجِئْتُ فَخَرَجْتُ حَتَّى جَلَسْتُ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ مِنَ الْغَدِ، وَفِيهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَالْحَبْرُ فَقُلْتُ لِلْحَبْرِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ سَأَلْتَ ابْنَ عَمِّي عَنْ رَجُلٍ مِنَّا زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَكَ أَنَّهُ عَمُّهُ وَلَيْسَ بِعَمِّهِ، وَلَكِنِ ابْنَ عَمِّهِ، وَأَنَا عَمُّهُ وَأَخُو أَبِيهِ قَالَ: أَخُو أَبِيهِ؟ قُلْتُ: أَخُو أَبِيهِ. فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: صَدَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ صَدَقَ. فَقُلْتُ: سَلْنِي فَإِنْ كَذَبْتُ فَلْيَرُدَّهُ عَلَيَّ. فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ هَلْ كَانَ لِابْنِ أَخِيكِ صَبْوَةٌ أَوْ سَفَهَةٌ؟ قُلْتُ: لَا وَإِلَهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَا كَذَبَ وَلَا خَانَ، وَإِنَّهُ كَانَ اسْمُهُ عِنْدَ قُرَيْشٍ الْأَمِينَ قَالَ: فَهَلْ كَتَبَ بِيَدِهِ؟ قَالَ الْعَبَّاسُ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِيَدِهِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَهَا، ثُمَّ ذَكَرْتُ مَكَانَ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ مُكَذِّبِي، وَرَادٌّ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: لَا يَكْتُبُ. فَوَثَبَ
الْحَبْرُ وَتَرَكَ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: ذُبِحَتْ يَهُودُ وَقُتِلَتْ يَهُودُ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَلَمَّا رَجَعْنَا إِلَى مَنْزِلِنَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ إِنَّ الْيَهُودَ تَفْزَعُ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ؟ قُلْتُ: قَدْ رَأَيْتَ مَا رَأَيْتَ فَهَلْ لَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ فَإِنْ كَانَ حَقًّا كُنْتَ قَدْ سَبَقْتَ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَمَعَكَ غَيْرُكَ مِنْ أَكْفَائِكَ قَالَ: لَا أُؤْمِنُ بِهِ حَتَّى أَرَى الْخَيْلَ فِي كَدَاءٍ، قُلْتُ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ جَاءَتْ عَلَى فَمِي، إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لَا يَتْرُكُ خَيْلًا تَطْلُعُ مِنْ كَدَاءٍ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَلَمَّا اسْتَفْتَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، وَنَظَرْنَا إِلَى الْخَيْلِ وَقَدْ طَلَعَتْ مِنْ كَدَاءٍ قُلْتُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ تَذْكُرُ الْكَلِمَةَ؟ قَالَ: إِي وَاللهِ إِنِّي لَذَاكِرُهَا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ.
ويقول ابن كثير معلقاً عليها: وَهَذَا سِيَاقٌ حَسَنٌ عَلَيْهِ الْبَهَاءُ وَالنُّورُ وَضِيَاءُ الصِّدْقِ وَإِنْ كَانَ فِي رِجَالِهِ مَنْ هُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ وَاللهُ أَعْلَمُ(365) .
والرواية ضعيفة الإسناد على أقل تقدير(366) .
والرواية على فرض صحتها فيها عدة دلالات لعل منها:
- إقرار العباس بصدق النبي صلى الله عليه وسلم.
- إشادته بحسن أخلاقه وكريم صفاته.
- صدقه وتورُّعه عن الكذب.
- دعوته أبا سفيان للإيمان بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
كما أنها على فرض صحتها لا تدل على إسلام العباس في هذا الوقت المبكر من تاريخ الإسلام، ولكنها تظهر ثقة العباس في ابن أخيه
واعتقاده بصدقه، وفارق بين الاعتقاد القلبي بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وبين التسليم بنبوته واعتناق رسالته، وإشهار ذلك وإعلانه.
وبين أيدينا مثال على ذلك ألا وهو أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعرف صدقه ويذود عنه ويحميه، ولكنه ما دخل الإسلام وما أقرّ عياناً بياناً بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم.
- ثالثاً: روايات شهود العباس لبيعة العقبة الثانية ومنها:
1 - روى ابن عساكر بسنده عن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنِي سَاعِدَةُ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَطَاءَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اللهُمَّ إِنَّ عَمِّيَ الْعَبَّاسَ حَاطَنِي بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَأَخَذَ لِي الْبَيْعَةَ عَلَى الأَنْصَارِ وَنَصَرَنِي فِي الإِسْلامِ، اللهُمَّ فَاحْفَظْهُ وَحُطْهُ وَاحْفَظْ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ(367) .
ففضلاً على أن سند الرواية منقطع كما ذكر ابن عساكر نفسه، وفيه مجاهيل ومناكير كذلك، إلا أن دلالاتها على إسلام العباس وقت البيعة رضي الله عنه
أو قبلها بعيدة، والرواية لم تذكر إسلامه يوم البيعة وإنما تشير إلى ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على موقفه وقتها.
2 - روى الطبراني بسنده عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَمَلَنِي خَالِي جَدُّ بْنُ قَيْسٍ فِي السَّبْعِينَ رَاكِبًا الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَنْصَارِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: «يَا عَمِّ، خُذْ عَلَى أَخْوَالِكَ»، فَقَالَ لَهُ السَّبْعُونَ: يَا مُحَمَّدُ، سَلْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، فَقَالَ: «أَمَّا الَّذِي أَسْأَلُكُمْ لِرَبِّي فتعَبْدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي أَسْأَلُكُمْ لِنَفْسِي فَتَمْنَعُونِي مَا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ» قَالُوا: فَمَا لَنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ؟ قَالَ: «الْجَنَّةُ»(368) .
والرواية لا يفهم منها نصاً أن العباس رضي الله عنه وقتها كان مسلماً،
وإنما تشير إلى شهود العباس ليلة العقبة الثانية، وإن كانت تحوي إشارة إلى إمكانية إسلامه وقتها؛ نظراً لخطورة الحدث وسريته، وائتمان العباس عليه، بل ومشاركته فيه.
وغاية ما هنالك أنها تدل على ثقة النبي صلى الله عليه وسلم في عمه، واطمئنانه إليه لا أنه كان وقتها مسلماً، ولا أفهم السرّ في تعقيب الحاكم على هذه الرواية واعتبارها وردت في إسلام العباس حين قال: وَلَيْسَ لِلْعَبَّاسِيَّةِ رضي الله عنهم فِي تَقَدُّمِ إِسْلَامِ الْعَبَّاسِ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
ولم يستبعد د/ الغضبان إمكانية أن يكون العباس مسلماً يوم العقبة حيث قال: لا يبعد لأن يكون العباس بن عبد المطلب قد أخفى إسلامه؛ ليبقى قادراً على حماية الرسول صلى الله عليه وسلم، لكننا نتعامل مع ظاهر النص الذي يؤكد حضوره البيعة وهو على دين قومه(369) .
وهذا إشارة منه إلى روايات أخرى في الحادثة عينها (بيعة العقبة) نصَّت صراحة على عدم إسلام العباس رضي الله عنه وقتها، وقد صححها العلماء.
فقد روى الإمام أحمد بسنده إلى كعب بن مالك(370) أحداث العقبة وثقة النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العباس ودور العباس الفاعل في هذه البيعة العظيمة وفيها: فَاجْتَمَعْنَا بِالشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ صلى الله
عليه وسلم، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقُ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ..(371)
وعن شهود العباس لبيعة العقبة حال شركه يقول ابن عبد البر: وكان العباس أنصر الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبى طالب، وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم العقبة يشترط له على الأنصار، وكان على دين قومه يومئذ(372) .
وقال ابن الأثير: وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة
العقبة، لما بايعه الأنصار، ليشدد له العقد، وكان حينئذ مشركًا(373)
وقال ابن حجر: وكان إليه في الجاهليّة السّقاية والعمارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم(374) .
- رابعاً: رواية حماية العباس لأبي ذر رضي الله عنهما حين أعلن إسلامه ودفاعه عنه:
قد يستدل البعض أيضاً على إسلام العباس قبل الهجرة برواية إسلام أبي ذر ودفاع العباس عنه أمام ملأ قريش، مستقياً من هذا الدفاع إشارة إلى تقدُّم إسلامه وفي الرواية قول أبي ذر فيما يرويه البخاري:
وَمَضَيْتُ مَعَهُ أي مع علي حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ لَهُ: اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ، فَعَرَضَهُ، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا ذَرٍّ اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ. فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ، فَقَامُوا فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ، فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيَّ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ.
فَأَقْلَعُوا عَنِّي، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالْأَمْسِ، فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ، فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ، وَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ(375)
فالرواية شاهدة برجاحة عقل العباس وحسن تأتيه وجودة فطنته، ولا دلالة صريحة فيها على إسلامه وقتها، ولا تسعف من يرى ذلك.
فدفاع العباس رضي الله عنه عن أبي ذر رضي الله عنه إنما هو مراعاة للمصلحة الآنية والمستقبلية والمتمثلة في عدم نشوب نزاع بين قريش وغفار؛ وذلك خشية تعرض مصالح قريش وتجارتها للأذى من قِبل قبيلة غفار، وهذا أمر مقبول.
وقد يُستشكَل على هذا بعدة تساؤلات منها:
* هل العباس وحده من يملك الرؤية الاستقبالية للمصالح الاقتصادية؟
* هل فات المشركون وقد همّوا بالفتك بأبي ذر حساسية موقع قبيلته، وأنه من غفار طريق ممرهم ومتجرهم، وأنهم بهذا يخاطرون بمصالحهم وتجارتهم؟
وإن كان فاتهم هذا البُعد أول مرة، فلم كرروا فعلتهم حينما صكَّ أبو ذر آذانهم مرة ثانية بإشهار إسلامه مما ألجأ العباس للدفاع عنه
مرة ثانية؟
تساؤلات لا تقطع بشيء إلا أنها تحتاج إلى إجابات وافية تطمئن إليها النفس، وإن كان من أبرز الإجابات أن موقف العباس هذا برؤيته الاستقبالية تلك نابع من حكمته ورجاحة عقله، وهذا أمر عرفه له الجميع.
فالرجل كان يملك عقلاً ألمعياً، وبصيرةً نافذة، ورأياً صائباً، وحكمةً بادية في جُل تصرفاته، ورجل بهذه القدرات لا يستغرب منه أن يرى هذا البُعد، وأن يستشعر هذا الخطر المحدق، فأسرع ليتدارك الأمر مذكِّراً قومه بموقع قبيلة غفار، والذي يعرفونه جيداً، ولكنه قد يكون غاب عنهم في غمرة الحدث، نتيجة استنفار أبي ذر لمشاعرهم، وصكِّ آذانهم بكلمة التوحيد، وإحراجهم أمام أتباع يهابونهم، بل ربما لو تُرك أبو ذر رضي الله عنه من غير عقاب لأطمع فيهم غيره ممن ينتظر الفرصة السانحة ليستعلن بإسلامه.
- خامساً: رواية مكاتبة العباس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم يخبره بحال المشركين قبيل بدر:
مرَّ معنا قول ابن الأثير عن العباس حاكياً عن بعضهم في إسلام العباس أنه أسلم قبل الهجرة، وكان يكتم إسلامه، وكان بمكة يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار المشركين، وكان مَن بمكة من المسلمين يتقوون به، وكان لهم عوناً على إسلامهم(376) .
ولعل مما يمكن التمسك به في هذا الباب ما ورد في بعض الروايات من إشارة إلى مكاتبة العباس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم يبلغه بأمر المشركين قبل بدر، وإكراههم إياه على الخروج، ويعلمه برغبته في كسرهم والحيلولة بينهم وبين محاربة النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد روى البلاذري بسنده َحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ هِشَامٍ الْكَلْبِيُّ عَنْ أبيه عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَتَبَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِبِ إِلَى رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم عِنْدَ خُرُوجِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بَدْرٍ يُعْلِمُهُ السَّبَبَ الَّذِي خَرَجَ لَهُ مِنْ مُدَارَاةِ قُرَيْشٍ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُقَاتِلٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْهَزِمَ بِهِمْ وَيَكْسِرَهُمْ فَعَلَ، فَلَمَّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَلْزِمْنِي مِنَ الْفِدَاءِ أَغْلَظَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَحَدٍ، وَكَانَ كِتَابُهُ مِنْ مَكَّةَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَمَعَهُ كِتَابُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِاسْتِعْدَادِ قُرَيْشٍ لِغَزْوِهِ يَوْمَ أُحُدٍ إِشْفَاقًا مِنْ أَنْ يُصِيبُوا غُرَّتَهُ، وَبَلَغَهُ فَتْحُ خَيْبَرَ فَأَعْتَقَ غُلامًا لَهُ يُكَنَّى أَبَا زَبِيبَةَ(377) .
والرواية في سندها مقال، ويكفي أن فيه الكلبي وابنه، وهما متروكان. وحتى على فرض صحة الرواية فلا دلالة فيها على أن العباس رضي الله عنه كان وقتها مسلماً، ولا تعني مكاتبته للنبي صلى الله عليه وسلم سبق إسلامه، وغاية ما فيها الإشارة إلى عناية العباس رضي الله عنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، واهتمامه به، وخشيته عليه، وهذا أمر واضح، وما موقفه يوم العقبة الثانية إلا من هذا الباب، وصفحات السيرة حبلى بمواقف لأبي طالب من جنس موقف العباس بل أشد منها في النصرة وأوضح، ومع ذلك لم يُسلم.
- سادساً: الروايات التي تشير إلى إكراه المشركين للعباس في الخروج إلى بدر:
لعل من الثابت تاريخياً أن العباس قد خرج إلى بدر مكرهاً من
قِبل المشركين، وقد يفهم البعض من هذا الإكراه أنهم أحسوا بإسلامه، أو حتى تشككوا فيه، وعليه فيمكن أن تكون روايات إكراهه على الخروج إلى بدر من مرشحات ومؤيدات إسلامه قبل الهجرة، بخاصة وأن هناك روايات نصَّت على أنهم أكرهوا حتى من علموا بإسلامه.
1 - روى البيهقي في الدلائل بسنده إلى موسى بن عقبة وفيه: ... فَخَرَجُوا - أي قريش إلى بدر - بِخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، وَسَاقُوا مِائَةَ فَرَسٍ، وَلَمْ يَتْرُكُوا كَارِهًا لِلْخُرُوجِ يَظُنُّونَ أَنَّهُ فِي صَغْوِ(378) مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَا مُسْلِمًا يَعْلَمُونَ إِسْلَامَهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا مَنْ لَا يَتَّهِمُونَ إِلَّا أَشْخَصُوهُ مَعَهُمْ، فَكَانَ مِمَّنْ أَشْخَصُوا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَطَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فِي آخَرِينَ(379) .
ومع تسليمنا بإكراه العباس للخروج إلى بدر إلا أن الرواية على فرض صحتها لا تسعف من يقول بنَصِّها على إسلام العباس، ومجرد ذكر العباس في الرواية لا يعني أنه كان مسلماً، ولا يشير صراحة إلى إسلامه وقتها، وبخاصة وأنه ذُكر في الجزء المتعلق ببني هاشم، وجاء ذكره مع غيره، وغاية ما هنالك أن قريشاً كانت تأنس منه ميلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وخوفاً عليه فاصطحبته معها مكرهاً إلى بدر مع من اصطحبت من بني هاشم.
2
وفي رواية أخرى لابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: إِنِّي عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالاً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كَرْهًا لا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا. فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلا يَقْتُلْهُ، ومَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلا يَقْتُلْهُ فَإِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهاً(380)
فعلة النهي هنا الإكراه لا الإسلام، ودلالة الرواية على إسلام العباس قبل الهجرة ضعيفة.
ويضيف أبو شهبة علة أخرى للنهي الوارد في الرواية عن قتل العباس وغيره قائلاً: لا تحسبنّ أن الرسول بهذه الوصاة أراد أن يحابي أهله وذوي قرباه، فقد كانت نفسه الشريفة أسمى من ذلك وأرفع، وإنما ذكر لبني هاشم منعهم له ثلاثة عشر عاماً، وانحيازهم لأجله في الشّعب ثلاثة أعوام حتى جاهدوا وأكلوا ورق الشجر، وذكر لعمه العباس موقفه المشرّف في بيعة العقبة الثانية وقوله للأنصار: (إن محمداً لا يزال في عزة ومنعة
من قومه)، وذكر لأبي البختري أنه كان له ضلع كبير في نقض الصحيفة الظالمة، وهي حسنات لا ينساها الإسلام قط، وقد كان من خلق رسول الله أن يردّ الجميل بخير منه، وليس أدل على ذلك من أن أبا البختري ليس من بني هاشم، ولا تربطه بالنبي صلى الله عليه وسلم قرابة قريبة، وإنما هو السمو الخلقي والإنساني(381)
فلا علاقة للرواية محل الاستشهاد بالقطع بإسلام العباس وقتها.
ومما يدعو للدهشة أن ابن هشام في السيرة لم يذكر العباس ضمن أسرى بدر، وعلل ذلك الخشني بأن العباس كان مسلماً يكتم إسلامه(382) .
- سابعاً: رواية استئذان العباس من النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة ونصها:
1 - روى أبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير وابن عساكر في تاريخه بإسنادهم عن أَبي مُصْعَبٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَمِّ، أَقِمْ مَكَانَكَ الَّذِي أَنْتَ بِهِ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْتِمُ بِكَ الْهِجْرَةَ كَمَا خَتَمَ بِيَ النُّبُوَّةَ»(383) .
والرواية أوردها كثيرون في فضائل العباس رضي الله عنه، وهي ضعيفة جداً؛ لأن مدارها على إسماعيل بن قيس، وهو متروك.
كما أنه - على فرض صحتها - لا دلالة قاطعة فيها على أن إسلام العباس كان قبل الهجرة، فلعله أسلم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل إليه يخبره بإسلامه ثم رغبته في الهجرة إلى المدينة، فكان ردُّ النبي صلى الله عليه وسلم أن أقم مكانك، وهو مكة.
بل وردت الرواية نفسها بتفصيل أكثر يعطينا دلالة واضحة على أن هذا الذي دار إنما كان مشافهة بين العباس رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم بعد بدر، إلا أن سندها أيضاً لا يخلو من مقال.
2
روى أحمد بسنده عن إِسْمَاعِيلُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَدْرٍ وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَذِنْتَ لِي فَخَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ فَهَاجَرْتُ مِنْهَا، أَوْ قَالَ: فَأُهَاجِرُ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَمِّ اطْمَئِنَّ فَإِنَّكَ خَاتَمُ الْمُهَاجِرِينَ فِي الْهِجْرَةِ، كَمَا أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فِي النُّبُوَّةِ»(384)
والروايات السابقة لا يمكن الركون إلى كل منها على حدة لإثبات تقدُّم إسلام العباس رضي الله عنه، نعم بمجموعها يمكن أن نفهم منها إشارةً أو تلميحاً، قد يساعدنا للخروج برأي في هذه المسألة الشائكة والمحيِّرة.
وكنا نتمنى أن لو صحَّ شيء في تقدُّم إسلام العباس رضي الله عنه، إذاً لأظهرناه وبينَّاه ودافعنا عنه بكل ما نستطيع؛ لأنه عندئذ سيكون من باب إظهار الحق، والبر بعمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الروايات الواردة في ذلك لا تسلم من مقال - كما سبق - وبجانب ضعفها، فإن الوقائع التاريخية لا تدعم صحة مضامينها. ولذا يقول ابن تيمية: وَالْعَبَّاسُ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ(385) .
وبناء على ما سبق: فلا يستقيم القول بإسلام العباس رضي الله عنه قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لضعف الروايات الواردة في ذلك، ولتعارض كثير من الأحداث مع هذا القول.
ومن الواضح أن هذا القول مرجوح وقد ردَّه كثير من العلماء المحققين الذين تكلموا في الروايات التي استند عليها، كالحافظ ابن حجر وغيره.
قال الحافظ ابن حجر في الرد على هذا القول: ويردّه أن العباس أسر ببدر وقد فدى نفسه.. ويردّه أيضا أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف(386) .
* القول الثاني: إسلام العباس رضي الله عنه بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بدر:
ويتبنى أصحاب هذا القول رأياً مفاده أن إسلام العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه كان في الفترة التي أعقبت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ما قبيل غزوة بدر في رمضان من السنة الثانية للهجرة.
ويتميز هذا القول عن سابقه بتحديده للفترة الزمنية أو تضييقه لها، فالقول الأول نصَّ على إسلام العباس رضي الله عنه قبل الهجرة، وهي فترة زمنية تقترب من ثلاث عشرة سنة، بينما نصَّ الثاني على إسلامه بعد الهجرة وقبل بدر، وهي فترة زمنية لا تتعدى سنتين، بل تقلّ عنهما،
ويدل عليه بعض الروايات الواردة بهذا الصدد، ومنها:
1 - روى ابن سعد بسنده أخبرنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ كَانَ مِنَّا بِمَكَّةَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ أَسْلَمُوا، فَكَانُوا يَكْتُمُونَ إِسْلَامَهُمْ، وَيَخَافُونَ يُظْهِرُونَ ذَلِكَ فَرَقًا مِنْ أَنْ يَثِبَ عَلَيْهِمْ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَيُوثَقُوا كَمَا أَوْثَقَتْ بَنُو مَخْزُومٍ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَبَّاسَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَغَيْرَهُمَا؛ فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ لَقِيَ مِنْكُمُ الْعَبَّاسَ وَطَالِبًا وعَقِيلًا وَنَوْفَلًا وَأَبَا سُفْيَانَ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ أُخْرِجُوا مُكْرَهِينَ»(387) .
ودلالة الرواية على التوقيت المذكور تتمثل في قول ابن عباس: «من كان منا بمكة من بني هاشم قد أسلموا»، أي من تبقَّى في مكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم ومنهم العباس؛ بدلالة أمرين:
- إن إسلامهم لو كان قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لعرفه النبي صلى الله عليه وسلم، وبخاصة وأنهم قومه وعشيرته، ولاشتهر بين الصحابة، وهذا ما لم يحدث.
- إن سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة المذكورَين في الرواية مُنعا من الهجرة من قِبل بني مخزوم بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، فعياش بن أبي ربيعة هاجر إلى المدينة ولحق به أخواه لأمه أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام فرجعا به إلى مكة فحبساه فيها حتى مضى بدر وأحد والخندق... أما سلمة فمُنع أصلاً من الهجرة إلى المدينة، حيث كانت قريش تمنع من أراد الهجرة بعد أن علموا بوجهة النبي صلى الله عليه وسلم واستوثقوا منها.
وعند النظر في الرواية نجدها لا تثبت عند الاحتجاج بها في تحديد إسلام العباس رضي الله عنه في هذا الوقت (بعد الهجرة وقبل بدر) فبجانب ضعف سندها نظراً لوجود الكلبي وابنه وأبو صالح باذام الكوفي فيه، إلا أن أصل الرواية ورد في معرض تحريض النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين على القتال يوم بدر، حيث استحثَّ عزائمهم وشحذ هممهم، ولم ينس وصيته بأناس خرجوا مكرَهين إلى القتال، وكانت لهم مواقف مشكورة في منع النبي صلى الله عليه وسلم وحمايته، أو مساع حميدة في ردّ الظلم والطغيان، فنهى أصحابه عن قتالهم، فالنهي هنا لعلة إخراجهم مكرهين كما نصت الرواية لا لعلة إسلامهم، وإن كانت الرواية تعطينا إشارات على ذلك وبخاصة فيما يتعلق ببني هاشم.
2 روى ابن سعد بسنده عن محَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَسْلَمَ الْعَبَّاسُ بِمَكَّةَ قَبْلَ بَدْرٍ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ مَعَهُ حِينَئِذٍ، وَكَانَ مُقَامُهُ بِمَكَّةَ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُغَبِّي عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ خَبَرًا يَكُونُ إِلَّا
كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ، وَكَانَ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَتَقَوُّونَ بِهِ وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ لَهُمْ عَوْنًا عَلَى إِسْلَامِهِمْ، وَلَقَدْ كَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ عليه السلام: «إِنَّ مُقَامَكَ مُجَاهِدٌ حَسَنٌ». فَأَقَامَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم(388)
ووجه الدلالة في الرواية قوله: (قبل بدر) ولو كان المراد قبل الهجرة لنصَّ عليه. وقد صرحت الرواية بإسلام العباس قبل بدر، بل وحددت المهمة التي من أجلها مكث العباس بمكة، وهي تزويد النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، وإعانة من ظل من المسلمين بمكة.
والرواية في سندها الواقدي وهو متروك كما لا يخفى، وابن أبي سبرة وهو متهم بالوضع، وحسين بن عبد الله وقد ضعَّفوه.
كما أن المشهور من إسلام أم الفضل أنه كان قبل ذلك حتى قال ابن سعد:
وكانت أم الفضل أول امرأة أسلمت بمكة بعد خديجة بنت خويلد، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يزورها ويقيل في بيتها(389)
وقال الهيثمي: وكانت قديمة الإسلام، أسلمت بمكة(390) .
وبمثله صرح الذهبي مشيراً إلى إسلامها هي وابنها عبد الله بن عباس قبل زوجها العباس، ولكنهما عجزا عن الهجرة(391) .
ويقول ابن القيم مشيراً إلى تقدُّم إسلام أم الفضل قبل العباس: كَذَلِكَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُسْلِمُ، ثُمَّ يُسْلِمُ زَوْجُهَا بَعْدَهَا، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، مِثْلُ أُمِّ الْفَضْلِ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْعَبَّاسِ بِمُدَّةٍ(392) .
وقد ردَّ ابن عساكر متن الرواية وقال: والصحيح أن العباس أسلم بعد بدر(393) .
وقال الذهبي بعد تضعيفه رواية الواقدي عن ابن عباس في إسلام العباس بمكة قبل بدر: ولو جرى هذا لما طلب من العباس فداءً يوم بدر(394) .
وقال الحافظ ابن حجر في الردِّ على هذا القول: ويردّه أن العباس أسر ببدر وقد فدى نفسه كما سيأتي في المغازي واضحاً، ويردّه أيضاً أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف(395) .
وقال في التهذيب أيضا مفنِّداً متن رواية الواقدي: ما وقع في رواية الواقدي أنه أسلم قبل بدر ليس بصحيح؛ لأنه شهد بدراً مع المشركين وأُسر فيمن أُسر ثم فودي، ففي الصحيح أنه قال بعد ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: إني فاديت نفسي وعقيلاً، فلو كان مسلماً لما أسر ولا فودي، فلعل الرواية بعد بدر(396) .
3 - ما ورد من روايات أسر العباس بعد بدر، وطلب النبي صلى الله عليه وسلم الفداء منه.
حيث تشير هذه الروايات إلى إسلام العباس بعد الهجرة وقبل بدر كما حكى هو عن نفسه، وتشهد لذلك رواية الحاكم عن عائشة في فداء أسرى بدر:
روى الحاكم في المستدرك قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَتْ أَهْلَ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أُسَرَاهُمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: «إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا فَافْعَلُوا»، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَرُدُّوا عَلَيْهِا الَّذِي لَهَا. قالَ: وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الله أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ، فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ فَاللهُ يَجْزِيكَ، فَافْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخَوَيْكَ: نَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُقَيْلَ بْنَ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَحْدَمٍ أَخَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ» فَقَالَ: مَا ذَاكَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتَ أَنْتَ وَأُمُّ الْفَضْلِ فَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فَهَذَا الْمَالُ لِبَنِي الْفَضْلِ، وَعَبْدِ اللهِ وَقُثَمَ؟» فَقَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، إِنَّ هَذَا لِشَيْء مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ أُمِّ الْفَضْلِ، فَاحْسِبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَصَبْتُمْ مِنِّي عِشْرِينَ أُوقِيَّةً(397) مِنْ مَالٍ كَانَ مَعِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «افْعَلْ» فَفَدَى الْعَبَّاسُ نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ وَحَلِيفَهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(398) فَأَعْطَانِي مَكَانَ الْعِشْرِينِ الْأُوقِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو مِنْ مَغْفِرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ(399)
والرواية
أوردها ابن سعد من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق بزيادة موضِّحة لمضمونها وفيها: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ: يَا عَبَّاسُ افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَحْدَمٍ أَخَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ فَإِنَّكَ ذُو مَالٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا وَلَكِنَّ الْقَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي(400)
فرواية الحاكم السابقة على فرض صحتها - وكذا رواية ابن سعد - قد أفصحت كثيراً عن موقف العباس رضي الله عنه وبخاصة عند قوله للرسول صلى الله عليه وسلم في رواية ابن سعد: إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا وَلَكِنَّ الْقَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي...
وردّ الرسول صلى الله عليه وسلم عليه: اللهُ أَعْلَمُ بِإِسْلامِكَ. إِنْ يَكُ مَا تَذْكُرُ حَقًّا فَاللهُ يجْزِيكَ بِهِ. فَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا.
فالعباس أقرَّ أمام النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه قبل بدر، ويفهم منه ضمناً أنه كان بعد الهجرة؛ لأنه لو كان قبلها لعلِم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث كان مقيماً في مكة، وكان العباس رضي الله عنه يخالطه ويجالسه، ولا يقدح فيه قول من يقول: لعل العباس أسرَّ إسلامه قبل الهجرة ولم يظهره حتى للنبي صلى الله عليه وسلم مخافة أن يعلم المشركون؛ لأن العباس كان بإمكانه وقتها أن يأخذ على النبي صلى الله عليه وسلم العهود والمواثيق ألا يفشي سره، لا سيما والعلاقة بينهما كانت من البر والمودة على ما نعلم، ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم اصطحبه معه في بيعة العقبة ليستوثق من أمر الأنصار، وكان وقتها على دين قومه بدلالة رواية أحمد من حديث كعب بن مالك في أحداث بيعة العقبة(401) ، وهذا يشهد أنه لم يُسلم قبل الهجرة.
وبعد أسره ببدر عامله الرسول صلى الله عليه وسلم بظاهر حاله، وتمسك بأخذ الفداء منه، ولم يترك له درهماً واحداً، ولم يتقبل طلب بعض الأنصار إعفاءه من الفداء(402) . ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعفه من الفداء دفعاً لمظنة المحاباة(403) .
ولذا استدل ابن تيمية بالرواية على أن الجزاء في الدنيا يكون على الظاهر، بخلاف يوم القيامة فإنه يكون على ما في القلوب(404) .
4 - روى الحاكم بسنده عن عروة بن الزبير قَالَ: كَانَ الْعَبَّاسُ أَسْلَمَ، وَأَقَامَ عَلَى سِقَايَتِهِ وَلَمْ يُهَاجِرْ(405) .
والرواية غير محددة بمدة، وغاية ما فيها أنها تحكي إسلامه، وهذا لا نزاع فيه.
* القول الثالث: إسلام العباس بعد غزوة بدر مباشرة.
ومال إلى هذا القول جمع من العلماء المحققين، وهذا ما يظهر من أقوالهم؛ ومنهم: ابن عساكر في التاريخ، والسهيلي في الروض، وابن الأثير في أسد الغابة، وهو الظاهر من كلام شيخ الإسلام ابن
تيمية، وكذا المزي في التهذيب، والذهبي.
ذكر ابن عساكر في تاريخه بعضاً من روايات ابن سعد الواردة في إسلام العباس قبل بدر وعزاها إلى ابن سعد بما يشير إلى أنه يرى إسلامه قبل بدر، حيث قال: «كذا ذكر ابن سعد» ثم علق قائلاُ: والصحيح أن العباس أسلم بعد بدر(406) .
ولعل السهيلي من أكثر مَن حدَّد هذا التوقيت حيث ذكر في معرض حديثه عن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من العباس يوم بدر: فَفَدَى نَفْسَهُ وَفَدَى ابْنَيْ أَخِيهِ فَقَالَ لِلنّبِيّ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ تَرَكْتنِي أَتَكَفّفُ قُرَيْشًا فَقِيرًا مُعْدِمًا، فَقَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم «أَيْنَ الذّهَبُ الّتِي تَرَكْتهَا عِنْدَ أُمّ الْفَضْلِ وَعَدَدُهَا كَذَا وَكَذَا، وَقُلْت لَهَا: كَيْت وَكَيْت»، فَقَالَ مَنْ أَعْلَمَك بِهَذَا يَا ابْنَ أَخِي؟، فَقَالَ: «اللهُ»، فَقَالَ: «حَدِيثٌ مَا اطّلَعَ عَلَيْهِ إلّا عَالِمُ الْأَسْرَارِ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ»، فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَ الْعَبّاسُ(407) .
وأما ابن الأثير فيقول في أسد الغابة: بعد ذكره لغزوة بدر وأسٌر العباس فيها ثم فدائه وإطلاق سراحه: وأسلم - أي العباس - عقيب ذلك(408) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن إسلام الأسير الحربي بعد أسره: وكذلك العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أظهر الإسلام بعد الأسر،
بل أخبر أنه قد أسلم قبل ذلك فلم يطلقه النبي صلى الله عليه وسلم حتى فدى نفسه(409)
وقال المزي في التهذيب قاصداً العباس: شهد بدراً مَعَ المشركين، وكَانَ خرج إِلَيْهَا مكرهاً، وأسر يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ أسلم بَعْد ذَلِكَ، وقيل: إنه أسلم قبل ذَلِكَ، وكَانَ يكتم إسلامه، وأراد القدوم إِلَى الْمَدِينَة، وأمره النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بالمقام بمكة، وَقَال لَهُ: إِن مقامك بمكة خير، يتقوون بِهِ، فلذلك أمره النَّبِي صلى الله عليه وسلم، بالمقام بمكة(410) .
ويظهر أن الذهبي يميل إلى إسلام العباس عقب بدر ومن قوله في ذلك: ثم خرج إلى بدر مع قومه مكرهاً، فأُسِر، فأبدى لهم أنه كان أسلم، ثم رجع إلى مكة(411) .
وقال الذهبي بعد تضعيفه لرواية الواقدي عن ابن عباس في إسلام العباس بمكة قبل بدر: ولو جرى هذا لما طلب من العباس فداءً يوم بدر، والظاهر أن إسلامه كان بعد بدرٍ(412) .
ومن الروايات التي أشارت إلى ذلك:
1 روايات الفداء، ومنها رواية الحاكم السابقة عن عائشة وفيها:.. وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الله أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ..» إلى أن قال العباس: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَشْهَدُ
أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، إِنَّ هَذَا لِشَيْءٍ مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ أُمِّ الْفَضْلِ..(413)
وهذه الرواية قد تمسك بها من قال بإسلامه قبل بدر، وكذا من قال بإسلامه بعدها، فعلى الأول: أنه حكى إسلامه قبلها قائلاً: إني كنت مسلماً، وعلى الثاني: أنه أعلن إسلامه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بحكايته إسلامه السابق، ثم بإعلانه الشهادة بعدها، حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأمر المال الذي دفنه هو وزوجته، ولم يعامله النبي صلى الله عليه وسلم بما سبق وأخذ منه الفداء.
2 روى أبو نعيم في الدلائل حَدَّثَنَا... مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثنا جَرِيرٌ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُسِرَ سَبْعُونَ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، وَجَعَلَ عَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ مِائَةً، وَعَلَى عَقِيلٍ ثَمَانِينَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَلِلْقَرَابَةِ صَنَعْتَ بِي هَذَا؟ وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ الْعَبَّاسُ لَقَدْ تَرَكْتَنِي فَقِيرَ قُرَيْشٍ مَا بَقِيتُ. قَالَ: كَيْفَ تَكُونُ فَقِيرَ قُرَيْشٍ وَقَدِ اسْتَوْدَعْتَ أُمَّ الْفَضْلِ بَنَادِقَ الذَّهَبِ ثُمَّ أَقْبَلْتَ إِلَيَّ وَقُلْتَ لَهَا: إِنْ قُتِلْتُ تَرَكْتُكِ غَنِيَّةً مَا بَقِيتِ، وَإِنْ رَجَعْتُ فَلَا يُهِمَّنَّكِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ
اللهِ مَا أَخْبَرَكَ بِهَذَا إِلَّا اللهُ تَعَالَى. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: 70] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] فَقَالَ حِينَ نَزَلَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنِّي أَضْعَافَهَا فَآتَانِي اللهُ خَيْرًا مِنْهُ(414)
فشهادة العباس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة تدل دلالة واضحة على إسلامه، أو بتعبير أدق على إشهار إسلامه؛ - إن صحت الرواية - لأن الرواية تحمل نبأ إسلام العباس سراً في مكة قبل ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عامله بظاهر أمره وأخذ منه الفداء، وعليه فاعتبر البعض إسلام العباس علانية في هذا الوقت أي عقيب غزوة بدر.
وهذا ما صرَّح به السهيلي نصاً بقوله - كما سبق -: فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَ الْعَبّاسُ(415) .
3 روى ابن سعد قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ،
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي (قصة فداء العباس بعد بدر) وفيها يقول العباس: وَكَلَّفَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِدَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ تَرَكْتَنِي أَسْأَلُ النَّاسَ مَا بَقِيَتُ، فَقَالَ لِيَ: «فَأَيْنَ الذَّهَبُ يَا عَبَّاسُ»؟ فَقُلْتُ أَيُّ ذَهَبٍ؟ قَالَ: «الَّذِي دَفَعْتَهُ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ يَوْمَ خَرَجْتَ، فَقُلْتَ لَهَا: إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَهَذَا لَكِ وَلِلْفَضْلِ وَلِعَبْدِ اللهِ وَعُبَيْدِ اللهِ وَقُثَمَ» فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ فَوَاللهِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي وَغَيْرُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللهُ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ» فَقُلْتُ لَهُ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنَّكَ لَصَادِقٌ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ أَلَا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ(416)
4 - روى أحمد بسنده حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ: عَلَيْكَ بِالْعِيرِ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ، فَنَادَاهُ الْعَبَّاسُ وَهُوَ أَسِيرٌ فِي وَثَاقِهِ: لَا يَصِحُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لِمَهْ»؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ أَعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ»(417) .
والرواية مع ضعفها إلا أن فيها إشارة إلى إقرار العباس بما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإيمانه به، قاصداً قوله تعالى في بدر: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 7 - 8].
وهذا كان بعد بدر، وحال أسره كما صرحت الرواية «وَهُوَ أَسِيرٌ فِي وَثَاقِهِ».
5 - قال محمد بن عمر: وسمعت من يذكر أنه شهد بدراً كرهاً، وأنه أسلم بعد انصرافه إلى مكة(418) .
والرواية من قول الواقدي، ومعروف حاله، كما أنه لم يسم مَن سمع منه.
6 أخرج البلاذري
في الأنساب رواية تفيد إخبار العباس النبي صلى الله عليه وسلم بقدوم المشركين لحربه قبيل خروجهم لغزوة أحد، وفيها:
لما ورد المشركون يثرب، أقبلوا يرعون إبلهم زروع الأنصار، وقد قرب إدراكها. وكان قدومهم يثرب يوم الخميس لخمس خلون من شوال. والحرب بعد ذلك بيومين. وكان جميع المشركين ثلاثة آلاف بمن ضوى إلى قريش. وقادوا مائتي فرس. وكان فيهم سبع مائة دارع. ومعهم ثلاثة آلاف بعير. فكتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك ويقول له: «اصنع ما كنت صانعا إذا وردوا عليك، وتقدّم في استعداد التأهُّب». وبعث بكتابه إليه مع رجل اكتراه من بنى غفار. فوافى الغفاري رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء. فلما دفع كتاب العباس إليه، قرأه على أبيّ بن كعب، واستكتمه ما فيه. وأتى سعد بن الربيع فأخبره بذلك واستكتمه إياه(419) .
والرواية ذكرها البلاذري بلا إسناد، ولم أعثر عليها عند غيره، ولو صحت لكانت إشارة على إسلام العباس قبل أُحد، ولكشفت عن مهمته التي ظل في مكة لأجلها، ولساعدت مع رواية ابن سعد من طريق الواقدي بسنده عن ابن عباس(420) في الإجابة عن كثير من التساؤلات،
ولكن رواية ابن سعد ضعيفة، وهذه الرواية لا إسناد لها ولا يمكن بحال الركون إليها.
ولعل من الإشكالات الواردة على القول بإسلام العباس بعد بدر؛ غيابه عن الأحداث بعد بدر، فلم يرد له ذكر يوم أُحد، ولا في غزوة الخندق، ولا في غزوة الحديبية رغم أنها وقعت حول مكة، وتوافدت الرسل من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن العباس من بينهم، والسؤال لماذا يغيب العباس عن هذه الأحداث؟ وإن كان فعلاً أسلم بعد بدر فلم رجع لمكة؟
وقد استرعت هذه الأمور انتباه الإمام الذهبي وكانت مدعاة لحيرته وتعجبه حتى قال: ثم خرج إلى بدر مع قومه مكرَهاً، فأسر، فأبدى لهم أنه كان أسلم، ثم رجع إلى مكة. فما أدري لماذا أقام بها؟ ثم لا ذكر له يوم أحد، ولا يوم الخندق، ولا خرج مع أبي سفيان، ولا قالت له قريش في ذلك شيئاً، فيما علمت. ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً قبيل فتح مكة; فلم يتحرر لنا قدومه(421) .
ويبقى السؤال الأهم لِمَ رجع العباس إلى مكة إن كان أسلم عقب بدر؟.
هل كان هذا حسب اتفاق تمَّ بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما بنود هذا الاتفاق لو صحَّ؟ هل تزويد النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، والكتابة إليه بها؟.
أم ليتقوَّى به المسلمون في مكة، وليكون عوناً لهم على إسلامهم؟(422) أم كلا الأمرين؟
وإن لم يكن باتفاق مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم عاد؟.
هل ليقيم أمر السقاية(423) ؟ أم لأنه كان يهاب قومه ويكره خلافهم، أم لخشيته على ماله حيث كان ذا مالٍ متفرق في قومه(424) ؟.
تساؤلات تحتاج إلى إجابات تطمئن إليها النفوس.
على أن هناك من يرى أن العباس حين رجع إلى مكة بعد بدر بقي على شركه، يقول الطحاوي عن العباس: إنه لم يكن بمكة مسلماً حين جرى عليه ما جرى من الأسر؛ لأنه لما فدي في غزوة بدر رجع هو ومن سواه من الأسرى إلى مكة على دينهم الذي أسروا عليه(425) .
* القول الرابع: إسلامه قبل فتح خيبر.
يرى بعض العلماء أن إسلام العباس كان قبل فتح خيبر (المحرم 7ه).
ولعل قائلاً يسأل: ما الفرق بين هذا القول وسابقه؟ فالقول السابق أنه أسلم بعد بدر، والقول اللاحق أنه أسلم قبل خيبر، وكلا القولان بعد بدر زمنياً، فالثاني داخل في الأول، فما وجه التمييز؟.
وهذا استشكال في محله، ولذا وجب التنبيه على أن الفرق بين القولين أن الأول منهما يحكي إسلامه بعد بدر مباشرة أو بيسير، أي منصرفه منها، وعبَّر البعض عنه ب «عقيب غزوة بدر» مما يشير إلى أن الفترة الزمنية بين انقضاء غزوة بدر وإسلامه كانت يسيرة جداً، أما القول الثاني فيشير إلى تأخُّر إسلامه إلى ما قبيل فتح خيبر، وبين بدر وخيبر قرابة الخمس سنوات، فبدر كانت في رمضان من السنة الثانية للهجرة، وخيبر كانت في المحرم من السنة السابعة للهجرة، وفي هذا دلالة على عناية العلماء ودقتهم في تتبُّع زمن إسلام العباس رضي الله عنه بخاصة، وفي تتبع موارد تاريخ الصحابة بعامة.
يقول ابن عبد البر متبنياً القول بإسلام العباس قبيل خيبر: أسلم
العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، وذلك بيِّن في حديث الحجاج بن علاط أنه كان مسلماً يسره ما يفتح الله عز وجل على المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حنيناً والطائف وتبوك(426)
ويبدو أن الحافظ ابن حجر يميل إلى هذا القول، حيث قال في فتح الباري: وكان إسلامه - العباس - على المشهور قبل فتح مكة، وقيل: قبل ذلك، وليس ببعيد فإن في حديث أنس في قصة الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ ما يؤيد ذلك، وأما قول أبي رافع في قصة بدر كأنّ الإسلام دخل علينا أهل البيت فلا يدل على إسلام العباس حينئذ فإنه كان ممن أُسر يوم بدر وفدى نفسه وعقيلاً ابن أخيه أبي طالب.. ولأجل أنه لم يهاجر قبل الفتح لم يدخله عمر في أهل الشورى مع معرفته بفضله واستسقائه به(427) .
وقال أيضاً في فتح الباري: فالمشهور أنه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس في قصة الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ كما أخرجه أحمد والنسائي، وروى ابن سعد من حديث ابن عباس أنه هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، وَرَدَّهُ بِقِصَّةِ الْحَجَّاجِ المذكور، والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة، وقدم مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهد الفتح، والله أعلم(428) .
ومال إلى هذا الرأي من المعاصرين د/ أكرم العمري، ود/ مهدي رزق الله(429) .
ويشهد لهذا الرأي ما رواه أحمد في مسنده حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا، وَإِنَّ لِي بِهَا أَهْلًا، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَهُمْ، فَأَنَا فِي حِلٍّ إِنْ أَنَا نِلْتُ مِنْكَ، أَوْ قُلْتُ شَيْئًا؟ «فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ»، فَأَتَى امْرَأَتَهُ حِينَ قَدِمَ فَقَالَ: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ، قَالَ: فَفَشَا ذَلِكَ فِي مَكَّةَ، وَانْقَمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ فَرَحًا وَسُرُورًا قَالَ: وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْعَبَّاسَ فَعَقِرَ، وَجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مِقْسَمٍ قَالَ: فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمُ، فَاسْتَلْقَى فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
| حِبِّي قُثَمْ، شَبِيهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ |
|---|
| نَبِيِّ رَبٍّ ذِي النِّعَمْ، بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغِمْ(430) ( 430 ) |
قَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: ثُمَّ أَرْسَلَ غُلَامًا إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ،
وَيْلَكَ مَا جِئْتَ بِهِ، وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ. قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ لِغُلَامِهِ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: فَلْيَخْلُ لِي فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ لِآتِيَهُ، فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ، فَجَاءَ غُلَامُهُ فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ. قَالَ: فَوَثَبَ الْعَبَّاسُ فَرَحًا حَتَّى قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْحَجَّاجُ، فَأَعْتَقَهُ. ثُمَّ جَاءَهُ الْحَجَّاجُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ لِي هَاهُنَا، أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ، فَأَخْفِ عَنِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ قَالَ: فَجَمَعَتْ امْرَأَتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُلِيٍّ وَمَتَاعٍ، فَجَمَعَتْهُ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَتَى الْعَبَّاسُ امْرَأَةَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لَا يُخْزِيكَ اللهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الَّذِي بَلَغَكَ. قَالَ: أَجَلْ لَا يَحْزُنِّي اللهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللهِ إِلَّا مَا أَحْبَبْنَا: فَتَحَ اللهُ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكِ حَاجَةٌ فِي زَوْجِكِ فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقًا. قَالَ: فَإِنِّي صَادِقٌ،
الْأَمْرُ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكِ. فَذَهَبَ حَتَّى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ وَهُمْ يَقُولُونَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْرٌ يَا أَبَا الْفَضْلِ. قَالَ لَهُمْ: لَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ بِحَمْدِ اللهِ، قَدْ أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ، «أَنَّ خَيْبَرَ قَدْ فَتَحَهَا اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ، وَاصْطَفَى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا»، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ هَاهُنَا، ثُمَّ يَذْهَبَ. قَالَ: فَرَدَّ اللهُ الْكَآبَةَ الَّتِي كَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ، وَمَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا حَتَّى أَتَوُا الْعَبَّاسَ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ وَرَدَّ اللهُ يَعْنِي مَا كَانَ مِنْ كَآبَةٍ أَوْ غَيْظٍ، أَوْ حُزْنٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ(431)
وهذه الرواية تشير إشارات تكاد تشبه العبارات إلى أن العباس رضي الله عنه وقتها كان مسلماً دون جزم بذلك أو حتى تصريح به وذلك
من عدة أوجه:
- حزن العباس وغمّه لما سمع خديعة الحجاج وشدة تأثره ووجده لدرجة أنه - وكما عبرت الرواية - عقر ولم يستطع القيام؛ لثقل الخبر عليه. ومعنى عَقِرَ الرَّجُلُ - كما أوضح صاحب العين -: بَقِي مُتَحَيِّراً دَهِشاً من غَمٍّ أو شدَّة(432) .
وقال أيضاً: ويقال: عقر الرجل: إذا لم تطاوعه رجلاه في الشدّ(433) .
قوله في الرواية من بحر الرجز مخاطباً قثم:
| حِبِّي قُثَمْ، شَبِيهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ |
|---|
| نَبِيِّ رَبٍّ ذِي النِّعَمْ، بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغِمْ |
- والمراد ب«ذي الأنف الأشم» النبي صلى الله عليه وسلم و«نبي ذي النعم» وهذا إقرار منه بالنبوة، وذي النعم: هو الله سبحانه وتعالى... وهذا وما بعده يدل على إيمان العباس يومئذ، وأن هذا الحب للنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لمجرد القرابة.
- فرحه وسروره لما علم بانتصار النبي صلى الله عليه وسلم من غلامه، ثم من الحجاج بعدها.
- إشاعته الخبر في أوساط مكة بعد مهلة الثلاث التي طلبها منه الحجاج.
ويبقى أن نذكر أن الرواية وإن كانت أشارت إلى إسلام العباس وقتها، لكن لم يتحدد فيها هل كان هذا بداية إسلامه أم أنه كان قد أسلم قبل ذلك؟.
- وأخرج ابن سعد في الطبقات روايتين تفيدان إسلام العباس قبل خيبر، الأولى منهما تحكي إسلامه وهجرته أيام الخندق (5ه)، والثانية تحكي إسلامه قبيل خيبر وهجرته يومها. وفيما يلي نصّ الروايتين:
- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عِيسَى ابْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّونَ الْمَكِّيُّونَ الشَّيْبِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ قَدُومَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مَكَّةَ كَانَ أَيَّامَ الْخَنْدَقِ. وَشَيَّعَهُمَا رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي مَخْرَجِهِمَا إِلَى الأبواء ثم أراد الرجوع إلى مكة فقال لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ: أين ترجع إلى دار الشرك يقاتلون رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَيُكَذِّبُونَهُ وَقَدْ عَزَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَثُفَ أَصْحَابُهُ. امْضِ مَعَنَا. فَسَارَ رَبِيعَةُ مَعَهُمَا حَتَّى قَدِمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مسلمين مهاجرين(434) .
وقال أيضاً أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي عن ابن عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَدَّهُ عَبَّاسًا قَدِمَ هُوَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فِي رَكْبٍ يُقَالُ لَهُمْ: رَكْبُ أَبِي شِمْرٍ فَنَزَلُوا الْجُحْفَةَ يَوْمَ فَتْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ نَزَلُوا الْجُحْفَةَ وَهُمْ عَامِدُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ خَيْبَرَ. قَالَ فَقَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي خَيْبَرَ(435)
ثم عقب ابن سعد قائلاً: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: هَذَا عِنْدَنَا وَهَلٌ لا يَشُكُّ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ. أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ بِمَكَّةَ وَرَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِخَيْبَرَ قَدْ فَتَحَهَا. وَقَدِمَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاطٍ السُّلَمِيُّ مَكَّةَ.... (ثم ساق الرواية)(436) .
* القول الخامس: إسلامه عام الفتح، وقبيل فتح مكة:
وحكى شهرة هذا القول الحافظ ابن حجر، حيث قال: وكان
إسلامه على المشهور قبل فتح مكة، وقيل: قبل ذلك، وليس ببعيد(437)
ومال إلى هذا ابن كثير حيث قال: ثم أسلم - أي العباس - عام الفتح، وتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة فرجع معه، وشهد الفتح، ويقال: إنه أسلم قبل ذلك ولكنه أقام بمكة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك، كما ورد به الحديث فالله أعلم(438) .
ومما يؤكد أنّ ابن كثير كان يذهب إلى تأخُّر إسلام العباس رضي الله عنه إلى عام الفتح قوله في البداية والنهاية: فصل في إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي أخي أم سلمة أم المؤمنين، وهجرتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدوه في أثناء الطريق وهو ذاهب إلى فتح مكة(439) .
حيث وضع فصلاً في إسلام العباس مقروناً بأبي سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، وقد أسلما عام الفتح.
ويظهر كذلك ميل القاضي ابن العربي إليه حيث ذكر في معرض تعليله لإجابة العباس على أبي سفيان عند فتح مكة لما خاطبه بقوله: لقد أصبح ملك ابن أخيك عريضاً، فأجابه العباس: إنها النبوة.
يقول ابن العربي: «إنّما أنكر العباس على أبي سفيان ذكر الملك مجرّداً من النبوة، مع أنه كان في أول دخوله الإسلام، وإلّا فجائز أن يسمّى مثل هذا ملكاً وإن كان لنبيّ»(440) .
والغريب أن ابن حجر حكى - كما سبق - شهرة هذا القول رغم أن ما ورد فيه من روايات لا يوازي هذه الشهرة.
ويستند هذا القول على رواية ابن إسحاق في فتح مكة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى - أي النبي صلى الله عليه وسلم - حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَلَّفَتْ سُلَيْمٌ، وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ. وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عُدَدٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ عُمِّيَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ، يَتَحَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ، وَيَنْظُرُونَ هَلْ يَجِدُونَ خَبَرًا أَوْ يَسْمَعُونَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَقِيَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ الطَّرِيقِ(441) .
والرواية كما هو واضح أوردها ابن إسحاق بلا إسناد فهي
منقطعة، وعليه فلا يمكن الركون إليها والتسليم بما ورد فيها، كما أنها تتحدث عن هجرة العباس وشهوده الفتح لا إسلامه، فلعله أسلم قبلها، وعلى حدِّ قول ابن عبد البر: إنه أسلم قبل خيبر، وأظهر إسلامه يوم فتح مكة(442)
ويضاف إليه أن ابن حجر ساق الرواية نفسها موصولة (من طريق ابن إسحاق قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عبد اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابن عباس رضي الله عنهما) دون ذكرٍ للقيا العباس بالنبي صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق(443) .
كما أنه لا يفهم منها إسلام العباس وقتها تحديداً، ولا يمنع نص
الرواية من إمكانية إسلامه قبلها لا سيما وأنه ورد فيها أي رواية ابن حجر قول العباس مخاطباً أبا سفيان: وَيْلَكَ، أَسْلِمْ، وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» وهذا يدعم مسألة تقدم إسلامه قبل فتح مكة.
كما أن ابن هشام صرَّح بأن لقيا العباس بالنبي صلى الله عليه وسلم وقتها كان هجرةً لا إسلاماً، حيث قال: لَقِيَهُ بِالْجُحْفَةِ مُهَاجِرًا بِعِيَالِهِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ عَلَى سِقَايَتِهِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ رَاضٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ(444) .
ومما يدعو إلى عدم الاطمئنان إلى القول بإسلامه قبيل فتح مكة، ويعد من الإشارات التي تحمل قدم إسلام العباس:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطه يوم حنين مما أفاء الله عليه من أموال هوازن، مع أنه أعطى بعض رؤوس قريش كالأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن وأبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وغيرهم.
ولما تكلم البعض في هذه القسمة قال النبي صلى الله عليه وسلم: فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ(445) .
وفي رواية أخرى: إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ
أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ(446)
فلا ندري لماذا لم يعط العباس؟ هل لأنه ليس في حاجة للتأليف على الإسلام؛ لأنه لم يكن حديث عهدٍ به؟ أم دفعاً لمظنة المحاباة؟ تبقى هذه المسألة من مؤيدات قدم إسلامه.
وعليه فالقول بإسلام العباس قبيل الفتح مباشرة بدلالة رواية ابن إسحاق السابقة مردود من وجوه عدة، منها:
- أن قدومه كان هجرةً لا إسلاماً.
- أنه أسلم قبل ذلك وأظهر إسلامه يوم الفتح.
- رواية الحجاج بن علاط بعد فتح خيبر تشير إشارات شبه قاطعة على إسلام العباس قبل خيبر لا عند الفتح.
* القول السادس: إسلامه بعد الفتح:
وتبنى هذا القول د/ محمد عبده يماني من المعاصرين حيث قال: وقد تأخَّر إسلام العباس إلى ما بعد فتح مكة؛ لأنه كان ذا مال كثير، وكان أكثره متفرقاً في قريش، فتأخر إعلان إسلامه لهذا السبب، والله أعلم(447) .
ولم يوضح لنا أدلته في هذا القول، ولم أعثر على رواية تعزز هذا القول، ولكن وردت رواية أوردت عبارة تفرُّق مال العباس في قومه.
فروى ابن إسحاق عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
قَالَ أَبُو رَافِعٍ: كُنْتُ عَلَى مَالِ الْعَبَّاسِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ دَخَلَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَأَسْلَمْتُ وَأَسْلَمَ الْعَبَّاسُ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَهَابُ قَوْمَهُ وَيَكْرَهُ خَلَافَهُمْ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرَ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ(448)
والرواية بجانب ضعفها إلا أنها تتحدث عن بدر، وتحكي إسلام العباس قبل بدر، وكتمانه الأمر، ولا مستند فيها لما ذكره د/ يماني.
* الترجيح:
بداية وقبل الترجيح في مسألة توقيت إسلام العباس رضي الله عنه لا بد من بيان شيء في غاية الأهمية ألا وهو: أن مسألة إسلام العباس رضي الله عنه مُشكلة والترجيح فيها ليس باليسير، وقد حيَّرت كثيراً من العلماء فلم يتمكنوا من الجزم والقطع فيها بشيء على جهة اليقين، غاية ما هنالك أنهم رجَّحوا بعض الأقوال من باب غلبة الظن، تبعاً لاختلاف الروايات الواردة في ذلك، كما تقدم.
وقد أشار الحاكم إلى تضارب الروايات الواردة في إسلام العباس،
فقال بعد عرضه لجملة من الروايات الواردة في إسلامه قبل بدر: هذا الذي انتهى إلينا من الأخبار التي تدل على تقدم إسلام العباس بن عبد المطلب قبل بدر فأسلم، واسمع الآن التي تضادها»(449)
ولعل من أكثر من أعرب عن حيرته في هذه المسألة من العلماء هو الإمام الذهبي والذي أشار إلى صعوبة الترجيح فيها، فقال: لم يزل العباس مشفقاً على النبي صلى الله عليه وسلم، محباً له، صابراً على الأذى، ولما يسلم بعد، بحيث إنه ليلة العقبة عُرِفَ، وقام مع ابن أخيه في الليل، وَتَوَثَّقَ له من السبعين، ثم خرج إلى بدر مع قومه مكرَهاً، فأُسر، فأبدى لهم أنه كان أسلم، ثم رجع إلى مكة. فما أدري لماذا أقام بها؟ ثم لا ذكر له يوم أحد، ولا يوم الخندق، ولا خرج مع أبي سفيان، ولا قالت له قريش في ذلك شيئاً، فيما علمت. ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً قبيل فتح مكة; فلم يتحرر لنا قدومه(450) .
وقد حاول ابن عبد البر القطع بتوقيت إسلام العباس، وفعل ذلك، إلا أنه عاد وحكى أقوالاً أخرى بصيغة التمريض، وفصَّل فيها القول بما يشعر عن عدم قناعته كلياً بما انتهى إليه حيث يقول:
أسلم الْعَبَّاسُ قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، وذلك بَيِّنٌ في حديث الْحَجَّاجِ بْنِ عِلاطٍ أنه كان مسلماً يَسُرُّهُ ما يفتح الله عزّ وجلّ على المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حنيناً والطائف وتبوك.
وقيل: إن إسلامه قبل بدر، وكان رضي الله عنه يكتب بأخبار المشركين إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون يتقوّون به بمكة، وكان يحب أن يقدم على رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مقامك بمكة خير، فلذلك قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: من لقي منكم العباس فلا يقتله، فإنه إنما أخرج كارها(451) .
وأما ابن عساكر فإنه وإن كان في ترجمته للعباس قد رجّح إسلامه بعد بدر حينما قال: والصحيح أن العباس أسلم بعد بدر(452) . إلا أنه وفي بداية الترجمة قال: «قيل: إنه أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه إلى أن أسر ببدر فأظهر إسلامه»(453) .
وأما ابن كثير فقد مال إلى القول بإسلامه عام الفتح إلا أن من يتابع كلامه بعد يلاحظ أنه لم يطمئن اطمئناناً كاملاً إلى هذا القول، حيث يقول: ثم أسلم عام الفتح، وَتَلَقَّى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْجُحْفَةِ، فرجع معه، وشهد الفتح، ويقال: إنه أسلم قبل ذلك ولكنه أقام بمكة بإذن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم له في ذلك، كما ورد به الحديث، فالله أعلم(454) .
أما الحافظ ابن حجر فحيرته ظاهرة فقد حكى أن المشهور أنه
أسلم قبل الفتح، ولم يستبعد أن يكون قبل ذلك.... ثم في موضع آخر حكى أن المشهور إسلامه قبل خيبر؛ بدلالة قصة الحجاج بن علاط(455)
وعلى ضوء ما سبق فلم يجزم أحد من العلماء جزماً أكيداً لا تخالطه مسحة شك بوقت إسلام العباس، وإن كان ابن عبد البر رجَّح إسلامه قبل خيبر دون تحديد أدق، ولم نعرف هل هذه القبلية تصل إلى حدود ما بعد بدر مباشرة أم هي قُبيل خيبر؟ لا سيما وبينهما أكثر من خمس سنوات، كما مرَّ معنا.
وكذا السهيلي والذي رجَّح إسلامه بعد بدر مباشرة - كما سبق وبينا(456) - .
ولعل مما ساعد على هذه الحيرة اختلاف الروايات في وقت إسلام العباس، كما أن معظم هذه المرويات لم تسلم أسانيدها، وما صحَّ منها لم يكن صريحاً في إسلامه.
كما أن هذه المرويات وغيرها لم تحدد لنا على وجه الدقة سبب مكث العباس في مكة قبل أن يهاجر، وعليه فقد ترددت عبارات العلماء في بيان هذا السبب وتحديد تلك المهمة.
«ولعل أقرب تفسير لتعدد الروايات واختلافها في وقت إسلامه، وبروز هذه التساؤلات والإشكالات أن العباس رضي الله عنه كان يؤدي مهمة خاصة للنبي
صلى الله عليه وسلم تحاط بسياج من السرية والكتمان، لمصلحة الدعوة، والله أعلم»(457)
هذا عن إشكالية الترجيح وصعوبته، أما عن رأي الباحث في هذه المسألة فقد ناله ما نال سلفه من العلماء الكرام من الحيرة أحياناً، والاستغراب والتعجب أحياناً أخرى، وبخاصة وأن هناك أموراً لا نكاد نعرف لها إجابات شافية تطمئن إليها النفوس، وتقنع بها العقول.
وإن كان الباحث يرى أن الصواب يوافق من قال بأن إسلام العباس كان بعد بدر لا قبلها، وهو ما ذهب إليه جمع من العلماء المحققين؛ وهذا ما يظهر من أقوالهم؛ ومنهم ابن عساكر في التاريخ، والسهيلي في الروض، وابن الأثير في أسد الغابة، وهو الظاهر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا المزي في التهذيب، والذهبي. ومال ابن عبد البر وابن حجر إلى إسلامه بعد بدر إلا أنهما أخراه إلى ما قبل خيبر.
وذلك لأنه لا يمكن بحال تجاهل إيراد العلماء لرواية أسر العباس في بدر، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم فيها: إني كنتُ مسلماً.. ثم شهادته له ثانية بأنه نبي حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأمر حديثه مع زوجته، وما دار بينهما. وإن كنت أشرت إلى
من مرويات السيرة وقد تساهل بعض العلماء في نقدهم لمرويات السير والمغازي(460) كما أوردها كثير من العلماء دون تعليق عليها أو تعقيب، كما فعل ابن حجر، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم.
ولا يقدح فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعدم قتله في بدر، فالعلة كانت لأنه خرج مكرَها من قِبل المشركين لا لعلة أنه كان مسلماً.
كما لا يقدح فيه شهادة العباس رضي الله عنه على نفسه عند الأسر بأنه كان مسلماً قبل ذلك، فهناك فارق بين إسلامه وإعلانه لإسلامه، فإنّ إسلامه لم يكن معروفاً لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعامله نبي الله صلى الله عليه وسلم بظاهر فعله حتى شهد له أنه رسول الله بعد الأسر، فنزلت فيه وفي غيره من أسرى بدر الآية. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: 70].
ومن مؤيدات هذا الرأي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه الفداء يوم بدر، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بأمر إسلامه قبل ذلك ما أخذه منه.
- كسرة المشركين يوم بدر، وكثرة عدد الداخلين فيه، واستبعاد دخول العباس في الإسلام في هذا الوقت ضعيف.
أما مسألة رجوعه بعد بدر لمكة فلعلها لعدة أمور:
- ليقيم ما كانوا يقيمه من أمر السقاية والرفادة والرئاسة، وذلك بعد موت أبي لهب كما روى ابن سعد سابقاً.
- ليكون عوناً لمن ظل في مكة من المسلمين.
- ليكون عيناً للنبي صلى الله عليه وسلم ينقل إليه أخبار المشركين حال بقائه بين ظهرانيهم، وهذا افتراض لا دليل على وقوعه في السيرة، وبخاصة بعد بدر(461) ، ما خلا رواية أوردها البلاذري في أحد(462) . إلا أنه لا يمتنع ثبوته.
- ليحافظ على ماله المتفرق في قومه.
وعليه فقد يكون مقام العباس بمكة بعد بدر بجانب أمر السقاية
والرفادة حيلة شرعية وخُطَّة أدت غايتها على خير نسق، وكانت قريش دوما تشك في نوايا العباس، ولكنها لم تجد عليه سبيلاً، وظاهره على ما يرضون من منهج ودين، ولعل مقامه على ذلك كان بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لمقصد رآه ومصلحة قصدها، ولا يقدح فيه ما سبق من القول بأن إسلام العباس كان قبل فتح مكة؛ لأن هذا هو وقت إشهار إسلامه للملأ لا وقت بداية دخوله؛ لانتفاء الحاجة إلى إخفاء إسلامه بعد التأهُّب لفتح مكة. أو بعبارة أخرى: لانتفاء مستلزم السريّة.
وهذا يبقى في دائرة الترجيح.
* وإن كان هناك احتمال آخر في إسلام العباس وهو أن إسلامه مرَّ بمراحل ثلاث:
- أسلم سراً بينه وبين نفسه وهو في مكة، ويشهد له رواية الحاكم عن ابن إسحاق بطرقها، وفيها تعلَّل العباس عن دفع الفدية في بدر بسبب أنه أسلم سراً في مكة، ولذا فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم منه الفدية يوم بدر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم بإسلامه، ولم يخبر العباس رضي الله عنه أحداً بذلك قبل، وقد يفهم من تعلُّله بالإسلام أنه يتهرب من دفع الفدية، ولو أعفاه النبي صلى الله عليه وسلم من الفدية حال حكايته إسلامه فقد يظن البعض أن النبي صلى الله عليه وسلم أعفاه لمكانته منه من حيث النسب؛ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع عن نفسه كل هذه الشبهات فأخذ منه الفدية حتى بعد ما أخبره العباس بإسلامه.
أعلن إسلامه أمام النبي صلى الله عليه وسلم بعد
بدر وأعاده النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لمصلحة الإسلام؛ ليكون عوناً لمن أسلم وظل في مكة وعيناً ينقل إليه أخبار المشركين، وليقيم بمهامه في السقاية والرفادة. كما مرَّ. ولعل من بقي في مكة من المسلمين أو بعضهم كان يعلم ذلك، ويشهد له رواية الحجاج بن علاط، حيث أنهى إلى غلام العباس ومبعوثه حقيقة ما حدث في خيبر، وهو مطمئن النفس ثابت الأركان، وكذا زوجة الحجاج صارحت العباس بعد ذلك بما حدث في خيبر، ومن يتابع حديثها معه يلحظ أنه حديث بين مسلمين يكسوه الإيمان، ويجلله السرور بنصرة المسلمين في خيبر.
- أعلن إسلامه للجميع قبيل فتح مكة لانتفاء مستلزم السرية، فمن جهة كونه عوناً للمسلمين في مكة فلا حاجة له بعد الفتح لزوال الشرك وعنت المشركين، والأمر نفسه من جهة بقائه عيناً للنبي صلى الله عليه وسلم على المشركين، ومسألة السقاية والرفادة باقية وهو يمارسها في مأمن لنفس السبب، فلا حاجة إذن لكتمان الإسلام فأعلنه العباس رضي الله عنه أمام الجميع. والله أعلم.
ورغم أن العباس لم يكن في الطليعة المؤمنة وتأخّر إسلامه نسبياً إلا أن صِدقَ إيمانه، ومحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بوَّأه في حياته، وفي تاريخه مكاناً عليّا في الإسلام بين العظماء والشرفاء والكرماء، فرضي الله عنه وأرضاه.
هجرة العباس وجهاده رضي الله عنه
الهجرة إحدى مراحل المفاصلة بين الحق والباطل، وقد كانت إيذاناً ببداية دولة جديدة ناشئة لها درع يصد وسيف يرد، وبعدها أُذن للمسلمين أن يجاهدوا المشركين ويردوا كيدهم، لتستقيم دولتهم وتذليل طريق دعوتهم، وقد نال العباس نصيباً من الهجرة والجهاد، كما سنبينه.
هجرة العباس رضي الله عنه:
الهجرة مرحلة فاصلة في السيرة النبوية، فقبلها تمت المرحلة المكيّة بكل أحداثها وآلامها ومحنها، لتأتي مرحلة جديدة تؤسس فيها الدولة الشريفة في دوحة الرسالة المحمدية - المدينة. ومن هناك، بدأت الدعوة في الاتساع والانتشار، إقليمياً وعالمياً.
وقد اختُلف في الوقت الذي هاجر فيه العباس رضي الله عنه إلى المدينة، تبعاً لاختلاف الروايات الواردة في ذلك.
- فمال البعض إلى هجرته بعد بدر مباشرة استناداً إلى بعض الروايات التي لا تخلو في مجملها من ضعف ومنها:
- ما رواه ابن سعد بسنده عن هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَسْلَمُ كُلُّ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. فَادَى الْعَبَّاسُ نَفْسَهُ وَابْنَ أَخِيهِ عَقِيلا، ثُمَّ رَجَعُوا جَمِيعًا إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ أَقْبَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرِينَ(463) .
والرواية بجانب كونها ضعيفة إلا أنه لا دلالة فيها على هجرته عقب بدر مباشرة، فالتعبير ب (ثم) الوارد في الرواية يشعر بالتأخير؛ لأن (ثم) في اللغة كما هو معروف تفيد الترتيب والتراخي أو التأخير.
- وفي الطبقات: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى النَّوْفَلِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: قَالَ عقيل بن أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَبِلْتَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ. أَنَحْنُ فِيهِمْ؟ قَالَ: فَقَالَ: قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ. فَقَالَ: الآنَ صُفِّيَ لَكَ الْوَادِي. قَالَ: وَقَالَ لَهُ عَقِيلٌ: إِنَّهُ لم يَبْقَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَدٌ أَلا وَقَدْ أَسْلَمَ. قَالَ: فَقُلْ لَهُمْ فَلْيَلْحَقُوا بِي. فَلَمَّا أَتَاهُمْ عَقِيلٌ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ خَرَجُوا، وَذُكِرَ أَنَّ الْعَبَّاسَ وَنَوْفَلا وَعَقِيلا رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ. أُمِرُوا بِذَلِكَ لِيُقِيمُوا مَا كَانُوا يُقِيمُونَ مِنْ أَمْرِ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ وَالرِّئَاسَةِ. وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي لَهَبٍ(464) .
والرواية قد أوردها ابن سعد بعد الرواية السابقة عليها، وكأنه من باب التدليل عليها، والرواية تذكر هجرة العباس ونوفل وعقيل إلى المدينة بعد بدر، ولعل هذا الجزء من قول ابن سعد، ثم رجوعهم إلى مكة بعد موت أبي لهب؛ ليقيموا أمر السقاية والرفادة، ومعلوم أن أبا لهب هلك بعد بدر بقليل، وقيل: بسبع ليال(465) .
ورأى قوم: أنه هاجر بعد الخندق(466) (5ه)، ومعه ابنا أخيه
نوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب.
وعمدتهم في ذلك رواية ابن سعد في الطبقات: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّونَ الْمَكِّيُّونَ الشَّيْبِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ قَدُومَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مَكَّةَ كَانَ أَيَّامَ الْخَنْدَقِ. وَشَيَّعَهُمَا رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي مَخْرَجِهِمَا إِلَى الأبواء، ثم أراد الرجوع إلى مكة فقال لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ: أين ترجع إلى دار الشرك يقاتلون رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَيُكَذِّبُونَهُ وَقَدْ عَزَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَثُفَ أَصْحَابُهُ؟. امْضِ مَعَنَا. فَسَارَ رَبِيعَةُ مَعَهُمَا حَتَّى قَدِمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مسلمين مهاجرين(467) .
- وفي بعض الروايات أن هجرته كانت عند فتح خيبر (المحرم في السنة السابعة للهجرة).
ودليل ذلك ما أخرجه ابن سعد: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ
الْمَدَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عن ابن عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَدَّهُ عَبَّاسًا قَدِمَ هُوَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فِي رَكْبٍ يُقَالُ لَهُمْ: رَكْبُ أَبِي شِمْرٍ فَنَزَلُوا الْجُحْفَةَ يَوْمَ فَتْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ نَزَلُوا الْجُحْفَةَ وَهُمْ عَامِدُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ خَيْبَرَ. قَالَ: فَقَسَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي خَيْبَرَ(468)
وهذه الرواية مردودة برواية الحجاج بن علاط حين أخبر العباس بمكة عن فتح خيبر، وسرور العباس بذلك.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: هَذَا عِنْدَنَا وَهَلٌ لا يَشُكُّ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ. أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ بِمَكَّةَ وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِخَيْبَرَ قَدْ فَتَحَهَا(469) .
- وهناك من يرى أن هجرة العباس رضي الله عنه كانت بعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة، ويشهد لذلك قصته مع الحجَّاج بن علاط حين أخبره الحجاج بفتح خيبر وسرور العباس بذلك، وكان وقتها في مكة(470) .
وفي الطبقات قال ابن سعد بعد ذكر رواية الحجاج بن علاط: ثُمَّ
خَرَجَ الْعَبَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ فَأَطْعَمَهُ بِخَيْبَرَ مِائَتَيْ وَسْقِ تَمْرٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ. ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ فَشَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَتَبُوكَ. وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي أهل بيته حين انكشف الناس عنه(471)
وقد مال ابن عبد البر وابن الأثير والذهبي وابن حجر إلى تأخُّر هجرة العباس رضي الله عنه، إلى ما قبيل فتح مكة.
يقول ابن عبد البر: فالعباس من الْمُهَاجِرين قبل الْفَتْح(472) .
ويظهر من كلام ابن الأثير ميله إلى تأخُّر هجرة العباس رضي الله عنه دون أن يحدد وقتاً فعلياً مشيراً إلى أن هجرته كانت قبيل الفتح بمدة وجيزة.
يقول ابن الأثير متحدثاً عن العباس: وأراد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مقامك بمكة خير؛ فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: من لقي العباس فلا يقتله فإنه أخرج كرهاً، وقصة الحجاج بن علاط تشهد بذلك، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت آخر المهاجرين كما أنني آخر الأنبياء(473) .
ويقول الذهبي: وليس هو - أي العباس - في عداد الطلقاء؛ فإنه كان قد قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفتح; ألا تراه أجار أبا سفيان بن حرب(474) .
ويقول في السير في ترجمة العباس رضي الله عنه: ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُهَاجِراً قُبَيْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ فَلَمْ يَتَحَرَّرْ لَنَا قُدُوْمُهُ(475) .
ويميل ابن حجر إلى تأخر هجرة العباس رضي الله عنه إلى ما قبيل الفتح حيث يقول: ولأجل أنه - أي العباس - لم يهاجر قبل الفتح لم يدخله عمر في أهل الشورى مع معرفته بفضله واستسقائه به(476) .
وليس مراد ابن حجر هنا نفي هجرة العباس رضي الله عنه، ولكن المقصود تأخُّرها، وهو ما أوضحه في نصّ آخر حيث قال:
وروى ابن سعد من حديث ابن عباس أنه هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، وَرَدَّهُ بقصة الحجاج المذكور، والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة وقدم مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهد الفتح، والله أعلم(477) .
وعليه، فإنه يترجح تأخُّر هجرة العباس رضي الله عنه إلى ما قبيل الفتح، وقد تحققت هجرة العباس رضي الله عنه بنصّ رواية البخاري وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
«لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»(478)
ولا يقدح في هجرته ما روي عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ الْعَبَّاسُ أَسْلَمَ، وَأَقَامَ عَلَى سِقَايَتِهِ وَلَمْ يُهَاجِرْ(479) .
فالرواية بجانب كونها مرسلة، إلا أن المقصود - على فرض صحتها - أنه لم يهاجر في بداية الأمر.
وروي أنه لما قدم العباس ومعه نوفل بن الحارث المدينة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُهَاجِرَيْنِ آخَى بَيْنَهُمَا وَأَقْطَعَهُمْا جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَفَرَعَ بَيْنَهُمَا بِحَائِطٍ، فَكَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ فِي مَوْضِعٍ.. وأقطع العباس داراً أخرى بالسوق(480) .
جهاده رضي الله عنه
بعد أن أسلم العباس رضي الله عنه وهاجر، حاول جاهداً تدارك ما فاته من غزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتهد ليكون في طليعة كل غزوة جاءت بعد هجرته.
ذكر ابن سعد في الطبقات وابن عساكر في تاريخه: أن العباس شهد فتح مكة وحنين والطائف وتبوك، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين في أهل بيته حين انكشف الناس عنه(481) .
وفي هذه الغزوات القليلة عدداً، والكبيرة أهمية وخطراً، قدَّم العباس رضي الله عنه نماذج مشرِّفة وصوراً مشرقة تعد بحق غرة في جبين الدهر ومثار فخر وإعزاز، فرضي الله عنه وأرضاه.
العباس يوم فتح مكة (رمضان 8ه)
خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة قاصداً فتحها بجيش عظيم يطوي الوهاد والنجاد، لا قبل لأهل مكة به؛ وذلك في ال عشرين من رمضان في العام الثامن من الهجرة نتيجة لنقضهم ميثاقهم وحنثهم بعهدهم الذي قطعوه على أنفسهم في الحديبية ألا يتعرضوا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا حلفائه، ولا يتعرض لهم النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، وفَّى النبي صلى الله عليه وسلم
ومن معه بعهودهم، وخان المشركون المواثيق وغدروا بحلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة، حيث أمَدَّتْ قُرَيْشٌ حُلَفَاءَهَا من بني بكر بِمَا قَوَّوْهُمْ بِهِ عَلَى قِتَالِ خُزَاعَةَ حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وباغتتهم بنو بكر يقودهم نوفل بن معاوية، وقتلوا منهم خلقا كثيراً، حتى ألجؤهم إلى الحرم، «فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْحَرَمِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ: يَا نَوْفَلُ إِلَهَكَ إِلَهَكَ، إِنَّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ، فَقَالَ كَلِمَةً عَظِيمَةً: لَا إِلَهَ لَهُ الْيَوْمَ يَا بَنِي بَكْرٍ، أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ.. فَلَعَمْرِي يَا بَنِي بَكْرٍ، إِنَّكُمْ تَسْرِقُونَ فِي الْحَرَمِ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ؟»(482)
وعندها أرسلت خزاعة موفدها إلى رسول الله عمرو بن سالم يقصّ عليه ما حدث ويطلب نجدته ويذكِّره بعهده، وقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، ولم تفلح عندها محاولات قريش التي قام بها أبو سفيان لاسترضاء رسول الله ومن معه، فجهّز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً عظيماً قوامه عشرة آلاف مجاهد ليفتح مكة.
وكان العباس رضي الله عنه قد لجأ قبلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم - على اختلاف في وقت إسلامه - وهجرته، وهاجر بدينه ليدرك فضل الهجرة ومنزلتها، وكان له دور ليس بالقليل في أحداث الفتح، وهو ما سنوضحه هنا.
روى ابْن عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بأبي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَأَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ
إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئًا. قَالَ: «نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ»(483)
وأخرج الطبراني في الكبير بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنٍ الْغِفَارِيَّ، وَخَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، «فَصَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْكَدِيدِ(484) مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ أَفْطَرَ»، ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُزَيْنَةَ وَسُلَيْمٍ، وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عَدَدٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَوْعَبَ(485) مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَرِّ الظَّهْرَانِ(486) وَقَدْ عَمِيَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرٌ، وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، خَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَبُو سُفْيَانَ
بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَحَسَّسُونَ وَيَنْتَظِرُونَ هَلْ يَجِدُونَ خَبَرًا، أَوْ يَسْمَعُونَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فِيهِمَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ وَصِهْرُكَ. قَالَ: «لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي(487) وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي، فَهُوَ الَّذِي قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ»(488) فَلَمَّا أَخْرَجَ إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بُنَيٌّ لَهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَيَأْذَنَنَّ لِي أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْني هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَقَّ لَهُمْا، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْا فَدَخَلَا وَأَسْلَمَا، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ، وَاللهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم مَكَّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِنُوهُ، إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْبَيْضَاءِ، فَخَرَجْتُ عَلَيْهَا حَتَّى جِئْتُ الْأَرَاكَ فَقُلْتُ: لَعَلِّي أَلْقَى بَعْضَ الْحَطَّابَةِ، أَوْ صَاحِبَ لَبِنٍ، أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكَّةَ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ، فَيَسْتَأْمِنُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً. قَالَ: فَوَاللهِ، إِنِّي لَأَسِيرُ عَلَيْهَا، وأَلْتَمِسُ مَا خَرَجْتُ لَهُ إِذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ، وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ نِيرَانًا وَلَا عَسْكَرًا قَالَ: يَقُولُ بُدَيْلٌ: هَذِهِ وَاللهِ نِيرَانُ خُزَاعَةَ حَمَشَتْهَا(489) الْحَرْبُ. قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ وَاللهِ أَذَلُّ وأَلْأَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانُهَا وَعَسْكَرُهَا. قَالَ: فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي، فَقَالَ: أَبُو الْفَضْل، فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَالَكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. فَقُلْتُ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّاسِ وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللهِ قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ لَئِنْ ظَفَرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَارْكَبْ مَعِي هَذِهِ الْبَغْلَةَ حَتَّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَسْتَأْمِنَهُ لَكَ، قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ، فَحَرَّكْتُ بِهِ كُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: عَمُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الْبَغْلَةِ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، ثُمَّ خَرَجَ
يَشْتَدُّ نَحْوَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَكَضَتِ الْبَغْلَةُ، فَسَبَقَتْهُ بِمَا تَسْبِقُ الدَّابَّةُ الْبَطِيءُ الرَّجُلَ الْبَطِيءَ، فَاقْتَحَمْتُ عَنِ الْبَغْلَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَدَخَلَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَمْكَنَ اللهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجَرْتُهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا يُنَاجِيهِ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ دُونِي، فَلَمَّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِهِ قُلْتُ: مَهْلًا يَا عُمَرُ، أَمَا وَاللهِ لَوْ كَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْتُ هَذَا، وَلَكِنَّكَ عَرَفْتَ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ قَالَ: مَهْلًا يَا عَبَّاسُ، فَوَاللهِ لَإِسَلَامُكَ حِينَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ أبي الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ بِهِ إِلَى رَحْلِكَ يَا عَبَّاسُ، فَإِذَا أَصْبَحَ فَائْتِنِي بِهِ». فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَحْلِي فَبَاتَ عِنْدِي، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ، وَاللهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا قَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ هَذِهِ، وَاللهِ
كَانَ فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءُ حَتَّى الْآنَ. قَالَ الْعَبَّاسُ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَسْلِمْ، وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ، قَالَ: فَشَهِدَ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ وَأَسْلَمَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا قَالَ: «نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ». فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْصَرِفَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبَّاسُ، احْبِسْهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ(490) حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللهِ فَيَرَاهَا». قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ حَتَّى حَبَسْتهُ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَحْبِسَهُ قَالَ: وَمَرَّتْ بِهِ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا كُلَّمَا مَرَّتْ قَبِيلَةٌ قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: سُلَيْمٌ. فَيَقُولُ: مَالِي وَلِسُلَيْمٍ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُرُّ الْقَبِيلَةُ قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: مُزَيْنَةُ. فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ؟ حَتَّى تَعَدَّتِ الْقَبَائِلُ لَا تَمُرُّ قَبِيلَةٌ إِلَّا قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: بَنُو فُلَانٍ. فَيَقُولُ: مَالِي وَلِبَنِي فُلَانٍ. حَتَّى مَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَضْرَاءِ كَتِيبَةٌ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ لَا يَرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، مَنْ هَؤُلَاءِ يَا عَبَّاسُ؟ قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. قَالَ: مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلَاءِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ، وَاللهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ أَصْبَحَ ملْكَ ابْنِ أَخِيكَ الْغَدَاةَ عَظِيمًا. قُلْتُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، إِنَّهَا النُّبُوَّةُ. قَالَ: فَنَعَمْ إِذَنْ، قُلْتُ:
النَّجَاءُ إِلَى قَوْمِكَ. قَالَ: فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَأَخَذَتْ بِشَارِبِهِ، فَقَالَتْ: اقْتُلُوا الدَّسَمَ الْأَحْمَسَ(491) فَبِئْسَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ. قَالَ: وَيْحَكُمْ، لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ، فَهُوَ آمِنٌ قَالُوا: وَيْلَكَ وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ. قَالَ: وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ(492)
ويتجلى لنا دور العباس رضي الله عنه من خلال عدة وقفات:
- جواره لأبي سفيان وتأمينه له.
- قتله الرغبة في المقاومة والحرب في نفس أبي سفيان.
- العباس وخبرته في الحياة ودرايته بالنفوس... حين أشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخص أبا سفيان ببعض الذكر، تطييباً لنفسه وإرضاء لبواعث الفخر فيها... إلى أن انتهى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم استجابة لعمه ورجوعا إلى رأيه: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
يقول الشيخ الغزالي رحمه الله «وإنما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبا سفيان هذه الميزة إرضاء لعاطفة الفخر في نفسه، وقد أرضاه بما لا يضرّ أحداً، ولا يكلّف جهداً، ولا عليه أن يتحبّب إلى نفس بمثل هذا الثمن الميسور. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستوثق من سير الأمور بعيداً عن الحرب والضرب، فضمّ إلى ذلك المسلك مع أبي سفيان أن أوصى العبّاس باحتجازه في مضيق الوادي، حتى يستعرض القوى الزاحفة كلّها، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة، وهو سيد مكة المتبوع، إلى أن مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله! يا عباس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً!!. قال العباس: يا أبا سفيان، إنّها النبوة. قال: فنعم إذن(493)
وقام العباس رضي الله عنه بمهمته خير قيام، ولازم أبا سفيان كظله متفرساً فيه مستشعراً خلجات نفسه متتبعاً نظرات عينيه كلما مرت كتيبة أو لحقتها أختها، إلى أن مرَّ الجنود كلهم، حتى قتل في نفسه أي بادرةٍ للمقاومة أو نية للمناهضة.
«ودخل أبو سفيان مكة مبهوراً مذعوراً، وهو يحسّ أنّ مِن ورائه إعصاراً، إذا انطلق اجتاح ما أمامه، فما يقف دونه شيء، ورأى أهل مكة الجيش الفاتح يقبل من بعيدٍ رويداً رويداً، فاجتمعوا على سادتهم، ينتظرون الأوامر بالقتال،
فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق عالياً واضحاً: يا معشر قريش! هذا محمد جاءكم فيما لا قِبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وشدهت امرأته هند بنت عتبة وهي تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت إليه، وأخذت بشاربه تلويه وصاحت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمش أي هذا الزقّ المنتفخ قبّحت من طليعة قوم. ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنّه قد جاءكم ما لا قِبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله؟ وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وأصبحت (أم القرى) وقد قيّد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون... وسكنت مكة، واستسلم سادتها وأتباعها، وعلت كلمة الله في جنباتها، ثم نهض رسول الله إلى البيت العتيق فطوّف به، وأخذ يكسّر الأصنام المصفوفة حوله، ويضربها بقوسه ظهرا لبطن، فتقع على الأرض مهشمة متناثرة(494)
وهكذا فقد أدى العباس رضي الله عنه ما عليه، ولازم أبا سفيان ملازمة الأُسد لفرائسها، وسدَّ في نفسه أي طريق للمقاومة.
ولما أتم الله الفتح، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة شرع في هدم
الأصنام والعباس معه يساعده ويشد أزره.
فقد روى الآجري في الشريعة بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ النخعي قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ أَصْنَامٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكَسِّرُ تِلْكَ الْأَصْنَامِ وَيَقُولُ: «هَيَّا يَا أَبَهْ» وَيَقُولُ الْعَبَّاسُ: هَيَّا يَا بُنَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. «مَنْ رَآنِي وَرَأَى عَمِّي فَقَدْ رَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَهُمَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ»(495) .
يوم حنين (8ه) وزئير الأسد:
يجئ يوم حنين ليكشف عن فدائية العباس رضي الله عنه وبطولته، ويطلعنا على معلم من معالم حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث جنَّد العباس رضي الله عنه في هذا اليوم كل طاقاته لخدمة دينه ونبيه، فاستغل كل طاقاته للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى صوته كان له أبلغ الأثر، فقد كان صوت العباس رضي الله عنه يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والاستبسال.
قال الذهبي: وَثَبَتَ أَنَّ العَبَّاسَ كَانَ يَوْمَ حُنِيْنٍ،
وَقْتَ الهَزِيْمَةِ، آخِذاً بِلِجَامِ بَغْلَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَثَبَتَ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ النَّصْرُ(496)
وأصل الواقعة أنه في السنة الثامنة للهجرة، وبعد أن فتح الله مكة لرسوله ولدينه عزّ بعض القبائل السائدة في الجزيرة العربية أن يحقق الدين الجديد كل هذا النصر بهذه السرعة..
فاجتمعت قبائل هوازن وثقيف ونصر وجشم وآخرون. وقرروا شنّ حرب حاسمة ضدّ الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين.. واحتشدت تلك القبائل في صفوف لجبة من المقاتلين الأشدّاء..
وخرج اليهم المسلمون في اثني عشر ألفاً.. من الذين فتحوا مكة بالأمس القريب، وشيعوا الشرك والأصنام إلى هاويتها الأخيرة والسحيقة، وارتفعت راياتهم تملأ الأفق دون مشاغب عليها أو مزاحم لها..!! وهذا شيء يبعث الزهو..
والمسلمون في آخر المطاف بشر، ومن ثم، فقد ضعفوا أمام الزهو الذي ابتعثته كثرتهم ونظامهم، وانتصارهم بمكة، وقالوا: «لن نغلب اليوم عن قلة».
وبينما كان المسلمون مجتمعين في أحد أودية «تهامة» ينتظرون مجيء عدوهم، كان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي وكمنوا لهم في شعابه شاحذين أسلحتهم، وعلى حين غفلة انقضوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة جعلتهم يهرعون بعيداً وكان حول النبي صلى الله عليه
وسلم ساعتئذ أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس وبعض الصحابة، ولم يكن العباس بجواره فقط بل كان بين قدميه آخذا بخطام بغلته، يتحدى الموت والخطر.. ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما أحدثه الهجوم المفاجئ علا صهوة بغلته البيضاء وصاح: إليَّ أيها الناس، هلمّوا إليَّ، أنا النبي لا كذِب، أنا ابن عبد المطلب...
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه أن يصرخ في الناس، وكان جسيماً جهوري الصوت، فراح ينادى: «يا معشر الأنصار، يا أصحاب البيعة» فردوا «لبيك لبيك» وانقلبوا راجعين جميعاً بعد أن شتتهم هجوم المشركين المفاجئ، وقاتلوا وثبتوا فنصرهم الله..
وكان ممن ثبت مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: أبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وولده الفضل بن العباس، وجعفر بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، وقلة أخرى من الصحابة، وسيدة أخذت مكاناً عالياً بين الأبطال هي أم سليم بنت مِلْحان، وكانت حاملاً انتهت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقالت: اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل... وكان صوت العباس يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والاستبسال(497) .
ونترك الحديث للعباس نفسه يحدثنا بما دار في غزوة حنين ودوره فيها، فيقول فيما يرويه مسلم بسنده إليه: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ،
فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ»، فَقَالَ عَبَّاسٌ: وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللهِ، لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ ابْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ» قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا(498)
وفي أنساب الأشراف:
وَكَانَ الْعَبَّاس آخذًا بلجام بغلة رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْم حُنين، ويقال: بحَكمَته، وأقبل يَوْمَئِذٍ نفرٌ من بَنِي ليث من كنانة يُرِيدُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فدنا منه أحدُهم فاحتضنه الْعَبَّاس وأحدق بِهِ موالي رَسُول اللهِ، فَقَالَ الْعَبَّاس لأقرب الموالي منه: اضرب ولا تتقِ مكاني ولا تبل أيَّنا قتلت، فقتل المولى الليثي وجاء أَخُو المقتول فرفع يده إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أيضًا فاحتضنه الْعَبَّاس وَقَالَ كَمَا قَالَ أوّلًا فقُتل، حَتَّى فعل ذَلِكَ بستة مِنْهُم، فدعا لَهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وقَبّل وجهه(499)
ولعل هذا الموقف من مناقب العباس العظيمة التي رفعت أكثر من شأنه، وأعلت من مكانته، فثبوته الصادق حين حمي الوطيس وفرَّ الناس يوم حنين كان من مظاهر الاستبسال يومها.
لقد كان هذا موقفاً مشهوداً لعمِّ النبي صلى الله عليه وسلم العباس، الذي وقف إلى جواره، بل بين قدميه بخطام بغلته يتحدى الموت والخطر.
ويقف كالجبل الأشم وسط وابل السهام التي قلما تخطيء أحداً، سهام قومٍ رماة مهرة تصل سهامهم إلى أغراضهم.
روى مسلم بسنده عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ، وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا، لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ - أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ -، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»، ثُمَّ صَفَّهُمْ(500) .
وأمرُ النبي صلى الله عليه وسلم للعباس يومها بأن يصرخ في الناس، هو تجنيد لطاقاته وحُسن توظيف لها.
فصرخ العباس بصوته الجهوري: (يا معشر الأنصار، يا أصحاب البيعة)...
وكأنما كان
صوته داعي القدر ونذيره.. فما كاد يقرع أسماع المرتاعين من هول المفاجأة، المشتتين في جنبات الوادي، حتى أجابوا في صوت واحد: «لبّيك.. لبّيك»..
وانقلبوا راجعين كالإعصار صوب النبي صلى الله عليه وسلم والعباس، حتى أن أحدهم ليحرن بعيره أو فرسه، فيقتحم عنها ويترجل، حاملاً درعه وسيفه وقوسه، ميمماً صوب صوت العباس.. ودارت المعركة من جديد ضارية، عاتية، وصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآن حمي الوطيس».. وحمي الوطيس حقاً.. وتدحرج قتلى هوزان وثقيف، وغلبت خيلُ الله خيلَ اللات، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين..!!!(501) .
يوم الطائف: (شوال 8ه) والإقدام على المنايا
كما شهد العباس رضي الله عنه فتح مكة وحنين، شهد كذلك فتح الطائف، وأظهر فيه شجاعة وتضحية لا تخرج إلا من شخص باع نفسه لله(502) .
قال ابن عبد البر عن العباس: ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حنيناً والطائف وتبوك(503) .
وكانت غزوة الطائف في شوال سنة ثمان(504) .
وفيها: سار رسول الله يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ - يَعْنِي مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ - حَتَّى نَزَلَ الطَّائِفَ، فَأَقَامَ نِصْفَ شهر يقاتلهم رسول الله وَأَصْحَابُهُ، وَقَاتَلَتْهُمْ ثَقِيفٌ مِنْ وَرَاءِ الْحِصْنِ، لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَأَسْلَمَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَجَاءَتْ رَسُولَ الله وفودهم، ثم رجع النبي وَلَمْ يُحَاصِرْهُمْ إِلا نِصْفَ شَهْرٍ حَتَّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ، وَبِهَا السَّبْيُ الَّذِي سَبَى رَسُولُ اللهِ مِنْ حُنَيْنٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ - وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ السَّبْيَ الَّذِي أَصَابَ يَوْمَئِذٍ مِنْ هَوَازِنَ كَانَتْ عِدتُهُ سِتَّةَ آلافٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ - فلما رجع النبي إِلَى الْجِعْرَانَةِ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ وُفُودُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَأَعْتَقَ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ كُلَّهُمْ، وَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ(505) .
وشهد العباس هذه الغزوة وكان له فيها دور ذُكِر في بعض الروايات.
فقد أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لقد بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ الطائف حنظلة بن الربيع إلى أهل الطائف، فكلَّمهم، فاحتملوه ليدخلوه حصنهم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن لهؤلاء وله مثل أجر غزاتنا هذه»، فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب حتى أدركه في أيديهم قد كادوا أن يدخلوه الحصن، فاحتضنه العباس، وكان رجلاً شديداً، فاختطفه من أيديهم وأمطروا على
العباس الحجارة من الحصن، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له حتى انتهى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم(506)
إن هذا الموقف من العباس رضي الله عنه لينطق بشجاعته واستبساله، وتقديمه نفسه طائعاً فداء لدينه. وكأني بالعباس يحاول جاهداً ومستميتاً أن يحصَّل بعض الأجر، ويكسب مزيداً من الفضل لعله يكون في مصاف الشهداء فيغنم الخير كله، أو يعوِّض به تأخيره إعلان إسلامه، أو يدرك به أجر من سبقه من الأولين.
العباس يوم العسرة أو غزوة تبوك (رجب 9ه)
شهد العباس رضي الله عنه غزوة العسرة أو غزوة تبوك(507) وهذه الغزوة كانت كاشفة عما في القلوب مميزة للصفوف.
وكانت أحداث غزوة تبوك في رجب سنة تسع للهجرة، وسمي جيشها بجيش العسرة؛ لأنها كانت زمن عسر ومشقة. وأصلها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَذَلِكَ فِي زَمَانٍ مِنْ عُسْرَةِ النَّاسِ، وَشِدَّةٍ مِنْ الْحَرِّ، وَجَدْبٍ مِنْ الْبِلَادِ: وَحِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ، وَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ، وَيَكْرَهُونَ الشُّخُوصَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم قَلَّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إلَّا كَنَّى عَنْهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الْوَجْهِ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ(508) إلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنَّهُ بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ، لِبُعْدِ الشُّقَّةِ، وَشِدَّةِ الزَّمَانِ، وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ، لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّومَ(509)
وكان العباس ممن شهد غزوة تبوك، وشارك فيها بنفسه وماله.
ففي تاريخ دمشق عن غزوة تبوك: وحمل العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً(510) .
وفي الإمتاع: حمل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه مالاً يقال إنه: تسعون ألفا(511) .
ولما سأل البكَّاؤون رسول الله أن يحملهم على شيء، وأَعْلَمَهُمْ أَنّهُ لَا يَجِدُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، حَمَلَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ رضي الله عنه مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ(512) .
وحملهما أي: وفّرَ لهما الظهر والمتاع.
العباس وفتح بيت المقدس في خلافة الفاروق (16ه):
لم يقتصر جهاد العباس رضي الله عنه على حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بل تعداها إلى الخلفاء من بعده، فشارك العباس في فتح بيت المقدس في خلافة عمر رضي الله عنه.
حيث كان من الفتوحات الهامة التي حدثت في خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه والتي شارك فيها العباس رضي الله عنه بصحبة الفاروق فتح بيت المقدس، وأصل ذلك أن المسلمين تحت قيادة أبي عبيدة حاصروا بيت المقدس وضيَّقوا على أهلها، حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فأرسل أبو عبيدة إلى عمر يخبره الخبر واستشار عمر الصحابة فأشار علي بن أبي طالب عليه بالمسير ورأى عثمان بن عفان غير ذلك، فأخذ عمر برأي علي وولَّاه على المدينة، وسار إلى الشام وعلى مقدمته العباس بن عبد المطلب ثم صالح النصارى، واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء(513) .
وما يخصنا هنا هو مشاركة العباس بن عبد الله المطلب رضي الله عنه في فتح بيت المقدس حيث كان على مقدمة الجيش الذي ذهب مع عمر رضي الله عنه لعقد صلح بيت المقدس وفتحها.
وقد ذكر ابن عساكر في تاريخه مصاحبة العباس بن عبد المطلب للفاروق
عمر في الخروج إلى الشام، وأورد ذلك في ترجمته للعباس حيث قال:
العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.. عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: إنه أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه إلى أن أسر ببدر فأظهر إسلامه، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم... وقدِم الشامَ مع عمر بن الخطاب(514) .
وزاد ابن عساكر في شأن مصاحبة العباس لعمر وملازمته له في خروجه إلى الشام إلى أن تمَّ له ما أراد حيث أخرج بإسناده إلى زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما دنا عمر من الشام وأخذ طريق أيلة(515) تنحَّى معه غلامه، فلما أراد الركوب عمد إلى مركب غلامه وأن عليه لفرو ومقلوب، فركب وحوَّل غلامه على رحل نفسه وهو على جمل أحمر، وعمر يومئذ متزر بإزار ومرتد بعمامة على حقبيه تحته فرو، وأن العباس لبين يديه على عتيق يتقذى به، وكان رجلاً جميلاً، فجعلت البطارقة يسلِّمون عليه، ويشير أني لست به وأنه ذاك، فيسلمون عليه ويرجعون معه حتى انتهى إلى أيلة والجابية وتوافى إليه بها المسلمون وأهل الذمة.
وقال: ونا سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بإسنادهم قالوا: وركب عمر من الجابية يريد الأردن بعدما قضى ما
أراد وقد توافى إليه الناس ووقف له المسلمون وأهل الذمة، فخرج عليهم على حمار وأمامه العباس على فرسٍ، فلما رآه أهل الكتاب سجدوا له فقال: لا تسجدوا للبشر واسجدوا لله، ومضى في مسيره، وقال القسيسون والرهبان: ما رأينا أحداً قطّ أشبه بما يوصف من الحواريين من هذا الرجل، ثم دخل الأردن على بعيره(516)
فما أورده ابن عساكر فيه خير دلالة على مشاركة العباس في فتح بيت المقدس في خلافة الفاروق، وحضوره كتابة الصلح بين المسلمين وأهلها، وهذا فتح عظيم أسهم فيه العباس بنصيبٍ وافر وجهد بالغ مشكور عند الله وعند الناس.
العباس ومنبر النبي صلى الله عليه وسلم
ولا زلنا مع المدينة المنورة نبحث عن بعض آثار ومعالم العباس رضي الله عنه فيها، ولكن هذه المرة لن يكون حديثنا عن شخص العباس رضي الله عنه، وإنما عن خادم له، رويت مشاركته في صنع منبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من العباس رضي الله عنه.
ذكرت بعض المصادر أن من صنع للنبي صلى الله عليه وسلم منبره بالمدينة كان فتى للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
فقد روى البلاذري في الأنساب: حدثني عباس بن هشام عن أبيه عن جَدِّهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ غُلامًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُقَالُ لَهُ: كِلابٌ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ بِأَلْطَافٍ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ شَكَا الْقِيَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَكَانَ كِلابٌ نَجَّارًا مُجِيدًا، فَأَمَرَهُ فَعَمِلَ لَهُ مِنْبَرَهُ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ دَرَجَتَيْنِ وَمِقْعَدًا، وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ(517) .
والخبر إن صحّ فإن فيه دلالة على حسن صلة العباس بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أنه كانت بينهما مراسلات.
غير أنه روي أن العباس كان في المدينة وقتها، وشاوره النبي صلى الله عليه وسلم في شأن المنبر، وهو من أمر غلامه بذلك.
روى ابن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى جِذْعٍ فَقَالَ: إِنَّ الْقِيَامَ قَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ: أَلَا أَعْمَلُ لَكَ مِنْبَرًا كَمَا رَأَيْتُ يُصْنَعُ بِالشَّامِ؟ فَشَاوَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَرَأَوْا أَنْ يَتَّخِذَهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ لِي غُلَامًا يُقَالُ لَهُ: كِلَابٌ أَعْمَلَ النَّاسَ، فَقَالَ: مُرْهُ أَنْ يَعْمَلَ الْحَدِيثُ(518) .
فالرواية تذكر صنع المنبر حال وجود العباس في المدينة، ولعل ذلك كان بعد الفتح، يقول ابن حجر: وَجزم ابن سَعْدٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِذِكْرِ الْعَبَّاسِ وَتَمِيمٍ فِيهِ، وَكَانَ قُدُومُ الْعَبَّاسِ بَعْدَ الْفَتْحِ فِي آخِرِ سَنَةِ ثَمَان(519) ، وقدوم تَمِيم سنة تسع. وَجزم ابن النَّجَّارِ بِأَنَّ عَمَلَهُ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا(520) . فَإِنْ حُمِلَ عَلَى التَّجَوُّزِ فِي ذِكْرِ الْمِنْبَرِ وَإِلَّا فَهُوَ أَصَحُّ مِمَّا مَضَى(521) .
وقد اُختلف كثيراً حول اسم صانع منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأورد ابن حجر في الفتح الاختلاف في تحديد اسم صانع منبر النبي صلى الله عليه وسلم، والأقوال الواردة في ذلك ومنها:
أن صانع المنبر هو: ميمُون، وقيل: إِبْرَاهِيمُ، وقيل: بَاقُولٌ، وقيل: صُبَاحٌ، وقيل: قَبِيصَةُ أَوْ قَبِيصَةُ الْمَخْزُومِيُّ، وقيل: كِلَابٌ مَوْلَى الْعَبَّاسِ، وقيل: تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وقيل: مِينَاءُ، مولى العباس كما ورد في الإصابة(522) ، وقيل: غُلَامٌ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ أَوْ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ أَوِ امْرَأَةٍ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ، كما ورد في الفتح..
وقال ابن حجر: وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ مَيْمُونٌ؛ لِكَوْنِ الْإِسْنَادِ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَيْضًا(523) وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الْأُخْرَى فَلَا اعْتِدَادَ بِهَا لِوَهَائِهَا وَيَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنهَا بِأَنَّ النَّجَّارَ كَانَتْ لَهُ أَسْمَاءٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِ الْجَمِيعِ اشْتَرَكُوا فِي عَمَلِهِ فَيَمْنَعُ مِنْهُ
قَوْلهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا نَجَّارٌ وَاحِدٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاحِدِ الْمَاهِرُ فِي صِنَاعَتِهِ وَالْبَقِيَّةُ أَعْوَانُهُ فَيُمْكِنُ، وَاللهُ أَعْلَمُ(524)
ومما سبق فلم يجزم ابن حجر بأن ميمون هو من صنع منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا لم يستبعد اشتراك جميع من ذكروا أو بعضهم في صنع المنبر، ومن بينهم مولى العباس، وهذا محلُّ شاهدنا.
ميمونة والزواج الميمون
( العباس يزوِّج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها)
في هذا الجزء من البحث سنكشف عن مَعلم من معالم علاقة العباس بالنبي صلى الله عليه وسلم، ونقصد بها تزويج العباس النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة بنت الحارث.
وميمونة بنت الحارث هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين، وأخت أم الفضل زوج العباس، كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أَبي رُهْمِ ابْن عَبْدِ الْعُزَّى ومات عنها، وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي رُهْمٍ تَحْتَ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ، وتنقل المصادر دور العباس في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم لها، حيث أشار عليه بالزواج منها لما مات أَبُو رُهْمٍ، ولما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم مطلبه زوَّجه العباس منها حيث جعلت ميمونة أمرها إلى العباس فتولى بنفسه أمر تزويجها. وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت آخر من تزوج.
ومما روي في عرض العباس على النبي صلى الله عليه وسلم الزواج من ميمونة:
رَوَى سُنَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ بْنِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ شُرَحْبِيلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
«لَقِيَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْجُحْفَةِ حِينَ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ تَأَيَّمَتْ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، فَهَلْ لَكَ فِي أَنْ تَزَوَّجَهَا، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَمَّا أَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَقَامَ ثَلَاثًا فَجَاءَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ عَنَّا، الْيَوْمَ آخِرُ شَرْطِكَ، فَقَالَ: دَعُونِي أَبْتَنِي بِامْرَأَتِي وَأَصْنَعُ لَكُمْ طَعَامًا، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا بِكَ وَلَا بِطَعَامِكَ، اخْرُجْ عَنَّا، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا عَاضَّ بَظْرِ أُمِّهِ أَرْضُكَ وَأَرْضُ أُمِّكَ دُونَهُ، لَا يَخْرُجُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: دَعْهُمْ فَإِنَّهُمْ زَارُونَا لَا نُؤْذِيهِمْ، فَخَرَجَ فَبَنَى بِهَا بِسَرِفَ»(525)
وكان ذلك في عمرة القضاء حين خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم منَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَهُوَ الشَّهْرُ الَّذِي صَدَّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ يَأْجَج، وَضَعَ الْأَدَاةَ كُلَّهَا الْحَجَفَ وَالْمِجَانَّ(526) وَالنَّبْلَ، وَالرِّمَاحَ، وَدَخَلُوا بِسِلَاحِ الرَّاكِبِ السُّيُوفِ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ
صلى الله عليه وسلم جَعْفَرَ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامرية، فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ أُخْتُهَا أم الفضل تَحْتَهُ، فَزَوَّجَهَا العباس رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم(527)
ويتضح من هذا أن العباس هو من تولى تزويج ميمونة للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث جعلت أمرها إليه؛ فهو زوج أختها أم الفضل.
يقول الذهبي: وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أَبِي رُهْم بن عَبْد الْعُزَّى العامري، فتأيَّمَت مِنْهُ، فخطبها رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فجعلت أمرها إِلَى العباس، فزوَّجها مِنْهُ، وبنى بها بسرف بطريق مكة، لما رجع من عمرة القضاء(528) .
وفي السير: وَرُوِيَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا جَعَلَتْ أَمْرَهَا لَمَّا خَطَبَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى العباس فزوجها(529) .
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سُفْرَتِهِ فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثًا فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ ابْنُ
عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدُودٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكَّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ، فَقَالُوا: قَدِ انْقَضَى أَجَلُكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَعَرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَصَنَعْنَا طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ؟ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِطَعَامِكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، فَخَرَجَ وَخَلَّفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفَ، فَبَنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هُنَالِكَ»(530)
واختلف العلماء: هَلْ تَزَوَّجَهَا عليه السلام وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ وَهُوَ حَلالٌ، قالَ أَبُو عُمَرَ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ السِّيَرِ فِي حَالِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَقَدَ نِكَاحَهُ مَعَ مَيْمُونَةَ(531) .
وفي طرح التثريب عن زواج النبي بميمونة: بَعَثَ إلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَخَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَبَنَى بِهَا بِسَرَفٍ. وَقِيلَ: بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ قِيلَ وَأَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ وَالْخِلَافُ مَعْرُوفٌ هَلْ كَانَ مُحْرِمًا حِينَ تَزَوَّجَهَا فَيَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ، أَوْ كَانَ حَلَالًا؟ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي شَوَّالٍ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ بَنَى بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَزَوَّجَهُ إيَّاهَا الْعَبَّاسُ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إنَّهَا الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم(532)
وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالرِّوَايَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ مَيْمُونَةَ بِعَيْنِهَا وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَاهَا وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ شِهَابٍ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَنْكِحْ مَيْمُونَةَ إِلَّا وَهُوَ حَلَالٌ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ(533) .
العباس ومرض النبي صلى الله عليه وسلم
مرض النبي صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته مرضاً شديداً، واشتد وجعه، حتى أنه قال: إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنْكُمْ(534) .
وكان ابتداء مرضه فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ على الْمُعْتَمَدُ، ودام مرضه ثلاثة عشر يوماً على قول أكثر أهل العلم، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ في الثاني عشر مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ على قول الجمهور(535) .
ولم يكن العباس بعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم حال مرضه، فكما كان قريباً منه في صحته كان أيضاً كثير الملازمة له في مرضه، يتفقَّده ويساعده أحياناً في النهوض والقيام، وكأنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم بلسان الحال قبل القال: نحن أهلك وأولى الناس بك نأسى لمصابك ونكن طوع أمرك ورهن إشارتك.
روى البخاري بسنده عَنِ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي،
فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: «هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟» قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هُوَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ»(536)
وروى البخاري أيضاً في مرض النبي صلى الله عليه وسلم بسنده عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلاَ تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: بَلَى..
وفيه: ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ(537) .
وشاهدنا هنا ملازمة العباس للنبي صلى الله عليه وسلم في مرضه وقُربه منه لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستند عليه مع علي للخروج إلى الصلاة.
هذا وقد ثبت أيضا تهادي النبي صلى الله عليه وسلم بين رجلين العباس ليس أحدهما.
يقول ابن حجر: كَمَا ثَبت قبل حَدِيث الْأسود عَن عَائِشَة فِي صَلَاة أبي بكر بِالنَّاسِ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَخرج يهادي
بَين رجلَيْنِ تخط رِجْلَاهُ الأَرْض هما الْعَبَّاس وَعلي كَمَا تقدم فِي حَدِيث عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَنه خرج بَين عَليّ وَالْفضل ابن عَبَّاس، وَجمع النَّوَوِيّ بَينهمَا بِأَن خُرُوجه من بَيت عَائِشَة كَانَ بَين عَليّ وَالْعَبَّاس، وَخُرُوجه من بَيت مَيْمُونَة كَانَ بَين عَليّ وَالْفضل.
ثم ساق بعض الروايات الدالة على خروج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه بين علي وأسامة، أو بين بريرة ورجل آخر، أو بينه وبين تَوْبَة.. أو بين الفضل بن العباس وغلامه ثوبان.. إلى أن قال: فَيحمل هَذَا الِاخْتِلَاف على تعدد الْقِصَّة(538) .
وفي مرض النبي صلى الله عليه وسلم كان العباس يزوره ويتفقد حاله، ويحضر تطبيبه كما في البخاري عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: لَدَدْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: «لاَ تُلِدُّونِي» فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «لاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ، غَيْرَ العَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ»(539) .
كما كان رضي الله عنه
حريصاً على طمأنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حال مرضه وإخباره بحال المسلمين وحبهم له.
ففي البخاري عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ، وَالعَبَّاسُ رضي الله عنهما ، بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمْ؟ قَالُوا: ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَّا، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ، قَالَ: فَصَعِدَ المِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِالأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ»(540) .
وقد رجَّح ابن حجر أن سائل القوم عن بكائهم ومخبِر النبي صلى الله عليه وسلم عن حالهم هو العباس ومن قوله في ذلك: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ هَلْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ أَوِ الْعَبَّاسُ؟ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ الْعَبَّاسُ.. وَقَدْ قَدَّمْتُ رُجْحَانَ أَنَّهُ الْعَبَّاسُ لِكَوْنِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ(541) .
ويؤخذ من هذه الرواية، وبناء على ترجيح ابن حجر، حرص العباس على إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بحب القوم له، وشوقهم لمجالسته، وخشيتهم أَنْ يَمُوتَ مِنْ مَرَضِهِ فَيَفْقِدُوا مَجْلِسَهُ، وبكائهم حُزْنًا عَلَى فَوَاتِ ذَلِكَ.
ولما اشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم وأدرك العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ينازع الموت، أشار على علي بن أبي طالب بالذهاب إلى رسول الله ليسأله عن الخلافة بعده فيمن تكون، وما موقفه هو وعلي.
روى البخاري في صحيحه حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَحَدَ الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ، «كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟، فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا»، فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ ثَلاَثٍ عَبْدُ العَصَا، وَإِنِّي وَاللهِ لَأَرَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عِنْدَ المَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الأَمْرُ، إِنْ كَانَ فِينَا
عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ، فَأَوْصَى بِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّا وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَمَنَعَنَاهَا لاَ يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللهِ لاَ أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم(542)
قال ابن حجر: قَوْلُهُ أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا هُوَ كِنَايَةٌ عَمَّنْ يَصِيرُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَمُوتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَتَصِيرُ أَنْتَ مَأْمُورًا عَلَيْكَ وَهَذَا مِنْ قُوَّةِ فِرَاسَةِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه.. وَهَذَا قَالَهُ الْعَبَّاسُ مُسْتَنِدًا إِلَى التَّجْرِبَةِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْت(543) .
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾:
وبعد ثقل المرض على النبي صلى الله عليه وسلم فاضت روحه الطاهرة إلى باريها، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان الخطب جللاً، وأصيب المسلمون بخبر وفاته وما تمالكوا أنفسهم، فهم ما بين رجلٍ باكٍ، وآخر لا يصدق، وثالث يضرب كفاً على كفٍ. وكثر البكاء وعم الحزن، وظهرت مواقف لبعض الصحابة تعبِّر عن شدة حزنهم ومصابهم لفقد النبي صلى الله عليه وسلم، وظهرت أيضا بعض مواقف الصمود والثبات رغم شدة الواقعة وهول الموقف، ومن هذه المشاهد موقف العباس رضي الله عنه،
والذي حاكى به موقف الصديق رضي الله عنه.
روى الدارمي في سننه عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَحُبِسَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتَهُ وَالْغَدَ حَتَّى دُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ» وَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنْ عُرِجَ بِرُوحِهِ كَمَا عُرِجَ بِرُوحِ مُوسَى فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْ عُرِجَ بِرُوحِهِ كَمَا عُرِجَ بِرُوحِ مُوسَى، وَاللهِ لَا يَمُوتُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَقْطَعَ أَيْدِيَ أَقْوَامٍ وَأَلْسِنَتَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ حَتَّى أَزْبَدَ شِدْقَاهُ(544) مِمَّا يُوعِدُ وَيَقُولُ. فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ مَاتَ، وَإِنَّهُ لَبَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْسُنُ كَمَا يَأْسُنُ الْبَشَرُ، أَيْ قَوْمِ فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ. فَإِنَّهُ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ أَنْ يُمِيتَهُ إِمَاتَتَيْنِ. أَيُمِيتُ أَحَدَكُمْ إِمَاتَةً وَيُمِيتُهُ إِمَاتَتَيْنِ وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ؟ أَيْ قَوْمِ، فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ، فَإِنْ يَكُ كَمَا تَقُولُونَ فَلَيْسَ بِعَزِيزٍ عَلَى اللهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ التُّرَابَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاللهِ مَا مَاتَ حَتَّى تَرَكَ السَّبِيلَ نَهْجًا وَاضِحًا، فَأَحَلَّ الْحَلَالَ، وَحَرَّمَ الْحَرَامَ، وَنَكَحَ وَطَلَّقَ، وَحَارَبَ وَسَالَمَ، مَا كَانَ رَاعِي غَنَمٍ يَتَّبِعُ بِهَا صَاحِبُهَا رُءُوسَ الْجِبَالِ يَخْبِطُ عَلَيْهَا الْعِضَاةَ بِمِخْبَطِهِ وَيَمْدُرُ حَوْضَهَا بِيَدِهِ بِأَنْصَبَ وَلَا أَدْأَبَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. كَانَ فِيكُمْ. أَيْ قَوْمِ، فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ. قَالَ: وَجَعَلَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَبْكِي، فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ أَيْمَنَ تبْكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: إِنِّي وَاللهِ مَا أَبْكِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّهُ
قَدْ ذَهَبَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنِّي أَبْكِي عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ انْقَطَعَ قَالَ حَمَّادٌ: خَنَقَتْ الْعَبْرَةُ أَيُّوبَ حِينَ بَلَغَ هَاهُنَا(545)
وحاكى صمودُ العباس صمودَ أبي بكر يومها، وشابه حديثُه حديثَه، ففي رواية البخاري - في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم -: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه خَرَجَ، وَعُمَرُ رضي الله عنه يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: «اجْلِسْ»، فَأَبَى، فَقَالَ: «اجْلِسْ»، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] وَاللهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا»(546) .
ويبدوا أن موقفي الصديق والعباس رضي الله عنهما كانا في وقت واحد، بل وفي مشهدٍ واحدٍ؛ بدلالة أن قول عمر هو نفسه في كلا الموقفين.
ففي البخاري من رواية عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ، قَالَ: إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي بِالعَالِيَةِ فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ مَا
كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ «فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُذِيقُكَ اللهُ المَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ»(547)
ولما حان وقت غسل النبي صلى الله عليه وسلم وتجهيزه كان العباس حاضراً شاهداً غير غائب، وقد باشر بعض ذلك بنفسه، وأشرف على بعضه، وشارك في غسل النبي صلى الله عليه وسلم مع تكفينه ودفنه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وَأَمَّا غُسْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - وَإِدْخَالُهُ قَبْرَهُ، فَاشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ بَيْتِهِ، كَالْعَبَّاسِ وَأَوْلَادِهِ، وَمَوْلَاهُ شُقْرَانَ، وَبَعْضُ الْأَنْصَارِ، لَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ يُبَاشِرُ الْغُسْلَ، وَالْعَبَّاسُ حَاضِرٌ لِجَلَالَةِ الْعَبَّاسِ، وَأَنَّ عَلِيًّا أَوْلَاهُمْ بِمُبَاشَرَةِ ذَلِكَ(548) .
وفي المصنف أيضاً: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «وَلِيَ غُسْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَدَفْنَهُ وَإِجْنَانَهُ دُونَ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَصَالِحٌ شُقْرَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
وَلَحَدُوا لَهُ، وَنَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا»(549)
وعن دور العباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم يروي عبد الرزاق عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ يُخْبِرُنَا قَالَ: «غُسِّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي قَمِيصٍ، وَغُسِّلَ ثَلَاثًا كُلُّهُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَوَلِيَ عَلِيٌّ سَفْلَتَهُ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ يَحْتَضِنُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَالْعَبَّاسُ يَصُبُّ الْمَاءَ» قَالَ: وَعَلِيٌّ يَغْسِلُ سَفْلَتَهُ وَيَقُولُ: الْفَضْلُ لِعَلِيٍّ: أَرِحْنِي أَرِحْنِي، قَطَعْتَ وَتِينِي، إِنِّي لَأَجِدُ شَيْئًا يَتَنَزَّلُ عَلَيَّ، قَطَعْتَ وَتِينِي قَالَ: «وَغُسِّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ بِئْرٍ لِسَعْدِ بْنِ خُثَيْمَةَ يُقَالُ لَهَا: الْغَرْسُ بِقِبَا قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ إِلَّا بِسِدْرٍ، وَبِهِ نَأْخُذُ. قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: يُبْدَأُ بِالرَّأْسِ أَوْ بِاللِّحْيَةِ؟ قَالَ: السُّنَّةُ لَا شَكَّ يُبْدَأُ بِالرَّأْسِ ثُمَّ اللِّحْيَةِ ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: «يُبْدَأُ بِالرَّأْسِ، ثُمَّ اللِّحْيَةِ، ثُمَّ الْمَيَامِنِ، يَعْنِي غُسِّلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ثُمَّ بِمَاءٍ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ. كُلُّ غَسْلَةٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ثُمَّ بِمَاءٍ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ»(550) .
فالرواية السابقة
نصت على دور العباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يقوم بصبِّ الماء، على أن رواية ابن سعد أشارت إلى أن العباس كان يسترهم وما باشر الغسل بنفسه.
فقد روى ابن سعد من طريق المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي قال: غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وعلي والفضل، وقالَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي حَدِيثِهِ: وَالْعَبَّاسُ يَسْتُرُهُم(551) .
وفي مسند أحمد: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِغَسْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ إِلا أَهْلُهُ: عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَقُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَصَالِحٌ مَوْلاهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا لِغَسْلِهِ نَادَى مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيِّ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رضي الله عنه، فَقَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ، نَشَدْتُكَ اللهَ، وَحَظَّنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ فَحَضَرَ غَسْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَلِ مِنْ غَسْلِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَسْنَدَهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ يُقَلِّبُونَهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَصَالِحٌ مَوْلاهُمَا يَصُبَّانِ الْمَاءَ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يَغْسِلُهُ، وَلَمْ يُرَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ مِمَّا يُرَاهُ مِنَ المَيِّتِ،
وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي، مَا أَطْيَبَكَ حَيًّا وَمَيِّتًا حَتَّى إِذَا فَرَغُوا مِنْ غَسْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ يُغَسَّلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، جَفَّفُوهُ، ثُمَّ صُنِعَ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَيِّتِ، ثُمَّ أُدْرِجَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ: ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ، وَبُرْدِ حِبَرَةٍ، ثُمَّ دَعَا الْعَبَّاسُ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: لِيَذْهَبْ أَحَدُكُمَا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَضْرَحُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَلْيَذْهَبِ الْآخَرُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَلْحَدُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ الْعَبَّاسُ لَهُمَا حِينَ سَرَّحَهُمَا: اللهُمَّ خِرْ لِرَسُولِكَ، قَالَ: فَذَهَبَا، فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَوَجَدَ صَاحِبُ أَبِي طَلْحَةَ أَبَا طَلْحَةَ، فَجَاءَ بِهِ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(552)
وروى أبو داود بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: وَاللهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ(553) فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: «أَنْ اغْسِلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ»،
وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ»(554)
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ قَبْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَالْفَضْلُ، وَسَوَّى لَحْدَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ الَّذِي سَوَّى لُحُودَ الْأَنْصَارِ يَوْمَ بَدْرٍ(555) .
وعليه فقد كان للعباس رضي الله عنه دور واضح عند مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، بل وبعد وفاته، وكيف لا يكون ذلك كذلك وهو عمه، ومن أكثر الناس مصاباً به، وعلى حدِّ قول الشَّعْبِيُّ: وَمَنْ يَلِي الرَّجُلَ إِلَّا أَهْلُهُ(556) ؟.
العباس والبيعة
إمامة المسلمين العامة هي خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين، وحفظ حوزة الملة، وهي ليست حقاً شخصياً، أو امتيازاً لفردٍ أو لفئةٍ، ولكنها وظيفة تؤدى، ويراعى فيها حراسة الدين والدفاع عنه وإبلاغه للعالمين، وسياسة الدنيا به؛ وذلك بالاحتكام إليه والرجوع إلى أوامره ونواهيه.
ويعتقد أهل السنة أن الإمامة واجبة، وأنها من فروض الكفايات المنوطة بأهل الحل والعقد والتي يقصد الشارع حصولها في الجملة، لا من آحاد المكلفين.
يقول الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع.. فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على المكلف كالجهاد وطلب العلم، إذا قام بها من هو أهلها سقط فرضها عن الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الحل والعقد حتى يختاروا إماماً للأمة يأمرهم، والثاني أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم»(557) .
وطريق انعقاد الإمامة يتمثل في البيعة ويراد بها: اختيار أهل الحل والعقد؛ من الأمراء، والعلماء، والرؤساء، ووجوه الناس الذين يتيسر حضورهم ببلد الإمام. رجلاً ليتولى أمر الأمة لجلب المنافع الدينية والدنيوية ودفع المضار عنها، وقمع الفتن وإقامة الحدود ونشر العدل بينهم وردع الظالم ونصر المظلوم.
ومن خلال البيعة يتم تنصيب الخليفة لرئاسة المسلمين العامة التي تخلُف النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
وقد اشترط العلماء لصحة عقد البيعة خمسة شروط:
الأول: أن يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة(558) .
الثاني: أن يكون المتولي لعقد البيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس.
الثالث: أن يجيب المبايع إلى البيعة، فلو امتنع لم تنعقد إمامته، ولم يجبر عليها، وقال النووي في الروضة: إلا أن يكون من لا يصلح للإمامة إلا واحد فيُجبر بلا خلاف.
الرابع: الإشهاد على المبايعة إلا إذا كان العاقد واحداً، أما إذا
كان العاقد للبيعة جمعاً فإنه لا يُشترط الإشهاد.
الخامس: أن يتَّحد المعقود له، بألا تُعقد البيعة لأكثر من واحد، لما رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»(559) .
وعليه فالبيعة ملزمة ولا يجوز بحال الخروج على من ارتضته جماعة المسلمين إماماً لها، وجحد بيعته، وهذا ما عرفه العباس رضي الله عنه للخلفاء الثلاثة الأُوَل رضي الله عنهم؛ حيث أقر ببيعتهم وارتضى خلافتهم، بل وخرج غازياً تحت إمرتهم، وهذا ما ستوضحه الصفحات التالية.
موقف العباس من بيعة الخلفاء الثلاثة:
لعل من نافلة القول هنا أن نذكِّر بأن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بايع الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وارتضى خلافتهم، وما كان له موقف معارض لبيعتهم.
ولا عبرة بما أشاعه البعض من رفض العباس، تبعاً لبني هاشم، بيعة أبي بكر رضي الله عنهما وما تلاها؛ لمعارضته الوقائع التاريخية التي أيدتها صحيح الروايات، وهذا ما سنعرض له بشيء من التفصيل في الفصل المخصص لرد الشبهات الواردة حول العباس رضي الله عنه.
وكما بايع العباس أبا بكر رضي الله عنهما فقد بايع الفاروقَ عمر رضي الله عنه
وارتضاه خليفة، وما خرج عن إجماع الأمة عليه، بل وأثبت ولاءه له مرات ومرات، لعل من أبرزها خروجه معه في فتح الشام، وفيه خير دليل على رضاه بخلافته وإقراره ببيعته(560)
واستُشهد الفاروق رضي الله عنه، وكان قد عيَّن أهل الشورى الستة، وليس منهم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه حيث اختارهم الفاروق على أساس السبق في الإسلام والهجرة.
وبعد مشاورات وأخذ وردّ بينهم استقر رأيهم على عثمان رضي الله عنه، وفور ما استقرَّ رأيهم عليه أقبل الناس على مبايعته، وكان منهم العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه.
ورغم أن العباس لم يكن من الستة أصحاب الشورى إلا أنه فيما يبدو كان حريصاً على إنجاح أمرهم، وتهيئة نفوس الناس للتعامل مع هذا الحدث الجلل والمتمثل بمقتل عمر، وتقبُّل ما يخرج عن الشورى.
فقد روى البلاذري بسنده عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قُرَيْشٌ رُؤَسَاءُ النَّاسِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَدْخُلُ فِي أَمْرٍ إِلا دَخَلَ مَعَهُ فِيهِ طَائِفَةٌ، فَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أَمَرَ صُهَيْبًا أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَيُطْعِمَهُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى رَجُلٍ مِنَ السِّتَّةِ، فلما وضعت الْمَوَائِدُ كَفَّ النَّاسُ عَنِ الطَّعَامِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
قُبِضَ فَأَكَلْنَا بَعْدَهُ وَشَرِبْنَا، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَأَكَلْنَا بَعْدَهُ وَشَرِبْنَا، وَإِنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأَكْلِ، فَأَكَلَ وَأَكَلَ النَّاسُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ قَوْلَ عُمَرَ(561)
يقول الإمام ابن تيمية في شأن بيعة عثمان: وَقَدْ بَايَعُوا - الصحابة - النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ حَيْثُمَا كَانُوا، لَا يَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وِلَايَةَ عُثْمَانَ، بَلْ كَانَ فِي الَّذِينَ بَايَعُوهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَصُهَيْبٌ وَأَبُو ذَرٍّ وَخَبَّابٌ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَّيْنَا أَعْلَانَا ذَا فُوقٍ وَلَمْ نَأْلُ. وَفِيهِمُ الْعَبَّاسُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَفِيهِمْ مِنَ النُّقَبَاءِ مِثْلُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَمْثَالِهِ، وَفِيهِمْ مِثْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَمْثَالِهِ(562) .
وكان العباس رضي الله عنه محطَّ عناية عثمان ورعايته، واستشارته أيضاً.
وورد استشارته له مع غيره من كبار الصحابة في فتح أفريقية.
فقد ورد إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان من واليه على مصر «عبد الله بن سعد» أن المسلمين يغيرون على أطراف إفريقية فيصيبون من عدوهم، وأنهم قريبون من حوز المسلمين، فأعرب عثمان بن عفان رضي الله عنه على إثر ذلك للمسور بن مخرمة عن رغبته في بعث الجيوش لغزو إفريقية، جاء في هذا الصدد ما نصه: فما رأيك يا ابن مخرمة؟ قلت: اغزهم، قال: أجمع اليوم الأكابر من أصحاب رسول
الله، وأستشيرهم، فما أجمعوا عليه فعلته، أو ما أجمع عليه أكثرهم فعلته.. رأيت عليًا، وطلحة والزبير والعباس، وذكر رجالاً، فخلا بكل واحدٍ منهم في المسجد، ثم دعا أبا الأعور «سعيد بن زيد» فقال له عثمان: لم كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيوش إلى إفريقية؟ فقال له: سمعت «عمر» يقول: لا أغزيها أحدًا من المسلمين ما حملت عيناي الماء فلا أرى لك خلاف عمر، فقال له عثمان: والله ما نخافهم وإنهم لراضون أن يقروا في مواضعهم، فلا يغزون، فلم يختلف عليه أحد ممن شاوره غيره، ثم خطب الناس، وندبهم إلى الغزو إلى إفريقية(563)
ومما يجدر ذكره أن معبد بن العباس رضي الله عنهما خرج غازياً إلى أفريقية مع ابن أبي السرح، واستشهد في الغزو(564) ، وفيها أيضاً غزا ابن عباس مع الحسن والحسين وابن جعفر وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير رضي الله عنهم، كما ذكر ابن خلدون(565) .
وفي خلافة عثمان أيضاً شارك الحسن والحسين وابن عباس وابن عمر وابن جعفر رضي الله عنهم في غزو طبرستان سنة 30ه(566) .
وفيه إثبات رضا هؤلاء الكرام وبخاصة مَن هم من آل البيت وبتحديد أدق: أبناء
العباس، عن خلافة عثمان رضي الله عنه، بل وخروجهم للجهاد في خلافته رضي الله عنهم.
ومع أن العباس رضي الله عنه لم يشهد يوم الدار بخطوبه وكروبه إلا أنه عايش بدايات أمره، ولعله استشرف بفطنته وحسن عقله ما قد يحدث أو بعضه.
وَلذا كَانَ يَقُول حِينَ نشب الناسُ فِي أمر عُثْمَان: اللهُمَّ اسبق بي أمرًا لا أحبّ أَن أدركه(567) .
ولما توفي العباس في يَوْمَ الْجُمُعَةِ لأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، حضر عثمان غسله(568) ، وروي أنه صلَّى عليه(569) ، ويقال: إِن عُثْمَان بْن عَفَّان نزل فِي قبره(570) .
وفيه دليل على حسن الصلة بينهما، بما يخرص ألسنة الإفك ودعاة البغي، ويقطع عليهم حججهم الواهية وشبهاتهم المزعومة.
الفصل الرابع
العباس مكانته ومناقبه
الحديث عن مكانة العباس رضي الله عنه ومناقبه حديث ذو شجون، فبجانب كونه حديثاً عن عم النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه أيضاً حديث عن السيادة بكل مشتملاتها، حديث عن العزة والجاه، عن الشرف والسؤدد، عن مطعم الفقراء ومؤدِّب السفهاء، عن عظيم من سروات آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
العباس مكانة ومنزلة
قد يتسنم بعض الأشخاص ذرى المجد، وهامات الشرف، وأطايب المنازل، بعض الوقت وفي مرحلة خاصة من حياتهم، لكن نادراً ما يحظى بعض الناس برفعة المكانة كل حياتهم، ومن هؤلاء النفر كان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، حيث تبوأ مكانة رفيعة ومنزلة سامقة بين قومه جاهلية وإسلاماً، فما هانت مكانته، ولا اندحرت منزلته يوماً، وكان رضي الله عنه خليقاً بمكانته تلك حريصاً عليها.
وسنتعرض في هذا الجزء من البحث لبيان مكانة العباس ومنزلته عند قريش في الجاهلية ومكانته في الإسلام عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند الصحابة.
مكانته رضي الله عنه عند قريش (في الجاهلية):
حظي العباس رضي الله عنه بمكانة كبيرة قبل الإسلام، وازدادت مكانته بإسلامه، فهو من سادة قريش في الجاهلية والإسلام، وجدُّ الخلفاء العباسيين، وكانت إليه في الجاهلية السقاية وعمارة المسجد الحرام.
ونبدأ ببواكير نبوغه، فلقد رأى منه أبوه عبد المطلب بوادر العقل منذ صغره واستبشر بذلك وتنبأ بعظيم مكانته. فقال فيه من شدة إعجابه به:
| ظني بعباس ينبّى إن كبر | أن يمنع القوم إذا ضاع الدبر |
|---|---|
| وينزع السجل إذا اليوم اقمطر | ويسقي الحاج إذا الحاج كثر |
| وينحر الكوماء في اليوم الحصر | ويفصل الخطبة في الأمر المبر |
| ويكسو الريط اليماني والأزر | ويكشف الكرب إذا ما اليوم هر |
| أكمل من عبد كلال وحجر | لو جمعا لم يبلغا منه العشر(571) ( 571 ) |
يقول ابن ظفر المكي: ولما ترعرع العباس سودته قريش وذلك أن قريشاً كانت إذا حضرتها الحرب أقرعت بين ساداتها فأيهم خرج سهمه صدروا عن أمره، فلما كان حرب الفجار حضرت قريش لذلك فأدخلوا معهم العباس وهو حديث السن، فخرج سهمه فأجلسوه على فرش وأحاطوا به وكان العباس نديماً لأبي سفيان بن حرب في الجاهلية(572) .
وانتهت السيادة في مكة إلى العباس وأبي سفيان بن حرب... ثم انفرد العباس بسيادة قريش بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حين قال: هذا
العباس أجود قريش وأوصلها لها(573)
وقد أقرَّ الجميع للعباس رضي الله عنه بهذا السؤدد، وفي ذلك يقول العباس بن مرداس يأمر رجلاً من قومه أن يعوذ بالعباس وأبي سفيان من الظلم، وذلك أن رجلاً من بني سليم جاور رجلاً من أفناء العرب فلم يحمد جواره، فقال في ذلك العباس بن مرداس السلمي: (البسيط)
| إن كان جارك لم تنفعك ذمته | حتى سقيت بكأس الموت أنفاسا |
|---|---|
| فبالفناء فناء الله اعتصم | لم يغش ناديه فحشا ولا بأسا |
| وآت القباب فكن من أهلها صددا | تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا |
| قرما قريش وحلّا في ذؤابتها | بالمجد والحزم ما حازا وما ساسا(574) ( 574 ) |
وتروى:
| إن كان جارُك لم تنفعك ذمتُّه | حتى سقيتَ بكأس الذلِّ أنفاسا |
|---|---|
| فأت البيوتَ فكن من أهلها صدداً | تلقى ابن حربٍ وتلقى المرأ عبَّاسا |
| ساقي الحجيج وهذا ياسر فلج | والمجد يورث أخماسا وأسداسا(575) ( 575 ) |
يقول ابن حبيب تحت عنوان أشراف قريش: كان الشرف والرياسة من قريش في الجاهلية في بنى قصي لا ينازَعونه ولا يفخر عليهم فاخر. فلم يزالوا ينقاد لهم ويرأَّسون. وكانت لقريش ست مآثر كلها لبنى قصي دون سائر قريش. منها الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، والرياسة. فلما هلك حرب بن أمية، وكان حرب رئيسا بعد المطلب، تفرقت الرياسة والشرف في بني عبد مناف. فكان في بني هاشم: الزبير، وأبو طالب، وحمزة، والعباس بنو عبد المطلب(576) .
وفي الذخائر للمحب الطبري: وكان العباس في الجاهلية رئيساً في قريش وإليه عمارة المسجد الحرام والسقاية بعد أبي طالب؛ أما السقاية فمعروفة وأما عمارة المسجد الحرام فكان لا يدع أحداً يشبب فيه ولا يقول فيه هجراً، وكانت قريش قد اجتمعت وتعاقدت على ذلك فكانوا له عوناً عليه وأسلموا ذلك إليه. ذكره الزبير بن بكار وغيره من علماء النسب(577) .
وفي المنمق عن السائب المخزومي عن أبيه قال: كان للعباس بن
عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم وجفنة لجائعهم ومقطرة(578) لسفيههم أو ربما قال: لجاهلهم وكان يمنع جاره ويبذل ماله ويعطي النابية في قومه(579)
وأخرج البلاذري بسنده إلى الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلامُ وَإِنَّ جَفْنَةَ الْعَبَّاسِ لَتَدُورُ عَلَى فُقَرَاءِ بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنَّ سَوْطَهُ وَقِدَّهُ (قيده) مَعَهُ لِسُفَهَائِهِمْ، يُطْعِمُ الْجَائِعَ وَيُؤَدِّبُ السَّفِيهَ، وَقَالَ الزهري: هذا والله السّؤدد(580) .
وقال الزُّبَيْر بْن بكار: كان للعباس ثوبٌ لعاري بني هاشم وجَفْنةٌ لجائعهم، وكان يمنع الجار، ويبذُلُ المال، ويُعطي في النَّوائب، وكان نديم أبي سُفيان بْن حرب في الجاهلية(581) .
وأخرج ابن سعد بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي يَلِي أَمْرَ بَنِي هَاشِمٍ(582) .
وعن سيادته في قريش وحبهم له يروي الطبراني عنْ عَبْدِ اللهِ بن حَارِثَةَ، قَالَ: لَمَّا أَنْ قَدِمَ صَفْوَانُ بن أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى مَنْ نَزَلْتَ يَا أَبَا وَهْبٍ؟» قَالَ: نَزَلْتُ عَلَى الْعَبَّاسِ، قَالَ: «نَزَلْتَ عَلَى أَشَدِّ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ حُبًّا»(583) .
وفي تاريخ دمشق: قال عامر - الشعبي - لو أن العباس شهد بدراً ما فضله أحد من الناس رأياً ولا عقلاً(584) .
ومن رشحات مكانة العباس ومنزلته عند قريش ما قام به من سقاية الحاج وعمارة البيت الحرام بعد أخيه أبي طالب عهدا منه في حياته.
وقد عرفت له قريش تلك المكانة، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم عليها، فعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَيْلِيِّ قَالَ: جَاءَ أَسْقُفُ غَزَّةَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِتَبُوكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَ عندي هاشم وعبد شمس وَهُمَا تَاجِرَانِ وَهَذِهِ أَمْوَالُهُمَا. قَالَ فَدَعَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَبَّاسًا فَقَالَ: اقْسِمْ مَالَ هَاشِمٍ عَلَى كُبَرَاءِ بَنِي هَاشِمٍ. وَدَعَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَقَالَ: اقْسِمْ مَالَ عبد شمس على كُبَرَاءِ وَلَدِ عَبْد شمس(585) .
ومن النص السابق يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أسند إلى العباس مهمة توزيع مال هاشم على كبراء بني هاشم وهذه مهمة لا يتولاها إلا شريف في قومه مطاع فيهم.
وعن سيادة العباس في قريش يروي الحاكم بسنده عنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما وَهُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: «ادْنُ فَكُلْ»، قَالَ: إِنِّي قَدْ أَكَلْتُ، قَالَ: «عِنْدَ مَنْ؟»، قَالَ: عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَمَا إِنَّ أَبَاهُ كَانَ سَيِّدَ قُرَيْشٍ»(586) .
وعن فضل العباس رضي الله عنه في قومه، ومكانته فيهم يقول إِبْرَاهِيم بْن عَلِي بْن هَرْمة في ديوانه:
| وكانت لعباسٍ ثلاث يعدّها | إِذَا مَا شتاءُ النَّاس أصبح أشهبا |
|---|---|
| فسلسلةٌ تنهي الظلومَ وجفنةٌ | تباح فيكسوها السنامَ المرُعّبا |
| وحلَّة عصبٍ مَا تزال معدةً | لعارٍ ضريكٍ ثوبهُ قَدْ تهببا(587) ( 587 ) |
كل هذه النصوص والشواهد صارخة بمكانة العباس رضي الله عنه ومنزلته
في الجاهلية، والتي لا يستطيع أن ينكرها عليه منكر أو يجحدها جاحد، وكلها شاهدة على أصالته، وأنه لم يكن رقماً على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه، بل كان شريفاً في قومه، وصولًا لأرحام قريش، محسنًا إليهم، ذا رأي سديد وعقل غزير.
النبي صلى الله عليه وسلم والعباس مكانة رفيعة وحب متبادل
بين العباس والنبي صلى الله عليه وسلم علاقة قوية لم تنفصم عراها، أو تفسد معالمها، تظللها القرابة النسبية والمودة القائمة جاهلية وإسلاماً، وتتخللها أحداث ما عكَّرت صفو ودادهما. وسنحاول من خلال الصفحات القادمة بيان ملامح تلك العلاقة المتبادلة.
مكانة العباس عند النبي صلى الله عليه وسلم وحب النبي صلى الله عليه وسلم له:
بداية أقول: إن من أولى مناقب العباس بن عبد المطلب حب النبي صلى الله عليه وسلم له وهو أمر ظاهر واضح لا سيما بعد علمنا بالتقارب الزمني بينهما حيث كان العباس أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين ومن شأن هذا التقارب بما يحمله من خلطة أن يبعث على المحبة ناهيك عن القرابة القريبة للعباس من النبي صلى الله عليه وسلم؛ من كونه عمه، فضلاً عن كثير من أحداث فصول تاريخيهما المشتركة نظرا لقربهما وقرابتهما، مثل اشتراكهما في بناء الكعبة ونقلهما للحجارة معاً(588) وكثرة مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس ومخالطته له، كما ورد في قصة كعب بن مالك والبراء بن معرور حينما سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن صحة توجههما للكعبة قبل تحويل القبلة وفيها. يقول كعب: فَلَقِينَا
رَجُلا مِنْ أهل مكة، فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ؟ قُلْنَا: لا، قَالَ: فَهَلْ تعرفان العباس ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: وَقَدْ كُنَّا نَعْرِفُ الْعَبَّاسَ، كَانَ لا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فَهُوَ الرجل الجالس مع العباس ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ(589)
ولقد حظي بمكانة رفيعة ومنزلة سامقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم العباس ويعظمه ويجله وبخاصة بعد إسلامه، ويقول: هذا عمي وصنو أبي. ويقول لعمر: أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه(590) .
وعن ابْن أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عن أم المؤمنين عائشة قالت: ما رأيت رسول الله عليه الصلاة والسلام يجل أحداً ما يجل العباس أو يكرِم العباس(591) .
وعند أحمد في الفضائل بسنده عن كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ لَيُجِلُّ الْعَبَّاسَ إِجْلالَ الْوَلَدِ وَالِدًا أَوْ عَمًّا(592) .
ويروي الطبراني بسنده عن أبي رَافِعٍ أَنَّهُ بَشَّرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه
وسلم بِإِسْلَامِ الْعَبَّاسِ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم(593)
وأخرج البغوي في ترجمة أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بسند له إلى الشعبي عن أبي هياج عن أبي سفيان بن الحارث عن أبيه قال: اليوم علمت أن العباس سيد العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أعظم الناس منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أحطره قريش بأصلها فقال: «لئن قتلوه لا أستبقي منهم أحداً أبداً، وقال في حمزة حين قتل ومُثِّل به: لئن بقيت لأقتلن ثلاثين من قريش، وقال المكثر: سبعين»(594) .
وأورده ابن حجر في الإصابة بلفظ: كانَ العباسُ أعظم النَّاسِ عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والصحابةُ يعترفون للعبَّاس بفضلِه ويُشَاورونَه ويأخذونَ رأيَه(595) .
وتقول السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها فيما يرويه عنها عروة بن الزبير، قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ تَعْظِيمِ رَسُولِ
اللهِ صلى الله عليه وسلم عَمِّهِ أَمْرًا عَجِيبًا.. ثم ساقت حديث اللدود(596)
فقد حظي العباس بمكانة سامقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان موضع ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر النبي صلى الله عليه وسلم حبه له في مواطن كثيرة، ويدل على هذا الحب ثقة النبي صلى الله عليه وسلم فيه حتى قبل أن يسلم واصطحابه معه يوم العقبة الثانية وتقديمه في الكلام على غيره كما أسلفنا. ونصُّ ابن سعد في ذلك كاشف عن مدى العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم والعباس يقول: «وكان يثق به في أمره كله»(597) .
ولما أُسر العباس في بدر قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «سَمِعْتُ أَنِينَ عَمِّى الْعَبَّاسِ في وَثَاقِهِ». فَأَطْلَقُوهُ فَسَكَتَ فَنَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم(598) - .
وعندما أشار علي على العباس أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن
يستعمله على الصدقة، كانت النتيجة أن رفض النبي صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يستعمله عَلَى غُسَالَةِ ذُنُوبِ النَّاسِ.
فروى الحاكم عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ لِلْعَبَّاسِ: سَلِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْتَعْمِلَكَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ لِأَسْتَعْمِلَكَ عَلَى غُسَالَةِ ذُنُوبِ النَّاسِ»(599) .
وقال الطحاوي في بيان رفض النبي صلى الله عليه وسلم: عَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا كَرِهَ لِلْعَبَّاسِ اسْتِعْمَالَهُ
عَلَى الصَّدَقَةِ لِرِفْعَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا عَلَى غُسَالَةِ ذُنُوبِ النَّاسِ، لَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حِلِّهَا لَهُ لَوْ عَمِلَ عَلَيْهَا(600)
ولقد توَّج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحب بقوله: إن عمَّ الرَّجُل صُنو أبيه»(601) كما سنوضحه فيما بعد.
ويشهد لتلك المكانة والمنزلة ما رواه الحاكم بسنده عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ تَحَلَّقَتْ عِنْدَهُ بُطُونُ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ آبَائِهِمْ إِلَى أَنْ قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي أَبِيكَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ: «رَحِمَ اللهُ أَبَا الْفَضْلِ كَانَ وَاللهِ عَمَّ نَبِيِّ اللهِ، وَقُرَّةَ عَيْنِ رَسُولِ اللهِ، سَيِّدُ الْأَعْمَامِ وَالْأَخْدَانِ، جَدُّ الْأَجْدَادِ، وآبَاؤُهُ الْأَجْوَادُ، وَأَجْدَادُهُ الْأَنْجَادُ، لَهُ عَلْمٌ بِالْأُمُورِ، قَدْ زَانَهُ حَلِمٌ، وَقَدْ عَلَاهُ فَهْمٌ، كَانَ يَكْسِبُ حِبَالَهُ كُلُّ مُهَنَّدٍ، وَيَكْسِبُ لِرَأْيِهِ كُلُّ مُخَالِفٍ رِعْدِيدٍ(602) ، تَلَاشَتِ الْأَخْدَانُ عِنْدَ ذِكْرِ فَضِيلَتِهِ، وَتَبَاعَدَتِ الْأَنْسَابُ عِنْدَ ذِكْرِ عَشِيرَتِهِ، صَاحِبُ الْبَيْتِ وَالسِّقَايَةِ وَالنَّسَبِ وَالْقَرَابَةِ، وَلِمَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ؟ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ؟ وَمُدَبِّرُ سِيَاسَتِهِ أَكْرَمُ مَنْ دَبَّرَ، وَأَفْهَمُ مَنْ نَشَأَ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَكِبَ»(603) .
مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند العباس وحبه له:
الناظر لصفحات السيرة المباركة للنبي صلى الله عليه وسلم يجد أن حبَّ العباس للنبي صلى الله عليه وسلم كان منحة أُودعت قلب العباس، وعرف هذا الحب قلبُ العباس في وقت مبكر جداً، حيث أحبَّ العباس النبي صلى الله عليه وسلم منذ صغره.
وتشهد لذلك رواية ابن عساكر عن الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ متحدثاً عن العباس:.. وكان أسن من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بثلاث سنين، وسُئِلَ العَبَّاسُ بن عبد المطلب بكم أنت أكبر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ مَوْلِدُهُ أبَعْدَ عَقْلِي أُتِيَ إِلَى أُمِي فَقِيْلَ لَهَا: وَلَدَتْ آمِنَةُ غُلاَماً فَخَرَجَتْ بِي حِيْنَ أَصْبَحَتْ آخِذَةً بِيَدِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهَا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَمْصَعُ(604) بِرِجْلَيْهِ فِي عَرَصَتِهِ وجعل النساء يجبذنني عَلَيْهِ وَيَقُلْنَ: قَبِّلْ أَخَاكَ(605) .
وعبارة: «أبعد عقلي» لو كانت على أصلها بلا تصحيف، فلعل فيها دلالة على حب العباس للنبي صلى الله عليه وسلم حينما رآه عند مولده لدرجة أنه أبعد عقله أي أذهب بلبه، أو أطار عقله من شدة الحب له رغم كونها أول مرة تراه فيها عيناه.
وقد لازم هذا الحب العباس واستمر معه، فكان شفوقاً على النبي في الجاهلية والإسلام.
فعن عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ»، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحِجَارَةِ، قَالَ: «فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صلى الله عليه وسلم»(606) .
ويشهد كذلك على حبِّ العباس للنبي صلى الله عليه وسلم حضوره بيعة العقبة واستيثاقه من أمر الأنصار(607) .
يقول البلاذري: وأما العباس بن عبد المطلب فكان محباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مائلاً إليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي منزله فيقيل فيه(608) .
ويقول ابن عبد البر: وكان العباس أنصر الناس لرسول اله صلى الله عليه وسلم بعد أبي طالب، وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم العقبة، يشترط له على الأنصار، وكان على دين قومه يومئذ. وفدى عقيلاً ونوفلاً ابن أخويه أبي طالب والحارث وغيرهم من ماله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم العباس ويجله ويعظمه بعد الإسلام، ويقول: هذا عمي، صنو أبي(609) .
وعن خوفه على النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه عليه يروي الطبراني في الأوسط بسنده عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْعَبَّاسِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا سَاجِدًا أَنْ أَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ أَبِي جَهْلٍ، «فَخَرَجَ صلى الله عليه وسلم غَضْبَانًا حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَعَجَّلَ أَنْ يَدْخُلَ مِنَ الْبَابِ، فَاقْتَحَمَ الْحَائِطَ»، فَقُلْتُ: هَذَا يَوْمُ شَرٍّ، فَائْتَزَرْتُ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ، «فَدَخَلْتُ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2]، فَلَمَّا بَلَغَ شَأْنَ أَبِي جَهْلٍ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6]»، قَالَ إِنْسَانٌ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا أَبَا الْحَكَمِ، هَذَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَرَى، وَاللهِ سُدَّ أُفُقِ السَّمَاءِ عَلَيَّ، «فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم آخِرَ السُّورَةِ سَجَدَ»(610) .
فانظر إليه كيف تعجَّل ببلاغ النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكره أبو جهل، ثم تأمل اتباعه له لما خرج، خوفاً من أن يمسه عدو الله بما يكره. وهل هذا إلا الحب بعينه.
مكانة العباس عند الصحابة رضي الله عنهم
نال العباس مكانة عظيمة عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه، ويشاورونه، ويأخذون رأيه، وكفاه شرفًا وفضلًا أَنَّهُ كان يعزى بالنبي صلى الله عليه وسلم لما مات، ولم يخلف من عصباته أقرب منه(611) .
من صور إجلال الصحابة وتقديرهم للعباس:
عرف الصحابة للعباس مكانته ومنزلته، وأقروا بحب النبي صلى الله عليه وسلم له وإشفاقه عليه، فكانوا يقدرونه ويعرفون فضله وخلقه.
يقول ابن عبد البر: كان العباس جواداً مطعماً وصولاً للرحم، ذا رأي حسن ودعوة مرجوة، ولم يمر بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا إجلالاً له ويقولان: عم النبي صلى الله عليه وسلم(612) .
وأخرج ابن عساكر من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن الثقة أن العباس بن عبد المطلب لم يمر قط بعمر بن الخطاب ولا بعثمان بن عفان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس
بهما إجلالا له أن يمر بهما عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما راكبان وهو يمشي(613)
وعن الحارث بن عبد المطّلب قال: كان العبّاس أعظم الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصّحابة يعترفون للعباس بفضله ويشاورونه، ويأخذون رأيه(614) .
ولقد بيَّن الفاروق رضي الله عنه للأمة عامة فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته من سيد الخلق ووضَّح ذلك توضيحاً كاملاً، ومن ذلك ما رواه البخاري بسنده عن أنس بن مالك قال: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْن(615) .
ففي هذا الأثر عن الفاروق رضي الله عنه بيان لفضل العباس بن عبد المطلب، كما تضمن أيضاً فضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه.
والمراد بتوسل عمر رضي الله عنه بالعباس بدعائه لا بذاته؛ إذ التوسل بدعاء أهل الصلاح والفضل من أنواع التوسل المشروع.
قال
الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وقد بيّن الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث فأرخت السماء مثل الحبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس(616)
وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن عمر مولى غفرة، وعن محمد ابن نفيع، قالوا: لما استخلف عمر، وفتح عليه الفتوح، جاءه مال، ففضل المهاجرِين والأنصار، ففرض لمن شهد بدراً خمسة آلاف، خمسة آلاف، ولمن لم يشهدها وله سابقة أربعة آلاف، أربعة آلاف؛ وفرض للعباس اثني عشر ألفاً(617) .
وروي ابن سعد بسنده عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: لَمَّا دَوَّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابَ الدِّيوَانَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِهِ فِي الْمَدْعَى بَنِي هَاشِمٍ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ بَنِي هَاشِمٍ يُدْعَى الْعَبَّاسَ بْنَ عبد المطلب في ولاية عمر وعثمان(618) .
وروى الطبراني في الكبير بسنده
عن ابن عباس قول عمر مخاطباً العباس: مَهْلًا يَا عَبَّاسُ، فَوَاللهِ لَإِسِلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ(619)
وروى أحمد في مسنده حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَخِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ لِلعَبَّاسِ مِيزَابٌ عَلَى طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَبِسَ عُمَرُ ثِيَابَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ كَانَ ذُبِحَ لِلعَبَّاسِ فَرْخَانِ، فَلَمَّا وَافَى الْمِيزَابَ، صُبَّ مَاءٌ بِدَمِ الْفَرْخَيْنِ، فَأَصَابَ عُمَرَ وَفِيهِ دَمُ الْفَرْخَيْنِ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقَلْعِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ، فَطَرَحَ ثِيَابَهُ، وَلَبِسَ ثِيَابًا غَيْرَ ثِيَابِهِ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: «وَاللهِ إِنَّهُ لَلْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم»، فَقَالَ عُمَرُ لِلعَبَّاسِ: وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَمَّا صَعِدْتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى تَضَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ رضي الله
ارْضَ عَنِّي(622)
- احترام عثمان وعلي للعباس وامتثالهما أمره وقبولهما إشارته.
أخرج ابن أبي شيبة بسنده عَنْ صُهَيْبٍ مَوْلَى الْعَبَّاسِ قَالَ: أَرْسَلَنِي الْعَبَّاسُ إِلَى عُثْمَانَ أَدْعُوهُ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ يُغَدِّي النَّاسَ فَدَعَوْتُهُ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ أَبَا الْفَضْلِ. قَالَ: وَوَجْهُكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: مَا زِدْتُ عَلَى أَنْ أَتَانِي رَسُولُكَ، وَأَنَا أُغَدِّي النَّاسَ فَغَدَّيْتُهُمْ، ثُمَّ أَتَيْتُكَ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أُذَكِّرُكَ اللهَ فِي عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكَ، وَأَخُوكَ فِي دِينِكَ، وَصَاحِبُكَ مَعَ نَبِيِّكَ - صلى الله عليه وسلم - وَصَهْرُكَ، وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَقُومَ بَعَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ فَاعْفِنِي مِنْ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا أُجِيبُكَ أَنِّي قَدْ شَفَّعْتُكَ فِي عَلِيٍّ إِنَّ عَلِيًّا لَوْ شَاءَ مَا كَانَ أَحَدٌ دُونَهُ، وَلَكِنَّهُ أَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا رَأْيُهُ. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: أُذَكِّرُكَ اللهَ فِي ابْنِ عَمِّكَ وَابْنِ عَمَّتِكَ وَأَخِيكَ فِي دِينِكَ وَصَاحِبِكَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَوَلِيِّ بَيْعَتِكَ. فَقَالَ: وَاللهِ لَوْ أَمَرَنِي أَنْ أَخْرُجَ عَنْ دَارِي لَخَرَجْتُ(623) .
فدل ما سبق على عظم مكانة العباس رضي الله عنه عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وحسن تقديرهم له، واعترافهم بفضله، وأخذهم برأيه.
ولهذا خالف السخاوي ابن تيمية في تقريره أفضلية بلال على العباس؛ وذلك أن ابن تيمية سُئِلَ عَنِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَبِلَالٍ رضي الله عنهما ، قَالَ: بِلَالٌ وَأَمْثَالُهُ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَبَّاسِ وَأَمْثَالِهِ مِنَ التَّابِعِينَ لَهُ بِإِحْسَانٍ ; لِأَنَّهُ قَيَّدَ التَّابِعِينَ بِشَرْطِ الْإِحْسَانِ.
وخالفه السخاوي بقوله: وَلَكِنْ لَمْ يُوَافَقِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ بِلَالٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ: كَانَ الْعَبَّاسُ أَعْظَمَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَالصَّحَابَةُ يَعْتَرِفُونَ لِلْعَبَّاسِ بِفَضْلِهِ، وَيُشَاوِرُونَهُ وَيَأْخُذُونَ بِرَأْيِهِ، وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَاقِبِ الْمُفْرَدَةِ فِي عِدَّةِ تَآلِيفَ; كَاسْتِسْقَاءِ عُمَرَ بِهِ رضي الله عنهما ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَسْلَمَ وَهَاجَرَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ، وَكَمْ لَهُ رضي الله عنه مِنْ مَآثِرَ حَسَنَةٍ قَبْلَ إِسْلَامِهِ(624) .
2 - العباس بين الفضائل والمناقب(625)
(نخبة النقول في فضائل عم الرسول)
حاز العباس كثيراً من الفضائل، وجمع كثيراً من المناقب، ووردت في بيان مناقبه روايات كثيرة دلت في مجملها على عِظَم مكانته، وجلال قدره وسمو ورفعة منزلته.
وقد عني العلماء بإبراز فضائل العباس رضي الله عنه، والتنقيب عن مناقبه؛ فها هو الآجري في الشريعة يخصص كتاباً جعله بعنوان:
كِتَابُ فَضَائِلِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَوَلَدِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ(626) ، وأدرج فيه عدة الأبواب وهي:
- بَابُ ذِكْرِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
- بَابُ ذِكْرِ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ رضي الله عنه وَلِوَلَدِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ فِي ذَلِكَ.
- بَابُ ذِكْرِ مَنْ آذَى الْعَبَّاسَ رضي الله عنه فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
- بَابُ غَضَبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِغَضَبِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه.
- بَابُ مَا رُوِيَ أَن لِلْعَبَّاسِ رضي الله عنه شَفَاعَةً يَشْفَعُ بِهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ومن قوله مستهلاً هذا الكتاب: فكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْرِمُ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه، وَيُعَظِّمُهُ وَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِ وَيَقُولُ لَهُ: «يَا عَمُّ». وَيَدْعُو لَهُ وَلِوَلَدِهِ بِأَنْ يَسْتُرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ النَّارِ(627) .
وابن شاهين في مؤلفه شرح مذاهب أهل السنة يخصص جزءاً عن فضائل العباس رضي الله عنه جعله بعنوان: مَا تَفَرَّدَ بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْفَضْلِ، وجمع فيه خمس روايات(628) .
واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة أورد بعض ما روي في فضائل العباس رضي الله عنه تحت عنوان: سِيَاقُ مَا رُوِيَ مِنْ فَضَائِلِ الْعَبَّاسِ وَحَمْزَةَ عَمَّيْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمَا وَغَيْرِهِمَا(629) .
ولو أردنا إحصاء فضائل العباس رضي الله عنه ومناقبه لاحتجنا إلى الكثير والكثير مما لا تحتمله طبيعة هذا البحث المتواضع، ولكن تكفينا هنا
بعض الإشارات، وكما يقال: رُب إشارة أبلغ من عبارة، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب السنة والتاريخ والسير، والأنساب فهي حبلى بمناقب العباس وفضائله رضي الله عنه.
وسنبدأ في هذا الجزء بعرض فضائل العباس ومناقبه الصحيحة أو المختلف فيها. نتلوه بضعيف فضائله ومناقبه.
صحيح فضائل العباس رضي الله عنه:
1 - روى مسلم بسنده، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِى سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِىَ عَلَىَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». ثُمَّ قَالَ «يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»(630) .
والصنو هنا أي المثل والنظير، قال ابن الأثير: الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد وهو مثل أبي أو مثلي وجمعه صنوان(631) على هذا فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم:
وأن عم الرجل صنو أبيه، أي: مثله يعني أصلهما واحد فتعظيمه كتعظيمه وإيذاؤه كإيذائه.
2 - روى البخاري بسنده، عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، «فَنَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ» قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ(632) .
وهذا الحديث فيه بيان فضيلة ظاهرة للعباس رضي الله عنه بإكرام النبي صلى الله عليه وسلم له حيث أعطى ثوبه عليه الصلاة والسلام كفناً لعبد الله بن أبي مكافأة له على إعطائه قميصه للعباس حين كان أسيراً يوم بدر.
3 روى البخاري بسنده، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: لَدَدْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: «لاَ تُلِدُّونِي» فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «لاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ، غَيْرَ العَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ»(633) وقد أورد متنه ابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة بإسناد
آخر كمنقبة للعباس وجعله تحت عنوان: الْفَضِيلَةُ الْخَامِسَةُ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهَا الْعَبَّاسُ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ(634)
4 روى البخاري بسنده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: «اسْقِنِي»، قَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ: «اسْقِنِي»، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ» ثُمَّ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ» يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ(635)
ولعل وجه المنقبة هنا يتمثل في قول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس ومن معه: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم تمنيه صلى الله عليه وسلم أن يشاركهم في صنيعهم.
5 - روى البخاري بسنده، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ(636) .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الآجُرِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَمِنْ فَضَائِلِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنه أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه اسْتَسْقَى عَامَ الرَّمَادَةِ بِالْعَبَّاسِ فَسُقُوا(637) .
6 روى مسلم بسنده، عن زيد بن أرقم قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا،
بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا(638) بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ(639) أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ(640)
وهذه الرواية فيها منقبة واضحة للعباس وبنيه وهي أنهم من جملة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وممن تحرم عليهم الصدقة، وكفى بها فضيلة بعد الإسلام وإخلاص العمل.
7 روى أحمد حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ، قثنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: قَالَ كُرَيْبٌ أَبُو رِشْدِينَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ لَيُجِلُّ الْعَبَّاسَ إِجْلالَ الْوَلَدِ وَالِدًا أَوْ عَمًّا(641) وفي رواية ابن عساكر بزيادة: فضيلة خصَّ الله بها العباس بن
عبد المطلب دون من سواه.
8 - روى الطبراني بسنده، عن أبي رافع رضي الله عنه أنه بشَّر النبيَّ صلى الله عليه وسلم بإسلَامِ العبَّاسِ فأعتَقَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم(642) .
فلقد فرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه وأعتق أبا رافع لما بشَّره بإسلامه، ففيه منقبة ظاهرة للعباس رضي الله عنه.
9 روى الترمذي بسنده، عَنْ كُرَيْبٍ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: إذا كان غداة الاثنين فاتني أنت وولدك حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك، فغدا وغدونا معه
وألبَسَنا كساءً، ثم قال: اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرةً وباطنةً لا تغادر ذنبا اللهم احفظه في ولده(643)
10 - روى أحمد بسنده، عَنْ حُجَيَّةَ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، «سَأَلَ النَّبِيَّ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذلك»(644) .
وفيها منقبة للعباس وفضيلة ظاهرة له رضي الله عنه أنه كان سبَّاقاً لأداء ما أوجب الله عليه من الفرائض بطلبه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له بأداء زكاته قبل أن يحلَّ وقتها.
11 - روى البزار بسنده عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْعَبَّاسِ: سَلْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَنَا الْحِجَابَةَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أُعْطِيكُمُ السِّقَايَةَ تَرْزُؤُكُمْ وَلَا تَرْزُؤُونَهَا، قَالَ: قُلْتُ لِلْعَبَّاسِ سَلْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَسْتَعْمِلُكَ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَسْتَعْمِلَكَ عَلَى غُسَالَةِ ذُنُوبِ النَّاسِ(645) .
وقال أبو جعفر الطحاوي: فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا كَرِهَ
لِلْعَبَّاسِ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ لِرِفْعَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا عَلَى غُسَالَةِ ذُنُوبِ النَّاسِ، لَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حِلِّهَا لَهُ لَوْ عَمِلَ عَلَيْهَا(646)
12 روى أبو داود بسنده، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: «يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّاهُ، أَلَا أُعْطِيكَ، أَلَا أَمْنَحُكَ، أَلَا أَحْبُوكَ، أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ، إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، عَشْرَ خِصَالٍ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ، قُلْتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ
لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً»(647)
13
روى البخاري بسنده، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ(648)
وفي
هذا الحديث فضيلة للعباس رضي الله عنه حيث رخَّص له رسول الله صلى الله عليه وسلم له أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ.
قال ابن حبيب في المنمق: ومن فضل العباس أنه لم يحل لأحد من الحاج المبيت بمكة ليالي منى إلا العباس وحده(649) .
14 روى الحاكم بسنده إلى حماد بن سلمة عن ثابت عن عقبة ابن عبد الغافر قال: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ تَحَلَّقَتْ عِنْدَهُ بُطُونُ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ آبَائِهِمْ إِلَى أَنْ قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي أَبِيكَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ: «رَحِمَ اللهُ أَبَا الْفَضْلِ كَانَ وَاللهِ عَمَّ نَبِيِّ اللهِ، وَقُرَّةَ عَيْنِ رَسُولِ اللهِ، سَيِّدُ الْأَعْمَامِ وَالْأَخْدَانِ، جَدُّ الْأَجْدَادِ، وآبَاؤُهُ الْأَجْوَادُ، وَأَجْدَادُهُ الْأَنْجَادُ، لَهُ علْمٌ بِالْأُمُورِ، قَدْ زَانَهُ حلِمٌ، وَقَدْ عَلَاهُ فَهْمٌ، كَانَ يَكْسِبُ حِبَالَهُ كُلُّ مُهَنَّدٍ، وَيَكْسِبُ لِرَأْيِهِ كُلُّ مُخَالِفٍ رِعْدِيدٍ(650) تَلَاشَتِ الْأَخْدَانُ عِنْدَ ذِكْرِ فَضِيلَتِهِ، وَتَبَاعَدَتِ الْأَنْسَابُ عِنْدَ ذِكْرِ عَشِيرَتِهِ، صَاحِبُ الْبَيْتِ وَالسِّقَايَةِ وَالنَّسَبِ وَالْقَرَابَةِ، وَلِمَ لَا يَكُونُ
كَذَلِكَ؟ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ؟ وَمُدَبِّرُ سِيَاسَتِهِ أَكْرَمُ مَنْ دَبَّرَ، وَأَفْهَمُ مَنْ نَشَأَ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَكِبَ(651)
كانت هذه نظرة إلى ما صحَّ من فضائل العباس رضي الله عنه، وفيما يلي إلقاء الضوء على ضعيف هذه الفضائل حتى يحذر القارئ ويكون على بينة.
الضعيف والموضوع في فضائل العباس
كما حفلت مصادر السنة بصحيح مناقب وفضائل العباس رضي الله عنه، فإنها ضمت كذلك ما ورد في مناقبه وفضائله من روايات ضعيفة وموضوعة(652) .
وفيما يلي بيان بعض ما ورد في فضائل العباس رضي الله عنه مما ضعف سنده أو غلب عليه الوضع.
1 روى الطبراني بسنده إلى أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: «يَا أَبَا الْفَضْلِ لَا تَرِمْ مَنْزِلَكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ غَدًا حَتَّى آتِيَكُمْ»، فَانْتَظَرُوهُ حَتَّى جَاءَ بَعْدَمَا أَضْحَى، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، قَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، قَالَ: «كَيْفَ أَصْبَحْتُمْ؟»، قَالَ:
بِخَيْرٍ، أَحْمَدُ اللهَ، فَقَالَ: «تَقَارَبُوا تَقَارَبُوا تَقَارَبُوا، يَزْحَفُ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ»، حَتَّى إِذَا أَمْكَنُوهُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِمْ بِمُلَاءَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا رَبُّ هَذَا عَمِّي وَصِنْوُ أَبِي، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَاسْتُرْهُمْ مِنَ النَّارِ كَسَتْرِي إِيَّاهُمْ بِمُلَاءَتِي هَذِهِ»، قَالَ: فَأَمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ(653) الْبَابِ وَحَوَائِطُ الْبَيْتِ، فَقَالَتْ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ(654)
2 - روى الحاكم بسنده، عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا الفضل لك من الله حتى ترضى(655) .
3 حديث:
«الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبِي، وَعَمِّي، وَوَصِيِّي، وَوَارِثِي»(656)
4 - حديث: «عَمِّي الْعَبَّاسُ، حَصَّنَ فَرْجَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ، فَحَرَّمَ اللهُ بَدَنَهُ عَلَى النَّارِ، وَوَلَدَهُ، اللهُمَّ هَبْ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ»(657) .
5 روى الترمذي بسنده عن عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَنَّ العَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُغْضَبًا وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا أَغْضَبَكَ»؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا
لَنَا وَلِقُرَيْشٍ، إِذَا تَلَاقَوْا بَيْنَهُمْ تَلَاقَوْا بِوُجُوهٍ مُبْشَرَةٍ، وَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»(658)
6 روى أحمد بسنده عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي الْقَيْظِ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، أَوْ قَالَ: لِيَتَوَضَّأَ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَسَتَرَهُ بِكِسَاءٍ مِنْ صُوفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ هَذَا؟» قَالَ: عَمُّكَ يَا رَسُولَ اللهِ، الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ
خَلَلِ الْكِسَاءِ، وَهُوَ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللهُمَّ اسْتُرِ الْعَبَّاسَ وَوَلَدَ الْعَبَّاسِ مِنَ النَّارِ»(659)
6 - روى ابن ماجه بسنده عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَمَنْزِلِي وَمَنْزِلُ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ تجاهين، وَالْعَبَّاسُ بَيْنَنَا مُؤْمِنٌ بَيْنَ خَلِيلَيْنِ»(660) .
7 روى الطبراني بسنده، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ الْعَبَّاسُ
يَعُودُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ، فَرَفَعَهُ، فَأَجْلَسَهُ فِي مَجْلِسِهِ عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «رَفَعَكَ اللهُ يَا عَمِّ»، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: هَذَا عَلِيٌّ يَسْتَأْذِنُ. فَقَالَ: «يَدْخُلُ» فَدَخَلَ وَمَعَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: هَؤُلَاءِ وَلَدُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَهُمْ وَلَدُكَ يَا عَمِّ» قَالَ: أَتُحِبُّهُمْ؟ فَقَالَ: «أَحَبَّكَ اللهُ كَمَا أَحَبَّهُمْ»(661)
8 روى الطبراني بسنده، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَعْرِفُ الضَّغَائِنَ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ. قَالَ: «بِمَ تَعْرِفُهَا؟» قَالَ: تَكُونُ الْحَلْقَةُ فِي الْحَدِيثِ، فَإِذَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ أَمْسَكُوا لِقَرَابَتِي مِنْكَ، وَلَوْ كَانُوا فِي نُصْحَةٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا أَمْسَكُوا لِقَرَابَتِي مِنْكَ قَالَ: «تَعْرِفُهُمْ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَوَضَعَ الْعَبَّاسُ يَدَهُ عَلَى ذِرَاعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: هَذِهِ الْحَلْقَةُ مِنْهُمْ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
بِيَدِ الْعَبَّاسِ، فَرَفَعَهَا، فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يُحِبَّ عَمِّي هَذَا لِلَّهِ وِلِقَرَابَتِهِ مِنِّي فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ»(662)
9 - روى الآجري بسنده إلى بُكَيْرٌ أَبُي عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ أَصْنَامٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكَسِّرُ تِلْكَ الْأَصْنَامِ وَيَقُولُ: «هَيَّا يَا أَبَهْ» وَيَقُولُ الْعَبَّاسُ: هَيَّا يَا بُنَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. «مَنْ رَآنِي وَرَأَى عَمِّي فَقَدْ رَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَهُمَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ»(663) .
10 روى أحمد بسنده، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، أَنَّ كَعْبًا الْحَبْرَ
أَخَذَ بِيَدِ الْعَبَّاسِ فَقَالَ: «اخْتَبِئْهَا لِلشَّفَاعَةِ عِنْدَكَ» قَالَ: وَهَلْ لِي شَفَاعَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا كَانَتْ لَهُ شَفَاعَةٌ»(664)
11 - روى ابن شاهين بسنده، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا عَمِّ، أَقِمْ بِمَكَانِكَ الَّذِي أَنْتَ بِهِ، فَإِنَّ اللهَ يَخْتِمُ بِكَ الْهِجْرَةَ كَمَا خَتَمَ بِيَ النُّبُوَّةَ»(665) .
12 روى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ، أَوْ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ جَاءَ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لِأَبِي نَصِيبًا مِنَ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا هِجْرَةَ»، فَانْطَلَقَ فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتَنِي؟ قَالَ: أَجَلْ، فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ فِي قَمِيصٍ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَرَفْتَ فُلَانًا وَالَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَجَاءَ بِأَبِيهِ لِتُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَا هِجْرَةَ»، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ، فَمَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ، فَمَسَّ يَدَهُ، فَقَالَ: «أَبْرَرْتُ عَمِّي، وَلَا هِجْرَةَ»(666)
13 روى أحمد بسنده، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ،
عَنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «انْظُرْ هَلْ تَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ نَجْمٍ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا تَرَى؟» قَالَ: قُلْتُ: أَرَى الثُّرَيَّا، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ يَلِي هَذِهِ الْأُمَّةَ بِعَدَدِهَا مِنْ صُلْبِكَ اثْنَيْنِ فِي فِتْنَةٍ»(667)
14 روى أحمد بسنده، عَنِ
ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَعَ فِي أَبٍ للْعَبَّاسِ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَطَمَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَاءَ قَوْمَهُ، فَقَالُوا: وَاللهِ لَنَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَهُ. فَلَبِسُوا السِّلاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ؟» قَالُوا: أَنْتَ. قَالَ: «فَإِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ(668) فَلا تَسُبُّوا أَمْوَاتَنَا، فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا» فَجَاءَ الْقَوْمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِكَ(669)
15
روى الحاكم بسنده، عَنْ مَكْحُولٍ، عنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَوَارِثُ النَّبِيِّ وَعَمُّهُ»(670)
16 روى الحاكم بسنده، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوْصَانِي اللهُ بِذِي الْقُرْبَى، وَأَمَرَنِي أَنْ أَبْدَأَ
الخطيب في التاريخ بسنده، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: بَينا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَاكِبٌ إِذْ حَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ فَإِذَا هُوَ بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ: «يَا عَبَّاسُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِنَّ اللهَ فَتَحَ هَذَا الأَمْرَ بِي، وَسَيَخْتِمُهُ بِغُلامٍ مِنْ وَلَدِكَ يَمْلَؤُهَا عَدْلا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَهُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِعِيسَى»(674)
19
روى أبو نعيم في الحلية بسنده، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَلَقَّاهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: «أَلَا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَتَحَ بِي هَذَا الْأَمْرَ، وَبِذُرِّيَّتِكَ يَخْتِمُهُ»(675)
20 - روى المحب الطبري بسنده، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: منك المهدي في آخر الزمان به ينتشر الهدى وبه تطفأ نيران الضلالات إن الله عز وجل فتح بنا هذا الأمر وبذريتك يختم(676) .
21 روى الطبراني بسنده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَجْلِسٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا
يَقُومُ عَنْهُ إِلَّا لِلْعَبَّاسِ، فَكَانَ يَسُرُّ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ الْعَبَّاسُ يَوْمًا، فَزَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا لَكَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَمُّكَ قَدْ أَقْبَلَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُبْتَسِمًا، فَقَالَ: «هَذَا الْعَبَّاسُ قَدْ أَقْبَلَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ وَسَيَلْبَسُ وَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ السَّوَادَ، ويَمْلِكُ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا». فَلَمَّا جَاءَ الْعَبَّاسُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا قُلْت لِأَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: «مَا قُلْتُ إِلَّا خَيْرًا». قَالَ: صَدَقْتَ بِأَبِي وَأُمِّي لَا تَقُولُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ: «قُلْتُ: قَدْ أَقْبَلَ عَمِّي، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ، وَسَيَلْبَسُ وَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ السَّوَادَ، ويَمْلِكُ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا»(677)
22 روى الطبراني بسنده، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، قَالَتْ: مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ بِالْحِجْرِ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ الْفَضْلِ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِنَّكِ حَامِلٌ بِغُلَامٍ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ وَقَدْ تَحَالَفَتْ قُرَيْشٌ أَنْ لَا يَأْتُوا
النِّسَاءَ؟ قَالَ: «هُوَ مَا أَقُولُ لَكِ، فَإِذَا وَضَعْتِيهِ فَأْتِنِي بِهِ»، قَالَتْ: فَلَمَّا وَضَعْتُهُ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى، وَأَلْبَأَهُ مِنْ رِيقِهِ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبِي بِأَبِي الْخُلَفَاءِ»، قَالَتْ: فَأَتَيْتُ الْعَبَّاسَ فَأَعْلَمْتُهُ، وَكَانَ رَجُلًا لَبَّاسًا جَمِيلًا مُوتَئِدَ الْقَامَةِ، فَتَلَبَّسَ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَامَ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ أَقْعَدَهُ، عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا عَمِّي، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُبَاهِ بِعَمِّهِ»، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: بَعْضَ الْقَوْلِ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَلِمَ لَا أَقُولُ هَذَا يَا عَمُّ، وَأَنْتَ عَمِّي، وَصِنْوُ أَبِي، وَبَقِيَّةُ آبَائِي، وَوَارِثِي، وَخَيْرُ مَنْ أَخْلُفُ مِنْ بَعْدِي مِنْ أَهْلِي؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَتْ: أُمُّ الْفَضْلِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ يَا عَبَّاسُ بَعْدَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ مِنْكُمُ السَّفَّاحُ، وَالْمَنْصُورُ، وَالْمَهْدِيُّ، ثُمَّ هِيَ فِي أَوْلَادِهِمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمُ الَّذِي يُصَلِّي بِالْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ»(678)
23 روى الطَّبرانيُّ
بسنده إلى ابن لهيعة، حدَّثني واهب بن عبد الله المعافريُّ، قال: سمعت عقبة بن عامرٍ الجهنيَّ يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمِّه العبَّاس، ثمَّ قال: «يا عبَّاس،
إنَّه لا يكون نُبوَّةٌ إلَّا كانت بعدها خلافةٌ، وسَيَلِي من ولدك في آخر الزَّمان سبعةَ عشرَ: منهم السَّفَّاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهديُّ وليس بمهديٍّ ومنهم الجموح، ومنهم العاقب، ومنهم الواهن. ومن ولدك، وويلٌ لأُمَّتي منه، كيف يعقرها ويهلكها، ويذهب بأموالها، هو وأتباعه على غير دينِ الإسلام، فإذا بُويع لصَبيِّه، فعند الثَّامن عشر انقطاع دولتهم، وخروج أهل الغرب من بُيُوتهم»(679)
24 - روى الخطيب بسنده عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مِنَّا الْقَائِمُ، وَمِنَّا الْمَنْصُورُ، وَمِنَّا السَّفَّاحُ، وَمِنَّا الْمَهْدِيُّ، فَأَمَّا الْقَائِمُ فَتَأْتِيهِ الْخِلافَةُ لَمْ يُهْرَقْ فِيهَا مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ، وَأَمَّا الْمَنْصُورُ فَلا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، وَأَمَّا السَّفَّاحُ فَهُوَ يَسْفَحُ الْمَالَ وَالدَّمَ، وَأَمَّا الْمَهْدِيُّ فَتُمْلأُ بِهِ الأَرْضُ عَدْلا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا»(680) .
25
روى الحاكم بسنده إلى يَعْقُوبُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ فَرَأَيْتُ لَهُ جُمَّةً(681) فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى حُسْنِهَا، فَقَالَ: كَانَ لِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ جُمَّةٌ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللهِ كَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْعَبَّاسِ كَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ، وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ جُمَّةٌ، وَحَدَّثَنِي «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ، وَكَانَ لِهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ جُمَّةٌ» فَقُلْتُ لِأَبِي: لَأَعْجَبُ مِنْ حُسْنِهَا، فَقَالَ: «ذَلِكَ نُورُ الْخِلَافَةِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ إِذْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا لِلْخِلَافَةِ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى نَاصِيَتِهِ، فَلَا تَقَعُ عَلَيْهِ عَيْنُ أَحَدٍ إِلَّا أَحَبَّهُ»(682) وهذا
الحديث في
فضائل العباس وولده.
26 - روى الحاكم بسنده، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ:... قَالَ: فَخَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرَى لِلْعَبَّاسِ مَا يَرَى الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ، يُعَظِّمُهُ، وَيُفَخِّمُهُ، وَيَبَرُّ قَسَمَهُ فَاقْتَدُوا أَيُّهَا النَّاسُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَاتَّخِذُوهُ وَسِيلَةً إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا نَزَلَ بِكُمْ»(683) .
27 روى البلاذري حَدَّثَنِي عَبَّاسُ
بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أُسَامَةَ بن محمد بن أسامة بن زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ قَالَ: أهْدَيتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم زَبِيبًا وَتِينًا مِنَ الشَّامِ فَقَالَ: اللهُمَّ أَدْخِلْ عَلَيَّ أَحَبَّ أَهْلِي إِلَيْكَ، فَدَخَلَ العباس فقال: ها هنا يَا عَمُّ، دُونَكَ فَكُلْ(684)
آيات رُوِي نزولها في العباس
وردت بعض الروايات في الإشارة إلى نزول بعض آي القرآن بشأن العباس رضي الله عنه، وإن كان حكمها عاماً للأمة كلها تماشياً مع قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(685) ، وسنحاول بيان هذه الآيات سواء صحت نسبة نزولها في العباس رضي الله عنه أو لم تصح، مع بيان وجه الصحة من عدمه في الأغلب، حتى يكون القارئ على بينة من أمره، ومن تلك الآيات:
* ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون(686) ﴾ .
وروي نزول هذه الآية في شأن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
قال ابن الجوزي في تفسيره: في نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ثقيف، فلما وضع
الله الربا، طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم، فنزلت هذه الآية، والتي بعدها، هذا قول ابن عباس(687)
والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان، والعباس، كانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ، قال صاحب التّمر: إن أخذتما ما لكما لم يبق لي ولعيالي ما يكفي، فهل لكما أن تأخذوا النصف وأضعّف لكما؟ ففعلا، فلما حل الأجل، طلبا الزيادة، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنهاهما عليه السلام، فنزلت هذه الآية، هذا قول عطاء وعكرمة(688) .
والثالث: أنها نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية وكانا يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلا إِن كل رباً من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس» هذا قول السدي(689) .
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن السُّدِّيُّ أن الْآيَةُ: نَزَلَتِ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَجُلٍ مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ، كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسْلِفَانِ فِي الرِّبَا إِلَى أُنَاسٍ مِنْ ثَقِيفٍ، مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ، وَهُمْ رَهْطُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ، وَلَهُمَا أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ فِي الرِّبَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] مِنْ فَضْلٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِنَ الرِّبَا(690) .
وقال السيوطي: خرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ الْآيَة
قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَرجل من بني الْمُغيرَة كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّة يسلفان فِي الرِّبَا إِلَى نَاس من
ثَقِيف من بني ضَمرَة وهم بَنو عَمْرو بن عُمَيْر فجَاء الإِسلام وَلَهُمَا أَمْوَال عَظِيمَة فِي الرِّبَا، فَأنْزل الله ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾(691)
والناظر إلى هذه الروايات السابقة يجد العباس طرفاً فيها مع غيره، مما يرجح نزولها بشأنه، مع عمومية حكمها.
* قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا(692) ﴾ .
- روى ابن جرير بسنده عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قَالَ: «كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بِهَا هَلَكَ قَالَ اللهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا مِنْهُمْ وَأُمِّي مِنْهُمْ قَالَ عِكْرِمَةُ: وَكَانَ الْعَبَّاسُ مِنْهُمْ»(693) .
وقول عكرمة هذا لا يعني أنها نزلت في العباس، وإنما يشير إلى أنه كان ممن استضعف وبقي في مكة، وهذا يشير إلى إسلامه فيها، وقد بينا الأقوال في مبحث إسلام العباس، بما يغني عن إعادته هنا.
- وعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالْإِسْلَامِ، فَأَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، بَعْضُهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ كَانَ أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ وَأُكْرِهُوا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] إلَى آخِرِ الْآيَةِ»(694) .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قَالَ: «لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ وَعُقَيْلٌ وَنَوْفَلٌ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ: «افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَمْ نُصَلِّ إِلَى قِبْلَتِكَ، وَنَشْهَدْ شَهَادَتَكَ؟ قَالَ: «يَا عَبَّاسُ، إِنَّكُمْ خَاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ فَهُوَ كَافِرٌ حَتَّى يُهَاجِرَ، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، حِيلَةً فِي الْمَالِ، وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَنَا
مِنْهُمْ مِنَ الْوِلْدَانِ»(695)
والرواية - على فرض صحتها - لم تشر إلى ابتداء نزولها في العباس رضي الله عنه، وغاية ما فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا عليه هذه الآية، مما يحتمل نزولها قبل ذلك.
وفي البخاري أنه نزلت في المسلمين الذين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم.
وروى البخاري حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، وَغَيْرُهُ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الأَسْوَدِ، قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيَقْتُلُهُ - أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ» - فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ(696) .
والآية عامة، ولا وجه لتخصيص حكمها بشخص أو بزمن،
وصرح العيني أن الآية عذر من الله عز وَجل لهَؤُلَاء المستضعفين فِي ترك الْهِجْرَة وَذَلِكَ لأَنهم لَا يقدرُونَ على التَّخَلُّص من أَيدي الْمُشْركين، وَلَو قدرُوا مَا عرفُوا يسلكون الطَّرِيق(697)
قال الحافظ ابن كثير: نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظَهَرَانَيْ المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس مُتَمَكِّناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراماً بالإجماع، وبنصِّ هذه الآية». وإن مما لا يشك فيه العالم الفقيه أن الآية بعمومها تدل على أكثر من الهجرة من بلاد الكفر(698) .
وقد صرّح بذلك الإمام القرطبي، فقال: وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي(699) .
* قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾(700) .
قال البيضاوي: روي أنها نزلت في العباس رضي الله عنه حين كلَّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه وابني أخويه «عقيل» و«نوفل»..
ثم ساق قصة الفداء(701)
ومما يشير إلى نزول الآية بشأن العباس، ما أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق (في قصة فداء العباس يوم أسرِه في بدر وفيها):
.. ففَدَى الْعَبَّاسُ نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ وَحَلِيفَهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَأَعْطَانِي مَكَانَ الْعِشْرِينِ الْأُوقِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو مِنْ مَغْفِرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ(702) .
وأخرج الطبراني من طريق محَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.. (في قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى) فَقَالَ الْعَبَّاسُ: فِيَّ وَاللهِ نَزَلَتْ، حِينَ أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِإِسْلَامِي، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يُحَاسِبَنِي بِالْعِشْرِينَ الْأُوقِيَّةَ الَّتِي أَخَذْتُ مَعِي، فَأَعْطَانِي بِهَا عِشْرِينَ عَبْدًا، كُلُّهُمْ
تَاجَرَ بِمَالِي فِي يَدِهِ، مَعَ مَا أَرْجُو مِنْ مَغْفِرَةِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ(703)
وروى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾؛ عَبَّاسٌ وَأَصْحَابُهُ.. فَكَانَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِينَا وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا(704) .
وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدلائل من حَدِيث ابن عَبَّاسٍ: لما كان يوم بدرٍ أُسِر سبعون، فجعل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أربعينَ أُوقِيَّةً ذهبًا، وجَعَل على عمِّه العباس مائةً، وعلى عَقِيل ثمانين، فقال العباس: أَلِلْقَرَابَةِ صَنَعْتَ بِي هَذَا؟ وَالذِي يَحْلِفُ بِهِ العَبَّاسُ لَقَدْ تَرَكْتَنِي فَقِيرَ قُرَيْشٍ مَا بَقِيتُ... فَأنْزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: 70 - 173]. فَقَالَ - أي الْعَبَّاسُ - حِينَ نَزَلَتْ: يَا نَبِيَّ الله لوَدِدْتُ أنَّكَ كُنْتَ أَخَذْتَ مِنِّي أَضْعَافَهَا فآتَاني اللهُ خَيْرًا مِنه(705) .
وعليه، فيترجح نزولها في العباس مع غيره، استناداً على ما سبق وغيره من روايات الفداء بطرقها.
* قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾(706) .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآية: قد نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ أسر ببدر قَالَ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي وَنَفُكُّ الْعَانِيَ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ - إِلَى قَوْلِهِ - وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. يعني أن ذلك كله كَانَ فِي الشِّرْكِ وَلَا أَقْبَلُ مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ(707) .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهُمْ بِالشِّرْكِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنَّا نُعَمِّرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَنَفُكُّ الْعَانِيَ وَنَحْجُبُ الْبَيْتَ وَنَسْقِي الْحَاجَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الْآيَةَ(708) .
وقال ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ قَالَ: «نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ»(709) .
وروى ابن جرير بسنده عن مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا صَاحِبُ الْبَيْتِ مَعِي مِفْتَاحُهُ وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِيهِ. وَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَنَا صَاحِبُ السِّقَايَةِ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ لَقَدْ صَلَّيْتُ إِلَى الْقِبْلَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ النَّاسِ وَأَنَا صَاحِبُ الْجِهَادِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الْآيَةَ
كُلَّهَا(710)
وروى ابن جرير بسنده عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ﴾ [التوبة: 19] قَالَ الْعَبَّاسُ: مَا أُرَانِي إِلَّا تَارِكَ سِقَايَتِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا عَلَى سِقَايَتِكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا خَيْرًا»(711) .
وفي تفسير عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: قَالَ: نَزَلَتْ فِي على والعباس رضي الله عنهما بما تكلما في ذلك(712) .
وعارض بعض العلماء ما روي في نزولها في العباس وقت شركه أو حتى بالمشركين بصفة عامة مستشهداً برواية مسلم عن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ
يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 19] الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا(713)
ونقل القاسمي في تفسيره هذه المعارضة ثم فنَّدها مرجحاً أنه لا يمنع نزولها في المشركين، قائلاً: قال بعضهم: فظاهر هذه الرواية أن المفاضلة كانت بين بعض المسلمين المؤثرين للسقاية والعمارة على الهجرة والجهاد ونظائرهما، ونزلت الآية في ذلك، مع أن الرواية السالفة عن ابن عباس(714) تنافيه. وكذا تخصيص ذكر الإيمان بجانب المشبه به، وكذا وصفهم بالظلم لأجل تسويتهم المذكورة.
وأقول: لا منافاة. وظاهر النظم الكريم فيما قاله ابن عباس لا يرتاب فيه، وقول النعمان (فأنزل الله) بمعنى أن مثل هذا التحاور نزل فيه فيصل متقدم، وهو هذه الآية، لا بمعنى أنه كان سبباً لنزولها كما بيناه غير
ما مرة. وهذا الاستعمال شائع بين السلف، ومن لم يتفطن له تتناقض عنده الروايات، ويحار في المخرج، فافهم ذلك وتفطن له.
وتأييد أبي السعود نزولها في المسلمين بما أطال فيه، ذهول عن سباق الآية وعن سياقها، فيما صدعت فيه من شديد التهويل، وعن لاحقها في درجات التفضيل، وقصر الفوز والرحمة والرضوان على المشبه به(715) .
* قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾(716) .
وهذه الآية روي نزولها في العباس بن عبد المطلب مع غيره حال شركه.
روى ابن جرير بسنده عَنْ سُفْيَانَ، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ(717) .
ورَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُنَاجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ يَتَصَدَّى لَهُمْ كَثِيرًا وَيَحْرِصُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أعمى يقال له: عبد الله ابن أُمِّ مَكْتُومٍ يَمْشِي وَهُوَ يُنَاجِيهِمْ..(718) .
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ: «كَانَ النَّبِيءُ
صلى الله عليه وسلم حِينَئِذٍ يُنَاجِي عُتْبَةَ ابْنَ رَبِيعَةَ وَأَبَا جَهْلٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَالنَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم يُقْبِلُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ(719)
ورُوي نزولها في رجال ليس منهم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
قال مجاهد في التفسير: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾، يَعْنِي: «رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ»(720) .
وقال الماوردي: قال قتادة: هو أمية بن خلف، وقال مجاهد: هما عتبة وشيبة ابنا ربيعة(721) .
وعند ابن أبي يعلى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُكَلِّمُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ قَالَ: فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ(722) .
وقال السيوطي: وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي مجْلِس من نَاس من وُجُوه قُرَيْش مِنْهُم أَبُو جهل بن هِشَام وَعتبَة بن ربيعَة فَيَقُول لَهُم: أَلَيْسَ حسنا أَن جِئْت بِكَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُونَ: بلَى وَالله فجَاء ابْن أم مَكْتُوم وَهُوَ مشتغل بهم، فَسَأَلَهُ، فَأَعْرض عَنهُ فَأنْزل الله ﴿ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴾ يَعْنِي ابْن أم مَكْتُوم(723) .
قال الشوكاني: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ سَبَبَ نُزُولَ الْآيَةِ: أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ طَمِعَ فِي إِسْلَامِهِمْ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ يَقْطَعَ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كَلَامَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ(724) .
وقال ابن عاشور: وَهَذَا الَّذِي تَصَدَّى النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم لِدَعْوَتِهِ وَعَرَضَ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ هُوَ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ سَلَفِ الْمُفَسِّرِينَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ(725) .
والظاهر مما سبق أن الروايات سالفة الذكر لم تجمع على وجود العباس رضي الله عنه وقت نزول الآية وعلى كونه المراد بها، وأنها اختلفت في تحديد المراد بالآية والاختلاف مرده إلى: العباس بن عبد المطلب والوليد بن المغيرة وأبي بن خلف وأمية بن خلف وأَبي جهل بن هِشَام وَعتبَة وشيبة ابنا ربيعَة، وعلى فرض صحة حضور العباس وقت نزول الآية فإن ذلك غير قادح فيه، حيث إنه كان وقتها مشركاً، وأسلم بعدها وحسن إسلامه، والإسلام كما هو معلوم يجبُّ ما قبله.
الفصل الخامس
العباس شخصيته وأخلاقه
وفي هذا الجزء سنبحر في شخصية العباس عبد المطلب رضي الله عنه متخللين شعابها ودروبها، ومتلمسين جوانبها المضيئة، وصفاتها الوضيئة، محاولة للوصول إلى مرتكزها ومحورها، وإن شئت فقل: مفتاحها، رضي الله عن صاحبها.
1 -- شخصيته رضي الله عنه:
إذا كان الإسلام قام في بدايته على أكتاف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فقد اختلفت اتجاهات الصحابة رضي الله عنهم في خدمة دينهم كل يدلي بدلوه بحسب ما أُعطِي من قدرات، ومُنِح من إمكانات، فكان منهم القائد البارع الذي خدم دينه فيما برز فيه حيث الشجاعة والبراعة في القيادة والتخطيط مثل: خالد بن الوليد، وكان منهم الجندي الشجاع الذي لا يقل براعة عن قائده مثل: سلمة بن الأكوع، وكان منهم الاقتصادي الكبير الذي وظَّف ماله في سبيل دينه مثل عثمان ابن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وطلحة بن عبيد الله. وكان منهم العالم المتقن مثل: زيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل، وابن عباس وغيرهم. ومنهم من جمع كل ذلك.
والعباس رضي الله عنه بوصفه عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وأحد أعلام الصحابة، حاز كثيراً من الفضائل، وتعددت مواهبه ومَلَك المجد من جُل أطرافه حيث اجتمع له مجد الصحبة، ومجد القرابة، ومجد السيادة، ومجد الحكمة.
ولو حاولنا أن نبحث عن معالم شخصية العباس رضي الله عنه فسنجد أنه رضي الله عنه حظي بشخصية متميزة ومتماسكة، فكان رضي الله عنه هادئ الطبع، موفور العقل، كريم السجية، دمث الخلق.
كما كان ذا شخصية متزنة إلى حدٍ كبيرٍ، وحازمة وجادة كذلك.
فكان قليل البكاء والضحك، وقد قلّبت في كثير من الروايات التي عنيت بذكر العباس رضي الله عنه، وكذا كتب التاريخ، على موقفٍ أضحكه أو أبكاه فلم أجد، وما في البكاء ولا في الضحك من عيب إذا لم يتجاوز حدَّه. ولا يعني هذا أنه كان لا يضحك ولا يبكي فهذا حتماً أمر مستبعد، لكنه يشير إلى قلة ذلك عنده، وإلى شخصيته الحازمة والجادة.
ويؤخذ من هذا أن الحزم والجد كانا من صفات شخصية العباس رضي الله عنه.
* مفتاح شخصية العباس رضي الله عنه:
لو أردنا معرفة محور شخصية العباس وحجر زاويتها، فإنه سيبدو لنا معلم السيادة(726) ، فالرجل كان قيلاً من أقيال العرب(727) ، وكان من سروات آل البيت، فكان بحق سيداً في قومه، بما تحمله هذه الكلمة من معان وما ينضوي تحتها من أركان.
ومرَّ معنا قول ابْنِ عَبَّاسٍ في رواية ابن سعد: كَانَ الْعَبَّاسُ
بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي يَلِي أَمْرَ بَنِي هَاشِمٍ(728)
وقد انتهت السيادة في مكة إليه وإلى أبي سفيان بن حرب... ثم انفرد العباس بسيادة قريش.
وهذه السيادة التي تبوأها العباس بين قومه بخاصة، وقريش بعامة، كانت لها عدة مقومات توافرت كلها في العباس، وهي:
* الحكمة ورجاحة العقل وسداد الرأي.
* الثراء والغنى.
* البذل والعطاء. (الكرم)
* الاعتزاز بالنفس.
ومن يطالع شخصية العباس ويقرأ سيرته بروية وإمعان يجد تلك المعالم والمقومات متوافرة في العباس رضي الله عنه، بل وعلى رأس مميزات شخصيته رضي الله عنه؛ فكان حكيماً سديد الرأي راجح العقل.
وكان ثرياً بل حريصاً على المال ولا يضيره ذلك طالما جمعه من حلال، وأنفقه في حلال.
كما كان كريماً معطاءً باذلاً ماله لمن يحتاج، غير ضنين به. كما كان معتزاً بنفسه واثقاً بملكاته، وفيما يلي بيان تلك المقومات من خلال سيرة العباس رضي الله عنه.
حكمة العباس وسداد رأيه:
كان العباس رضي الله عنه حكيماً بحق تتفجر الحكمة من جوانبه في كلمات تناهت نضرة وبهاء، وكان يغلب على طبعه رضي الله رجاحة العقل وجزالة الرأي وسداده. وهذه إحدى ركائز صفاته، ومفاتح شخصيته.
وشواهد ذلك في سيرته كثيرة، نظرياً وتطبيقاً.
روى ابن سعد بسنده عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَخْنَسِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالا: مَا أَدْرَكْنَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ إِلا وَهُوَ يَقَدِّمُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الْعَقْلِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ(729) .
وفي تاريخ دمشق: قال عامر - الشعبي -: لو أن العباس شهد بدراً ما فضله أحد من الناس رأياً ولا عقلاً(730) .
ويقول ابن عبد البر: وكان العباس جواداً مطعماً وصولاً للرحم ذا رأي حسن ودعوة مرجوة(731) .
وروى البلاذري بسنده عن علي بن أبي طالب قال: لم أر رأياً قط أوثق فتلاً، وأحكم عقداً من رأي عمي العباس(732) .
ولقد بدت بوادر هاتيك الصفة عند العباس رضي الله عنه منذ صغره، فقد نُشّأ على محاسن الأخلاق وشرفها وشبّ على ذلك، ومن حسن خلقه وجميل سيرته ما رواه ابن ظفر: أن عبد المطلب رأى ولد العباس يلعب مع أولاد صغار من مثل عمره، فقال صبي منهم: لا تضرب هاتيك القلة يا ابن الوتغاء، فقال له العباس: وبيت ربي لا تلعب معنا إنك من أبناء الشر قؤول بالخنا، فأكب عليه عبد المطلب فاحتمله وجعل يرتجز:
| لم ينمِم عمر ولا قصي |
|---|
| إن لم يسوده مني حتى ألوي مخيلته(733) ( 733 ) |
ولما شبَّ العباس جمع بين محبة قريش وبين احترامها له؛ لحكمته وحسن عقله وسداد تصرفه في الأمور، وقد عرف الجميع عن العباس هذه المزية - الحكمة ورجاحة العقل وسداد الرأي والخبرة في الحياة -.
ولعل من مؤيدات حكمته وشواهد تميزه بحسن الرأي وسداد العقل ما يلي:
- ما روي من اصطحاب النبي صلى الله عليه وسلم له يوم العقبة الثانية ليستوثق من أمر الأنصار.
والروايات الواردة في ذلك غاصة بخبرته في الحياة وحكمته في معالجة الأمور، من أول نصحه للقوم أن يستخفوا ومن قوله في ذلك للأنصار:
إن معكم من قومكم من هو مخالف لكم فأخفوا أمركم حتى ينصدع هذا الحاج ونلتقي نحن وأنتم فنوضح لكم الأمر، فتدخلون على أمرٍ بيِّن(734)
ثم كشف لهم بعض ما قد يعترضهم من محن ليعرف كيف استعدادهم، ومن قوله في ذلك:
وقد أبى محمداً الناسُ كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة فإنها سترميكم عن قوس واحدة فارتؤوا رأيكم وأتمروا أمركم ولا تتفرقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع فإن أحسن الحديث أصدقه».
وكأني بعيني العباس - وهو يلقي بكلماته الحازمة هذه - تحدقان كعيني الصقر في وجوه الأنصار.. يتتبع وقع الكلام وردود فعله العاجلة..
ولم يكتف بذلك بل ألزمته حكمته أن يتقصّى الحقيقة في مجالها المادي، ويواجه كل أبعادها مواجهة الحاسب الخبير.. فعاود سؤالهم مستأنفاً حديثه معهم قائلاً:
صِفُوا لِيَ الْحَرْبَ كَيْفَ تُقَاتِلُونَ عَدُوَّكُمْ؟ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ حَرَامٍ واصفاً حالهم في الحرب، من تقديمهم الرمي بالنبل حتى
تفنى، ثم طعنهم بالرماح حتى تتكسر، ثم مشيهم بالسيوف حتى يموت الأعجل.. فأعجب العباس مقاله، وقدَّر خبرتهم في الحرب قائلاً: أَنْتُمْ أَصْحَابُ حَرْبٍ.
ثم لفت نظره أن عبد الله لم يخص الدروع بشيء، فعاجله سائلاً: فَهَلْ فِيكُمْ دُرُوعٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ شَامِلَةٌ(735) .
إن الرجل يتقصى الأمر ويغوص في تفاصيله، والمتأمل في كلام العباس يجد الحكمة تتفجر منه، وملامح الخبرة في الحياة بادية على صاحبه، وبخاصة الخبرة الحربية كما مرَّ، إن العباس كان رجلاً مجرباً متمرساً يجيد الحكم على الناس والتفرس في طبائعهم، ويعرف كيف يزنهم ويميز بينهم، إن أسئلته تلك للقوم تنبئ عن بصيرة نافذة وحس عميق وفكر بعيد يستشرف المستقبل ويسبر أغواره، ويجوب بخياله في دروبه وشعابه، وكل هذا من مظان حكمته، ومؤيدات سداد رأيه ورجاحة عقله؛ ولذلك كان يثق النبي صلى الله عليه وسلم به في أمره كله.
ومن شواهد حكمته ورجاحة عقله:
ما رواه البخاري وغيره من إنقاذه لأبي ذر حين أعلن إسلامه أمام ملأ قريش، فما كان منهم إلا أن َضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وعندها:
أَتَى العَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ،
وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الغَدِ لِمِثْلِهَا، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ العَبَّاسُ عَلَيْهِ(736)
والرواية شاهدة على حكمة العباس رضي الله عنه وسداد رأيه وقوة بصيرته، وفي هذا يقول ابن حجر: وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ تَأَتِّي الْعَبَّاسِ وَجَوْدَةِ فِطْنَتِهِ حَيْثُ تَوَصَّلَ إِلَى تَخْلِيصِهِ مِنْهُمْ بِتَخْوِيفِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يُقَاصُّوهُمْ بِأَنْ يَقْطَعُوا طُرُقَ مَتْجَرِهِمْ وَكَانَ عَيْشُهُمْ مِنَ التِّجَارَةِ فَلِذَلِكَ بَادَرُوا إِلَى الْكَفِّ عَنْهُ(737) .
- وروى عبد الرزاق في مصنفه عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: وَجَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، رِيحًا وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: «مِمَّنْ خَرَجَتْ هَذِهِ الرِّيحُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، فَاسْتَحْيَا صَاحِبُهَا وَلَمْ يَقُمْ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَوَضَّأُ كُلُّنَا(738) ؟.
إن حكمة العباس رضي الله عنه كانت طوق نجاة لصاحب الريح، إنها وضعت حلاً للأمر، ومخرجاً من المأزق، دون أن يُفتضح أحد.
وأخرج البلاذري عن الْمَدَائِنِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زيد عن
الْحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أَمَرَ صُهَيْبًا أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَيُطْعِمَهُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى رَجُلٍ مِنَ السِّتَّةِ، فلما وضعت الْمَوَائِدُ كَفَّ النَّاسُ عَنِ الطَّعَامِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُبِضَ فَأَكَلْنَا بَعْدَهُ وَشَرِبْنَا، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَأَكَلْنَا بَعْدَهُ وَشَرِبْنَا، وَإِنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأَكْلِ، فَأَكَلَ وَأَكَلَ النَّاسُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ قَوْلَ عُمَرَ(739)
البعد الاقتصادي في شخصية العباس رضي الله عنه: (غناه وثراؤه)
السيادة شرف لا يجادَل عليه، ولها مقومات لعل من أبرزها الجانب الاقتصادي، أو وفرة المال عند من يتصف بها، ولا يفهم أحد أن كل سيدٍ لا بد وأن يكون ثرياً، فقد شهد التاريخ نماذج وأمثلة ممن سادوا أقوامهم وتعدت سيادتهم إلى غيرهم دون ثراء يذكر، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثير من الأنبياء والرسل. لكن ذلك لا ينفي بحال أن وفرة المال إحدى مقومات السيادة والريادة، مع غيرها قطعاً.
والمتابع لسيرة العباس رضي الله عنه يجد وبوضوح أنه رضي الله عنه كان أحد الكيانات الاقتصادية الكبيرة في الجاهلية والإسلام، وكان حريصاً على هذا الجانب، فالرجل بجانب جهاده مع الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بعد إسلامه، إلا أنه كان بارعاً في الناحية الاقتصادية، والتي تعتبر إحدى أهمِّ
مفاتيح شخصيته رضي الله عنه، وهي ناحية لها أهميتها؛ فبها إعداد الجيوش، وسدَّ حاجة المعوزين، وقضاء دين المدينين، وإطعام الجائعين، وكذا المساهمة في كل أعمال الخير والبر مما يعود نفعها على المسلمين.
والناظر إلى تفاصيل حياته المتتابعة يلحظ هذا الأمر جيداً، ويكفينا موقفه من قريش لما أعلن أبو ذر إسلامه أمامهم، فانهالوا عليه ضرباً، لولا أن تداركه العباس من بين أيديهم قائلاً:
وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ، حتى أقلعوا عنه(740) .
إنه بجانب نصرته لمظلومٍ رأى تكالب الجميع عليه، لم يغفل البعد الاقتصادي ولا المصلحة التجارية، فذكَّرهم بأن مصير تجارتهم ومرورهم متعلق بقبيلة غفار، التي بإمكانها إعاقتهم في أي وقت.
إن هذا الموقف ينبئ عن زعامته ويكشف عن حكمته؛ ويلمح إلى عقله الاقتصادي، فمن خلاله تظهر جلياً النظرة الاستباقية أو الاستشرافية للمستقبل والحرص على مصلحة قومه وتجارتهم، والتي تمليها زعامة العباس رضي الله عنه.
وكذا المصلحة الشخصية ولا منافاة بينهما، إنه بهذا الموقف يحمي تجارته ويحمي مصلحة قومه بجانب دفعه الظلم والجور عن
غريبٍ لا ناصر له ولا معين.
إنه بموقفٍ واحد عالج أموراً ثلاثة، ولا عجب فهي حكمة العباس رضي الله عنه، وزعامته.
- شواهد ثرائه:
بين العباس رضي الله عنه والثراء وشيجة لا تنفصم، ومن يتابع فصول حياته يجد ومن الوهلة الأولى أنه كان موسراً، وهذا أمر في غاية الوضوح.
ولقد أقرَّ له أخوه الزبير بغناه وكرمه وقال في ذلك شعراً جاء فيه:
| إنَّ أخِي العباس عفّ ذو كرم | فيه عن العَوراءِ إن قلت صمم |
|---|---|
| يرتاحُ للمجدِ ويُوفِي بالذِّمم | وينحرُ الكوماء في اليومِ الشبم(741) ( 741 ) |
| أكرِم بأعراقِك مِن خَالٍ وعم(742) ( 742 ) |
|---|
فقد عرف العباس رضي الله عنه التجارة، وعمل فيها، وأثمر عمله عن ثروة كبيرة جنَّد العباس بعضها في خدمة المعوزين والفقراء، وأوقف بعضها على السقاية والرفادة التي ورثها من أبيه بعد تنازل أخيه أبي طالب له عنها.
وعن تجارته روي أَن الْعَبَّاس وَرَبِيعَة كَانَا تاجرين
يضربان فِي الْبِلَاد، وكَانَا إِذَا سَارَا بِأَرْضِ الْعَرَبِ سُئِلَا: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ يَتَعَزَّزُونَ بِذَلِكَ فِي الْعَرَبِ وَيَدْفَعُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ مِنْ كِنْدَةَ كَانُوا مُلُوكًا، ولما قَدِمَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثَمَانِينَ أَوْ سِتِّينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، ودخلوا عليه، قَالَ الْأَشْعَثُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمُرَارِ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: نَاسِبُوا بِهَذَا النَّسَبِ ابْنَ رَبِيعَةَ بن الحارث، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يشير بذلك إلى صنيعهما السابق في تجارتهما، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ ابْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا(743) وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا(744)
وفي تاريخ الطبري عن عفيف الكندي قال: كان العباس بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِي صَدِيقًا، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْيَمَنِ، يَشْتَرِي الْعِطْرَ فَيَبِيعُهُ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ(745) .
وفي رواية ابن إسحاق بسنده عن عفيف أنه قال: كنت امرءاً تاجراً فقدمت أيام منى، أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءاً تاجراً، فأتيته أبتاع منه وأبيعه(746) .
وهذه شهادة واضحة على عمله بالتجارة، الأمر الذي أدى إلى نماء ماله وكثرته، لدرجة أنه كان من أغنى بني هاشم في الجاهلية. بل وحسب رواية ابن عساكر: كان أكثر بني هاشم مالاً في الجاهلية(747) .
وكانت بنو هاشم تعرف له غناه وجوده، لدرجة أن أخاه أبا طالب استقرضه عشرة آلاف درهم ليقوم بواجب السقاية، فأقرضه العباس، وفي العام التالي لهذا استقرضه أربعة عشر ألف درهم فأقرضه العباس - مع عجزه عن سداد العشرة السابقة - شريطة أنه إن عجز عن الوفاء بها تنازل عن السقاية للعباس ليقوم بحقها(748) .
وفي أنساب الأشراف أنه أقرضه في المرة الثانية خمسة عشر ألف درهم(749) .
وحين عجز أخوه عن الوفاء بالسقاية لفقره وقلة ذات يده تحمل العباس السقاية، وهي أمر عظيم لا يتحمله إلا خيار الناس وأشرافهم بل وأثريائهم.
وكان العباس ينفق عليها من خصيصة ماله، ففي أخبار مكة: فَلَبِثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَسْقِي النَّاسَ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَقَامَ بِأَمْرِ السِّقَايَةِ بَعْدَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِهِ، وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ كَرْمٌ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ يَحْمِلُ زَبِيبَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ يُدَايِنُ أَهْلَ الطَّائِفِ، وَيَقْتَضِي مِنْهُمُ الزَّبِيبَ،
فَيَنْبِذُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَسْقِيهِ الْحَاجَّ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ حَتَّى يَنْقَضِيَ، فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ(750)
- ومن شواهد غناه كفالته لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما أمعر أبو طالب، واقترح النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن يأخذ أحد أولاده ليربيه، فأخذ العباس جعفراً، ولم يزل معه حتى أسلم واستغنى عنه(751) .
ولما أُسِر في بدرٍ، وكان قد خرج إليها مكرهاً، طالبه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يفدي نفسه وابني أخويه وحليفه؛ لعلم النبي صلى الله عليه وسلم بغناه، ولما تعذر واجهه النبي صلى الله عليه وسلم بما دار بينه وبين زوجه، ففدى العباس نفسه وابني أخويه وحليفه... وعوضه الله بعشرين عبداً كلهم في يده مال يضرب به(752) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ أَكْثَرُ الأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ فِدَاءً العَبَّاسُ؛ وذلك لأنه كان رجلاً موسراً فافْتَدَى نَفْسَهُ بِمائَةِ أُوْقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ(753) .
ولما هاجر العباس لَحِقَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَطْعَمَهُ بِخَيْبَرَ مائَتَيْ وَسْقٍ
كُلَّ سَنَةٍ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ(754)
وفي حجة الوداع كان أول ربا موضوع في الإسلام ربا العباس بن عبد المطلب، فقد روى مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ(755) .
ولما أتي النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين ثَمَانِينَ أَلْفًا بعثه الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وكان أكثر مال أتى النبي اللهِ صلى الله عليه وسلم فَمَا أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَالٌ أَكْثَرُ مِنْهُ لَا قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا، فَأَمَرَ بِهَا، وَنُثِرَتْ عَلَى حَصِيرٍ، وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمِيلُ عَلَى الْمَالِ قَائِمًا، فَجَاءَ النَّاسُ وَجَعَلَ يُعْطِيهِمْ، وَمَا كَانَ يَوْمَئِذٍ عَدَدٌ، وَلَا وَزْنٌ، وَمَا كَانَ إِلَّا قَبْضًا، فَجَاءَ الْعَبَّاسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَعْطَيْتُ فِدَائِي وَفِدَاءَ عَقِيلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِعَقِيلٍ مَالٌ اعْطِنِي مِنْ هَذَا الْمَالِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خُذْ» فَحَثَى فِي خَمِيصَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يَنْصَرِفُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ارْفَعْ عَلَيَّ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: «أَمَا أَحَدٌ مَا وَعَدَ اللهُ فَقَدْ أَنْجَزَ لِي وَلَا أَدْرِي الْأُخْرَى قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأُسَارَى، إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ(756)
هَذَا خَيْرٌ مِمَّا أُخِذَ مِنِّي وَلَا أَدْرِي مَا يُصْنَعُ بِالْمَغْفِرَةِ»(757)
وهذا الشاهد من كواشف طبيعته الاقتصادية وحرصه على المال، ولا يضيره رضي الله عنه، طالما جمعه من حِل وأنفقه في حِل.
ولما قدم وفد الداريين على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك وهم عشرة نفر.. فيهم هانئ بن حبيب، والذي أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر وأفراساً وقباء مخوصاً(758) بالذهب، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
الأفراس والقباء، وأعطاه العباس بن عبد المطلب، فقال: ما أصنع به؟ قال: انتزع الذهب فتحليه نساءك أو تستنفقه ثم تبيعه الديباج فتأخذ ثمنه، فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم(759)
وقد يظن البعض أن عطاء النبي صلى الله عليه وسلم للعباس ما هو إلا محاباة منه لعمه، وتقديمه في العطاء على من سبقه إسلاماً وهجرة، ونسي هؤلاء ما كان يقوم به العباس رضي الله عنه من سقاية ورفادة، وما كان يتحمله من مال كل عام، وما كان يقدمه بنفس راضية ويد سخية، وهذا ما أدركه النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل أعطيته للعباس رضي الله عنه بجانب كونها نوع تقدير إلا أنها مساهمة من النبي صلى الله عليه وسلم وعوناً للعباس في أعباء وتكاليف السقاية.
ولما استخلف عمر، وفتح عليه الفتوح، جاءه مال، ففضل المهاجرِين والأنصار، ففرض لمن شهد بدراً خمسة آلاف، خمسة آلاف، ولمن لم يشهدها وله سابقة أربعة آلاف، أربعة آلاف؛ وفرض للعباس اثني عشر ألفاً(760) .
وفي الطبقات: أنه فرض للعباس في الديوان سبعة آلاف(761) . وكل هذه الشواهد إحدى شواهد سعة العباس وغناه وثرائه.
البذل والعطاء:
البذل والعطاء من خلال الكرام، وصفات الشرفاء والسادة، وهكذا كان العباس رضي الله عنه.
لقد جنَّد العباس ماله في خدمة المعوزين والفقراء، وبخاصة من قومه، لأنه يعلم أن الرجل لا يستغني عن عشيرته وقومه، وإن كان ذا مال، فهم أقرب الناس إليه، وأَلمَمُهُم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به، وأحق الناس بماله وفضله.
وثبت عنه أنه كان جواداً سخياً مطعماً للفقراء؛ «فَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ»(762) .
وكان للعباس بن عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم وجفنة لجائعهم ومقطرة لسفيههم - أو ربما قال: لجاهلهم - وكان يمنع جاره ويبذل ماله ويعطي النابية في قومه(763) .
وبعد إسلامه جنَّد ماله في الدفاع عن الدين وتجهيز الغازين والإنفاق في سبيل الله، كإنفاقه في غزوة تبوك، وتعجيله صدقته، وتبرعه بداره لتوسعة المسجد ورفض أخذ مقابل لها إثر حوار دار بينه وبين عمر، اختتمه العباس بقوله: اللهم لا آخذ لها ثواباً، وقد تصدقت بها على جماعة
المسلمين(764)
وهذه كله أمور لا يطيقها إلا رجل بالغ الغنى واسع الثراء، سخي النفس واليد.
الاعتزاز بالنفس: ويتمثل في رفض الضيم وعدم قبول الإهانة.
وهناك معلم آخر من معالم سيادة العباس، ألا وهو اعتزازه بنفسه وعدم قبوله الضيم، ومع أن هذا الأمر ليس حكراً على من تزعموا غيرهم، إلا أنه ظاهر أتم الظهور في رؤوس الناس ومنهم العباس، فكان لا يقبل الضيم، معتزاً بنفسه وبيته، ونسبه، وهذا شأن العظماء في أقوامهم.
ومن ذلك أن رجلاً وقع في أب للعباس، فما تحمَّل العباس، فقام بلطمه، فَجَاءَ قَوْمُهُ فَقَالُوا: لَيَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَهُ، فَلَبِسُوا السِّلَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ تَعْلَمُونَ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟» فَقَالُوا: أَنْتَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، لَا تَسُبُّوا مَوْتَانَا، فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا» فَجَاءَ الْقَوْمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِكَ، اسْتَغْفِرْ لَنَا(765) .
ومع أن الإسلام حثنا على الصبر والتحمل والدفع بالحسنى، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها، إلا أن الأمور أحياناً تخرج عن حدِّ السيطرة.
ولم يتوقف الأمر مع العباس عند هذا الحد بل كان رضي الله عنه يأبى الإهانة حتى ولو لم تكن مقصودة، ولقد دخل يوماً على النبي صلى الله عليه وسلم وهو غاضب فسأله مَا أَغْضَبَك؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا وَلِقُرَيْشٍ، إِذَا تَلَاقَوْا بَيْنَهُمْ تَلَاقَوْا بِوُجُوهٍ مُبْشَرَةٍ، وَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ»(766) .
وكل هذا من معالم سيادته، فالسيد في قومه يأبى أن يهان وأن يُسب.
كان ما سبق إبحاراً في شخصية العباس رضي الله عنه، ظهرت لنا من خلاله معالم شخصيته، وبدا لنا جليًّا محور تميزه رضي الله عنه.
2 - ملامح من أخلاق العباس وصفاته:
مكارم الأخلاق من أهم ما يحرص عليه المسلم وما يزينه، وهي من علامات نبوغ الأفراد وتفوقهم ومحلِّ ثنائهم وتميزهم، كيف لا؟ وقد خاطب المولى جل وعلا نبيه في كتابه بقوله وهو أصدق القائلين: وإنك لعلى خلق عظيم. (سورة القلم/5) ولم يكن العباس عن هذا ببعيد، حيث حباه الله تعالى خصائص قوية وصفات عليَّة وأخلاق رضيَّة جعلته محطّ أنظار المحيطين به، ومضرب أمثالهم، بل وأحياناً مادة ثرية لشعرائهم.
فقد منحه المولى جل وعلا صفاتاً خلقية زرعت محبته في القلوب. فكان له ثوبٌ لعاري بني هاشم وجَفْنةٌ لجائعهم، وكان يمنع الجار، ويبذُلُ المال، ويُعطي في النَّوائب(767) .
وفي الصفحات التالية بيان لأبرز أخلاقه رضي الله عنه:
* تأدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم:
مرَّ معنا بيان حب العباس للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحب الممزوج بالخوف عليه، والتأدب معه.
روى ابن أبي شيبة بسنده إلى أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: قِيلَ لِلْعَبَّاسِ: أَنْتَ أَكْبَرُ أَوْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: «هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي، وَوُلِدْتُ أَنَا قَبْلَهُ»(768) .
وهذا من أدب العباس العالي، وفطنته البليغة، وحكمته البادية في جل تصرفاته.
شجاعته رضي الله عنه:
عرفت الشجاعة طريقها إلى قلب العباس رضي الله عنه منذ نعومة أظفاره، فألفِها وألفِته، وتولَّى زمامها وارعوت له، فلا تجده إلا شجاعاً مقداماً صابراً مثابراً. وقد حفلت كتب السنة والسير والتاريخ بصور من شجاعته رضي الله عنه.
روى ابن عساكر بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف حنظلة بن الربيع رضي الله عنه إلى أهل الطائف، فكلمهم، فاحتملوه ليدخلونه حصنهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لهؤلاء؟ وله مثل أجر غزاتنا هذه؟»، فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه حتى أدركه في أيديهم، قد كادوا أن يدخلوه في الحصن، فاحتضنه العباس رضي الله عنه، وكان رجلاً شديداً - فاختطفه من أيديهم؛ وأمطروا على العباس رضي الله عنه الحجارة من الحصن. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له حتى انتهى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم(769) .
- ومن موارد شجاعته رضي الله عنه ، ثباته يوم حنين:
قال الذهبي: وَثَبَتَ أَنَّ العَبَّاسَ كَانَ يَوْمَ حُنِيْنٍ، وَقْتَ الهَزِيْمَةِ، آخِذاً بِلِجَامِ بَغْلَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَثَبَتَ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ النَّصْرُ(770) .
صدقه:
الصدق هو قول الحق ومطابقة الكلام للواقع، أو هو مطابقة منطوق اللسان للحقيقة، وهذا ما كان عليه العباس، فكان رجلاً صادقاً، ظاهره كباطنه، يأبى أن يدنس خلقه بكذب، لأن الأصل في اللسان الحفظ والصون، فزلاته كثيرة، وشرّه وبيل، فالحذر منه والاحتياط في استعماله أتقى وأورع.
ومن شواهد صدقه رضي الله عنه ما حدث أثناء سفره إلى اليمن بصحبة أبي سفيان، حيث كان حواره مع حبر من أحبار اليهود الذي سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم أن العباس وقتها لم يكن مسلماً إلا أنه حرص على أن يطابق كلامه الواقع بلا حيف أو جور.
فقد سأله الحبر قائلاً: نَشَدْتُكَ، هَلْ كَانَتْ لِابْنِ أَخِيكَ صَبْوَةً أَوْ سَفْهَةً؟ قُلْتُ: لَا، وَإِلَهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَا كََذبَ، وَلَا خَانَ، وَإِنَّ كَانَ اسْمَهُ عِنْدَ قُرَيْشٍ الْأَمِينُ، فَقَالَ:
هَلْ كَتَبَ بِيَدِهِ؟ قَالَ الْعَبَّاسُ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِيَدِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَهَا، ثُمَّ ذَكَرْتُ مَكَانَ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّهُ مُكَذِّبِي وَرَادٌّ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: لَا يَكْتِبُ، فَوَثَبَ الْحِبْرُ، وَتَرَكَ رِدَاءَهُ، وَقَالَ: ذُبِحَتْ يَهُودُ، وَقُتِلَتْ يَهُودُ(771)
ومن حرصه على الصدق كان يوصي به أبناءه، فمن وصيته لابنه عبد الله بن عباس حين اختصه عمر بن الخطاب وقربه: يا بني لا تكذبه فيطرحك، ولا تغتب عنده أحداً فيمقتك، ولا تقولن له شيئاً حتى يسألك، ولا تفشين له سراً فيزدريك(772) .
عفته ورعايته للأخلاق:
لم يكن العباس كريم النفس عفَّ اللسان سليم الطبع فحسب، بل كان حريصاً على إشاعة هذه القيم النبيلة في غيره، حيث كان من جملة المهام العظيمة التي اضطلع بها عمارة المسجد الحرام. وتتمثل عمارته للمسجد في أنه كان لا يدع أحداً يستب في المسجد الحرام ولا يقول فيه هجراً. يحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك
امتناعاً؛ لأن قريشاً اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، وسلموا له ذلك، وكانوا له أعواناً(773)
وروى البلاذري بسنده عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلامُ وَإِنَّ جَفْنَةَ الْعَبَّاسِ لَتَدُورُ عَلَى فُقَرَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَإِنَّ سَوْطَهُ وَقِدَّهُ (قيده) مَعَهُ لِسُفَهَائِهِمْ، يُطْعِمُ الْجَائِعَ وَيُؤَدِّبُ السَّفِيهَ، وَقَالَ الزهري: هذا والله السّؤدد(774) .
وهذا الخُلُق لم يكن محدثاً في العباس رضي الله عنه بل شبَّ عليه وعرف به حتى في الجاهلية، ومن شواهد ذلك ما ذكر من موقفه ممن سرق الغزالين من الكعبة.
وقصته تتلخص في أن جماعة من قريش كانوا في ليلة من الليالي يشربون الخمر وفيهم أبو لهب ومعهم القيان، ولما فنيت أسباب طربهم عمدوا إلى باب الكعبة وسرقوا الغزالين، وباعوهما من تجار قدموا مكة بالخمر وغيرها، واشتروا بثمنهما جميع ما في العير من الخمر بالمرة، واشتغلوا بالطرب واللهو شهراً، ولم يدر من سرق حتى مرّ العباس بن عبد المطلب في ليلة من الليالي بباب الدار التي تلك الجماعة فيها، فسمع القيان يغنين بقصة سرقة الغزالين من باب الكعبة وبيعهما من أهل القافلة، وأخبر بها العباس قريشاً فأخذوهم وضربوهم وقطعوا أيدى
بعضهم(775)
فهذه إحدى شواهد رعاية العباس للأخلاق وأخذه على أيدي الفجرة الفسقة حتى وإن كانوا من أهله وذويه، حيث مرَّ معنا أن أبا لهب كان ممن شارك في السرقة، وفي المعارف في ذكر أبي لهب: وهو سارق غزال الكعبة. وكان الغزال من ذهب(776) .
ومع هذا لم يتوان العباس عن الأخذ على يديه ومن معه.
ثباته رضي الله عنه:
كان العباس رضي الله عنه ثابت النفس، هادئ الطبع، راسخاً رسوخ الجبال، لا تنل منه الحوادث، ولا تزعزعه النوائب مهما عظم أمرها واستطال خطرها.
ومن ذلك موقفه يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حين زلت كثير من الأقدام؛ لعظم المصاب بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا اليوم ثبت العباس رضي الله عنه، وشرع في تثبيت من حوله قائلاً:
فَقَالَ:
أَيُّهَا النَّاسُ هَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ عَهْدٌ أَوْ عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالُوا: اللهُمَّ لَا قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَمُتْ حَتَّى وَصَلَ الْحِبَالَ ثُمَّ حَارَبَ، وَوَاصَلَ وَسَالَمَ، وَنَكَحَ النِّسَاءَ وَطَلَّقَ، وَتَرَكَكُمْ عَنْ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، وَطَرِيقٍ نَاهِجَةٍ، فَإِنْ يَكُ مَا يَقُولُ ابْنُ الْخَطَّابِ حَقًّا فَإِنَّهُ لَنْ يُعْجِزَ اللهَ أَنْ يَحْثُو عَنْهُ فَيُخْرِجُهُ إِلَيْنَا، وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِنَا فَإِنَّهُ يَأْسَنُ كَمَا يَأْسَنُ النَّاسُ»(777)
جواره وحمايته للمظلوم:
العباس رضي الله عنه رجل يأبى الضيم ولا يرضاه لنفسه فضلاً عن غيره، وكان من صفاته حماية المظلوم ونصرته، وهذا ما عرفه له القاصي والداني.
كان قيس بن نشبة دخل مكة فباع إبلاً له من رجل من قريش فلواه حقه فكان يقوم ويقول: (الرجز)
| يال فهر كيف هذا في الحرم | في حرمة البيت وأخلاق الكرم |
|---|
| أظلم لا يمنع مني من ظلم |
|---|
وبلغ الخبر العباس بن مرداس(778) فقال أبياتا وبعث بها مع الحاج إلى قيس بن نشبة بن أبي عامر: (البسيط)
| إن كان جارك لم تنفعك ذمته | حتى سقيت بكأس الذل أنفاسا |
|---|---|
| فأت البيوت فكن من أهلها صددا | تلقى ابن حرب وتلقى المرأ عباسا |
| ساقي الحجيج وهذا ياسر فلج | والمجد يورث أخماسا وأسداسا |
فلما ظهر هذا الشعر قال أبو سفيان: إنه قد جعل المجد أخماساً وأسداساً فصيّر الأخماس للعباس وصيّر لي الأسداس، فعليك بالعباس، فذهب إلى العباس فأخذ له بحقه وقال له: إنا لك جار كلما دخلت مكة فما ذهب لك فهو عليّ، وقال العباس بن عبد المطلب في ذلك: (الطويل)
| حفظت لقيس حقه وذمامه | وأسعطت(779) ( 779 ) فيه الرغم من كان راغما |
|---|---|
| سأنصره ما كان حيا وإن أمت | أحض عليه للتناصر هاشما(780) ( 780 ) |
ووفاء بحق العباس قال ابن قيس لابن عباس في الإسلام:
| أحبكم في الجاهلية والدي | وفي الدين كنتم عدتي ورجائيا |
|---|---|
| فصرت بحبي منكم غير مبعد | لديكم وأصبحت الصديق المصافيا |
| وآليت لا أنفك أحدو قصيدة | تمدّ بها بزل الجمال الهواديا(781) ( 781 ) |
والقصة شاهدة على حسن خلق العباس رضي الله عنه، وحمايته للمظلوم ونصرته له،
والشواهد على ذلك من حياة العباس كثيرة، مما يشعرنا أن هذا الخلق الرفيع إنما هو أمر قد جبل عليه العباس وأصبح عادة له.
جوده وكرمه: (العباس بحر من العطاء لا ساحل له):
العباس بن عبد المطلب من سَرَوات(782) آل بيت النبوة، حبا المولى جل وعلا العباس رضي الله عنه نفساً عفيفة سخية كريمة لم يعرف الشحُّ إليها طريقاً، جبلت على الجود والبذل والعطاء والسخاء، وهذه الصفة كانت فطرة فطر الله عليها العباس لم يتكلفها أو يحمِّل نفسه إياها بمشقة وصعوبة. فقد منح الله تعالى العباس سعة في الرزق ورغداً في العيش؛ فكان صاحب مال إلا أنه ما بخل بماله قط ولا ضن به على أحد، فكان - رضي الله عنه - من أكرم الناس وأجودهم، وهذا أمر عرفه القاصي والداني وأقرَّ به البعيد قبل القريب والعدو قبل الصديق ولا أدل على ذلك من قيامه على السقاية والرفادة.
قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ: كَانَ لِلعَبَّاسِ ثَوْبٌ لِعَارِي بَنِي هَاشِمٍ، وَجَفْنَةٌ لِجَائِعِهِمْ، وَمَنْظَرَةٌ لِجَاهِلِهِمْ. وَكَانَ يَمْنَعُ الجَارَ، وَيَبْذُلُ المَالَ، وَيُعْطِي فِي النَّوَائِبِ(783) .
وفي المنمق عن السائب المخزومي عن أبيه قال: كان
إنفاقه في سبيل الله:
مرَّ معنا أن العباس رضي الله عنه كان من سراة قريش وأثريائها، وكان جواداً سخياً مطعماً للفقراء؛ وكثيراً ما يوصف بأنه «كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ»(787) .
ولم يضن العباس رضي الله عنه بماله في سبيل الله بل كان منفقاً سخياً، يبتغي رضى ربه، ويحرص على مرضاته.
وقد حفلت كتب السنة والتاريخ بنماذج وصور من إنفاق العباس في سبيل الله، ومنها:
- إعتاقه سبعين مملوكاً:
أخرج الحاكم بسنده عن عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَعْتَقَ الْعَبَّاسُ عِنْدَ مَوْتِهِ سَبْعِينَ مَمْلُوكاً(788) .
- كما ثبت عنه أنه عجَّل صدقته عامين، حين تَسَلَّفَ مِنْهُ النبي صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ عَامَيْنِ، وأخذ العلماء من ذلك دَلِيلاً عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ(789) .
وتصدُّقه
بداره على المسلمين، لما همَّ عمر بتوسعة المسجد، وأراد أن يدخل دار العباس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعوضه عنها، فأبى العباس أن يتنازل عنها في بادئ الأمر لأنها قطيعة من النبي صلى الله عليه وسلم له، ودار بينه وبين العباس في هذا كلام، واحتكما إلى أبي ابن كعب، والذي حكم بأن الدار للعباس ولا يحق لعمر أن يأخذها منه جبراً، فما كان من العباس بعدها إلا أن تصدق بداره قائلاً: اللهم لا آخذ لها ثواباً وقد تصدقت بها على جماعة المسلمين، فقبلها عمر رضي الله عنه، فأدخلها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم(790)
- مشاركته في تجهيز جيش العسرة:
ففي تاريخ دمشق عن غزوة تبوك: وحمل العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) مالاً(791)
وفي الإمتاع: حمل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه مالاً يقال إنه: تسعون ألفا(792) .
وفي أنساب الأشراف: حَدَّثَنِي هِشَام بْن عمار قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيد ابْن مُسْلِم يَقُول: قُرئ عَلَيْنَا كتاب أَبِي جَعْفَر أمِير الْمُؤْمِنيِنَ يذكر فِيهِ سابقة جَدّه الْعَبَّاس فَقَالَ فِيهِ: ومن ذَلِكَ أَنَّهُ جهز فِي جيش العسرة بثمانين الف درهم(793) .
ولما سأل البكَّاؤون رسول الله أن يحملهم على شيء، وأَعْلَمَهُمْ أَنّهُ لَا يَجِدُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، حَمَلَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ رضي الله عنه مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ(794) . أي وفّر لهما الظهر والمتاع.
حنوه وإشفاقه وبخاصة على أهل الإسلام:
الإشْفَاق كما فسره علماء اللغة: عناية مختلطة بخوف(795) .
والشفقة هي صرف الهمَّة إلى إزالة المكروه عن النَّاس(796) .
وهي عند ابن القيم: رِقَّة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يُخاف عليه، فنسبته إلى الخوف، نسبة الرَّأفة إلى الرَّحمة، فإنَّها
ألطف الرَّحمة وأرقُّها(797)
لقد وهب الله تعالى العباس قلباً حانياً يرق لآلام المتألمين وأنات المتوجعين، ودمعات الثكالى والمعوزين، وكثيراً ما كان يهب لنجدة ملهوف، وإغاثة مكروب، وبخاصة إذا فقد من ينصره، أو يصرف عنه البلاء ويؤازره.
روى البزار في مسنده بسنده عن سعد بن أبي وقاص أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَظَرَ إِلَى الْعَبَّاسِ وَقَالَ: هَذَا عَمُّ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ قُرَيْشٍ كَفًّا وَأَحْنَاهُ عَلَيْهَا(798) .
وتأمَّل معي قول النبي صلى الله عليه وسلم: وأحناه عليها. إنه أفعل تفضيل من الفعل أحنى، دلالة على كثرة حنوه وشفقته، وهذه الصفة كانت ملازمة للعباس رضي الله عنه، وظهرت في مواطن كثيرة لقريش ولغيرها.
- فنراه في شبابه يشفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلب منه وضع إزاره على كتفه حين كانا يحملان أحجار الكعبة.
روى ابن حبان بسنده عَنْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ، ذَهَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْعَبَّاسُ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ، فَفَعَلَ، فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ، وطَمَحَت عَيْنَاهُ إِلَى السماء، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ:
«إِزَارِي إزَاري»، فَشَدَّ عَلَيْهِ إزاره(799)
- ونشاهده يتوسط في إعتاق بلال الذي ناله من الأذى ما ناله.
روي عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَذَكَرَ بِلَالًا فَقَالَ: كَانَ شَحِيحًا عَلَى دِينِهِ، وَكَانَ يُعَذَّبُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ يُعَذَّبُ عَلَى دِينِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُقَارِبَهُمْ قَالَ: اللهَ اللهَ، قَالَ: فَلَقِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: «لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ اشْتَرَيْنَا بِلَالًا»، فَلَقِيَ أَبُو بَكْرٍ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اشْتَرِ لِي بِلَالًا، قَالَ: فَانْطَلَقَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ لِسَيِّدِهِ: هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي عَبْدَكَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَفُوتَكَ خَيْرُهُ وَتُحْرَمَ ثَمَنَهُ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ إِنَّهُ خَبِيثٌ، إِنَّهُ إِنَّهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَاشْتَرَاهُ الْعَبَّاسُ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَعْتَقَهُ، فَكَانَ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ عِنْدِي فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي لِنَفْسِكَ فَاحْبِسْنِي، وَإِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي لِلَّهِ فَذَرْنِي أَذْهَبُ إِلَى اللهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَذَهَبَ إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى مَاتَ(800) .
والرواية وإن
شهدت بأن شراء العباس لبلال رضي الله عنهما وإعتاقه له كان إيعازاً من النبي صلى الله عليه وسلم للصديق رضي الله عنه، ومنه للعباس رضي الله عنه، حيث وسَّطه في الشراء، إلا أنها أيضاً تعطي دلالات خفية على توافر صفة الشفقة في العباس رضي الله عنه، من خلال اختيار الصديق له، فلن يختار لهذه المهمة إلا صاحب قلب يأسى لأنات المظلومين، ثم سرعة العباس رضي الله عنه للاستجابة ومبادرته إلى التنفيذ.
- ومن شواهد إشفاقه على أهل الإسلام: حمايته لأبي ذر ورد بطش قريش به لما قرع آذانهم بإسلامه، فقَامَ القَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وَأَتَى العَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الغَدِ لِمِثْلِهَا، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ العَبَّاسُ عَلَيْهِ(801) .
- ونراه يجير قَيْسَ بْن نُشْبَةَ - كما سبق - والجوار نوع رقة وحنو(802) .
والحديث عن أخلاق العباس رضي الله عنه يطول، وفيما سبق غنى وكفاية، لمن أراد أن يتعرف على أخلاقه وصفاته رضي الله عنه.
الفصل السادس
العباس في محراب العلم والحكمة
في هذا الجزء من البحث سنلقي الضوء على رواية العباس لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإسهامه فيها بنصيب، ثم التعريج على فقهه رضي الله عنه، ومنه إلى بلاغته وشعره.
1 - مرويات العباس رضي الله عنه:
رغم تأخُّر إسلام العباس رضي الله عنه إلا أنه شارك في رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحفلت المصنفات الحديثية بالعديد من مروياته رضي الله عنه.
ترجم الذهبي للعباس رضي الله عنه في سيره ذاكراً مروياته فقال: وَلَهُ: عِدَّةُ أَحَادِيْثَ، مِنْهَا: خَمْسَةٌ وَثَلاَثُوْنَ فِي (مُسْنَدِ بَقِيٍّ)، وَفِي (البُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ) حَدِيْثٌ، وَفِي (البُخَارِيِّ) حَدِيْثٌ، وَفِي (مُسْلِمٍ) ثَلاَثَةُ أَحَادِيْثَ(803) .
و ترجم البخاري للعباس في تاريخه الكبير(804) ، وأخرج له في صحيحه حديثاً واحداً، (حديث ما أغنيت عن عمك)(805) وأفرد له في صحيحه باباً في ذكر مناقبه، أورد فيه توسل الصحابة بدعائه رضي الله عنه.
وروى له أحمد 72 حديثاً في مسنده باب مسند العباس: من رقم 1763 - 1789.
وأورد
له أبو يعلى في مسنده تحت (مسند العباس 23 حديثاً) من رقم 6692 وحتى 6715).
من روى عنه:
رَوَى عَنْهُ: ابْنَاهُ عَبْدُ اللهِ، وَكَثِيْرٌ؛ وَالأَحْنَفُ بنُ قَيْسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ الحَارِثِ بنِ نَوْفَلٍ، وَجَابِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَأُمُّ كُلْثُوْمٍ بِنْتُ العَبَّاسِ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَمِيْرَةَ، وَعَامِرُ بنُ سَعْدٍ، وَإِسْحَاقُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ نَوْفَلٍ، وَمَالِكُ بنُ أَوْسِ بنِ الحَدَثَانِ، وَنَافِعُ بنُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وَابْنُهُ عُبَيْدُ اللهِ ابنُ العَبَّاسِ، وَآخَرُوْنَ(806) .
أمثلة من مروياته:
1 - روى أبو داوود في سننه بسنده إلى عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ، وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ»(807) .
2 روى أبو داود بسنده إلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ قَالَ: لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَكْنُسَ
زَمْزَمَ وَإِنَّ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْجِنَّانِ يَعْنِي الْحَيَّاتِ الصِّغَارَ «فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِنَّ»(808)
3 - روى مسلم بسنده إلى عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»(809) .
4 - روى ابن ماجه بسنده إلى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ»(810) .
5 روى البخاري بسنده إلى عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا العَبَّاسُ ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي
الله عنه، قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ(811)(812)
6 روى مسلم بسنده عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ»، فَقَالَ عَبَّاسٌ: وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللهِ، لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ» قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا(813)
7 روى أحمد بسنده قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ أَحْفَظْهُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ عَبَّاسٌ وَأَبُو سُفْيَانَ مَعَهُ يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَخَطَبَهُمْ، وَقَالَ: «الْآنَ
حَمِيَ الْوَطِيسُ»، وَقَالَ: «نَادِ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ»(814)
8 - روى الترمذي بسنده إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ العَبَّاسِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قُرَيْشًا جَلَسُوا فَتَذَاكَرُوا أَحْسَابَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلُوا مَثَلَكَ كَمَثَلِ نَخْلَةٍ فِي كَبْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ مِنْ خَيْرِ فِرَقِهِمْ وَخَيْرِ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ تَخَيَّرَ القَبَائِلَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ تَخَيَّرَ البُيُوتَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا، وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ» وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ هُوَ: ابْنُ نَوْفَلٍ(815) .
10 روى
أحمد بسنده إلى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ نِسَاؤُهُ، فَاسْتَتَرْنَ مِنِّي إِلا مَيْمُونَةَ، فَقَالَ: «لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ شَهِدَ اللَّدَّ(816) إِلا لُدَّ، إِلا أَنَّ يَمِينِي لَمْ تُصِبِ الْعَبَّاسَ» ثُمَّ قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ بَكَى، قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ» فَقَامَ فَصَلَّى، فَوَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خِفَّةً، فَجَاءَ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَأَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ اقْتَرَأَ(817)
11 روى أحمد بسنده إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
عَمُّكَ أَبُو طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْفَعُكَ، قَالَ: «إِنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ، وَلَوْلا أَنَا كَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ»(818)
12 - روى الترمذي بسنده إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ العَبَّاسِ ابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: «سَلِ اللهَ العَافِيَةَ»، فَمَكَثْتُ أَيَّامًا ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ اللهَ، فَقَالَ لِي: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللهِ، سَلِ اللهَ، العَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»(819) .
14 روى أحمد بسنده إلى عَبْدِ اللهِ
بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْبَطْحَاءِ، فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قَالَ: قُلْنَا: السَّحَابُ، قَالَ: «وَالْمُزْنُ» قُلْنَا: وَالْمُزْنُ، قَالَ: «وَالْعَنَانُ»، قَالَ: فَسَكَتْنَا، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟» قَالَ: قُلْنَا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَفَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ
فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ رُكَبِهِنَّ وَأَظْلافِهِنَّ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ شَيْءٌ»(820)
15
روى الطبراني بسنده إلى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا سَاجِدًا أَنْ أَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ أَبِي جَهْلٍ، «فَخَرَجَ صلى الله عليه وسلم غَضْبَانًا حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَعَجَّلَ أَنْ يَدْخُلَ مِنَ الْبَابِ، فَاقْتَحَمَ الْحَائِطَ»، فَقُلْتُ: هَذَا يَوْمُ شَرٍّ، فَائْتَزَرْتُ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ، «فَدَخَلْتُ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2]، فَلَمَّا بَلَغَ شَأْنَ أَبِي جَهْلٍ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6]»، قَالَ إِنْسَانٌ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا أَبَا الْحَكَمِ، هَذَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَرَى، وَاللهِ سُدَّ أُفُقِ السَّمَاءِ عَلَيَّ، «فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم آخِرَ السُّورَةِ سَجَدَ»(821)
17 - روى ابن سعد بسنده إلى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَخْتُونًا مَسْرُورًا، قَالَ: وَأَعْجَبَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَحَظِيَ عِنْدَهُ، وَقَالَ: لَيَكُونَنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ فَكَانَ لَهُ شَأْنٌ(822) .
18
روى الطبراني بسنده إلى سُلَيْمَانَ بْنِ عَرِيبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هِيَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»(823)
2 - فقه العباس رضي الله عنه:
نقلت لنا الروايات بعض موارد فقه العباس رضي الله عنه، وكأنه يأبى إلا أن يشارك في كل فضل، ففي رواية الحديث كان له إسهامه، وفي الفقه كذلك، وفي الشعر أيضاً أسهم فيه بنصيب كما سيتضح فيما بعد.
- روى ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُوضَعُ لَهُ الْوَضُوءُ، فَيشْغَلُهُ الشَّيْءُ، فَيَجِيءُ الْهِرُّ فَيَشْرَبُ مِنْهُ، فَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُصَلِّي»(824) .
وهذا من مظنة فقه العباس رضي الله عنه، حيث علم طهارة سؤر الهرة، ولم يتكلف بإراقة الوَضوء حيث فَقه طهارته؛ لأن السنة دلت على طهارة سؤر الهرة.
ومن ذلك ما روي عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ»(825) .
- ومن موارد فقهه رضي الله عنه: أنه كان لا يرى جواز الغسل من ماء زمزم، وروي عنه قوله: لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ وَلَكِنْ لِشَارِبٍ حَلَّ وَبَلَّ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لِشَارِبٍ وَمُتَوَضِّئٍ(826) .
وَذَلِكَ حين وَجَدَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَقَدْ نَزَعَ ثِيَابَهُ، وَقَامَ يَغْتَسِلُ مِنْ حَوْضِهَا عُرْيَانًا(827) .
- ومن مظان فقهه رضي الله عنه روايته لبعض أحاديث الأحكام:
روى ابن ماجه في سننه حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ صُهْبَانَ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
«لَا قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ، وَلَا الْجَائِفَةِ وَلَا الْمُنَقِّلَةِ»(828)
والمأمومة: هي الشجَّة التي لم تبلغ أمّ الدماغ. والجائفة: هي الطعنة التي لم تنفذ إلى بطن من البطون. كالدماغ والجوف. والْمُنَقِّلَةِ: هي الشجة التي تنقل العظم(829) .
والعلة هنا في عدم الحكم بِالْقصاصِ لِانْعِدَامِ المماثلة، وفيهَا حُكُومَة عدل(830) .
وفي حاشية السندي: وَإِنَّمَا انْتَفَى الْقِصَاصُ لِعُسْرِ ضَبْطِهِ(831) .
وفي المغني
لابن قدامة: وَلِأَنَّهُمَا جُرْحَانِ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِمَا قِصَاصٌ، كَكَسْرِ الْعِظَامِ(832)
- ومن مظان فقهه رضي الله عنه مراعاته حال الناس واحتياجاتهم، وتشهد لذلك رواية البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهُ» فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، قَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ»(833) .
وأصل ذلك ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ(834) . (وكان قوله السابق من خطبته تلك).
وَالْإِذْخِرُ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ طَيِّبُ الرِّيحِ لَهُ أَصْلٌ مُنْدَفِنٌ وَقُضْبَانٌ دِقَاقٌ يَنْبُتُ فِي السَّهْلِ وَالْحَزَنِ، وَبِالْمَغْرِبِ صِنْفٌ مِنْهُ فِيمَا قَالَه ابن الْبَيْطَارِ، قَالَ: وَالَّذِي بِمَكَّةَ أَجْوَدُهُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَسْقُفُونَ بِهِ الْبُيُوتَ بَيْنَ الْخَشَبِ وَيَسُدُّونَ بِهِ الْخَلَلَ بَيْنَ اللَّبِنَاتِ فِي الْقُبُورِ، وَيَسْتَعْمِلُونَهُ بَدَلًا مِنَ الْحَلْفَاءِ فِي الْوَقُودِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعَبَّاسُ: فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيِ الْحَدَّادُ(835) .
ففي الحديث فَقه العباس حال الناس بمكة وكان من أهلها، ونبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة استثناء الإذخر لحاجة الناس إليه، فاستثناه النبي صلى الله عليه وسلم.
والعباس هنا لم يستثن هو من عند نفسه، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنْ يُلَقِّنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم الِاسْتِثْنَاءَ(836) .
وفي الفتح: قَالَ ابن الْمُنِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّ سُؤَالَ الْعَبَّاسِ كَانَ عَلَى مَعْنَى الضَّرَاعَةِ وَتَرْخِيصُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ تَبْلِيغًا عَنِ اللهِ إِمَّا بِطَرِيقِ الْإِلْهَامِ أَوْ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ نُزُولَ الْوَحْيِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمَدٍ مُتَّسِعٍ فَقَدْ وَهَمَ وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ خُصُوصِيَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ وَجَوَازُ مُرَاجَعَةِ الْعَالِمِ فِي الْمَصَالِحِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمَجَامِعِ وَالْمَشَاهِدِ وَعَظِيمُ مَنْزِلَةِ الْعَبَّاسِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعِنَايَتُهُ بِأَمْرِ مَكَّةَ لِكَوْنِهِ كَانَ بِهَا أَصْلُهُ وَمنْشَؤُهُ وَفِيهِ رَفْعُ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِبْقَاءُ حُكْمِهَا مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(837) .
3 - بلاغة العباس رضي الله عنه:
من يطالع سيرة العباس بن عبد المطلب سيجد الحكمة(838) تتفجر من بيانه، والبلاغة تتدفق على لسانه، بلاغة طبع لا بلاغة تصنع وتكلف.
فمن يتابع ما روي في وصاياه يجد بلاغة القول، وجزالة اللفظ، وحكمة الرأي، فكلامه قلَّ عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وخلا من الغريب الوحشي والمتنافر اللفظي، والهجين السوقي، ومن ذلك ما يلي:
روى البلاذري بسنده عن أبي حصين، أن العباس بن عبد
المطلب قال لابنه عبد الله بن عباس حين اختصه عمر بن الخطاب وقربه: يا بني لا تكذبه فيطرحك، ولا تغتب عنده أحداً فيمقتك، ولا تقولن له شيئا حتى يسألك، ولا تفشين له سراً فيزدريك، ويقال: إنه قال له: إن هذا الرجل قد أدناك وأكرمك فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجربن عليك كذباً، ولا تفشين له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً(839)
- أخرج ابن عساكر في تاريخه بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبي: يا بني إن الكذب ليس بأحد من هذه الأمة أقبح منه بي وبك وبأهل بيتك، يا بني لا يكونن شيء مما خلق الله أحب إليك من طاعته، ولا أكره إليك من معصيته، فإن الله ينفعك بذلك في الدنيا والآخرة.
- وروى ابن عساكر بسنده أيضاً عن الشعبي عن ابن عباس قال: كان العباس بن عبد المطلب كثيراً ما يقول: ما رأيت أحداً أحسنتُ إليه إلا أضاء ما بيني وبينه، وما رأيت أحداً أسأتُ إليه إلا أظلم ما بيني وبينه، فعليك بالإحسان واصطناع المعروف، فإن ذلك يقي مصارع السوء.
وروى أيضاً بسنده عن عبد الحميد بن عبد الله بن إبراهيم القرشي عن أبيه قال: لما نزل بالعباس بن عبد المطلب الموت قال لابنه: يا عبد الله إني زاد ابن السمرقندي والله ما مت موتاً ولكني
فنيت فناء وقال: وإني موصيك بحب الله وحب طاعته وخوف الله وخوف معصيته فإنك إذا كنت كذلك لم تكره الموت متى أتاك وإني أستودعك الله يا بني ثم استقبل القبلة، فقال: لا إله إلا الله ثم شخص ببصره فمات(840)
- وقبل وفاة العباس دخل عليه عثمان في مرضه الّذي مات فيه فقال: أوصني بما ينفعني به، وزوّدني، فقال: الزم ثلاث خصال تصب بها ثلاث عوامّ، فالخواصّ: ترك مصانعة الناس في الحق، وسلامة القلب، وحفظ اللسان، تصب بها سرور الرعية، وسلامة الدين، ورضى الرب(841) .
وفي الأنساب: المدائني عَنِ ابْن جُعْدُبَة قَالَ: دَخَلَ عُثْمَان بْن عَفَّان عَلَى الْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَانَ الْعَبَّاس خالَ أمه أروى بِنْت كُرَيز فَقَالَ: يَا خال أوصني، فَقَالَ: أوصيك بسلامة القلب، وترك مُصَانَعة الرجال فِي الحق، وحفظ اللسان، فإنك مَتَى تفعلْ ذلك ترض ربك وتصلح لك رعيتك(842) .
وفيه: الْمَدَائِنِيُّ عَنِ ابْنِ جُعْدُبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ اللهَ قَدْ بَلَّغَكَ شَرَفَ الدُّنْيَا فَاطْلُبْ شَرَفَ الآخِرَةِ،
وَامْلِكْ هَوَاكَ وَاحْرِزْ لِسَانَكَ إِلا مِمَّا لَكَ(843)
ومن شواهد بلاغته وحكمته رضي الله عنه ما قاله لعمر عند فتح بيت المقدس:
فقد روي الطبري بسنده عن رافع بن عمر قال: سمعت العباس بالجابية يقول لعمر: أربع من عمل بهن استوجب العدل: الأمانة في المال والتسوية في القسم والوفاء بالعدة والخروج من العيوب نظف نفسك وأهلك(844) .
إن هذه الكلمات سالفة الذكر حبلى بالمعاني، التي لا يمتري عاقل أنها خرجت من لسان وراءه قلب مجرب، ونور مشرق، ويلاحظ أن كثيراً ممن حوله كانوا يطلبون نصحه، وفي هذا إقرار بحكمته، وتسليم بفطنته، وإشادة ببلاغته رضي الله عنه.
4 - العباس رضي الله عنه شاعراً(845) :
الشعر عند العرب له مكانة كبيرة قبل الإسلام وبعده، ولقد جاء الإسلام والعرب ينظمون الشعر ويحتفون به ويكرمون أصحابه ويعلقون فرائده على أستار البيت الحرام، فما صادمه ولا قلاه، وإنما هذَّبه ونقَّاه، فقال صلى الله عليه وسلم: إن من الشعر حكمة(846) .
وحثَّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على استخدام الشعر في مقام الدفاع عن الدين وحفظ حوزة المسلمين.
فمع ظهور الإسلام بدت الحاجة واضحة إلى وجود فريق من المسلمين يدفعون عن النبي صلى الله عليه وسلم هجاء أعدائه من المشركين حتى قال صلى الله عليه وسلم ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بالسنان أن ينصروه باللسان، فكان حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحه، وكعب بن مالك رضي الله عنهم، حتى قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اهجوا قريشا فإنه أشدُّ عليها من رشق بالنبل(847) .
والناظر يرى وبوضوح أن للشعر اليد الطولى في المساهمة في تفسير كثيرٍ من ألفاظ الشريعة الواردة في الأصلين العظيمين والمصدرين الكريمين
الكتاب والسنة إذ بواسطة الشواهد والأدلة من الأدب العربي نستعين على فهم كتاب الله الكريم وسنة صاحب الخُلق العظيم. وبواسطته بحث علماء اللسان الأساليب المختلفة والتراكيب المتنوعة في الشعر العربي فأرسوا قواعدهم وأصلوا أصولهم مستقين من معينه ومستضيئين بنور مصباحه.
كما أن للشعر أثراً طيباً في إعانة طلاب العلم وحملة الشريعة على جمع ما تفرق ونظم ما تشتت من العلوم والفوائد بل وسائر الفنون، فإنه ما من فنٍ من فنون القرآن والحديث وعلوم اللغة إلا وقد نظمت فيه المناظيم، وقيلت فيه الأشعار فسهل حفظها على الصغار والكبار وللوسائل حكم المقاصد كما هو معروف(848) .
ولقد أثر عن كثير من الآل والصحابة رضي الله عنهم قول الشعر إما نظماً له أو تمثُّلاً به، وكان العباس رضي الله عنه مما ورد عنه قول الشعر، فكان يرجزه، كأي عربي أصيل تجيش قريحته حيال أمرٍ ما، حتى قال عنه صاحب العمدة: وأما العباس فكان شاعراً مغلقاً حسن التهدي(849) .
وذكره المزرباني في معجم الشعراء وقال: من معدودي خطباء قريش وبلغائهم وذوي الفضل منهم(850) .
وسنُعنى عنه بما جرى على لسانه من شعر، لا أنه كان مبرزاً فيه مجبولاً عليه كحسان وغيره.
* من شعر العباس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم : (من الطويل)(851)
| مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظِّلَالِ وَفِي | مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ |
|---|---|
| ثُمَّ هَبَطْتَ الْبِلَادَ لَا بَشَرٌ | أَنْتَ وَلَا مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقُ |
| بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ | أَلْجَمَ نَسْرًا وَاهَلَهُ الْغَرَقُ |
| تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إِلَى رَحِمٍ | إِذَا مَضَى عَالِمٌ بَدَا طَبَقُ |
| حَتَّى احْتَوَى بَيْتُكَ الْمُهَيْمِنُ مِنْ | خِنْدَفَ عَلْيَاءَ تَحْتَهَا النُّطُقُ |
| وَأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ | الْأَرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الْأُفُقُ |
| فَنَحْنُ فِي ذلك الضِّيَاءِ وَفِي النُّورِ | وَسُبْلُ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ |
* ومن شعره يوم حنين حين ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم مع من ثبت ولم يفر(852) : (من الطويل)
| أَلَا هَلْ أَتَى عِرْسِي مَكَرِّي وَمَقْدَمِي | بِوَادِي حُنَيْنٍ وَالأَسِنَّةُ تَشْرَعُ |
|---|---|
| وَكَيْفَ رَدَدْتُ الْخَيْلَ وَهِيَ مُغِيرَةٌ | بِزَوْرَاءَ تُعْطِي فِي الْيَدَيْنِ وَتَمْنَعُ |
| نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ فِي الْحَرْبِ سَبْعَة(853) ( 853 ) | وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا |
| وَثَامِنُنَا لاقَى الْحِمَامَ بِسَيْفِهِ | بِمَا مَسَّهُ فِي اللهِ لا يَتَوَجَّعُ |
- ومما نُسب إليه قوله لأخيه أبي طالب(854) :
| أبي قومُنا أن يُنصِفُونا فأنصفت | قواطع في أيماننا تقطر الدما |
|---|---|
| أبا طالب لا تقبل النصفَ منهم | وإن أنصفوا حتى تعق وتظلما |
وقال العباس بن عبد المطلب في نصرة قيس بن نشبة وجواره لما ظُلم في مكة:
* وذكروا أَن الْعَبَّاس بنى داره الَّتِي كَانَتْ إِلَى الْمَسْجِد وجعل يرتجز:
| بنيتُها باللِّبن والحجاره | فباركنْ لأهلِ هذي الدّارهْ(857) ( 857 ) |
|---|
* ومن شعره قوله لابنه قثم، من الرجز.
| حِبِّي قُثَمْ، شَبِيهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ |
|---|
| نَبِيِّ رَبٍّ ذِي النِّعَمْ، بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغِمْ(858) ( 858 ) |
الفصل السابع
العباس إشكالات وشبهات
في هذا الفصل من البحث سنتعرض بالبيان لبعض الإشكالات الكاسدة والشبهات الفاسدة التي أثيرت أو قد تثار على العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، محاولين الإجابة عليها قدر الإمكان، ملتمسين من الله العون والتوفيق.
أولاً: إشكالات على العباس رضي الله عنه
هناك بعض القضايا والأحداث التاريخية التي قد يسيء البعض فهمها قصداً أو بغير قصد، مجرِّداً إياها من سياقها وسباقها ولحاقها متخذاً منها ذريعة لمحاولة النيل من العباس أو القدح في علاقته بغيره من الصحابة، وهذا ما سنعرض له بشيء من الإيجاز غير المخل مع ردِّه وبيان عواره ما أمكن.
* لماذا لم يكن العباس رضي الله عنه من العشرة المبشرين بالجنة؟
من الإشكالات التي تبدو للناظر في سيرة العباس رضي الله عنه أنه رغم قرابته للنبي صلى الله عليه وسلم ومكانته عنده، وما روي في مناقبه وفضائله إلا أنه لم يُعدّ في مصافِّ العشرة المبشرين بالجنة والذين وردت البشارة بهم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَبُو بَكْرٍ فِي الجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الجَنَّةِ وَالزُّبَيْرُ فِي الجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ
فِي الجَنَّةِ»(859)
والإجابة على هذا الإشكال تتحدد من عدة وجوه:
أظهرت الروايات أن بواكير هذه البشارة للعشرة تمت فوق جبال مكة في بدء الدعوة، وتحديداً فوق جبل حراء، ووقتها لم يدخل العباس رضي الله عنه الإسلام، بناء على المشهور في إسلامه.
فقد روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: هُوَ فِي التِّسْعَةِ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَ الْعَاشِرَ سَمَّيْتُهُ، قَالَ: اهْتَزَّ حِرَاءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اثْبُتْ حِرَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» قَالَ(860) : «رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدٌ»، وَأَنَا - يَعْنِي سَعِيدٌ نَفْسَهُ(861) .
وفي سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَخْنَسِ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ رَجُلٌ عَلِيًّا عليه السلام فَقَامَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: «عَشْرَةٌ فِي
الْجَنَّةِ النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ شِئْتُ لَسَمَّيْتُ الْعَاشِرَ» قَالَ: فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَسَكَتَ. قَالَ: فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ «سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ»(862)
أن هؤلاء العشرة بشروا بالجنة؛ لأنهم من السابقين المهاجرين المجاهدين، شهدوا بدراً، وشهدوا بيعة الرضوان، والمشاهد كلها، وبذلوا الغالي والنفيس؛ الأنفس والمهج، والمال والأهل، والوطن، ابتغاء وجه الله الكريم، وأخلصوا دينهم لله تعالى.
فبشروا بالجنة لسابق إسلامهم وتضحياتهم، يقول سعيد بن جبير: كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعيد وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، كانوا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، وخلفه في الصلاة في الصفِّ، وليس لأحدٍ من المهاجرين والأنصار يقوم مقام أحدٍ منهم، غاب أم شهد(863) والعباس رضي الله عنه لم يكن من السابقين ولم يشهد بدراً
ولا بيعة الرضوان.
أن حديث العشرة المبشَّرين بالجنة بمجموع رواياته لا يعني تصريحاً ولا تلميحاً أن غيرهم لا يدخلون الجنة، إذ ليس فيه حصر ولا قصر(864) .
فحديث العشرة بجميع رواياته لا يقصر دخول الجنة على هؤلاء العشرة وحدهم دون ما عداهم، إلا أنه يدل على أن من جملة الداخلين في الجنة العشرة الذين ورد ذكرهم إكراماً لهم، ومباركة لسعيهم، ومكافأةً على إخلاصهم لله ورسوله، ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد بالجنة أيضاً لغيرهم.
- فكما شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم للعشرة بالجنة، فقد شهد لأهل بدر بالجنة؛ ففي الصحيحين(865) عن علي رضي الله عنه في قصة حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ رضي الله عنه عند فتحِ مكَّة، أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: قال فيه: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».
وشهد كذلك لأهل بيعة الرضوان بالجنة، ففي سنن أبي داود وغيره، عن جابر، عن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ
بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»(866)
- كما ورد لغيرهم التبشير بالجنة مثل: جعفر، والحسن، والحسين، والرميصاء امرأة أبي طلحة، وبلال، وغيرهم كثير.
ففي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: «أريت جعفراً ملكاً يطير بجناحيه في الجنة»(867) .
وفي سنن الترمذي عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ»(868) .
وفي صحيحِ البُخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ(869) ، امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشَفَةً(870) ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلاَلٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ» فَقَالَ عُمَرُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ أَعَلَيْكَ أَغَارُ(871) .
إذن فعدم دخول العباس رضي الله عنه في جملة المبشرين بالجنة في حديث واحد غير قادحٍ فيه، ولا يعد مستمسكاً لمن يريد ذلك، سيما وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، ودعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم مستجاب.
روى الترمذي في سننه بسنده، عَنْ كُرَيْبٍ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: «إِذَا كَانَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ فَأْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ حَتَّى أَدْعُوَ لَهُمْ بِدَعْوَةٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا وَوَلَدَكَ»، فَغَدَا وَغَدَوْنَا مَعَهُ فَأَلْبَسَنَا كِسَاءً ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لَا تُغَادِرُ ذَنْبًا، اللهُمَّ احْفَظْهُ فِي وَلَدِهِ»(872) .
وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا الْفَضْلِ لَكَ مِنَ اللهِ حَتَّى تَرْضَى»(873) .
وهل يرضى العباس بأقل من الجنة؟.
* لماذا لم يكن العباس في أهل الشورى؟
لعل من الإشكالات التي قد تبدر إلى بعض الأذهان فيما يخص العباس رضي الله عنه أنه طالما حظي بهذه المكانة وتلك المنزلة عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند الصحابة - والتي سبق بيانها - فلم والحال هذا لم يكن من أهل الشورى الذين أوصى عمر قبيل وفاته بأن يُختار الخليفة من بينهم؟ وبعبارة أخرى: لم تم استبعاده من أهل الشورى؟.
ويجيب على هذا الإشكال الحافظ ابن حجر حيث يقول في فتح الباري: وكان إسلامه - أي العباس - على المشهور قبل فتح مكة، وقيل: قبل ذلك، وليس ببعيدٍ، فإن في حديث أنس في قصة الحجاج ابن علاط ما يؤيد ذلك... ولأجل أنه لم يهاجر قبل الفتح لم يدخله عمر في أهل الشورى، مع معرفته بفضله واستسقائه به(874) .
إذن فالمسألة هنا ليست تعمّد إقصاء للعباس رضي الله عنه وإنما هي مراعاة أسبقية إسلام، وبكورة إيمان، وتقدير تضحية بُذلت في سبيل إعزاز الدين ونصرته.
والعباس وإن كان أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسباً ممن تولى الخلافة؛ إلا أنها لم تطلب له، مع تقدير الصحابة له وحبهم إياه، وذلك لعدم توافر شروطها الأساسية فيه، من سبق إلى الإسلام وعظم تضحية فيه، وهجرة متقدمة، إلى غير ذلك من الشروط.
ثانياً: شبهات على العباس
الناس تجاه العباس رضي الله عنه أصناف ثلاثة: طرفان ووسط، أو: مفرِط ومفرِّط ومعتدل؛ فصنف أفرط فيه وغالى وزعم إمامته بعد النبي صلى الله عليه وسلم نصاً، وصنف فرَّط فيه محاولاً وصمه بميسم سوء يبقى عليه عاره وشناره، مبيحاً ذمه والطعن فيه بناء على رؤى خاصة رآها، وبين هذا وذاك سيقت شبه للطعن في علاقة العباس بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وصنف ثالث: اعتدل في نظرته إلى عمَّ النبي العباس فأعطاه حقه وبوَّأه مكانته دون غلوٍ أو انتقاص.
وسنحاول في هذا الجزء من البحث أن نعرض لبعض شبهات الغالين في العباس رضي الله عنه، وكذا المنتقصين له، مع ردِّ شبهاتهم وبيان زيفها.
* الشبهة الأولى: (العباس والإمامة) الراوندية أو العباسية وإمامة العباس بن عبد المطلب(875) :
* تقرير الشبهة:
لعل من أبرز الغالين في العباس، من زعم إمامته بعد النبي صلى الله عليه وسلم نصاً من النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ثم تدرجاً في أبنائه من بعده، وهؤلاء هم ما يعرفون بالراوندية.
والراوندية من فرق الإمامية: وترى إمامة العباس بعد النبي صلى الله عليه وسلم نصاً من النبي صلى الله عليه وسلم.
ويسميهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره بالعباسية، نسبة إلى موقفهم من إمامة العباس(876) .
حيث
يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على العباس بن عبد المطلب ونصَّبه إماماً، ثم نص العباس على إمامة ابنه عبد الله، ونصَّ عبد الله على إمامة ابنه علي بن عبد الله، ثم ساقوا الإمامة إلى أن انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور(877)
والرواندية تنتمي إلى فرقة الكيسانية التي تنتمي بدورها إلى الخط الإمامي، أو الشيعة الإمامية.
والكَيْسَانية نسبة إلى كيسان، وهو المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي ودعا إلى محمد بن الحنفية، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَوْلَى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - وهم فرق شتى مختلفة فيما بينها، وقد أوصلهم الأشعري في مقالاته إلى إحدى عشرة فرقة(878) .
وجعلهم البغدادي خمْس عشرَة فرقة(879) .
فَمِنَ الْكَيْسَانِيَّةِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ عَلِيًّا نَصَّ عَلَى إِمَامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ; لِأَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ الرَّايَةَ بِالْبَصْرَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلِ الْحُسَيْنُ نَصَّ عَلَى إِمَامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيٌّ بِجِبَالِ رَضْوَى: أَسَدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَنَمِرٌ عَنْ شِمَالِهِ يَحْفَظَانِهِ، يَأْتِيهِ رِزْقُهُ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ
السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ صَبَرَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَكُونَ مُغَيَّبًا عَنِ الْخَلْقِ أَنَّ لِلَّهِ فِيهِ تَدْبِيرًا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ... وقال بعضهم: بل عقوبة لركونه إلى عبد الملك بن مران وبيعته إياه.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ مَاتَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللهِ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَبَا هَاشِمٍ عَبْدَ اللهِ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ، وَإِنَّ الْحَسَنَ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِنَّ عَلِيًّا هَلَكَ وَلَمْ يُعَقِّبْ، فَهُمْ يَنْتَظِرُونَ رَجْعَةَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ وَيَمْلِكُ، فَهُمُ الْيَوْمَ فِي التِّيهِ لَا إِمَامَ لَهُمْ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِمَامَ بَعْدَ أَبِي هَاشِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، [أَوْ أَبُوهُ عَلِيٌّ] قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ مَاتَ بِأَرْضِ الشَّرَاةِ(880) مُنْصَرَفَهُ مِنَ الشَّامِ، وَأَوْصَى هُنَاكَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَوْصَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ أَوْصَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ، ثُمَّ أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ بِوَصِيَّةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ.
قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ
بَعْضُ هَؤُلَاءِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَنَصَّبَهُ إِمَامًا. ثُمَّ نَصَّ الْعَبَّاسُ عَلَى إِمَامَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ، وَنَصَّ عَبْدُ اللهِ عَلَى إِمَامَةِ ابْنِهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ سَاقُوا الْإِمَامَةَ إِلَى أَنِ انْتَهَوْا بِهَا إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الرَّاوَنْدِيَّةُ(881)
ويقول النوبختي: فَالْكَيْسَانِيَّةُ كُلُّهَا لَا إِمَامَ لَهَا، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَى إِلَّا «الْعَبَّاسِيَّةَ» فَإِنَّهَا تُثْبِتُ الْإِمَامَةَ فِي وَلَدِ الْعَبَّاسِ وَقَادُوهَا فِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ(882) .
وعلى ضوء ما سبق: فإن الراوندية هم القائلون بإمامة العباس بن عبد المطلب بعد النبي صلى الله عليه وسلم نصاً من النبي صلى الله عليه وسلم عليه، واختلفوا فيما بينهم على طريقة النصِّ بين كونه ظاهراً مشهراً أو خفياً.
قال ابن حزم: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا تَجُوزُ الْخِلَافَةُ إِلَّا فِي وَلَدِ الْعَبَّاسِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُمُ الرَّاوَنْدِيَّةُ(883) .
وفي شرح نهج البلاغة: وأما الراوندية فإنهم خصصوها بالعباس رحمه الله وولده من بين بطون قريش كلها(884) . وهذا القول هو الذي ظهر في أيام المنصور والمهدى.
وقال أبو
يعلى: وَاخْتَلَفَ الرَّاوَنْدِيَّةُ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ، وَأَعْلَنَ ذَلِكَ وَكَشَفَهُ وَصَرَّحَ بِهِ، وَأَنَّ الْأُمَّةَ جَحَدَتْ هَذَا النَّصَّ وَارْتَدَّتْ وَخَالَفَتْ أَمْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنَادًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ» يَعْنِي هُوَ نَصٌّ خَفِيٌّ(885)
- وكان معتمدهم فيما ذهبوا إليه أنهم احتجوا بأن العباس كان عاصب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارثه. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فقد ورث مكانه.
قال ابن حزم في بيان معتمد قولهم: احْتج من ذهب إِلَى أَن الْخلَافَة لَا تجوز إِلَّا فِي ولد الْعَبَّاس فَقَط على أَن الْخُلَفَاء من وَلَده وكل من لَهُ حَظّ من علم من غير الْخُلَفَاء مِنْهُم لَا يرضون بِهَذَا وَلَا يَقُولُونَ بِهِ لَكِن تِلْكَ الطَّائِفَة قَالَت: كَانَ الْعَبَّاس عاصب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ووارثه، فَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد ورث مَكَانَهُ(886) .
فالراوندية يرون أن أحق الناس بالإمامة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب؛ لأنه عمه ووارثه وعصبته، لقول الله عز وجل: «وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله»(887) وأن الناس اغتصبوه حقه، وظلموه أمره، إلى أن رده الله إليهم(888) .
* الرد:
هل نصّ النبي صلى الله عليه وسلم على إمامة العباس؟
وعند الرد على دعوى الراوندية بالنصِّ على إمامة العباس نجد أن دعواهم فِي النَّصِّ مِنْ جِنْسِ دَعْوَى الإمامية، فالرد على هذه يشمل الرد على تلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان اتحاد جنس الدعوى بين من يرى إمامة علي ومن يرى إمامة العباس: وَأَمَّا النَّصُّ الَّذِي تَدَّعِيهِ الإماميةُ، فَهُوَ كَالنَّصِّ الَّذِي تَدَّعِيهِ الرَّاوَنْدِيَّةُ عَلَى الْعَبَّاسِ، وَكِلَاهُمَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي إِثْبَاتِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ إِلَّا هَذَا لَمْ تَثْبُتْ لَهُ إِمَامَةٌ قَطُّ، كَمَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْعَبَّاسِ إِمَامَةٌ بِنَظِيرِهِ(889) .
ويقول الإمام الشهرستاني مفنداً دعوى النص: «لو أنه ورد نصّ على إمام بعينه لكانت الأمة بأسرها مكلفة بطاعته، ولا سبيل لهم إلى العلم بعينه بأدلة العقول، والخبر ولو كان متواتراً لكان كل مكلف يجد في نفسه العلم بوجوب الطاعة له، وللزمه ديناً كما لزمه الصلوات الخمس»(890) .
ويقول أبو يعلى الفراء نافياً وجود نص صريح بإمامة أحدٍ من الصحابة: «لم يرد نص صريح في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يدل على تعيين إمامٍ بعينه»(891) .
ولو فرضنا وجود نصّ من النبي صلى الله عليه وسلم بإمامة العباس أكان يجهله العباس؟ فقد روى البخاري بسنده عن كعب بن مالك أن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ النَّاسُ يَا أَبَا حَسَنٍ كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا وَإِنِّي وَاللهِ لَأَرَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّا وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَمَنَعَنَاهَا لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم(892) .
وقال السندي في حاشيته معلقاً على رواية: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، اللهُمَّ عَادِ مَنْ عَادَاهُ.
هَذَا الْحَدِيثُ
لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْخِلَافَةِ أَصْلًا... وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا مَا فَهِمَا مِنْهُ ذَلِكَ، كَيْفَ وَقَدْ أَمَرَ الْعَبَّاسُ عَلِيًّا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِينَا أَوْ فِي غَيْرِنَا؟ فَقَالَ لَهُ عَلَيٌّ: إِنْ مَنَعَنَا فَلَا يُعْطِينَا أَحَدٌ(893)
- أما قولهم: إن العباس هو عاصب الرسول صلى الله عليه وسلم ووارثه وأحق الناس بالإمامة بعده، فهذا ليس بشيء؛ وقد كفانا الإمام ابن حزم مؤنة الردّ عليه حيث ألجم أصحابه وجادلهم وجالدهم، وبيّن لهم عوار مذهبهم وفساد قولهم، ومن ذلك قوله في التفرقة بين ميراث النسب وميراث المكانة والشرف:
إن مِيرَاث الْعَبَّاس رضي الله عنه لَو وَجب لَهُ لَكَانَ ذَلِك فِي المَال خَاصَّة، وَأما الْمرتبَة فَمَا جَاءَ قطّ فِي الديانَات أَنَّهَا تورث فَبَطل هَذَا التمويه جملَة وَللَّه الْحَمد، وَلَو جَازَ أَن تورث الْمَرَاتِب لَكَانَ من ولَّاه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَكَاناً مَا إِذا مَاتَ وَجب أَن يَرث تِلْكَ الْولَايَة عاصبه ووارثه، وَهَذَا مَالا يَقُولُونَهُ، فَكيف وَقد صَحَّ بِإِجْمَاع جَمِيع أهل الْقبْلَة حاشا (الغلاة) أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة، فَإِن اعْترض معترض بقول الله عز وَجل: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ(894) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى حاكياً عَن زَكَرِيَّا عليه السلام أَنه قَالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ
رَضِيًّا﴾(895)
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ؛ لِأَن الروَاة حَملَة الْأَخْبَار وَجَمِيع التواريخ الْقَدِيمَة كلهَا وكواف بني إِسْرَائِيل ينقلون بِلَا خلاف نقلاً يُوجب الْعلم أَن دَاوُد عليه السلام كَانَ لَهُ بنُون جماعة غير سُلَيْمَان عليه السلام، فصحَّ أَنه ورث النُّبُوَّة.
وبرهان ذَلِك أَنهم كلهم مجمعون على أَنه عليه السلام ولي مَكَان أَبِيه عليهما السلام ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا اثْنَتَيْ عشرَة سنة ولداود أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ابْنا كبارًا وصغارًا، وَهَكَذَا القَوْل فِي مِيرَاث يحيى بن زَكَرِيَّا عليهما السلام.
وبرهان ذَلِك من نَص الْآيَة نَفسهَا قَوْله عليه السلام: يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب، وهم مِئوا أُلُوف لكل سبط من أسباطهم عصاب عظيمة، فصحَّ أنه إنما رغب ولداً يَرث عَنهُ النُّبُوَّة فَقَط.
وَأَيْضًا: فَمن الْمحَال أَن يرغب زَكَرِيَّا عليه السلام فِي ولد يحجب عصبته عَن مِيرَاثه، إذ إِنَّمَا يرغب فِي هَذِه الخطة ذُو الْحِرْص على الدُّنْيَا وحطامها، وَقد نزه الله عز وَجل عن ذلك أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وبرهان ذلك أنه عليه السلام إنما طلب الولد إذ يرى أن ما آتاه الله عز وجل مَرْيَم عليها السلام الَّتِي كَانَت فِي كفَالَته من المعجزات، قَالَ تَعَالَى:﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب
إِلَى قَوْله ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾(896) وعَلى هَذَا الْمَعْنى دَعَا فَقَالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾.
وَأما من اغْترَّ بقوله تَعَالَى حاكياً عَنهُ عليه السلام أَنه قَالَ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قيل لَهُ: بطلَان هَذَا الظَّن أَن الله تَعَالَى لم يُعْطه ولداً يكون لَهُ عقب فيتصل الْمِيرَاث لَهُم، بل أعطَاهُ ولداً حصوراً لَا يقرب النِّسَاء. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(897) فصحَّ ضَرُورَة أَنه عليه السلام إِنَّمَا طلب ولداً نَبياً لَا ولد يَرث المَال.
وَأَيْضًا: فَلم يكن الْعَبَّاس محيطاً بميراث النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّمَا كَانَ يكون لَهُ ثَلَاثَة أثمان فَقَط، وَأما مِيرَاث المكانة فقد كَانَ الْعَبَّاس رضي الله عنه حَيا قَائِماً إِذْ مَاتَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَمَا ادعى الْعَبَّاس لنَفسِهِ قط فِي ذَلِك حَقًا، لَا حِينَئِذٍ وَلَا بعد ذَلِك، وَجَاءَت الشورى فَمَا ذُكر فِيهَا، وَلَا أنكر هُوَ وَلَا غَيره ترك ذكره فِيهَا، فصحَّ أَنه رأي مُحدَث فَاسد لَا وَجه لَهُ للاشتغال بِهِ، وَالْخُلَفَاء من وَلَده والأفاضل مِنْهُم من غير الْخُلَفَاء لَا يرضَوْنَ لأَنْفُسِهِمْ بِهَذِهِ الدعْوَى ترفُّعاً عَن سُقُوطهَا ووهنها، وَبِاللهِ تَعَالَى التَّوْفِيق(898) .
كما
أن إطباق الصحابة على متابعة أبي بكر، ثم على طاعته في مبايعة عمر، ثم على العمل بعهد عمر في الشورى، ولم يدع العباس ولا علي أنه صلى الله عليه وسلم عهد له بالخلافة، في كل هذا ردّ على من زعم من الراوندية أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على إمامة العباس(899)
وفي التحفة نقل المباركفوري ردَّ القاضي ابن عبد الجبار على من ادعى وجود نصِّ من النبي صلى الله عليه وسلم على إمام بعينه - سواء أكان أبا بكر أم علياً أم العباس على نحو ما ادعت الراوندية - حيث قال:
وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَجَسَارَةٌ عَلَى الِافْتِرَاءِ وَوَقَاحَةٌ فِي مُكَابَرَةِ الْحِسِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِهِ إِلَى عُمَرَ وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِ عُمَرَ بِالشُّورَى وَلَمْ يُخَالِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَحَدٌ، وَلَمْ يَدَّعِ عَلِيٌّ وَلَا الْعَبَّاسُ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّةً فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَقَدِ اتَّفَقَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ عَلَى جَمِيعِ هَذَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ ذِكْرِ وَصِيَّةٍ لَوْ كَانَتْ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَصِيَّةٌ فَقَدْ نَسَبَ الْأُمَّةَ إِلَى اجْتِمَاعِهَا عَلَى الْخَطَأِ وَاسْتِمْرَارِهَا عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنْ يَنْسُبَ الصَّحَابَةَ إِلَى الْمُوَاطَأَةِ عَلَى الْبَاطِلِ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ(900) ؟.
وعليه ففارق كبير بين وراثة النسب ووراثة المكانة والشرف، إذ لا تتوقف إحداهما في أصل وجودها على الأخرى.
الشبهة الثانية: العباس ليس من جملة الصحابة:
للصحبة فضلها الكبير ومنزلتها العظيمة التي لا يجادل فيها مجادل، وكفى بصاحبها شرفاً رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومما بات واضحًا أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ(901) .
* تقرير الشبهة:
حاول البعض النيل من العباس رضي الله عنه ومكانته التي عرفها له القاصي والداني وذلك تحقيقا لمآرب فاسدة وأغراض سيئة وخدمة لقضايا أبعد ما تكون عن الحق والإنصاف، ظناً منهم أنهم ينصفون الحقائق وهم أبعد ما يكونون عنها.
والظاهر أن كل بغيتهم تجريد العباس رضي الله عنه من كل فضيلة، فبعد أن طعنوا في أخلاق العباس ومكانته لم يكفهم ذلك ولم يشبع نهمتهم، فحاولوا جاهدين الطعن في صحبته مدعين عليه ومن في حكمه أنه ليس من جملة الصحابة بالمفهوم الشرعي عندهم، ويعنون به المستحقين للمدح والثناء.
حيث يرى
حسن المالكي أن الصحبة لها مفهومان، عام: وهذا لا يقتضي مدحاً ولا ذماً. وخاص: وهو الذي يقتضي الثناء والمدح. (وهي الصحبة الشرعية المحمودة عنده)(902)
والصحبة الشرعية المحمودة لا تكون إلا في المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من بداية الهجرة إلى زمن الحديبية، ومن في حكمهم ممن مات قبل الهجرة من السابقين إلى الإسلام، بخلاف النساء حيث تمتد هجرتهن الشرعية إلى فتح مكة(903) .
وعليه فلا تنطبق الصحبة الشرعية المحمودة على العباس رضي الله عنه لتأخر إسلامه وهجرته، وهذا ما صرح به حسن المالكي، ومن قوله في ذلك:
«وعلى هذا، فلا يدخل في الصحابة خالد بن الوليد وطبقته، كعمرو بن العاص وعثمان بن أبي طلحة، ولا يدخل من بعدهم
كالعباس بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث..»(904)
وهذه الشبهة بحقٍ إحدى مختصات زماننا، وهي شبهة تضحك منها الثكلى وتسقط منها الحبلى ويشيب منها الأقرع، وقد ادعاها حسن المالكي في كتابه الصحبة والصحابة، ولم يُسبق إليها فيما أعلم(905) . وإن كان زعم أن الأصوليين على هذا الرأي، بل وأكثر العلماء، حتى وإن اختلفت ألفاظهم(906) .
يقول حسن المالكي بعد أن ذَكَرَ آثاراً مستدلًّا بها على أنَّ الصحابةَ ليسوا إلَّا المهاجرين والأنصار وبخاصة من أسلم قبل الحديبية(907) :
وقال العباس لابنه عبد الله: يا بُنَيَّ! أرى أمير المؤمنين يقصد عمر يُقرِّبك ويَخلو بك ويستشيرُك مع ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحفظ عنِّي ثلاثاً..». والإسناد رجاله ثقات إلَّا
مجالد بن سعيد.
وبعد أن ساق الرواية يقول مكرراً تقرير شبهته المضحكة:
إن صحّ اللفظ فهذا دليل - فيما يظهر لي والله أعلم - والدلالة ظنية على أن العباس قد أخرج ابنه عبد الله - مع فضله وجلالته - من أصحاب محمد؛ لصغر سنه أيام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكونه لم يهاجر إلا بعد أن انقطعت الهجرة الشرعية، وكان غلاماً يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن صحت الدلالة فهو دليل على خروج من أسلم بعده كالطلقاء وأمثالهم من باب الأولى(908) .
وفي الكلام تعريض بالعباس أيضاً حيث إنه أسلم بعد ابنه.
ثم ساق عدة روايات من جنس الرواية السابقة ليقرر صحة دعواه إلى أن قال تحت عنوان: الخلاصة في مفهوم الصحبة عند الصحابة والتابعين:
«أنه (أعني مفهومهم للصحبة) يفرق بين مصطلح الصحبة الشرعية (الخاصة) والصحبة العامة (صحبة الكافة) التي ليس لها ميزة الصحابة وليس لها اسم الصحبة الشرعي؛ فالصحبة التي نزلت النصوص في مدحها والثناء عليها هي الصحبة الشرعية (صحبة المهاجرين والأنصار) وهي الصحبة الخاصة، والصحبة الخاصة طبقات أيضاً، لكن أوسع مدى زمني للصحبة الشرعية أو الخاصة ينتهي عام الحديبية، أما فترة ما بعد
الحديبية فهي داخلة في الصحبة العامة، التي يسمه أهلها شرعاً (التابعين) سواء منهم التابعون بإحسان، أو بغير إحسان»(909)
ويقصد من وراء ذلك تجريد من أسماهم أصحاب الصحبة العامة من كثيرٍ من الفضائل، من خلال الزعم بأن الآيات الكريمة والأحاديث النبوية التي أتت بكثير من الثناء على من كانوا مع النبي «صلى الله عليه وسلم» أو على المهاجرين والأنصار ومن في حكمهم لا تنطبق على أصحاب الصحبة العامة.
وذلك بغية هدف أبعد ألا وهو ضرب مسألة عدالة الصحابة، حيث أثبتها في الأغلب للصحبة الشرعية المحمودة في نظره، ونفاها عن الصحبة العامة.
ومن قوله: إن محور العدالة يدور حول الصلاح والاستقامة، وهذه الاستقامة حاصلة في أغلبية المهاجرين والأنصار (الصحابة الشرعيين) والحمد لله، وأما من بعدهم فهم كسائر الأمة، يكثر فيهم العدول ويقلون.. (إلى أن يقول): فيجب النظر في كل شخص بعد المهاجرين والأنصار (الصحابة الشرعيين) هل يغلب عليه الصلاح أم الفساد، العدل أم الظلم(910) ؟.
وبعد أن تسقط عدالة الصحابة تبعاً للمنهج الذي طرحه المالكي فإن أحدًا لن يتحرج من غمزهم ولمزهم بل وسبهم صراحاً، وهذا ما انتهى
إليه المالكي حيث قال في وقاحة قلَّ أن توجد: إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي.. عرفنا أن كلمة أصحابي في هذا الحديث لا تعني إلا المهاجرين والأنصار ويعني بهم الصحابة الشرعيين تبعاً لمفهومه على أوسع احتمال، أو السابقين منهم على أضيق احتمال(911)
إذن فالرجل يسعى سعياً حثيثاً من وراء هذه التفرقة المصطنعة والمستحدثة إلى إسقاط عدالة الصحابة، ومن ثم شرعنة سبهم، وكان أن بدأ بالعباس من ضمن ما بدأ، حيث جرده من الصحبة الشرعية، وبالتالي فلا تنطبق عليه العدالة، ولا يدخل في المنهي عن سبِّهم.
وقطعاً الرجل لم يقصد من وراء هذا ضرب العباس وحده، بل إنه قصد جل الصحابة، وما العباس إلا مثال جاء في الطريق.
* الرد:
بداية: لا أدري عن أي عقلٍ خرجت هذه الشبهة المدهشة والعجيبة، إن المالكي بنى شبهته في إخراج العباس وغيره من جملة الصحبة المحمودة على التفرقة بين من أسلم قبل الحديبية، وبين من أسلم بعدها. وهذا هو أصل شبهته.
وأخذ يسوق الأدلة في نظره على ما يريد، ويلوي النصوص ليَّاً ليصل إلى مأربه، إنه يخيل إليه ومن جملة أدلته أنه طالما تحدث العباس لابنه عن
الصحابة بصيغة الغائب، فإن هذا دليل على خروجه وابنه منهم.
ووالله لولا أن رأيت الشبهة بعيني ما صدّقت أن هناك من يعرضها فضلاً عن أن يقبلها، ولكننا صرنا في زمنٍ نبرهن فيه على الواضحات وكما يقال: توضيح الواضحات من الفاضحات.
إنَّ القول بقَصر الصحبة المحمودة على المهاجرين والأنصار الذين أسلموا قبل صُلح الحُديبية لهو السخف بعينه، وهذا يؤدي بدوره إلى إخراجِ عددٍ كبير من الصحابة من شرفَ الصُّحبة، وفيهم العباسُ بن عبد المطلب عمُّ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه، وابنُه عبد الله بن عباس حَبْر الأمَّة وترجمان القرآن، وغيرهما.
إنَّها لإحدى الكُبَر أن يَدَّعيَ المالكيُّ أنَّ العبَّاسَ وابنَه عبد الله ومن في حكمهما - وكذا من أسلم بعد الحديبية - من حيث توقيت الإسلام أو صغر السن لَم يظفروا بفضيلة الصُّحبة، وهو شيء لَم يُسبَق إليه، وما سمعتُ ولا رأيتُ قبل وقوفي على كلامه هذا مثل هذه الدَّعوى الباطلة الخاطئة، وإنَّ مُجرَّدَ تصوُّر هذا القول الباطل يُغنِي عن الاشتغال بالردِّ عليه، ومع هذا فإنِّي أجيب عليه بما يأتي:
أولاً: أنَّه لَم يرِد عن أحدٍ من الصحابة ومَن بعدهم ما يُخرج العباس وابنَه عبد الله رضي الله عنهما مِن أن ينالاَ شرف الصُّحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناها الشرعي بمعنى دخولهم في آيات المدح والثناء، وإثبات
عدالتهم، ونحو ذلك من حقوق الصحبة، ومن يتتبع أقوال العلماء الذين عنوا بذكر طبقات الصحابة وتواريخهم لن يجد شيئاً مما أورده المالكي، وعلى هذا فمِثْلُ هذه الدعوى من المالكي تُعد بحقٍ مِن مُحدَثات القرن الخامس عشر(912)
ثانياً: أن ما أورده المالكي من تعريف وتحرير للصحبة الشرعية والعامة كأصل نظري، ثم ما ذكره عن العباس رضي الله عنه وغيره كتطبيق، يتعارض مع تعريف العلماء لمصطلح الصحابي سواء أكانوا من المحدِّثين أم الأصوليين.
يقول ابن حجر في تعريف الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك(913) .
وهذا هو الصحيح في حدِّه، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وأبي عبد الله البخاري في صحيحه والمحدثين كافة، قاله النووي(914) .
وفي رجال الخاقاني: الصحابي هو: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام، وإن تخلَّلت رِدَّته بين لقيه مؤمناً به، وبين موته مسلماً على الأظهر(915) ولم يفرق العلماء هنا بين من أسلم قبل
الحديبية أو بعدها.
وهذا التعريف منسوب إلى المحدِّثين، قال ابن الصلاح في تعريف الصحابي: فَالْمَعْرُوفُ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ رَأَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ(916) .
ونسبه ابن حجر في الفتح إلىِ الْبُخَارِيُّ وأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ(917) .
مع أن هذا التعريف ليس مختصاً بالمحدثين فقط، بل رجَّحه كثير من الأصوليين أيضاً (وإن كان المشهور عنهم خلافه) ونسبه الإمام ابن كثير إلى جمهور العلماء سلفاً وخلفاً حيث قال في الباعث الحثيث: الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حال إسلام الرائي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئاً. هذا قول جمهور العلماء، خلفاً وسلفاً.
وقد نصَّ على أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة: البخاري وأبو زرعة، وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة، كابن عبد البر، وابن منده وأبي موسى المديني، وابن الأثير في كتابه «الغابة في معرفة الصحابة». وهو أجمعها وأكثرها فوائد وأوسعها. أثابهم الله أجمعين(918) .
ونسبه
الزركشي إلى أكثر العلماء(919)
وممن قال به من الأصوليين، حتى لا ينسب فقط إلى المحدِّثين: القاضي أبو يعلى في العدة(920) . وتبعه على ذلك تلميذه أبو الخطاب في التمهيد(921) .
ومال إليه العكبري الحنبلي(922) ، واختاره ابن قدامه، كما في روضة الناظر(923) .
وذهب إليه ابن حزم، حيث قال في الإحكام: أما الصحابة رضي الله عنهم فهو كل من جالس النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة وسمع منه ولو كلمة فما فوقها أو شاهد منه عليه السلام أمرا يعيه ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ماتوا على ذلك ولا مثل من نفاه عليه السلام باستحقاقه كهيت المخنث ومن جرى مجراه فمن كان كما وصفنا أولا فهو صاحب وكلهم عدل إمام فاضل رضي فرض علينا توقيرهم وتعظيمهم وأن نستغفر لهم ونحبهم(924) .
وصفي الدين البغدادي الحنبلي، حيث قال: والصحابي من
صحبه ولو ساعة أو رآه مؤمناً(925)
والطوفي في شرح مختصر الروضة، حيث قال: فَالصَّحَابِيُّ: مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ عليه السلام مُطْلَقَ الصُّحْبَةِ، وَلَوْ سَاعَةً، أَوْ لَحْظَةً، وَرَآهُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ، إِذْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ الِاجْتِمَاعُ بِالْمَصْحُوبِ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا مَعَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ صَحِبُوهُ وَرَأَوْهُ عليه السلام، لَا يُسَمَّوْنَ صَحَابَةً بِالِاتِّفَاقِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ شَرْطٌ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الصَّحَابِيِّ(926) .
والإسنوي في زوائد الأصول، حيث قال: الصحابي من رآه عليه الصلاة والسلام، وإن لم يرو عنه، ولم تطل صحبته له(927) .
وأبو البقاء الفتوحي الحنبلي، حيث قال: الصَّحَابِيُّ: مَنْ لَقِيَهُ أَيْ لَقِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى «أَوْ رَآهُ يَقَظَةً» فِي حَالِ كَوْنِهِ صلى الله عليه وسلم «حَيًّا» وَفِي حَالِ كَوْنِ الرَّائِي «مُسْلِمًا. وَلَوْ ارْتَدَّ» بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَمْ يَرَهُ بَعْدَ إسْلامِهِ «وَمَاتَ مُسْلِمًا». وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ؛ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه وَأَصْحَابُهُ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ(928) .
أما التعريف الأشهر المنسوب إلى الأصوليين فهو: الصحابي من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به، واختص به اختصاص المصحوب، متبعاً إياه مدة يثبت معها إطلاق صاحب عليه عرفاً بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، تعلم منه أو لم يتعلم(929) .
وهذا هو ما يعرف بطَرِيقُ الْأُصُولِيِّينَ(930) .
وقد ذهب إليه أكثر الأصوليين. مثل: إمام الحرمين في التلخيص(931) ، والغزالي في المستصفى(932) ، وابن السمعاني في قواطع الأدلة(933) .
وحكى اختلاف المحدثين والأصوليين كثير من العلماء منهم الآمدي حيث قال في الإحكام: اخْتَلَفُوا فِي مُسَمَّى الصَّحَابِيِّ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَإِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ اخْتِصَاصَ الْمَصْحُوبِ، وَلَا رَوَى عَنْهُ، وَلَا طَالَتْ مُدَّةُ صُحْبَتِهِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَنْ رَأَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَاخْتَصَّ بِهِ اخْتِصَاصَ الْمَصْحُوبِ، وَطَالَتْ مُدَّةُ صُحْبَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ(934) .
ومراد الآمدي بالآخرين، الأصوليين، فهم من ذهب إلى أن الصحابي هو من طالت مصاحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وملازمته له، حتى
وإن لم يرو عنه.
ودارت معارك كلامية بينهم وبين المحدثين، وحفلت كتب الأصول والمصطلح بذكر فصول من هذا الاختلاف.
على أن الأصوليين لم يحددوا مدة لتلك الصحبة كما جزم المالكي، ولم يخرجوا العباس منها، ولم يحصروا نصوص الثناء والمدح والفضل قرآنا وسنةً فيمن أسلم قبل الحديبية.
وغاية ما فعلوه أنهم اشترطوا للصحبة مدة يثبت معها الإطلاق، وقد روي عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ في تحديد تلك المدة: أَنَّهُ كَانَ لَا يَعُدُّ الصَّحَابِيَّ إِلَّا مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، وَغَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا - إِنْ صَحَّ عَنْهُ - رَاجِعٌ إِلَى الْمَحْكِيِّ عَنِ الْأُصُولِيِّينَ(935) .
وفي صحيح البخاري من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنهم، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ، فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ»(936)
وقد استدل به العلماء على فضل الصحابة وتابعيهم دون أدنى إشارة للتفرقة المزعومة التي نادى بها المالكي.
فقد أورده البخاري في كتاب المناقب، باب فضائل الصحابة بعموم دون تفرقة بينهم. حسب ما زعم المالكي. واستهل الباب بقوله: وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ(937) .
وكأنه يريد أن يقول إن كل حديث سيأتي في هذا الباب فإن فضله يشمل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَفَضْلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ(938) .
وقال العيني في العمدة: وَفِيه معْجزَة لسيدنا رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم وفضيلة لأَصْحَابه وتابعيهم(939) .
فأين ما ذكره المالكي من هذا الذي قرره العلماء؟ ثم ألا تكفي صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وملازمته مدة خمس سنوات فأكثر حتى يصير الرجل صحابياً؟ حيث إن المدة ما بين صلح الحديبية ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم تزيد على خمس سنوات، ألا تعتبر هذه مدة كافية عند الأصوليين لإطلاق وصف الصحبة على من توافرت فيه، حتى يتبجح المالكي ويخرج بهذا القول ويعتضد بمذهب الأصوليين في تعريف الصحابي(940) .
ثالثاً: أنَّ ذِكرَ أحد الصحابة لأصحابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بصيغة الغائب، لا يُخرجه منهم، فما ذكره المالكيُّ من آثار جاء فيها ذِكرُ العباس أو ابنِه أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس فيها دليل على إخراجهما من الصحبة، كما أن سند الرواية فيه مُجالد وهو ضعيفٌ جدًّا، وقد اتُّهم بالكذب(941) .
ومِمَّا يُوَضِّح ذلك ما رواه أبوداود في سننه بسنده عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
كَمَا يُحَدِّثُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُ وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(942)
فعلى زعم قول المالكي هل يمكننا إخراج الزبير رضي الله عنه من جملة الصحابة ومعه ابنه؟ والزبير من السابقين ومن العشرة المبشرين بالجنة، وابنه عبد الله أوَّل مولود وُلد بالمدينة بعد الهجرة(943) .
وفي البخاري في قصة حاطب يسأله النبي صلى الله عليه وسلم لما أتي به: «يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ يُدْفَعُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ هُنَالِكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، قَالَ: «صَدَقَ، لَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا»(944) . وحاطب ممن شهد بدراً.
وفي البخاري عن ابن عمر قَالَ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالطَّائِفِ، قَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ» فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ نَبْرَحُ أَوْ نَفْتَحَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَاغْدُوا عَلَى القِتَالِ» قَالَ: فَغَدَوْا فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَثُرَ فِيهِمُ الجِرَاحَاتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ
اللهُ» قَالَ: فَسَكَتُوا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(945)
ويدلُّ لذلك أيضاً ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ أَصْحَابُكَ بِأَجْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الحَجِّ؟ فَقَالَ لَهَا: «اذْهَبِي، وَلْيُرْدِفْكِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ...» الحديث(946) .
فذِكرُ أمِّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموضع وغيره لا يدلُّ على مباينتها لهم، ولا خروجها منهم، بل إنَّه يدلُّ على أنَّ كلَّ الذين صحبوه في حجَّته هم من أصحابه.
وهذا الذي جاء عن العباس وابنه وابن الزبير وحاطب وابن عمر والعباس وابنه رضي الله عنهم له نظائرُ كثيرةٌ في كلام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم، وهو واضحٌ في عدم خروج المتكلِّم به ومَن يخاطبه مِن أن يكون مِن أصحاب النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
«وهذا ما يؤكد أن الرجل أتى بدعاً من القول لم يسبق إليه، كما أن زعمه أن العباس وابنه عبد الله رضي الله عنهما لَم ينالا شرفَ صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو من الجفاء في آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بل إنَّه جفاءٌ في مَن هو أقربُ نسباً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس رضي الله عنه»(947) .
الشبهة الثالثة: العباس وبيعة أبي بكر رضي الله عنهما (السقيفة):
كثر الكلام حول السقيفة وما دار فيها، وأُثيرت حولها كثير من الشبهات، ولسنا هنا بصدد استقراء كل ما أُثير حولها فهو أمر يحتاج إلى مؤلفات مستقلة، وغاية مقصدنا هنا بيان موقف العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه من بيعة الصديق أبي بكر رضي الله عنه، وما دار فيها، وبعبارة أخرى تزيح الجدل وَتزيل الْإِشْكَالَ: هل بايع العباسُ الصديق أبا بكر وارتضى خلافته أم تراه أحجم عن مبايعته؟
* تقرير الشبهة والرد عليها:
وقد حاول البعض إثارة بعض الشكوك في بيعة العباس لأبي بكر رضي الله عنهما ، ناقلاً إحجام العباس عن مبايعته وذلك تبعاً لموقف علي بخاصة والذي تبنته بنو هاشم بعامة على حد زعم من ذكر هذا.
وقد حاولوا الاستدلال على هذا الموقف المزعوم بعدة روايات، سنحاول بيان بعضها فيما نستقبل من صفحات هذا البحث.
بداية لا بد من تقرير شيء له أهميته في هذا الجانب ألا وهو أن أي قول لا يحمل معه الأدلة الشرعية الصحيحة الصريحة التي تؤكده وتسوغ الصدع به فهو قول ساقط متهافت لا قيمة له ولا طائل من ورائه، ولن يصمد أمام البحث
الشرعي الصحيح.
العباس لم يبايع لأنه يرى عدم أحقية الصديق بالخلافة:
خيل لدى البعض أن العباس بن عبد المطلب ما رضي خلافة الصديق أبي بكر لأنه لا يرى له حقاً في الخلافة، بل إنه كان يرى لنفسه أو لعلي حقاً في الإمامة ونصيباً منها بحكم قرابتهما من النبي صلى الله عليه وسلم؛ بدلالة بعض الروايات التي قد تشير إلى ذلك تلميحاً أو تصريحاً، وهذه محض أوهام لا تثبت أمام البحث العلمي الصحيح، وفيما يلي تفصيل ذلك:
- روى البخاري في صحيحه: أنه لما اشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم وأدرك العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ينازع الموت، أشار على علي بالذهاب إلى رسول الله ليسأله عن الخلافة بعده فيمن تكون، وقال له: إِنِّي وَاللهِ لَأَرَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عِنْدَ المَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الأَمْرُ، إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ، فَأَوْصَى بِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّا وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَمَنَعَنَاهَا لاَ يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللهِ لاَ أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم(948) .
وكلام العباس هنا لا يعطي أي دلالة على رفضه لبيعة الصديق،
وغاية ما فيه هو استيضاح الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يحوي ومن باب الإنصاف أمنيات للعباس أن يكون الأمر له أو لعلي، وهذا غير قادح في مكانة الصديق ولا في رضى العباس ببيعة الصديق، فالأمر لا يعدو كونه نزعة شخصية وأمنية سرعان ما تلاشت، وفارق بين الأماني والواقع، فالأماني شيء والواقع شيء آخر، كما أن هذه الرواية قاطعة لأي نزاع حول الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم لعلي كما تدعي الإمامية، أو الوصية للعباس كما تدعي الراوندية.
ويلحق بنفس الرد ما روي أن العباس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم طلب من علي أن يبسط يده ليبايعه العباس بالخلافة.
- أخرج ابن سعد في طبقاته: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ. أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيٍّ فِي الْمَرَضِ الَّذِي قُبِضَ فيه. يعني النبي صلى الله عليه وسلم: إِنِّي أَكَادُ أَعْرِفُ فِيهِ الْمَوْتَ. فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ فَنَسْأَلْهُ مَنْ يَسْتَخْلِفُ. فَإِنِ اسْتَخْلَفَ مِنَّا فذاك. وإلا أوصى بنا فَحَفَظَنَا مَنْ بَعْدَهُ! فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ عِنْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ. فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِعَلِيٍّ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ تُبَايِعْكَ النَّاسُ! فَقَبَضَ الآخَرُ يَدَهُ(949) .
والرواية وإن لم يُصرح فيها باسم العباس إلا أنه واضح أنه المراد
من قول الشعبي: «قال رجل لعلي» وتدل عليه رواية البخاري السابقة، وإن كانت هذه الرواية تزيد عليها طلب العباس من علي أن يبسط يده ليبايعه، وهذه الزيادة لم يوردها البخاري في روايته، كما أن إسناد الرواية التي بين أيدينا تعتريه شبهة الانقطاع، فهي من مرويات الشعبي ويحتمل أن تكون من مراسيله، والشعبي وإن كان أدرك علياً وصلَّى خلفه كما قال الذهبي(950) إلا أن في روايته عنه خلاف بين أهل العلم، وعليه فشبهة الإرسال محتملة، ومع أن مراسيله من أصح المرسلات، كما قَالَ الْعجلِيّ: مُرْسل الشّعبِيّ صَحِيح، وَلَا يكَاد يُرْسل، إلَّا صَحِيحا(951)
لكن يبقى أن المرسل من جنس الضعيف، وأن الرواية تحتاج إلى أن تعزز بطرق أخرى صحيحة(952) .
والرواية على فرض صحتها لا تحمل أي إشارة على إحجام العباس رضي الله عنه وامتناعه عن بيعة الصديق رضي الله عنه أيضاً، وغاية ما فيها ومثيلاتها(953) أن العباس عرض البيعة على علي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وقبل
ما حدث في السقيفة، وهي أيضاً داحضة لأي دعوى بالنص على إمامة علي أو العباس، كما أسلفنا سابقا بدلالة عرٌض العباس وامتناع علي، فعرٌض العباس يمنع وجود أي نصّ بإمامته من النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلم عرض عليه البيعة(954)
وامتناع علي رضي الله عنه هو الآخر يدحض شبهة وجود أي نصِّ بإمامته، وإلا فلمَ امتنع؟
2 - إحجام العباس عن بيعة الصديق مع علي والزبير وسعد
أما ما روي من إحجام العباس عن بيعة الصديق مع من أحجم من بني هاشم ومن والاهم فهو كلام يحتاج إلى إثبات من مصادر صحيحة وروايات صريحة، وما بين أيدينا من روايات وردت بهذا الخصوص ضعيف على أقل تقدير، ولا يمكننا الركون إليه أو التسليم بصحة ما ورد فيه فيما يتعلق بهذا الشأن الخطير.
قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر: عليّ، والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب
ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة! فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه(955)
والنص السابق لا يمكننا التسليم بصحته وذلك من عدة وجوه:
- إن النص المذكور منسوب لابن عبد ربه وقد نُسب إلى الاعتزال(956) .
- إن كتابه العقد الفريد موضوع في الأدب ولم يعن بصحة الروايات ولا حتى بإسنادها في الأغلب.
- القول المذكور أعلاه ورد منه بلا إسناد، ولا يمكن قبوله منه لخلوه من الدليل الصحيح الصريح من جهة، ومن جهة أخرى لأن بعض العلماء كان يرى في ابن عبد ربه نفسه أثرة من تشيع، حتى قال ابن كثير في ترجمته: ويدل كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِ، عَلَى تَشَيُّعٍ فِيهِ، وَمَيْلٍ إِلَى الْحَطِّ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ. وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَحَدُ مَوَالِيهِمْ وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يواليهم لا ممن يعاديهم(957) .
- ومن جملة الروايات التي يستشهد بها البعض على إحجام العباس عن البيعة ما ورد في كتاب سليم بن قيس عن السقيفة تحت عنوان «محاولة أصحاب السقيفة تطميع العباس في الخلافة».
حيث قال ناسباً الخبر إلى البراء بن عازب: .. قال: وبلغ أبا بكر وعمر الخبر، فأرسلا إلى أبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة، فسألاهما الرأي. فقال المغيرة بن شعبة: أرى أن تلقوا العباس بن عبد المطلب فتطمعوه في أن يكون له في هذا الأمر نصيب يكون له ولعقبه من بعده فتقطعوا عنكم بذلك ناحية علي بن أبي طالب، فإن العباس بن عبد المطلب لو صار معكم كانت الحجة على الناس وهان عليكم أمر علي بن أبي طالب وحده. قال: فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة حتى دخلوا على العباس بن عبد المطلب في الليلة الثانية من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال: فتكلم أبو بكر فحمد الله جل وعز وأثنى عليه ثم قال: إن الله بعث لكم محمدا نبيا وللمؤمنين وليا، فمن الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم، حتى اختار له ما عنده وترك للناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصلحتهم، متفقين لا مختلفين. فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً، فتوليت ذلك. وما أخاف بعون الله وهنا ولا حيرةً ولا جبناً، وما توفيقي إلا بالله. غير أني لا أنفك من طاعن يبلغني فيقول
بخلاف قول العامة، فيتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع وخطبه البديع، فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه أو صرفتموهم عما مالوا إليه. فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك ولعقبك من بعدك، إذ كنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن كان الناس أيضا قد رأوا مكانك ومكان صاحبك فعدلوا بهذا الأمر عنكما.
فقال عمر: أي والله، وأخرى يا بني هاشم على رسلكم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منا ومنكم، وإنا لم نأتكم لحاجة منا إليكم، ولكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون، فيتفاقم الخطب بكم وبهم. فانظروا لأنفسكم وللعامة. ثم سكت.
فتكلم العباس فقال(958) : إن الله تبارك وتعالى ابتعث محمدًا صلى الله عليه وآله - كما وصفت - نبياً وللمؤمنين ولياً، فإن كنت برسول الله صلى الله عليه وآله طلبت هذا الأمر فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن من المؤمنين، ما تقدمنا في أمرك ولا تشاورنا ولا تآمرنا ولا نحب لك ذلك، إذ كنا من المؤمنين وكنا لك من الكارهين.
وأما قولك (أن تجعل لي في هذا الأمر نصيبا)، فإن كان هذا الأمر لك خاصة فأمسك عليك فلسنا محتاجين إليك وإن كان حق المؤمنين فليس لك أن تحكم في حقهم دونهم، وإن كان حقنا فإنا لا نرضى منك ببعضه دون
بعض.
وأما قولك يا عمر (إن رسول الله صلى الله عليه وآله منا ومنكم)، فإن رسول الله شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها، فنحن أولى به منكم.
وأما قولك (إنا نخاف تفاقم الخطب بكم وبنا)، فهذا الذي فعلتموه أوائل ذلك، والله المستعان. فخرجوا من عنده وأنشأ العباس يقول:
| ما كنت أحسب هذا الأمر منحرفا | عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن |
|---|---|
| أليس أول من صلى لقبلتكم | وأعلم الناس بالآثار والسنن |
| وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن | جبريل عون له في الغسل والكفن |
| من فيه ما في جميع الناس كلهم | وليس في الناس ما فيه من الحسن |
| من ذا الذي ردكم عنه فنعرفه | ها إن بيعتكم من أول الفتن(959) ( 959 ) |
والرواية وردت بلا إسناد وهذا كاف وحده في ردها، ويضاف إليه خلو الروايات الصحيحة مما تضمنته هذه الرواية، ناهيك عما ورد فيها من عبارات التآمر والتلاعب المنسوبة إلى الشيخين، والتي لا تليق بحال
مع فضلهما وخلقهما، وعلو مكانتهما.
وقفة حول كتاب سليم بن قيس:
لعل أول من أورد الرواية هو كتاب سليم بن قيس، وهو أول كتاب ظهر للإمامية، على حدِّ تعبير ابن النديم(960) .
يقول النعماني: ليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة (عليهم السلام) خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم ومن حملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) وأقدمها، لأن جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنما هو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وسمع منهما، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها ويعول عليها(961) .
أما عن سليم بن قيس الهلالي، فهو غير معروف عند أهل السنة فلم يرد له ذكر مستقل في كتب التاريخ والسير رغم أن من أثبته قد
ادعى وجوده بين عامي 14 إلى 76ه وهي فترة حافلة بالأحداث، كما ذكر في الكتاب المنسوب إليه علاقته بسلمان الفارسي، والمقداد وعبد الله بن عباس، وغيرهم(962)
أما عن الإمامية: فقد اختلفت نظرتهم حوله ما بين مؤيد لوجوده، وناف له. على أن مصادرهم هي الأخرى ليس فيها دليل وخبر مستقلّ عن سليم، وكل ما قيل عنه، وذكر به، كان عن طريق كتابه، الذي انفرد أبان بن أبي عياش بروايته(963) .
فقد أورده الطوسي في رجاله، قائلاً: سليم بن قيس الهلالي، ثم العامري الكوفي، صاحب أمير المؤمنين عليه السلام(964) .
كما ذكره الطوسي في رجال الكشي: وقد أورد فيه روايتين عن أبان تشهد بصدقه(965) لكنه لم يستحضر أي مطلب يبين حضوره التاريخي أو يثبت وجوده
العيني(966)
وذكره الأردبيلي في جامع الرواة، ونقل قول الطوسي السابق، وزاد عليه: وقال: روى الكشي أحاديث تشهد بشكره وصحة كتابه وفي الطريق قول(967) .
وقد وثَّقه كثيرون من علماء الإمامية المتأخرين، وكذلك فعل الخوئي(968) إلا أنه فيما يبدو لم يكن معروفاً عند كثير من متقدميهم. فقد ورد في رجال ابن الغضائري، وكان أصحابنا يقولون: إِنّ سُلَيْماً لا يُعْرَفُ، ولا ذُكِرَ في خَبَر(969) .
وقد أعدَّ أحد الباحثين المعاصرين(970) بحثاً ودراسة حول شخصية
سليم بن قيس، من خلال بحثه في كتب أهل السنة والإمامية، ووصل
عدد الكتب التي بحث فيها على حد قوله «ألفا ونيف كتابا» انتهى منها إلى أن هذه الشخصية أسطورية ولا وجود لها على الحقيقة، ومما أورده في ذلك في خاتمة دراسته: ومن خلال كلّ ما سبق من أبحاث نخلص إلى أن اسم سليم اسم بدون مسمّى، اسم موهوم وموضوع، فلم يوجد في تاريخ الإسلام شخصٌ بهذا الاسم. والاحتمال القوي أن أفراداً أو فرداً عمد إلى صنع هذه الشخصية، ومن ثم نسب إليها ذلك الكتاب، وجعلوه ناطقاً باسمه(971)
وقد اتفقت كلمة من ذكره من الإمامية على أنه جمع كتاباً ونسب إليه، غير أنهم اختلفوا في صحة نسبة الكتاب الموجود حالياً إليه، وحكى هاشم الهاشمي اختلافهم قائلاً:
أما كتابه فمما لا شك فيه أنه كتاب جمع فيه الأحاديث عن أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه كسلمان المحمدي (الفارسي) والمقداد بن الأسود، غير أنه وقع الخلاف في أن ما وصل إلينا هو الذي جمعه أم أنه كتاب آخر نالته يد التحريف، وقد ذهب إلى كل رأي طائفة(972) .
وممن طعن في نسبة الكتاب الحالي إليه، ابن داود وابن الغضائري، وغيرهم.
فقال ابن داود في رجاله في معرض ترجمته لسليم بن قيس: كتابه
موضوع، وفيه أن الأئمة ثلاثة عشر وأسانيده مختلفة(973)
فقال ابن الغضائري: والكتاب موضوع لا مرية فيه، وعلى ذلك علامات فيه تدل على ما ذكرناه، منها ما ذكر أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت(974) ، ومنها أن الأئمة ثلاثة عشر وغير ذلك(975) ، وأسانيد هذا الكتاب تختلف تارة برواية عمر بن أذينة، عن إبراهيم بن عمر الصنعاني، عن أبان بن أبي عياش عن سليم، و(تارة) يروي عن عمر، عن أبان بلا واسطة(976) .
وحكم بعض المعاصرين بوضع الكتب، محاولاً تحديد تاريخ وضعه فقال: إنه موضوع في آخر الدولة الأموية لغرض صحيح(977) .
ومن هذا يتضح أن هناك من علماء الإمامية من حكم بعدم صحة نسبة كتاب سليم بن قيس الحالي إليه، بناء على أنه من رواية أبان بن أبي عياش، الراوي الوحيد لهذا الكتاب، وأن القوم لم تطمئن نفوسهم إلى أبان نفسه، وقد ضعفه بعضهم، وحكم البعض على الكتاب بأنه من وضع أبان نفسه، كما مرَّ، كما ساعد على ترجيح هذا ما عثر عليه من تناقض واضطراب ومخالفة للوقائع التاريخية الثابتة في متن الكتاب.
وعن تضعيفهم لأبان يقول ابن الغضائري في ترجمته لأبان: أبانُ ابنُ أبي عيّاش، واسمُ أبي عيّاش: فَيْرُوز. تابعيٌّ، روى عن أنس بن مالك. وروى عن عليّ بن الحُسَيْن (عليهما السلام). ضَعِيفٌ، لا يُلْتَفَتُ إليه. وَيَنسِبُ أصحابُنا وَضْعَ «كتاب سُلَيْم بن قَيْس» إليه(978) .
ونقل التضعيف عنه التفرشي في نقد الرجال(979) ، والبروجردي في طرائف المقال(980) ، وغيرهم.
وقد حاول النوري الطبرسي أن يرفع هذا الحكم عن أبان، مستشهداً على وثاقته برجوع علماء الإمامية إلى كتاب سليم بن قيس وهو من رواية أبان(981) .
وقال حسن بن زين الدين العاملي: ضمن الكتاب ما يشهد بشكره
وصحة كتابه، والطريق غير معتبر، فيه إبراهيم بن عمر الصنعاني وأبان ابن أبي عياش، طعن فيهما ابن الغضائري. وروى شيء من ذلك أيضاً، فيه ابن أبي عياش المذكور، وقد سلف الطعن فيه في حرف الهمزة(982)
وقال الشيخ المفيد في آخر كتابه تصحيح الاعتقاد: وأما ما تعلق به أبو جعفر من حديث سليم الذي رجع فيه إلى الكتاب المضاف إليه برواية أبان بن أبي عياش، فالمعنى فيه صحيح، غير أن هذا الكتاب غير موثوق به، وقد حصل فيه تخليط وتدليس، فينبغي للمتدين أن يجتنب العمل بكل ما فيه ولا يعول على جملته والتقليد لروايته، وليفزع إلى العلماء فيما تضمنه من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد، والله الموفق للصواب(983) .
وقد حاول العلامة الحلي في الخلاصة تصحيح نسبة الكتاب إلى سليم بن قيس وتعديل أبان فقال: والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في الفاسد من كتابه(984) .
وتعقبه الشهيد الثاني بقوله: وأما حكمه بتعديله فلا يظهر له وجهه أصلاً، ليس بجيد(985) .
وذكر الخوئي بعض أقوال علماء الإمامية في تضعيف الكتاب، أو
القول بوضعه، وحاول رد هذه الأقوال(986) إلا أنه انتهى من ذلك إلى قوله: وكيفما كان فطريق الشيخ إلى كتاب سليم بن قيس بكلا سنديه ضعيف، ولا أقل من جهة محمد بن علي الصيرفي (أبي سمينة)(987)
وقال الحر العاملي محاولاً تصحيح نسبة الكتاب: والذي وصل إلينا من نسخه ليس فيه شيء فاسد، ولا شيء مما استدل به على الوضع(988) .
ويبدو أن القوم كما اشتهر عنهم يتلاعبون بالنُّسخ، إضافة لما يخدم مذهبهم، وحذفاً لما قد يعيرون به، وإلا فأين النسخة التي أشار إليها علماؤهم، والتي تضمنت القول بالأئمة الثلاثة عشر، أو ذكر فيها أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت.
يقول الدكتور ناصر القفاري: وقد بحثت عن عيوب الكتاب في نظر (الإمامية) والتي أشار إليها الفرق الأول في طبعتين من طبعات الكتاب. فلم أجد لها ذكراً فيه، وهذا يدل على أنهم يغيرون في
كتبهم ويزيدون وينقصون. ومع هذا فقد أصبح هذا الكتاب عمدة عند متأخري الشيعة كما قرره المجلسي في البحار، والحر العاملي في الوسائل. وغيرهما(989)
ومما سبق يتضح من خلال أقوال علماء الإمامية أن نسبة الكتاب الموجود إلى سليم بن قيس مشكوك فيها على أقل تقدير، وأن أبان بن عياش قد ضعَّفوه(990) . وعليه فالرواية التي بين أيدينا لا يمكننا الركون إليها والتسليم بمضامينها.
وأما عن نسبة الرواية إلى كتاب الإمامة والسياسة فهي نسبة صحيحة، فالرواية بالفعل موجودة فيه، غير أن نسبة الكتاب نفسه
إلى ابن قتيبة لا تصح، وليس من مؤلفاته، وإنما هو كتاب مؤلفه مجهول مُغرض (مغالي)، ألَّفه لخدمة مذهبه، اتخذ من الطعن في الصحابة وتحريف التاريخ والتلاعب به طريقاً إلى تحقيق أهدافه المذهبية المتعصبة المغرضة. وتبين أيضاً أنه كتاب مليء بالأخطاء التاريخية، خال من أي تحقيق علمي للروايات، أكثر فيه مؤلفه من الروايات الشاذة والضعيفة والموضوعة، من دون أي نقدٍ ولا تمحيص لها(991)
وعلى ضوء ما سبق فلم تعد للرواية أدنى صلة بالصحة، ولا يمكن لمنصف بحال أن يقبل بما فيها.
ويلحق بالرواية السابقة ويدور في فلكها ما ورد في شرح النهج: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، واشتغل علي عليه السلام بغسله ودفنه، وبويع أبو بكر، خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعباس وعلي عليه السلام، لإجالة الرأي، وتكلموا بكلام يقتضى الاستنهاض والتهييج، فقال العباس رضي الله عنه: قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم، ولا لظنة نترك آراءكم، فأمهلونا نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصر بنا وبهم الحق صرير الجدجد(992) ونبسط إلى المجد أكفا لا نقبضها أو نبلغ المدى، وإن تكن الأخرى، فلا لقلة في العدد ولا لوهن في الأيد، والله لولا أن الإسلام قيد الفتك، لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من
المحل العلى. فحل علي عليه السلام حبوته، وقال: الصبر حلم، والتقوى دين، والحجة محمد، والطريق الصراط، أيها الناس شقوا أمواج الفتن.. الخطبة، ثم نهض فدخل إلى منزله وافترق القوم(993)
- والرواية وردت بلا إسناد، كما أنها لم تنقل نهوض علي والعباس رضي الله عنهما لنقض بيعة الصديق، بل على العكس من ذلك فقد نقلت لنا سكوتهما دفعاً للفتنة وتغليباً لمصلحة المسلمين.
- وأما روي أنه لم يبايع الصديقَ أحد من بني هاشم طيلة ستة أشهر حتى توفيت السيدة فاطمة، فبايعه علي وبايعه بعده بنو هاشم. (والعباس من جملتهم).
وأصل الرواية: أخرج عبد الرزاق عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وفيه، قالت عائشة: وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ حَيَاةَ فَاطِمَةَ حَظْوَةٌ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْهُ، فَمَكَثَتْ فَاطِمَةُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ: فَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى بَايَعَهُ عَلِيٌّ، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ انْصِرَافَ وُجُوهِ النَّاسِ عَنْهُ، أَسْرَعَ إِلَى مُصَالَحَةِ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلَا تَأْتِنَا مَعَكَ بِأَحَدٍ وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهُ عُمَرُ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ شِدَّتِهِ فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَأْتِهِمْ وَحْدَكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَآتِيَنَّهُمْ وَحْدِي، وَمَا عَسَى أَنْ يَصْنَعُوا بِي؟ قَالَ:
فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَقَدْ جَمَعَ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُبَايِعَكَ إِنْكَارٌ لِفَضِيلَتِكَ، وَلَا نَفَاسَةٌ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِيَ هَذَا الْأَمْرِ حَقًّا، فَاسْتَبْدَدْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ قَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَحَقَّهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ ذَلِكَ حَتَّى بَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا صَمَتَ عَلِيٌّ تَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحْرَى إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي... ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ عَذَرَ عَلِيًّا بِبَعْضِ مَا اعْتَذَرَ بِهِ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه وَفَضِيلَتِهِ، وَسَابِقِيَّتِهِ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ. فَقَالَتْ: فَكَانُوا قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الْأَمْرَ وَالْمَعْرُوفَ»(994)
وموضع الاستشكال في الرواية هو: فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ: فَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؟ قَالَ (أي الزهري): لَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى بَايَعَهُ عَلِيٌّ..
والجملة هذه كما هو واضح من قول الزهري، وليست من نصّ الحديث، ولم يذكرها البخاري عند روايته للحديث، وفيه:
وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ
النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ(995)
وعليه فلا يلزمنا اعتقادها والتسليم بصحتها، ولا تعدو كونها رأياً للإمام الزهري ومن مراسيله، وقد تكلم العلماء في مراسيل الزهري.
قال الذهبي - رحمه الله تعالى - في «سيره» قالَ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ القَطَّانُ: مُرْسَلُ الزُّهْرِيِّ شَرٌّ مِنْ مُرْسَلِ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ حَافِظٌ، وَكُلُّ مَا قَدِرَ أَنْ يُسَمِّيَ سَمَّى، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَه. قُلْتُ: مَرَاسِيْلُ الزُّهْرِيِّ كَالمُعْضَلِ؛ لأَنَّهُ يَكُوْنُ قَدْ سَقَطَ مِنْهُ اثْنَانِ، وَلاَ يَسُوغُ أَنْ نَظُنَّ بِهِ أَنَّهُ أَسقَطَ الصَّحَابِيَّ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَه عَنْ صَحَابِيٍّ لأَوضَحَهُ، وَلَمَا عَجِزَ عَنْ وَصْلِهِ، وَلَوْ أَنَّهُ يَقُوْلُ: عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ عَدَّ مُرْسَلَ الزُّهْرِيِّ كَمُرْسَلِ سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَدرِ مَا يَقُوْلُ، نَعَمْ، مُرْسَلُه كَمُرْسَلِ قَتَادَةَ، وَنَحْوِه.
(وقال) أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ أَبِي شُرَيْحٍ، سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: إِرسَالُ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لأَنَّا نَجِدُه يَرْوِي عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ أَرْقَمَ(996) .
أما ما ورد في الرواية من تأخُّر بيعة علي رضي الله عنه، فقد
اختلف فيها العلماء تبعاً لاختلاف الأخبار الواردة في ذلك، فبعض الروايات جعلت بيعة علي للصديق بعد وفاة فاطمة كما في الرواية السابقة.
وتكلم العلماء في هذا الأمر وتعذروا لعلي، قال العيني: لأَنهم كَانُوا يعذرونه عَن ترك الْمُبَايعَة لاشتغاله بهَا - أي فاطمة - وتسلية خاطرها من قرب عهد مُفَارقَة رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم. قَوْله: (تِلْكَ الْأَشْهر)، وَهِي الْأَشْهر السِّتَّة، وَقَالَ المازري: الْعذر لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي تخلفه مَعَ مَا اعتذر هُوَ بِهِ أَنه يَكْفِي فِي بيعَة الإِمَام أَن يَقع من آحَاد أهل الْحل وَالْعقد، وَلَا يجب الِاسْتِيعَاب، وَلَا يلْزم كل أحد أَن يحضر عنده وَيَضَع يَده فِي يَده، بل يَكْفِي الْتِزَام طَاعَته والانقياد لَهُ بِأَن لَا يُخَالِفهُ وَلَا يشق الْعَصَا عَلَيْهِ، وَهَذَا كَانَ حَال عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم يَقع مِنْهُ إلَّا التَّأَخُّر عَن الْحُضُور عِنْد أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ(997) .
وهناك روايات تقدمت ببيعة علي للصديق رضي الله عنهما إلى ما قبيل دفن النبي صلى الله عليه وسلم، أي في أول الأمر ويوم السقيفة.
فقد أخرج الحاكم بسنده عن أبي سعيد الخدري قال في يوم السقيفة فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَخَتَنُهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصًا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَسَأَلَ
عَنْهُ حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنُ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَحَوَارِيُّهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعَاهُ(998)
فهذا الحديث يدل دلالة قاطعة على بيعة علي للصديق رضي الله عنهما في يوم السقيفة، وهو حديث هام في بابه؛ ولذا قالَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يُسَاوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوَى بَدَنَةً، بَلْ هَذَا يَسْوَى بَدْرَةً(999) .
وأخرج الحاكم بسنده عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ
رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ مِنْ طَاقَةٍ وَلَا يَدَ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَالزُّبَيْرُ: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا قَدْ أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ لِصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ بِشَرَفِهِ وَكِبَرِهِ، «وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ(1000)
قال ابن كثير: وَهَذَا اللَّائِقُ بَعَلِيٍّ، رضي الله عنه، وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ. مِنْ شُهُودِهِ مَعَهُ الصَّلَوَاتِ، وَخُرُوجِهِ مَعَهُ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَمَا سَنُورِدُهُ، وَبَذْلِهِ لَهُ النَّصِيحَةَ وَالْمَشُورَةَ، بَيْنَ يَدَيْهِ(1001) .
وقد جمع الحافظ ابن كثير بين الروايتين وصرَّح بأن علياً بايع الصديق مرتين، الأولى قبيل دفن النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية بعد وفاة السيدة فاطمة رضي الله عنها.
قال ابن كثير معلقاً على حديث أبي سعيد الخدري السابق: هذا إسناد صحيح محفوظ، وَفِيهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ وَهِيَ مُبَايَعَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِمَّا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ أَوْ
فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنَ الْوَفَاةِ. وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يُفَارِقِ الصِّدِّيقَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ لَمَّا خَرَجَ الصِّدِّيقُ شَاهِرًا سَيْفَهُ يُرِيدُ قِتَالَ أَهْلِ الرِّدَّةِ(1002)
وقال: وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنْ مُبَايَعَتِهِ إِيَّاهُ بَعْدَ مَوْتِ فاطمة - وَقَدْ مَاتَتْ بَعْدَ أَبِيهَا، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ -، فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا بَيْعَةٌ ثَانِيَةٌ أَزَالَتْ مَا كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنْ وَحْشَةٍ بِسَبَبِ الْكَلَامِ فِي الْمِيرَاثِ وَمَنْعِهِ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ بِالنَّصِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ(1003) .
ويقول: فَهَذِهِ الْبَيْعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ رضي الله عنها، بَيْعَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ ثَانِيَةٌ لِلْبَيْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَوَّلًا يَوْمَ السَّقِيفَةِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وصحَّحه مُسْلِمُ ابْنُ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مُجَانِبًا لِأَبِي بَكْرٍ هَذِهِ السِّتَّةَ الْأَشْهُرِ، بَلْ كَانَ يُصَلِّي وَرَاءَهُ وَيَحْضُرُ عِنْدَهُ لِلْمَشُورَةِ، وَرَكِبَ مَعَهُ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ..
وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ اعْتَقَدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُبَايِعْ قَبْلَهَا فَنَفَى ذَلِكَ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا تَقَرَّرَ(1004) .
فالحافظ ابن كثير يرى تبعاً لثبوت الروايات أن علي بن أبي طالب بايع الصديق أبا بكر مرتين الأولى: يوم السقيفة، والثانية: بعد وفاة السيدة فاطمة رضي الله عنها؛ وبذلك يكون قد جمع بين الروايات الصحيحة.
ويبقى سؤال قبل أن نغلق الحديث في بيعة علي وهو: لماذا بايع علي الصديق مرتين؟ ألم تكن البيعة الأولى كافية بحيث لا يحتاج إلى تكرارها أو تجديدها؟
وجواب ذلك أن فاطمة - رضي الله عنها - كانت أشد الناس توجعاً لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث حزنت لفراق والدها صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً، وأخذت تذبل - رضوان الله عليها - من جراء ذلك يوماً بعد يوم، حتى توفيت بعد ستة أشهر من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير عن توجع فاطمة - رضي الله عنها -: ويقال: إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده عليه السلام، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه، وشوقها إليه(1005) .
وقد أدى ذلك إلى كثرة ملازمة علي رضي الله عنه لأم الحسنين رضوان الله عليهم أجمعين وقلة ملازمته لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فأشاع المنافقون أن علياً رضي الله عنه، كاره لخلافة الصديق رضي الله عنه مما دفع علياً إلى تجديد بيعته لأبي بكر الصديق بعد وفاة فاطمة رضوان الله عليهم أجمعين وذلك حسماً منه لمادة الفتنة،
ورداً عملياً على هذه الشبهة(1006)
وعلى ضوء ما سبق فقد أقرَّ علي بن أبي طالب ببيعة الصديق وهذا هو ما يعنينا، بل وشارك معه في حروب الردة، وكان من أمراء الحرس على أنقاب المدينة بأمر من الصديق أبي بكر هو والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود(1007) .
وروي أنه كان من كتبة أبي بكر المقربين، كما ذكر ابن الأثير(1008) .
ولما أراد أبو بكر الذهاب بنفسه إلى ذي القصة لقتال المرتدين أخذ علي بزمام راحلته وقال له: أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أقول لك: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: شمّ سيفك لا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصِبْنَا بك لا يكون للِإسلام نِظام؛ فرجع وأمضى الجيش(1009) .
ولنمض بالأمر إلى أبعد من ذلك ولنفرض هنا شيئاً لم يحدث وكأنه حدث بالفعل، ماذا فعلاً لو خالف علي والعباس ولم يقرا ببيعة الصديق هما وطائفة معهما؟ هل يؤثر ذلك على استحقاق أبي بكر بالخلافة؟
ونترك الإجابة لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول:
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ
الْمُعْتَبَرَ فِي الْإِمَامَةِ لَا يَضُرُّ فِيهِ تَخَلُّفُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالطَّائِفَةِ الْقَلِيلَةِ فَإِنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ لَمْ يَكَدْ يَنْعَقِدُ إِجْمَاعٌ عَلَى إِمَامَةٍ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَةَ أَمْرٌ مُعَيَّنٌ فَقَدْ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ لِهَوًى لَا يُعْلَمُ كَتَخَلُّفِ سَعْدٍ فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَشْرَفَ إِلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ أَمِيرًا مِنْ جِهَةِ الْأَنْصَارِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ بَقِيَّةُ هَوًى. وَمَنْ تَرَكَ الشَّيْءَ لِهَوًى، لَمْ يُؤَثِّرْ تَرْكُهُ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ كَالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ؛
فَإِنَّ هَذَا لَوْ خَالَفَ فِيهِ الْوَاحِدُ، أَوْ الِاثْنَانِ فَهَلْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ كَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَالثَّانِي: يُعْتَدُّ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِي الْأَحْكَامِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامَةِ أَنَّ الْحُكْمَ أَمْرٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِوُجُوبِ الشَّيْءِ يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَالْقَائِلُ بِتَحْرِيمِهِ يُحَرِّمُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، فَالْمُنَازِعُ فِيهِ لَيْسَ مُتَّهَمًا؛ وَلِهَذَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الرَّجُلِ لِلْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقِصَّةِ وَإِنْ كَانَ خَصْمًا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُهَا وَيَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُحَدِّثُ
الْيَوْمَ مَحْكُومًا لَهُ بِالْحَدِيثِ فَغَدًا يَكُونُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ خَصْمٌ، وَالْخَصْمُ لَا يَكُونُ شَاهِدًا.
فَالْإِجْمَاعُ عَلَى إِمَامَةِ الْمُعَيَّنِ لَيْسَ حُكْمًا عَلَى أَمْرٍ عَامٍّ كُلِّيٍّ، كَالْأَحْكَامِ عَلَى أَمْرٍ خَاصٍّ مُعَيَّنٍ.
وَأَيْضًا فَالْوَاحِدُ إِذَا خَالَفَ النَّصَّ الْمَعْلُومَ، كَانَ خِلَافُهُ شَاذًّا كَخِلَافِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا إِذَا نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ أُبِيحَتْ لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَإِنَّ هَذَا لَمَّا جَاءَتِ السَّنَةُ الصَّحِيحَةُ بِخِلَافِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
وَسَعْدٌ كَانَ مُرَادُهُ أَنْ يُوَلُّوا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّ الْإِمَامَ مِنْ قُرَيْشٍ» فَلَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ قُرَشِيًّا وَاسْتَقَرَّ خِلَافُهُ لَكَانَ شُبْهَةً، بَلْ عَلِيٌّ كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ تَوَاتَرَ أَنَّهُ بَايَعَ الصِّدِّيقَ طَائِعًا مُخْتَارًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ فَرَضَ خِلَافَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ وَبِقَدْرِهِمْ مَرَّتَيْنِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي ثُبُوتِ الْخِلَافَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْخِلَافَةِ إِلَّا اتِّفَاقُ أَهْلِ الشَّوْكَةِ وَالْجُمْهُورِ الَّذِينَ يُقَامُ بِهِمُ الْأَمْرُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَامَ بِهِمْ مَقَاصِدُ الْإِمَامَةِ...
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ كَانَ أَعْظَمَ مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى مُبَايَعَةِ عَلِيٍّ، فَإِنَّ ثُلُثَ الْأُمَّةِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يُبَايِعُوا عَلِيًّا، بَلْ قَاتَلُوهُ وَالثُّلُثَ الْآخَرَ لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يُبَايِعْهُ أَيْضًا؛ وَالَّذِينَ لَمْ يُبَايِعُوهُ مِنْهُمْ مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ، فَإِنْ جَازَ الْقَدْحُ فِي الْإِمَامَةِ بِتَخَلُّفِ بَعْضِ الْأُمَّةِ عَنِ الْبَيْعَةِ كَانَ الْقَدْحُ فِي إِمَامَةِ
عَلِيٍّ أَوْلَى بِكَثِيرٍ(1010)
وقد فصَّلنا القول نسبياَ في بيعة علي رضي الله عنه؛ للارتباط الشديد بينها وبين بيعة العباس رضي الله عنه، فكل من ذكر موقفاً للعباس رضي الله عنه معارضاً لبيعة الصديق رضي الله عنه بناه على موقف مشابه لعلي رضي الله عنه أو مساند له، من باب المناصرة أو وحدة موقف بني هاشم كما أسلفنا،، فكان لا بد من الإيضاح.
وفي ختام ردنا على الشبهة: فلنجاريها إلى أبعد حدٍ ممكن، ولنفرض جدلاً أن العباس ما بايع الصديق في بادئ الأمر، وأنه أحجم عن البيعة مع علي ومن والاهم من بني هاشم ومواليهم.
وماذا فيها؟ إن الأمر لو كان على هذا النحو فلا يدل على بغض من العباس وعلي للصديق، ولا علاقة له بنص سابق لأي منهما بالخلافة، وغاية ما فيه تنازع في اختيار الصلح لخلافة المسلمين، وما إن استتب الأمر للصديق، وبايعه المسلمون إلا وانخرط العباس وعلي ومن معهم في جماعة المسلمين، وغلبوا مصلحة الإسلام، وقاتلوا في خلافة الصديق، كما أثر عن علي خروجه لحماية أنقاب المدينة من غارات المرتدين. وأثر عن العباس خروجه مع عمر لفتح الشام. كما مر.
تعقيب على ما سبق:
وبعد هذا العرض لبعض الروايات الناقلة تصريحاً أو تلميحاً لإحجام العباس رضي الله عنه عن بيعة الصديق رضي الله عنه يتأكد لدينا أن الأمر لم يكن على النحو الذي أراد ناقلو الروايات تقريره.
ولعل من الثابت تاريخياً أن العباس رضي الله عنه لم يستأثر بموقفٍ، ولم تنقل عنه روايات صحيحة معارضة لبيعة الصديق - ولا لاستخلافه عمر - ولو عارض لنُقل إلينا من جملة ما نقل، فمن العسير نقل موقف سعد بن عبادة رضي الله عنه في السقيفة(1011) ومقولة الحباب يومها وتجاهل موقف العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم أجمعين.
وعلى فرض صحة فراغ وخلو يوم السقيفة من بيعة للعباس رضي الله عنه، فهذا أمر قد يكون له ما يبرره، وبخاصة وأن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي على قمة هرم آل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تربطهم بالنبي صلى الله عليه وسلم روابط عائلية تؤكد عليهم مباشرة تجهيز النبي صلى الله عليه وسلم وملازمته إلى أن يدفن، ولا تعني عدم مشاركته يوم السقيفة أنه لم يبايع بعدها.
وإن كانت النصوص لم تسعفنا برواية عن بيعة العباس للصديق صراحة وبخاصة يوم السقيفة إلا أنه لا يفهم منه إحجامه، وبخاصة وأن الروايات لم تعن بذكر آحاد من بايعوا حتى مع جلالتهم وعلو شأنهم، بل وردت روايات يفهم منها رضا العباس ببيعة الصديق رضي الله عنهما وخلافته ضمناً، وإن كان في سند بعضها مقال، ومنها:
أخرج ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى سويد بن غفلة قال: دخل أبو سفيان على علي والعباس فقال: يا علي وأنت يا عباس ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها، والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً ولأثورنها عليه من أقطارها، فقال له علي: لا والله ما أريك أن تملأها عليه خيلاً ورجالاً، ولولا أنا رأينا أبا بكر لذلك أهلاً ما خليناه وإياها يا أبا سفيان، إن المؤمنين قوم نَصَحة بعضهم لبعض متوادون وإن بعدت ديارهم وأبدانهم، وإن المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض(1012) .
والشاهد في الرواية على فرض صحتها إقرار علي بصحة خلافة الصديق، وإقرار العباس بذلك أيضاً، حيث لم تنقل عنه معارضة.
وفي شرح نهج البلاغة أنه لما ازدحم الناس على أبي بكر فبايعوه، مرَّ أبو سفيان بن حرب بالبيت الذي فيه علي بن أبي طالب عليه السلام
وأنشد أبياتا مفادها أن يسمح له علي ببيعته، وفيه: «فقال علي لأبي سفيان: إنك تريد أمراً لسنا من أصحابه، وقد عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً فإنا عليه، فتركه أبو سفيان وعدل إلى العباس بن عبد المطلب في منزله، فقال: يا أبا الفضل، أنت أحق بميراث ابن أخيك، امدد يدك لأبايعك، فلا يختلف عليك الناس بعد بيعتي إياك. فضحك العباس، وقال: يا أبا سفيان، يدفعها علي ويطلبها العباس! فرجع أبو سفيان خائباً»(1013)
ولا يعني إيرادنا لرواية نهج البلاغة إقرارانا بصحة سندها، ولكن أوردناها لموافقتها المعهود والمقر به من إقرار العباس بخلافة الصديق، وأنه لا يرى لنفسه حقاً فيها، كما أنها تعتبر رداً دافعاً على من يتخرصون بهذا الأمر، وبخاصة وأنهم يركنون إلى المصادر التي ضمت تلك الروايات، وبخاصة نهج البلاغة مع شرحه.
وعليه فمن يريد إثبات تخلُّف العباس رضي الله عنه عمداً عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه أن يأتينا بالروايات الصحيحة الصريحة التي تثبت صحة ادعائه، أو حتى على الأقل يأتينا بروايات صحيحة صريحة تحمل عبارات التشكيك والتأفف والعصيان والمنازعة من قِبل العباس لأبي بكر رضي الله عنهما.
وبعبارة أخرى، يمكننا القول: هل أُثر عن العباس رضي الله عنه موقف صحيح صريح يدعو إلى شق عصا الطاعة، وهل دعا إلى فتنة وبخاصة
يوم تقرير الخليفة؟ وهل تخلَّف عن أمر من أوامر خليفة رسول الله؟ إذا كانت الاجابة نعم، فأين هذا الموقف وتلك الدعوة؟
إنّ عجز الطاعنين عن الإتيان بمثل هذه الروايات الصريحة من مظانها الصحيحة لهو من كبريات الدلائل على رضا العباس رضي الله عنه بخلافة أبي بكر رضي الله عنهما ، والقاطعة بردّ زعم من يتوهم موقفاً من العباس رضي الله عنه مخالفاً لبيعة أبي بكر رضي الله عنه.
قال السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني الحنفي في بيان الإجماع على بيعة الصديق وموقف العباس وعلي رضي الله عنهم منها وتحت عنوان: المقصد الرابع: في الإمام الحق بعد رسول الله.. ثم إنهما - العباس وعلي - لم ينازعا أبابكر، ولو لم يكن على الحق لنازعاه(1014) .
وعدَّ ابن حجر من جملة الردود عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الرَّاوَنْدِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ وَعَلَى من زعم النصَّ عَلَى عَلِيٍّ؛ إطباق الصحابة عَلَى مُتَابَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عَلَى طَاعَتِهِ فِي مُبَايَعَةِ عُمَرَ ثُمَّ عَلَى الْعَمَلِ بِعَهْدِ عُمَرَ فِي الشُّورَى، وعدم ادعاء الْعَبَّاسُ وَلَا عَلِيٌّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَهِدَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ(1015) .
وفي تثبيت دلائل النبوة: فقد وجدت رحمك الله عليا والعباس والصحابة قد أطبقوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نصَّ ولا استخلف رجلاً
بعينه، ولا قال قولاً قصد به هذا المعنى. فإن قيل: ومن سلَّم لكم أن هذا قد جرى بين علي والعباس رضي الله عنهما قيل له: إن هذا كالذي جرى في السقيفة وفي الشورى، لا يرتاب بذلك أهل العلم(1016)
وعليه فلم يؤثَر عن العباس رضي الله عنه موقف صحيح مخالف لبيعة الصديق رضي الله عنه وخلافته طيلة سنتين وثلاثة أشهر هي مدة خلافة الصديق أبي بكر، بل إنه رضي بها وأقرَّ والتزم بما التزم به عموم المسلمين، ولو كان له رأي مخالف لنص عليه المؤرخون، ولتناقلته الروايات، وهذا مالم يشتهر أو يعرف.
بل المعروف والمشتهر خلافه، ففي خلافة المستنصر بالله العباسي، حضر الملك الناصر بالمدرسة المستنصرية على شاطئ دجلة وكان الخليفة في روشن(1017) ينظر ويسمع الكلام وحضر جماعة من الفقهاء المرتبين بالمدرسة وغيرهم من المذاهب الأربعة وبحث الملك الناصر واستدل واعترض وناظر الفقهاء مناظرة حسنة وكان جيد المناظرة صحيح الذهن له في كل فن مشاركة جيدة، فقام يومئذ رجل من الفقهاء يقال له: وجيه الدين القيروانيّ ومدح الخليفة بقصيدة يقول فيها مخاطباً للخليفة.
| لو كنت في يوم السقيفة حاضراً | كنت المقدم والإمام الأروعا |
|---|
فغضب الملك الناصر لله تعالى؛ لكون ذلك الفقيه لأجل سحت الدنيا أساء الأدب على أبي بكر الصديق رضوان الله عليه والخلفاء الراشدين وسادات المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم الذين كانوا حاضرين يوم السقيفة وجعل المستنصر بالله مقدماً عليهم، فقال لذلك الفقيه: أخطأت فيما قلت، كان ذلك اليوم جدّ سيدنا ومولانا الإمام المستنصر بالله العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضراً فلم يكن مقدماً ولا الإمام الأروع إلا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فخرج المرسوم في ذلك الوقت بنفي ذلك الفقيه، فنفي إلى مصر، ووُلّي بها تدريس مدرسة ابن سُكَّر(1018) .
واستناداً على ما سبق فلا عبرة لمن يزعم إحجام العباس رضي الله عنه عن بيعة الصديق، كما أنه لا مستند له أيضاً.
الشبهة الرابعة: ذمُّ العباس ووصمه بالذلة(1019) :
ادعى البعض أن العباس رضي الله عنه لم يثبت له مدح، ولم ترد في مدحه روايات صحيحة، عكس ما ورد في ذمِّه من روايات صحيحة السند، وإليك التفصيل:
* تقرير الشبهة
العباس لم يثبت له مدح، ووردت روايات صحيحة السند في ذمه.
قال أبو القاسم الموسوي الخوئي في (معجم رجال الحديث) بعد أن استعرض مجموعة من الروايات القادحة في العباس رضي الله عنه وكذا المادحة له:
وملخص الكلام: أن العباس لم يثبت له مدح، ورواية الكافي الواردة في ذمّه صحيحة السند، ويكفي هذا منقصة له حيث لم يهتم بأمر علي بن أبي طالب عليه السلام، ولا بأمر الصديقة الطاهرة في قضية فدك، معشار ما اهتم به في أمر ميزابه(1020) .
ويستند الخوئي وغيره في تقرير هذه الشبهة العجيبة والغريبة على الروايات الواردة في ذمّ العباس في مصادره التي يرجع إليها، وهي:
1 روى الكليني في «الكافي» مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ
بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ سَدِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَذَكَرْنَا مَا أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ (صلى الله عليه وآله) وَاسْتِذْلَالَهُمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصْلَحَكَ اللهُ فَأَيْنَ كَانَ عِزُّ بَنِي هَاشِمٍ وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعَدَدِ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ) عليه السلام: وَمَنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ؟ إِنَّمَا كَانَ جَعْفَرٌ وَحَمْزَةُ فَمَضَيَا، وَبَقِيَ مَعَهُ رَجُلَانِ ضَعِيفَانِ ذَلِيلَانِ حَدِيثَا عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ عَبَّاسٌ وَعَقِيلٌ، وَكَانَا مِنَ الطُّلَقَاءِ أَمَا واللهِ لَوْ أَنَّ حَمْزَةَ وَجَعْفَراً كَانَا بِحَضْرَتِهِمَا مَا وَصَلَا إِلَى مَا وَصَلَا إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَا شَاهِدَيْهِمَا لَأَتْلَفَا نَفْسَيْهِمَا(1021)
ويعلق علي آل محسن على هذه الرواية(1022) مؤكداً مضامينها بقوله: وأقول: أما أنهما ضعيفان: فهو معلوم من حالهما، فلم يُعرف لهما موقف في حرب أو في سلم يدل على قوة أو شجاعة، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وأهل السنة قد رووا أنهما أُخرجا مع المشركين إلى بدر مُكرَهين، وحسبك هذا دليلاً على ضعفهما.
وأما أنهما ذليلان: فلعل المراد بذلك هو ذلّهما لما أُسِرا يوم بدرٍ مع من أُسِر
ولم يبق معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به، أما حمزة فقتل يوم أحد، وأما جعفر قتل يوم مؤتة، وبقيت بين جلفين جافيين ذليلين حقيرين عاجزين، العباس وعقيل، وكانا قريبي العهد بكفر، فأكرهوني وقهروني(1025)
3 - روايات أشارت إلى نزول آيات في القرآن بذمّه، ومنها:
روى الكشي في ترجمة عبد الله بن العباس بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام أنه نزل قوله تعالى: (ومن كان في هذه أعمى فهو في
الآخرة أعمى وأضل سبيلاً)، وقوله تعالى: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم) في العباس بن عبد المطلب(1026)
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل إلى أبي فقال: ابن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت وفيمن نزلت، قال أبي: فسله فيمن نزلت؟ (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) وفيمن نزلت: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) وفيمن نزلت: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) فأتاه الرجل فغضب فقال: وددت أن الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله، ولكن سله: مم العرش، وفيم خلق، وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبي، فقال: ما قيل له، فقال أبى: وهل أجابك في الآيات؟ قال: لا، قال: لكني أجيبك فيها بنور وعلم غير المدعى ولا المنتحل، أما الأوليان فنزلتا في أبيه، وأما الأخرى فنزلت في أبيه وفينا، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به فعل وسيكون من نسلنا المرابط، ومن
* الرد على الشبهة ومتضمناتها:
هكذا يتجرأ القوم على عمّ النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو صنو أبيه، والذي كان الفاروق رضي الله عنه يجله ويبجله ويستسقي به كما في البخاري وغيره(1030) .
هكذا يتجرؤون على أحد أفراد آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إن لم يكن من أعاظمهم، حتى باعتراف مصادرهم، حينما سئل صلى الله عليه وسلم فمن أهل بيتك؟ قال: آل على وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس(1031) .
الصحابة الكرام يكرمون العباس ويتوسلون بدعائه والخوئي وأضرابه يقذفونه بأقذع الأوصاف وأقبح النعوت، وهذا ما أكده شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في وصفهم: فَإِنَّهُمْ يُعَادُونَ الْعَبَّاسَ وَذُرِّيَّتَهُ؛
بَلْ يُعَادُونَ جُمْهُورَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَيُعِينُونَ الْكُفَّارَ عَلَيْهِمْ(1032)
ووالله إنه لخليق بمن هذا حاله أن ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: من آذى العباس فقد آذاني، إنما عمّ الرجل صنو أبيه(1033) .
وحديث «ستة لعنهم الله عز وجل ولعنهم كل نبي مجاب: الزايد في كتاب الله - إلى أن قال - والمستحِل من عترتي ما حرَّم الله. والمستحل حرم الله»(1034) .
إن هذه الروايات هم أولى الناس بها..
والناظر إلى هذه الروايات وبخاصة رواية الكليني يجد أنها خرجت مخرج الذمّ في العباس لموقفه كما يزعمون يوم السقيفة وبعده، وامتناعه عن مناصرة علي في حقه بالإمامة على حدِّ زعمهم، فهي في أصلها مبنية على عقيدة النص وأحقية علي بالأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو ما يعرف بالبناء العام للشبهة.
والرد على هذه الشبه سينتظم من خلال عدة أمور:
بطلان مبتنى الشبهة وهي عقيدة النص والوصية. إثبات مكانة العباس وعزته. العباس لم يكن من الطلقاء بطلان ما ادعوه على العباس في قضية فدك.
تهافت البناء العام للشبهة:
الجو العام للشبهة برواياتها يدور حول هضم الصحابة لحق علي في الإمامة واستذلاله بعدم تمكينه منها وعدم نصرة العباس له؛ نتيجة لذلته وجبنه وعدم اكتراث الصحابة بشأنه.
والرد على هذا الزعم يتضمن نقض مسألة ثبوت النص على إمامة علي، وبالتالي بطلان ما بني عليها من خور العباس وذلته لعدم مناصرته لعلي في استحقاقه للإمامة النصية، حيث لا نص وبالتالي لا ذلة لاحقة بالعباس لتخلفه عن نصرة علي، حسب ادعاء القوم.
* نقض النص على إمامة علي:
وبالبحث نجد أنه لم يحدث أن نقل لنا الصحابة نصاً صريحاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم يفيد بأن علياً هو الإمام من بعده، ولا يُتصور بحالٍ من الأحوال أن الصحابة الذين حملوا الدين على أكتافهم، وضحُّوا في سبيله بأرواحهم وأبدانهم وأولادهم وأموالهم، ونقلوا إلينا ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وأمره وأكله وشربه وصحوه ونومه وسائر أحواله صلى الله عليه وسلم، لا يتصور منهم، والحال هذه أن يُحجموا عن نقل نص النبي صلى الله عليه وسلم على إمامة علي بن أبي طالب على فرض وجوده، فلو أشار النبي صلى الله عليه وسلم على أن علي هو الإمام من بعده، ولو بكلمة واحدة، لتلقَّف الصحابة هذه الكلمة
ونقلوها إلينا كما ذكرها صلى الله عليه وسلم دون زيادةٍ أو نقصان، ولكن قد أثبتت القواطع التاريخية والنقل المتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على إمامة عليٍ للمسلمين.
وإن كان هناك نص فما الداعي لهضمه من قِبل الصحابة، وبخاصة وأنهم أحباب علي وأصهاره، ولم يكن بينهم وبينه إلا الحب والمودة والإخاء.
فهذا علي يسمي أبناءه باسم أبي بكر وعمر وعثمان، وكذا أبناؤه يقتدون به من بعده(1035) .
وها هو عمر يبادر بالزواج من أم كلثوم بنت علي وفاطمة، طمعاً في الصلة بنسب النبي صلى الله عليه وسلم(1036) .
ويناقش الإمام الباقلاني دعوى النص على إمامة علي بن أبي طالب ويقول: والذى يدل على إبطال النص أنه لو نصَّ النبي صلى الله عليه وسلم على إمامٍ بعينه وفرض طاعته على الأمة دون غيره، وقال لهم: هذا خليفتي والإمام من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، لكان لا يخلو أن يكون قال ذلك وفرضه بمحضر من الصحابة، أو الجمهور منهم، أو بحضرة الواحد
والاثنين ومن لا يوجب خبره العلم، فإن كان قد أعلن ذلك وأظهره وقاله قولاً ذائعاً فيهم وجب أن ينقل ذلك نقل مثله مما شاع وذاع من نحو الصلوات وفرض الحج والصيام وغيرهما من العبادات التي لا اختلاف بين الأمة في أنها مشروعة مفروضة في دين النبي صلى الله عليه وسلم، سيما إن كان فرض الإمامة من الفرائض العامة اللازمة لكل أحد في عينه، وكان النص من النبي أمراً عظيماً وخطراً جسيماً لا ينكتم مثله ولا يستتر عن الناس علمه، مع العلم بأن الأمة قد نقلت بأسرها تولية النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة ولأسامة بن زيد وعبد الله بن رواحة وعمرو بن العاص ولأبي موسى الأشعري وعمرو بن حزم وغير هؤلاء من أمرائه وقضاته، حتى لم يذهب علمه على أحدٍ من أهل العلم والأخبار، والنص منه صلى الله عليه وسلم على إمامٍ على صفة ما يدَّعيه (القوم) من التصريح والإظهار أعظم وأخطر من تولية الأمراء والقضاة، وتوفر الدواعي على نقلة أكثر، وإذا كان ذلك كذلك وجب لو كان الأمر على ما قالوه أن يغلب نقل النص من الكافة على كتمانه وأن يظهر وينقله خلف عن سلف إلى وقتنا هذا نقلاًً شائعاً ذائعاً يكون أول نقلته ووسطهم وآخرهم سواء في أنهم جميعاً حجة يجب العلم عند نقلهم، ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يعلم ضرورة صدق (القوم) فيما نقلوه من النص، وألا يوجد لهم مخالف من الأمة يوفى على عددهم ينكر النص ويجحد علمه، كما لم يوجد فيها من ينكر فرض الصلاة والصيام، وإمرة أسامة بن زيد وزيد ابن حارثة، وفي العلم ببطلان هذا ووجود أنفسنا غير مضطرة له
ولا عالمة به، وعلمنا بأن جمهور الأمة والسواد الأعظم منها ينكر ذلك ويجحده ويبرأ من الدائن به، ورأينا أكثر القائلين بفضل علي عليه السلام من الزيدية ومعتزلة البغداديين وغيرهم ينكر النص عليه ويجحده مع تفضيله علياً على غيره، وزوال التهمة عنه في بابه أوضح دليل على سقوط ما ذهبوا إليه وبطلانه... وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم نصَّ عليه النص الذى يدعونه بمحضرٍ من الواحد والاثنين ومن يجوز الكذب والسهو عليه ولم يذع ذلك ويشعه، فلا سبيل إذاً لنا إلى العلم والقطع على أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على رجل بعينه، وألزم فرض طاعته دون غيره، إذ كان إنما نقل ذلك في الأصل عن الرسولصلى الله عليه وسلم من لا يجب العلم بصدقه، ومن يجوز دخول الغلط والسهو عليه»(1037)
وهذا النص السابق تم نقله رغم طوله؛ لدلالته العقلية الواضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لحق بربه دون أن ينص على إمامة علي أو خلافته، والواقع يشهد بخلو القرآن الكريم والسنة الصحيحة مما يؤيد دعوى النص على الإمامة لعلى، ولو حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على هذا لعلمه الصحابة وتلقفته بالقبول، والتزمت الأمة جميعاً بالإقرار به والتسليم بصحته.
ويرد الإمام ابن حزم على من يدَّعى وجود نصٍ من قبل النبي صلى الله عليه وسلم يخص فيه علي بن أبي طالب بالإمامة من بعده فيقول:
«ولو كان هناك نصّ صريح، فما الذى منع الإمام علي والصحابة من الكلام؟ ولا يجوز أن يُظن بعلي رضي الله عنه أنه أمسك عن ذكر النص عليه خوف الموت، وهو الأسد شجاعة قد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات، ثم يوم الجمل وصفين، فما الذى جبنه بين هاتين الحالتين؟ وما الذى ألَّف بين بصائر الناس على كتمان حق علي، ومنعه ما هو أحق به مذ مات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن قتل عثمان رضي الله عنه؟ ثم ما الذي جلى بصائرهم في عونه، إذ دعا إلى نفسه فقامت معه طوائف من المسلمين عظيمة، وبذلوا دماءهم دونه، ورأوه حينئذ صاحب الأمر، والأولى بالحق ممن نازعه؟ فما الذي منعه ومنعهم من الكلام وإظهار النص الذى يدعيه الكذابون إذ مات عمر رضي الله عنه وبقى الناس بلا رأسٍ ثلاثة أيام؟ أو يوم السقيفة؟... ثم وُلِّي علي فما غيَّر حكماً من أحكام أبي بكرٍ وعمر وعثمان، ولا أبطل عهداً من عهودهم، ولو كان ذلك عنده باطلاً لما كان في سعة من أن يمضي الباطل وينفذه وقد ارتفعت التقية عنه»(1038) .
وبعد هذه المناقشة التي عقدها الإمام ابن حزم مع من يدَّعون بوجود نصٍ من النبي صلى الله عليه وسلم لعلىٍ بالإمامة، تبين أن مجرد فرض وجود هذا النص وإنكار الصحابة له، أو إحجامهم عن التصريح به، ما هو إلا ضرب من الخيال والوهم الذى ترفضه العقول ولا يستسيغه أي مسلم يحترم عقله ويجل صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا ما أجمع عليه علماء أهل السنة ودونوه بأقلامهم.
يقول الإمام ابن تيمية: «إن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ شيئاً من إمامة علي، ولهم على ذلك طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم، منها أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنُقل كما نقل أمثاله من حديثه، لا سيما مع كثرة ما ينقل من فضائل علي من الكذب الذى لا أصل له، فكيف لا ينقل الحق الصدق الذى قد بلغ الناس، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه»(1039) .
ويستفاد من مجموع النقول السابقة انتفاء أحقية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءً على نصٍ من النبي صلى الله عليه وسلم أو أي شيءٍ من هذا القبيل، وهذا ما دلت عليه بعض الروايات الصحيحة، بل هذا ما ذكره الإمام على نفسه.
فقد روى الإمام مسلم بسنده عن أبي الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُسِرُّ إِلَيْكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ، قَالَ: فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ»(1040) .
وروى الإمام البخاري بسنده عَنِ الأَسْوَدِ،
قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنهما كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: «مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ، وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي؟ أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدْ انْخَنَثَ(1041) فِي حَجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟»(1042)
وروى البزار في مسنده بسنده عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شَقِيقٍ بن سلمة، قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه: أَلَا تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْتَخْلِفَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ يُرِدِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالنَّاسِ خَيْرًا، فَسَيَجْمَعُهُمْ عَلَى خَيْرِهِمْ كَمَا جَمَعَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم عَلَى خَيْرِهِمْ»(1043) .
فهذه الروايات السابقة تقطع وتجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد لحق بالرفيق الأعلى دون أن يوصي لعلي بالخلافة، وهذا ما رواه الصحابة، وما كانوا يعتقدونه، بل هو ما كان يعتقده علي والعباس، وهذا واضح في رواية البخاري في مرض النبي صلى الله عليه وسلم وطلب العباس من علي أن يذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسألانه عن الأمر فيمن يكون؟ وفيه قول العباس: اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الْأَمْرُ فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا قَالَ عَلِيٌّ: وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَمْنَعُنَا لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا وَإِنِّي لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبَدًا(1044) .
والحاصل من كل ما سبق انتفاء النص على إمامة علي بن أبي طالب، وهو أيضاً ما روته بعض مصادر الغلاة المعتمدة.
فقد ورد في «نهج البلاغة» المنسوب إلى الإمام على أن الإمام علياً خاطب الناس حين تجمعوا عليه بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وطلبوا منه مُلحين بأن يقبل البيعة وقال: دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول..
واعلموا أنى إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً»(1045)
وكتب الإمام علي رضي الله عنه إلى طلحة والزبير رضي الله عنهما بعد بيعته بالخلافة يقول لهما «... والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها..»(1046) .
وكتب إليهما - أيضاً - كتاباً قال فيه: أما بعد: فقد علمتما - وإن كتمتما - أنى لم أُرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني، وإنكما ممن بايعتماني طائعَين، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتماني كارهَين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية(1047) .
فيا تُرى ماذا يقول علماء القوم في هذه الأقوال الصادرة من الإمام علي نفسه حسب اعتقادهم؟ والتي تؤكد بطلان دعوى النص على إمامته، حيث طلب من الناس أن يتركوه وشأنه وأن يلتمسوا غيره، وأعلن عدم رغبته في الخلافة والولاية، وأن ما دفعه إليها إلا إلحاح الناس عليه،
فهل لو كان هناك نصّ بإمامته أكان يتثاقل عن إظهاره والاحتجاج به على من سبقه؟.
فدل هذا - أيضاً - على عدم ثبوت أي نصٍ من قِبل النبي صلى الله عليه وسلم على إمامة علي، كما دل استنتاجاً على عدم نكوص العباس عن نصرة علي في هذا الأمر بداع من الذلة أو الجبن كما ذكر الغلاة؛ لأن النص أصلاً معدوم لا وجود له، وبعدمه بطل علم العباس به، إذ كيف يعلم المعدوم؟
كان هذا فيما يتعلق بنقض البناء العام للشبهة أما فيما يتعلق بفرعياتها فإليك البيان.
نقض ذلة العباس وبيان عزته:
(العباس من أعزِّ قريش وأشجعها)
زعم الخوئي من خلال أساطير رويت في مصادره أن العباس كان ذليلاً جباناً، ضعيفاً مغلوباً على أمره، ووالله هذا هو الهذيان بعينه بلا دليل، إلا مجرد الرأي الفاسد والروايات المكذوبة، وما خرج هذا الهذيان إلا عن ذهن بارد وهوى متبع وهو أقل من أن يرد، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر، ولولا أن الرجل رأساً في مذهبه ما كلفنا أنفسنا عناء قراءة ما سطره بله الرد عليه.
وقد مرَّ معنا فيما سبق الحديث عن مكانة العباس عند قريش وغيرهم قبل الإسلام وبعده، وكيف كان مطاعاً عندهم، وبالأخص مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند أصحابه، وكيف كانوا يحترمونه ويجلونه ويقرون بفضله، ويراعون مكانته من النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا مانع من تكرار بعض ما سلف لفائدته في بيان تهافت ما ذكره الخوئي.
يقول المحب الطبري في الذخائر: وكان العباس في الجاهلية رئيساً في قريش وإليه عمارة المسجد الحرام والسقاية بعد أبى طالب... ذكره الزبير بن بكار وغيره من علماء النسب(1048) .
وقال الزُّبَيْر بْن بكار: كان للعباس ثوبٌ لعاري بني هاشم وجَفْنةٌ لجائعهم، وكان يمنع الجار، ويبذُلُ المال، ويُعطي في النَّوائب(1049) .
أهذه فعال رجل ذليل، يطعم الجائع، ويمنع الجار، ويعطي في النوائب والملمات؟
وكان العبّاس أعظم الناس عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والصّحابة يعترفون للعباس بفضله ويشاورونه، ويأخذون رأيه(1050) .
ومرَّ معنا قول الصفدي وفيه: ولم يمر - أي العباس - بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا إجلالاً له، ويقولان: عم النبي صلى الله عليه وسلم(1051) .
أما عن شبهة جبنه فكان العباس أبعد الناس عن ذلك وراجع موقفه يوم العقبة وخروجه مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت المبكر نسبياً، حيث كثرة الأذى وتربص المتربصين.
وكذلك موقفه يوم حنين وثباته مع النبي صلى الله عليه وسلم رغم فرار من فرَّ أول الأمر ممن كان حول النبي صلى الله عليه وسلم(1052) .
ويوم حصار الطائف أنقذ العباسُ حنظلة بن الربيع من بين أيدي
مشركي الطائف لما احتملوه ليدخلوه حصنهم، واختطفه من أيديهم، ولم يأبه بحجارتهم ولا برماحهم التي أمطروه بها من الحصن(1053)
وفي قصة ميزابه الذي اقتلعه عمر ومعارضة العباس له، وكذا داره التي أراد عمر توسعة المسجد بها.. في هاتين الحادثتين ما يدحض شبهة الخور والجبن من أساسها ويقتلعها من جذورها(1054) .
فأين الجبن إذاً وأين الخور والذلة؟
إن الخوئي بنى نظرته هذه إلى العباس كما ألمحنا سابقاً بناء على موقفه يوم السقيفة وفي فدك، وعن السقيفة نقول: إن العباس لو كان يرى لعلي حقاً في الخلافة لناصره وأيده، لا سيما مع ما مرَّ من مواقف سابقة على يوم السقيفة ولاحقة له، تظهر فيها شجاعة العباس وإقدامه، وتقدير الصحابة له.
أما موقفه من فدك فالأمر ليس على ما ساقه الخوئي، فقد طالب العباس بفدك بادئ الأمر لاسيما وهو أحد الورثة، ولما تبين له انتفاء أحقيته وفاطمة بها رجع عن طلبه، وهذا ما سنعرض له بشيء من التفصيل تحت عنوان: العباس وفدك.
العباس ليس من الطلقاء:
زعم الخوئي في شبهته السابقة بناء على الرواية المنسوبة إلى أبي جعفر أن العباس كان من الطلقاء، ووافقه على ذلك علي آل محسن.
وبتتبع ما ذكره الخوئي مع ضميمة ما ذكره علي آل محسن نجده لا أساس له من الصحة، فالعباس لم يكن من الطلقاء، فقد ثبت إسلامه وهجرته قبل الفتح، فكيف يكون من الطلقاء؟
والمراد بالطلقاء(1055) الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ(1056) .
قال ابن حجر: وَالْمُرَادُ بِالطُّلَقَاءِ جَمْعُ طَلِيقٍ مَنْ حَصَلَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمَنُّ عَلَيْهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعُهُمْ(1057) .
وأصل ذلك: أنه لما فتح الله مكة لنبيه واجتمع صناديد قريش في المسجد قَالَ لَهُمْ النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»(1058) .
والعباس لم
يكن منهم فقد أسلم قبل هذا على اختلاف بين العلماء في تحديد الوقت الفعلي الذي أسلم فيه، إلا أنهم متفقون على أنه لم يكن من الطلقاء.
ومرّ معنا اختلاف العلماء في توقيت إسلام العباس وأن أقوالهم راجعة إلى ستة أقوال:
القول الأول: إسلامه قبل الهجرة وإخفاؤه أمر إسلامه التزاما باتفاق بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني: إسلام العباس بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بدر.
القول الثالث: أنّ إسلام العباس كان بعد غزوة بدر مباشرة.
القول الرابع: إسلامه قبل فتح خيبر وهجرته بعد فتح مكة.
القول الخامس: إسلامه عام الفتح.
القول السادس: إسلامه بعد الفتح.
فأغلب هذه الأقوال في إسلامه نقلت إسلامه قبيل الفتح، فكيف يدعي الخوئي ومن لفَّ لفيفه أن العباس من الطلقاء(1059) ؟.
وقد ردّ الذهبي هذا الزعم حيث قال عن العباس: وليس هو في عداد الطلقاء؛ فإنه كان قد قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفتح; ألا تراه أجار أبا سفيان بن حرب(1060) .
ويقول في السير في ترجمة العباس: ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُهَاجِراً قُبَيْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ فَلَمْ يَتَحَرَّرْ لَنَا قُدُوْمُهُ(1061) .
وقال ابن حجر: والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة، وقدم مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهد الفتح، والله أعلم(1062) .
العباس وفدك(1063) :
زعم الخوئي في تعليله للروايات الذامة للعباس والكاشفة عن جبنه وذِلَّته، أن العباس ترك السيدة فاطمة وزوجها علياً يواجهان وحدهما أمر فدك ولم يأبه بشأنهما ولم يتحرك لنجدتهما تحركه لشأن ميزابه حين اقتلعه عمر.
وهو يحاول بهذا أن يستشهد على ذلة وخور العباس من ناحية، وعلى بحثه عن مكسبه الشخصي ونرجسيته من ناحية أخرى، والرد على ذلك سهل ميسور إن شاء الله.
فسوق هذا الشاهد للتدليل على خور العباس ونرجسيته لهو أمر لا
يقبل ممن ادعاه وساقه؛ لأن الشاهد يشهد للعباس لا عليه.
فلو كان العباس جباناً وذليلاً ما وقف أمام عمر وهو الخليفة ونازعه في أمر الميزاب، بلا خوف منه ولا وجل، وكانت النتيجة أن وُضع الميزاب في محله وموضعه، لما علم عمر أن من وضعه هو النبي صلى الله عليه وسلم.
- ولو كان جباناً أيضاً ما عارض عمر لما أراد ضمَّ بيته إلى المسجد لتوسعته، وكانت النتيجة أن احتكما إلى أبي بن كعب(1064) ، ولما استقر الأمر للعباس وظهرت أحقيته في بيته تنازل وبمحض إرادته عن داره لتوسعة المسجد.
- ولو كان العباس نرجسياً لا يرى إلا نفسه ومصلحته لناقش في أمر فدك باستماتة وصال فيه وجال لاسيما وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم وأحد وارثيه، فكيف يدافع عن ميزاب لا يساوي شيئاً إذا ما قورن بنصيبه من أرض فدك؟
يقول الذهبي: لَوْ كَانَ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - مِمَّنْ يُوْرَثُ، لَمَا وَرِثَهُ أَحَدٌ بَعْدَ بِنْتِهِ وَزَوْجَاتِهِ، إِلَّا العَبَّاسُ(1065) .
وهذا على فرض أن العباس لم يتكلم في شأن فدك، ولكن الثابت
أنه تكلم فيها مع السيدة فاطمة وعلي، ولما واجههم الصديق بأن الأنبياء لا يورثون قنع العباس ولم يجادل فيما بعد؛ لأنه لا يرى لنفسه ولا للسيدة فاطمة نصيباً فيها.
روى البخاري بسنده عن مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ عليها السلام ، وَالعَبَّاسَ، أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا، أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ، وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا المَالِ» وَاللهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي(1066) .
فقد طالبت السيدة فاطمة بفدك ظناً منها أنها صاحبة إرث فيها، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ...﴾ [النساء: 11].
وأجابها أبو بكر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنا معاشر الأنبياء لا نورث.
ولعلها تأولت الحديث إن كان بلغها، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ طَلَبَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا عَلَى أَنَّهَا تَأَوَّلَتِ الْحَدِيثَ إِنْ كَانَ بَلَغَهَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: لَا نُورَثُ، عَلَى الْأَمْوَالِ الَّتِي لَهَا بَالٌ فَهِيَ الَّتِي لَا تُورَثُ لَا مَا يَتْرُكُونَ مِنْ طَعَامٍ وَأَثَاثٍ وَسِلَاحٍ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ خِلَافُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم(1067)
وسواء أكانت السيدة فاطمة تأولت الحديث أم لم يبلغها من حيث الأصل، فقد أقرت هي والعباس وعلي رضي الله عنهم بصحة الحديث؛ بدلالة تركهم منازعة الصديق بعد ذلك.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَفِي تَرْكِ فَاطِمَةَ مُنَازَعَةَ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهَا بِالْحَدِيثِ التَّسْلِيمُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى قَضِيَّةِ، وأنها لَمَّا بَلَّغَهَا الْحَدِيثَ وَبَيَّنَ لَهَا التَّأْوِيلَ تَرَكَتْ رَأْيَهَا، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا وَلَا مِنْ ذُرِّيَّتِهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ مِيرَاثٍ ثُمَّ وَلِيَ عَلِيٌّ الْخِلَافَةَ فَلَمْ يَعْدِلْ بِهَا عَمَّا فَعَلَهُ أبو بكر وعمر رضي الله عنه(1068) .
ولا يقدح في هذا الإقرار ما روي في شأن المنازعة بين علي والعباس في فدك واحتكامهما إلى عمر في خلافته، فهي منازعة ولاية عليها لا ميراث.
روى البخاري في صحيحه حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَقَالَ مَالِكٌ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ، إِذَا رَسُولُ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ
يَأْتِينِي، فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقَالَ: يَا مَالِ، إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ(1069) فَاقْبِضْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي، قَالَ: اقْبِضْهُ أَيُّهَا المَرْءُ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا، فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَا يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَدَخَلاَ، فَسَلَّمَا فَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ، فَقَالَ الرَّهْطُ، عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، قَالَ عُمَرُ: تَيْدَكُمْ(1070) أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ؟ قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ: ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالاَ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، قَالَ
عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: 6] إِلَى قَوْلِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: 6]، فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلاَ اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، قَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا المَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ، فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ، فَعَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَ عُمَرُ: ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَاللَّهُ يَعْلَمُ: إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي، أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ: إِنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي، وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ، تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، وَجَاءَنِي هَذَا يُرِيدُ عَلِيًّا يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ لَكُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا، قُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا،
عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ: لَتَعْمَلاَنِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا، فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالاَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، لاَ أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا(1071)
فقد يرى البعض أن تكرار المطالبة بفدك من قِبل العباس وعلي خادش في الإقرار بصحة صدور حديث: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لما كررا الطلب مع ثبوت الحديث؟
والرواية شاهدة على إقرار العباس وعلي رضي الله عنهما بصحة صدور الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقدح فيه تكرار الطلب؛ لأنه طلب نظارة وقيام بها لا طلب ميراث؛ بدلالة قول عمر في الرواية: لَتَعْمَلاَنِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُها.
وقد أجاد الْمَازِرِيُّ في الإجابة على هذا الاستشكال بقوله: وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ عَنْ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ رضي الله عنهما فِي أَنَّهُمَا تَرَدَّدَا إِلَى الْخَلِيفَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَتَقْرِيرُ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ فَأَمْثَلُ مَا فِيهِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُمَا طَلَبَا أَنْ يَقْسِمَاهَا
بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ينفقان بها على حسب ما ينفعهما الْإِمَامُ بِهَا لَوْ وَلِيَهَا بِنَفْسِهِ، فَكَرِهَ عُمَرُ أَنْ يُوقِعَ عَلَيْهَا اسْمَ الْقِسْمَةِ لِئَلَّا يُظَنَّ لِذَلِكَ مَعَ تَطَاوُلِ الْأَزْمَانِ أَنَّهَا مِيرَاثٌ وَأَنَّهُمَا وَرِثَاهُ لَا سِيَّمَا وَقِسْمَةُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالْعَمِّ نِصْفَانِ فَيَلْتَبِسُ ذَلِكَ وَيُظَنُّ أَنَّهُمْ تَمَلَّكُوا ذَلِكَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ لَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه لَمْ يُغَيِّرْهَا عَنْ كَوْنِهَا صَدَقَةً(1072)
فالعباس في بادئ الأمر قد شارك في المطالبة بفدك مع السيدة فاطمة، ولكنه قنع لما أخبره الصديق بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأيقن أن فدك صدقةً وليست إرثاً، وما كانت منازعته مع علي عليها في خلافة عمر إلا لطَلَبَ نظارتها، أو تَوَلِّي الْقِيَامِ بِهَا بِأَنْفُسِهِمَا وَقِسْمَتِهَا في مصارفها نيابة عن الإمام.
ولو لمنا العباس على سكوته كما يزعم الزاعمون فمن باب أولى أن يلام علي بن أبي طالب؛ لأنه لما آلت الخلافة إليه لم يسلِّم فدك إلى أبنائه باعتبارهم من أهل الميراث وأصحابه، وأبقاها على العهد الأول.
يقول عروة: فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ، مَنَعَهَا عَلِيٌّ عَبَّاسًا فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ كَانَ بِيَدِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، كِلاَهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلاَنِهَا، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ ابْنِ حَسَنٍ، وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ صلى
الله عليه وسلم حَقًّا(1073)
فكيف يدعي الخوئي ومن لفَّ لفيفه جبن العباس وتخاذله عن مناصرة السيدة فاطمة في طلبها بفدك؟ بل كيف يجيب هو نفسه عن مصادره التي أقرت هذه الرواية ووثقتها؟
روى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «... وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر»(1074) .
وقال عنه المجلسي: الحديث الأول - أي: الذي بين يدينا - له سندان الأول مجهول، والثاني حسن أو موثق لا يقصران عن الصحيح(1075) .
وقد أقرَّ الخميني بصحة هذه الرواية واستدل بها على جواز ولاية الفقيه فيقول تحت عنوان (صحيحة القداح): روى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن القداح (عبد الله بن ميمون) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة... وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ
وافر».
ويعلق الخميني على الحديث بقوله: رجال الحديث كلهم ثقات، حتى أن والد علي بن إبراهيم (إبراهيم بن هاشم) من كبار الثقات (المعتمدين في نقل الحديث)(1076) .
فالحديث إذاً موثق في أحد أسانيده ويُحتج به، فلماذا يتغاضى عنه الخوئي رغم شهرته عندهم؟ ولماذا يتهم العباس بتخاذله وجبنه والحديث ذكره النبي صلى الله عليه وسلم؟ فهل يطلب من العباس أن يخالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى يصبح شجاعاً مقداماً(1077) ؟.
إن
الخوئي وكل من يريد محاكمة العباس في عدم مناصرته للسيدة فاطمة في قضية فدك كما يزعمون عليه أن يبصر مذهبه جيداً ويحاكم نصوصه وأعلامه قبل أن يحاكم العباس رضي الله عنه، هذا على فرض أنه لم يطالب بفدك أول
الأمر(1078)
بل ويحاكم الإمام علياً نفسه، لأنه لمّا استُخلف على المسلمين لم يعط فدكاً لأولاده بعد وفاة أمهم فاطمة بحيث يكون له الربع لوجود الفرع الوارث، وللحسن والحسين وزينب وأم كلثوم الباقي لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء: 11] وهذا معلوم في
التاريخ.
بل يذكر السيد مرتضى - الملقب بعلم الهدى - في كتابه الشافي في الإمامة:
أنّ الأمر لمّا وصل إلى علي بن أبي طالب عليه السلام كُلّم في رد فدك، فقال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر(1079) .
وعلى ضوء ما سبق فلا صحة لما ادعاه الخوئي ومن لفَّ لفيفه من ذلة العباس وجبنه عن المطالبة بحقه وحق فاطمة في فدك..
الشبهة الخامسة: شبهة سوء العلاقة بين عمر والعباس رضي الله عنهما
لعل من المتسالم عليه بين المسلمين الصادقين أن مجتمع الصحابة أطهر مجتمع عرفته البشرية بصفائه وسمو أخلاقه وانطباع آثار النبوة في قلوب جل أصحابه؛ نتيجة لوجود النبي صلى الله عليه وسلم فيه وبقائه بين ظهراني أصحابه ردحاً من الزمن؛ يعلِّمهم ويرشدهم، ومع ذلك فقد كان يعتريه ما يعتري كثيراً من مجتمعاتنا - شأن كل التجمعات البشرية - حيث بعض النزاعات البينية التي كانت سرعان ما تخبو وتندثر، وبعض المشادات التي تحتاج إلى تدخل طرف ثالث لاحتوائها والحكم فيها.
ومحاولة تصويره على أنه خال من المشكلات صاف من النزاعات محاولة فيها كثير من التعنت الذي يضر أكثر مما يفيد.
ولعل من جملة الأمور الاعتيادية والمواقف الحياتية التي كانت كثيراً ما تحصل، ما كان بين عمر والعباس رضي الله عنهما مما تجري به العادة غالباً من نحو نزاع على ميزاب، ومحاورة على شراء دار لتوسعة المسجد، ومطالبة بصدقة ظُن استبطاؤها، ومحاولة الصعود بهذه الأمور الاعتيادية إلى درجة الكره والبغض وتحميلها ما لا تحتمل هو ضرب من الخيال، وسوء ظن بجيل الصحابة رضي الله عنهم.
وقد حاول البعض المبالغة في تلك الحوادث ومثيلاتها، بل والزيادة عليها، لتخدم مأرباً خبيثاً نشدوه، وباطلاً زهوقاً قصدوه، حتى قال المجلسي في شأن علاقة عمر بالعباس: وقد آذاه عمر في ثلاثة مواطن ظاهرة
غير خفية(1080)
وفيما يلي بيان بعض تلك المواقف، وغيرها، والتي أسَّس عليها المجلسي وغيره شبهة سوء العلاقة بين عمر والعباس رضي الله عنهما:
1 - عمر وميزاب العباس:
تقرير الشبهة:
من الحوادث التي حاول المغرضون اغتنامها والولوج من خلالها لتشويه صورة العلاقة بين عمر والعباس ما ذكره المجلسي في شأن قصة ميزاب العباس، وقد سبق قول المجلسي عن العباس: وقد آذاه عمر في ثلاثة مواطن ظاهرة غير خفية، منها: قصة الميزاب، ولولا خوفه من علي (ع) لم يتركه على حاله(1081) .
ويبدأ المجلسي في سرد قصته عازياً إياها إلى إرشاد القلوب للديلمي قائلاً: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس وقال: يا رسول الله! قد علمت ما بيني وبينك من القرابة والرحم الماسة، وأنا ممن يدين الله بطاعتك، فاسأل الله تعالى أن يجعل لي باباً إلى المسجد أتشرف بها على من سواي؟. فقال له عليه وآله السلام: يا عم! ليس إلى ذلك سبيل. فقال: فميزابا يكون من داري إلى المسجد أتشرف به على القريب والبعيد. فسكت النبي صلى الله عليه وآله وكان كثير الحياء
لا يدري ما يعيد من الجواب خوفاً من الله تعالى وحياء من عمه العباس، فهبط جبرئيل عليه السلام في الحال على النبي صلى الله عليه وآله وقد علم الله سبحانه ما في نفسه صلى الله عليه وآله من ذلك فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تجيب سؤال عمك، وأمرك أن تنصب له ميزابا إلى المسجد كما أراد، فقد علمت ما في نفسك وقد أجبتك إلى ذلك كرامة لك ونعمة مني عليك وعلى عمك العباس، فكبر النبي صلى الله عليه وآله وقال: أبى الله إلا إكرامكم يا بني هاشم وتفضيلكم على الخلق أجمعين، ثم قام ومعه جماعة من الصحابة والعباس بين يديه حتى صار على سطح العباس، فنصب له ميزاباً إلى المسجد وقال: معاشر المسلمين! إن الله قد شرف عمي العباس بهذا الميزاب فلا تؤذوني في عمي، فإنه بقية الآباء والأجداد، فلعن الله من آذاني في عمي وبخسه حقه أو أعان عليه. ولم يزل الميزاب على حاله مدة أيام النبي صلى الله عليه وآله وخلافة أبي بكر وثلاث سنين من خلافة عمر ابن الخطاب، فلما كان في بعض الأيام وعك(1082) العباس ومرض مرضاً شديداً وصعدت الجارية تغسل قميصه فجرى الماء من الميزاب إلى صحن المسجد، فنال بعض الماء ثوب الرجل، فغضب غضباً شديداً وقال لغلامه: اصعد واقلع الميزاب، فصعد الغلام فقلعه ورمى به إلى سطح العباس، وقال: والله لئن رده أحد إلى مكانه لأضربن عنقه، فشق ذلك على العباس ودعا بولديه عبد الله وعبيد الله ونهض يمشي متوكئاً
عليهما وهو يرتعد من شدة المرض وسار حتى دخل على أمير المؤمنين عليه السلام، فلما نظر إليه أمير المؤمنين عليه السلام انزعج لذلك، وقال: يا عم! ما جاء بك وأنت على هذه الحالة؟!. فقص عليه القصة وما فعل معه عمر من قلع الميزاب وتهدده من يعيده إلى مكانه، وقال له: يا ابن أخي! إنه كان لي عينان أنظر بهما، فمضت إحداهما وهي رسول الله صلى الله عليه وآله وبقيت الأخرى وهي أنت يا علي، وما أظن أن أظلم ويزول ما شرفني به رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت لي، فانظر في أمري، فقال له: يا عم! ارجع إلى بيتك، فسترى مني ما يسرك إن شاء الله تعالى. ثم نادى: يا قنبر! علي بذي الفقار، فتقلده ثم خرج إلى المسجد والناس حوله وقال: يا قنبر! اصعد فرد الميزاب إلى مكانه، فصعد قنبر فرده إلى موضعه، وقال علي عليه السلام: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لئن قلعه قالع لأضربن عنقه وعنق الآمر له بذلك، ولأصلبنهما في الشمس حتى يتقددا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فنهض ودخل المسجد ونظر إلى الميزاب، فقال: لا يغضب أحداً أبا الحسن فيما فعله، ونكفر عن اليمين، فلما كان من الغداة مضى أمير المؤمنين إلى عمه العباس، فقال له: كيف أصبحت يا عم؟. قال: بأفضل النعم ما دمت لي يا ابن أخي. فقال له: يا عم! طب نفساً وقر عيناً، فوالله لو خاصمني أهل الأرض في الميزاب لخصمتهم، ثم لقتلتهم بحول الله وقوته، ولا ينالك ضيم يا عم، فقام العباس فقبَّل ما بين عينيه، وقال: يا ابن أخي! ما خاب من أنت ناصره.
فكان هذا فعل عمر بالعباس عمِّ رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد قال في غير موطن وصيةً منه في عمه العباس: إنَّ عمي العباس بقية الآباء والأجداد فاحفظوني فيه، كل في كنفي، وأنا في كنف عمي العباس، فمن آذاه فقد آذاني، ومن عاداه فقد عاداني، سلمه سلمي، وحربه حربي(1083) .
والعجيب أن
المجلسي في تقريره لهذه الشبهة، بناء على ما نسبه للإرشاد، قد نسج على أصلٍ صحيح، ثم زاد عليه من خياله، مطلقاً لقلمه العنان، مسترسلاً في سوق أحداث لا مصدر صحيح لها سوى عقل مأفون وقلب مفتون قد ملئ حقداً على صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته بعد الصديق أبي بكر عمر بن الخطاب، ولذا نراه قد وضع خبره هذا تحت عنوان أسماه: «باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبح آثارهم»، ويعني بالثلاثة الخلفاء الثلاثة الأول الصديق وعمر وعثمان.
* الرد:
وعند النظر في الرواية التي ساقها المجلسي في بحاره نجد أنه قد عزاها وغيرها إلى الإرشاد للديلمي، دون ذكر إسناد لها.
وبحار الأنوار كما هو معلوم جامع روائي ألفه المجلسي في أواخر القرن الحادي عشر من الهجرة، عازياً مروياته إلى مصادرها التي تلقى أكثرها بالوجادة، ومع عزوه روايته تلك إلى إرشاد القلوب إلا أنه لم يسق لنا إسنادها حتى يتسنى لنا البحث في رجاله، وغاية ما فعله أنه أسس إيراده لتلك الرواية على أصل صحيح وهو حادثة المنازعة بين عمر والعباس في الميزاب، ثم ساق الرواية تلك وقد حشيت بالأباطيل والترهات، ناسبة إلى عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم العباس الذلة والخور؛ حيث لم يستطع دفع صولة عمر على ميزابه، وواصماً عمر بالظلم والتعدي وهضم حق عم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الجبن لخشيته من علي وتقاصره عن مواجهته وهذا ما صُرِّح به في آخر الرواية حيث ورد فيها: ولولا خوفه - أي عمر - من علي لم يتركه - الميزاب - على حاله(1084) .
ثم نسبت الرواية إلى علي الشجاعة والإقدام وهي مسألة لا ننازع فيها، فعلي معروف بها، ولكن المنازعة في الخلط والتشويه المتعمد للسيرة والتاريخ، سواء من صاحب الإرشاد إن صحت النسبة إليه، أو من المجلسي الذي انتقى هذه الرواية وحشى بها بحاره.
وفيما يلي نقدم عرضاً للحادثة مسندة معزوة إلى مظانها المعتبرة، فقد أخرج أحمد في مسنده حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَخِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ لِلعَبَّاسِ مِيزَابٌ عَلَى طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَبِسَ عُمَرُ ثِيَابَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ كَانَ ذُبِحَ لِلعَبَّاسِ فَرْخَانِ، فَلَمَّا وَافَى الْمِيزَابَ، صُبَّ مَاءٌ بِدَمِ الْفَرْخَيْنِ، فَأَصَابَ عُمَرَ وَفِيهِ دَمُ الْفَرْخَيْنِ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقَلْعِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ، فَطَرَحَ ثِيَابَهُ، وَلَبِسَ ثِيَابًا غَيْرَ ثِيَابِهِ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: «وَاللهِ إِنَّهُ لَلْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم»، فَقَالَ عُمَرُ لِلعَبَّاسِ: وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَمَّا صَعِدْتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى تَضَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ رضي الله عنه(1085) .
والرواية السابقة حسنة بمجموع طرقها، والناظر إليها يظهر له خلوها من النزعة الشخصية، فالنزاع بين عمر والعباس رضي الله عنهما رغم كونه يسيراً إلا أنه لم يكن لمصلحة شخصية آنية من عمر ألجأته لإزالة الميزاب بادئ الأمر نتيجة لتأثره بما سقط عليه من مصبِّه، ولكن الدافع
هو إزالة ما قد يُلحق ضرراً بالمسلمين، وفي هذا يقول الشوكاني: وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ الْمَيَازِيبِ إلَى الطُّرُقِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونَ مُحْدَثَةً تَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ مُنِعَتْ لِأَحَادِيثِ الْمَنْعِ مِنْ الضِّرَارِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: مَسْأَلَةُ الْعِتْرَةِ: وَيُمْنَعُ فِي الطَّرِيقِ الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ وَالْحَفْرُ وَمُرُورُ أَحْمَالِ الشَّوْكِ وَوَضْعُ الْحَطَبِ وَالذَّبْحُ فِيهَا وَطَرْحُ الْقُمَامَةِ وَالرَّمَادِ وَقِشْرِ الْمَوْزِ وَإِحْدَاثُ السَّوَاحِلِ وَالْمَيَازِيبِ وَرَبْطُ الْكِلَابِ الضَّارِيَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَذَى(1086)
والرواية لا تتضمن أي مَعلم يشير تصريحاً أو تلميحاً إلى سوء العلاقة بين الفاروق وعم النبي صلى الله عليه وسلم، كما لا تضم أي ذكر أو إشارة لاستنجاد العباس بعلي بن أبي طالب لينصره ويدفع عنه الضيم.
فالذي دفع عمر لإزالة ميزاب العباس هو منع الضرر الذي قد يلحق بالمسلمين عند مرورهم أسفل الميزاب، وما كان من العباس إلا أن ذكَّر عمر بأن واضع الميزاب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا تظهر أخلاق الإسلام وتربية الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقسم عمر على العباس أن يضع الميزاب في محلِّه ومقرِّه، حيث وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس هذا فحسب، بل ويعزم عليه أن يمتطي ظهره ليتمكن من ذلك(1087) .
ولو تمادينا مع رواية المجلسي المنقولة عن الإرشاد إلى أبعد حدّ
ممكن، وفرضنا جدلاً صحتها، فسنجدها شاهدة على تقدير عمر لعلي وحرصه على إرضائه، فبعد أن تأذى عمر من الميزاب، وأمر بقلعه إبان ثورة غضبه، عاد علي وأمر بوضعه حيث كان، ولما رآه عمر كان بإمكانه اقتلاعه مرة ثانية لا سيما وهو أمير المؤمنين، وصاحب السلطة الفعلية، ولو أشار بأصبعه قاصداً اقتلاعه لبادرت حشود بفعل ذلك إرضاءً للخليفة، ولكنه وحسب الرواية لم يفعل، وما كان منه إلا أن أرضى علياً وألان له الكلام، وهذا على فرضية وهمية وهي صحة ما ورد في الرواية، فكيف ونحن لا نعلم لها إسناداً ولا مصدراً معتبراً؟.
2 - سوق عكاظ بين عمر والعباس رضي الله عنهما :
تقرير الشبهة
وأما عن الموطن الثاني من المواطن الثلاثة(1088) التي آذى فيها عمرُ
العباسَ والتي أشار إليها المجلسي، فهو ما يتعلق بهضم عمر حق العباس في سوق عكاظ.
وقد أورد فيه المجلسي رواية أسطورية لم يذكر لها مصدراً ولم يورد لها سنداً، وتتلخص في أن العباس كانت له على النبي صلى الله عليه وسلم يد سابقة وجميل متقدم قبل بعثته حيث أنفق عليه في وليمة عبد الله بن جدعان ستين ألف دينار، مكافأة لابن جدعان على إكرامه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نزل ضيفاً عليه، فكافأه العباس بأن أعدَّ له وليمة نحر فيها الجَزُور ونصب القدور، واجتمع عليها أهل مكة وسائر بطون قريش وكثير من أحياء العرب وكانت أشبه بعيد أكبر.. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وفتح مكة
أوحى الله إليه أن في نفس العباس شهوة من سوق عكاظ، فامنحه إياه في مدة حياته، وولده بعد وفاته؛ مكافأة له على ما فعله مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه ذلك، ثم قال صلى الله عليه وآله: ألا لعنة الله على من عارض عمي في سوق عكاظ ونازعه فيه، ومن أخذه منه فأنا برئ منه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فلم يكترث عمر بذلك وحسد العباس على دخول سوق عكاظ، وغصبه منه، ولم يزل العباس متظلما إلى حين وفاته(1089)
* الرد:
ولنا لنا نتساءل عن مصدر تلك الرواية، وعن إسنادها إن وُجد، ولقد بحثت في مصادر أهل السنة وغيرهم عن أي مصدر لتلك الرواية، أو أي إسناد لها، فعدت بخفي حنين، ولم أجد ذاكراً لها غير المجلسي فيما عزاه إلى الديلمي في الإرشاد، وعنه أبو الحسن المرندي أيضاً بلا إسناد.
فعدت قانعاً من الغنيمة بالإياب غير مكترث بالرد عليها، إلى أن عثرت على ردٍّ مطوَّلٍ نسبياً من قِبل جعفر مرتضى العاملي الذي انبرى لرد تلك الشبهة لا حُباً في العباس رضي الله عنه، ولا غيرةً على عمر رضي الله عنه، ولكن ما دفعه كان موقفاً مسبَقاً من العباس ونظرة قديمة إليه، حيث يرونه بعيداً
عن كل فضل، وعاجزاً عن أي مكرمة، وبهذا لم يمنحه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ولم يكن أهلاً لشيء، فكان ردُّه على الشبهة شبهة في حدِّ ذاته، وإليك البيان.
قال جعفر مرتضى العاملي بعد أن ذكر رواية المجلسي السابقة بإيجاز:
إن لنا على هذا النص العديد من المؤاخذات:
أولاً: قال العلامة الشيخ محمد تقي التستري ما محصله: إن مضمون هذا الحديث يدل على كذبه، ولو كان صحيحاً، فلِم لَم يذكر مضامينه المفيد، والمرتضى، ولم يرد في كتاب آخر، أو خبر(1090) ؟.
ثانياً: ما معنى: أن ينفق العباس على رسول الله «صلى الله عليه وآله» في وليمة شخص آخر وهو عبد الله بن جدعان؟ فإن المفروض: أن يكون من ينفق في الوليمة هو صاحبها، وأن لا يرضى بأن يشاركه غيره في الإنفاق؛ لأن ذلك يتضمن انتقاصاً من مقامه، وتشكيكاً في قيامه بما يتوجب عليه(1091) .
ثالثاً: ما معنى: أن يحسد عمر العباس على دخول عكاظ؟ فإن المفروض هو: أن يحسده على حصته في ذلك السوق، لا على مجرد الدخول
فيه، علماً بأن الناس كلهم يقدرون على دخول سوق عكاظ، ومنهم عمر نفسه؟ إلا أن يكون المقصود هو دخوله بعنوان كونه مالكاً وشريكاً في جزء منه، لا مطلقاً، ولكن لماذا لا يفصح هذا القائل عن مراده، ويورد الكلام بصورة مبهمة؟
رابعاً: هل كان ذلك السوق مملوكاً لأشخاص، أم كان مجرد مكان عام واسع يجتمع به الناس، ويبيعون ويشترون، ويتناشدون الأشعار، وما إلى ذلك؟..(1092) .
ونلاحظ هنا نبرة العداء والبغض الواضحة لعم النبي صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه، وهي مسألة ثابتة عند القوم، وسيأتي تفصيلها في الشبهة الخاصة بذمِّ العباس عندهم.
وعلى كل فقد كفانا العاملي مؤنة الرد على الرواية وبخاصة ما نقله عن التستري من أن مضمون هذا الحديث يدل على كذبه، ولو كان صحيحاً، فلِم لَم يذكر مضامينه المفيد، والمرتضى، ولم يرد في كتاب آخر، أو خبر.
3 - قصة النزاع في دار العباس (بين الشح والخصومة)
تقرير الشبهة
من الشبهات الواردة حول علاقة عمر بالعباس رضي الله عنهما والتي قد يسيء البعض فهمها لغرض في نفسه ما روي في قصة نزاع عمر مع العباس بشأن ضمِّ دار العباس لتوسعة المسجد.
أخرج البيهقي في الكبرى بسنده عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنْ يَزِيدَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَعَتْ زِيَادَتُهُ عَلَى دَارِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه، فَأَرَادَ عُمَرُ رضي الله عنه أَنْ يُدْخِلَهَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَيُعَوِّضَهُ مِنْهَا، فَأَبَى وَقَالَ: قَطِيعَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاخْتَلَفَا فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا أُبِيَّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنهم، فَأَتَيَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، وَكَانَ يُسَمَّى سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ لَهُمَا بِوِسَادَةٍ فَأُلْقِيَتْ لَهُمَا، فَجَلَسَا عَلَيْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَكَرَ عُمَرُ مَا أَرَادَ، وَذَكَرَ الْعَبَّاسُ قَطِيعَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أُبَيٌّ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ عَبْدَهُ وَنَبِيَّهُ دَاوُدَ عليه السلام أَنْ يَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا، قَالَ: أَيْ رَبِّ، وَأَيْنَ هَذَا الْبَيْتُ؟ قَالَ: حَيْثُ تَرَى الْمَلَكَ شَاهِرًا سَيْفَهُ، فَرَآهُ عَلَى الصَّخْرَةِ، وَإِذَا مَا هُنَاكَ يَوْمَئِذٍ أَنْدَرٌ لِغُلَامٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتَاهُ دَاوُدُ فَقَالَ:
إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَبْنِيَ هَذَا الْمَكَانَ بَيْتًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ الْفَتَى: اللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَهَا مِنِّي بِغَيْرِ رِضَايَ؟ قَالَ: لَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى دَاوُدَ عليه السلام أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ فِي يَدِكَ خَزَائِنَ الْأَرْضِ فَأَرْضِهِ، فَأَتَاهُ دَاوُدُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ بِرِضَاكَ، فَلَكَ بِهَا قِنْطَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ يَا دَاوُدُ، وَهِيَ خَيْرٌ أَمِ الْقِنْطَارُ؟ قَالَ: بَلْ هِيَ خَيْرٌ، قَالَ: فَأَرْضِي، قَالَ: فَلَكَ بِهَا ثَلَاثُ قَنَاطِيرَ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُشَدِّدُ عَلَى دَاوُدَ حَتَّى رَضِيَ مِنْهُ بِتِسْعِ قَنَاطِيرَ» قَالَ الْعَبَّاسُ: اللهُمَّ لَا آخُذُ لَهَا ثَوَابًا وَقَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَبِلَهَا عُمَرُ رضي الله عنه مِنْهُ فَأَدْخَلَهَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم(1093)
وقد يحاول بعض أصحاب النفوس المريضة إساءة الفهم في هذه الرواية وينسب الى العباس الشح بماله، لدرجة أوقعته في خصومة مع الفاروق عمر لا لشيء إلا لأنه حثه على التصدق، وما إذعانه في مختتم الأمر إلى من باب الحرج.
* الرد:
الناظر إلى الرواية السابقة سيجد أنها أبعد ما تكون عن الشح المزعوم، وكذا النزاع بمعناه الظاهري الناشئ عن خصومة بين اثنين، إن الرجلين يكنان الحب لبعضهما، ويسود بينهما الإخاء والتقدير،
وهذا واضح في نص عبارات الرواية، والعباس كان من أجود الناس وأكرمهم. ولكن المسألة هنا لها أبعادها، وامتناع العباس في أول الأمر له ما يبرره، وهو ما ذكره العباس نفسه حيث قال معللاً امتناعه: «قطيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه إياها، فكيف يتسنى له أن يرد ما أقطعه له الرسول صلى الله عليه وسلم؟ إنه استعظم الأمر فكان الامتناع، وفور ما أبدى أُبِيُّ بْنَ كَعْبٍ حكمه في المسألة واستبان للعباس أن الأمر غير خادش في تقديره للنبي صلى الله عليه وسلم تنازل عنها دون مقابل، ولو كان مقصد العباس رضي الله عنه من رفضه، حب المال والطمع في زيادته أو المساومة على أكبر نصيب منه لما تصدَّق بها بلا مقابل.
فالأمر متعلق باستعظام قطيعة النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف للعباس أن يردها؟ وهذا أيضاً مروي عن الفاروق عمر رضي الله عنه حيث عظَّم قطيعة النبي صلى الله عليه وسلم في أرض مزينة.
ففي الخراج لأبي يوسف: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَقْطَعَ لأُنَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ أَرْضًا فَلَمْ يَعْمُرُوهَا، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا فَخَاصَمَهُمُ الْجَهْنِيُّونَ أَوِ الْمُزَنِيُّونَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ مِنِّي أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لَرَدَدْتُهَا، وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ثُمَّ تَرَكَهَا ثَلاثَ سِنِينَ فَلَمْ يَعْمُرَهَا فَعَمَرَهَا آخَرُونَ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا»(1094) .
ففي الرواية ردَّ عمر للقوم قطيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إكراماً منه للنبي صلى الله عليه وسلم ورعاية لحقه وتأدباً معه حتى بعد وفاته، علماً بأنها لو كانت قطيعته أو قطيعة أبي بكر ما ردّها؛ لأن من فقهه أن الأرض لمن عمرها. وذلك لأن النَّاسُ كانوا في عهده َيحجرون الأرض دون إحياءٍ لها، فقال عمر: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ(1095) .
وهناك جانب آخر يمكن إضافته إلى ما سبق لتبرير امتناع العباس رضي الله عنه في أول الأمر ألا وهو ارتباط الامتناع بالفقه والدين، فلعل العباس رضي الله عنه أراد من فعلته تلك وامتناعه الأول ترسيخ مبدأ فقهي تتأسى به الأمة في مستقبلها اللاحق، وهذا غير مستبعد على عقل العباس وحكمته، إنه يؤسس لمبدأ ألا يُكرَه صاحب الحق على التنازل عنه، وفور ما تأكد هذا المبدأ بحكم أبي بن كعب رضي الله عنه تنازل العباس رضي الله عنه عن داره طوعاً بل ورغباً، وبمحض إرادته وطمعاً في مرضاة ربه.
4 - عمر وصدقة العباس:
تقرير الشبهة
استمراراً لمنهجية دفع إساءة الفهم عمداً أو بغيره لبعض الروايات الواردة في حق العباس رضي الله عنه، بنسبة الشحّ إليه من جهة، والطعن في إسلامه وإيمانه بمنعه الزكاة جحوداً وعناداً من جهة ثانية، وكذا تشويه العلاقة بينه وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما من جهة ثالثة، نذكر بعض ما روي بين عمر والعباس بشأن صدقة العباس.
أخرج أحمد في الفضائل: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أنا هُشَيْمٌ، قثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الصَّدَقَاتِ قَالَ: فَأَتَى عَلَى الْعَبَّاسِ فَسَأَلَهُ صَدَقَةَ مَالِهِ قَالَ: فَتَجَهَّمَهُ الْعَبَّاسُ قَالَ: حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا، فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَشَكَا الْعَبَّاسُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ صِنْوُ أَبِيهِ؟ إِنَّا كُنَّا تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ الْعَامَ عَامَ أَوَّلَ»(1096) .
وفي رواية البيهقي عن الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم
مُرْسَلاً أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ رضي الله عنه في هَذِهِ الْقِصَّةِ: «إِنَّا كُنَّا قَدْ تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ مَالِ الْعَبَّاسِ لِعَامِنَا هَذَا عَامَ أَوَّلَ»(1097)
وأخرج الدارقطني بسنده عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ساعياً قال: فأتى العباس يطلب صدقة ماله قال فأغلظ له العباس، فخرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل(1098) .
وفي سنن الدارقطني عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر على الصدقة فرجع وهو يشكو العباس، فقال: إنه منعني صدقته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه، إن العباس أسلفنا صدقة عامين في عام كذا(1099) .
* الرد:
قد يفهم خطأ من هذه الروايات وغيرها أن العلاقة بين عمر والعباس رضي الله عنهما كانت شائكة، والقلوب لم تكن على صفوها وودادها، وأنه كان هناك دائماً ما يعكر هذا الصفو؛ بدلالة تجهم العباس لعمر، وتنازعهما الواضح في الرواية، والمعبر عنه بقول الراوي: حتى كان بينهما. وفي رواية: فأغلظ له العباس، وفي الرواية الثالثة: فرجع وهو يشكو العباس.
والروايات ضعيفة السند كما بينا في الحاشية، وعلى فرض صحتها فلا يجب أن يفهم منها ما زاد عن لفظها، ولا يجب أن يحمل الكلام ما لا يحتمل.
بل إن هذه الروايات شاهدة على ما ذكرناه آنفا، من أن جيل الصحابة رغم نقائه وتفرده إلا أنه لا يخلو من النوازع البشرية ومتطلبات التجمعات والمجتمعات وهذه الأمور التي ضمتها الروايات غير قادحة فيه بعموم؛ لأنها سرعان ما تخبو وتندثر ولا يبقى منها اسم أو رسم، وكذا لا تقدح في العباس أو في عمر، فكلاهما محق في أمره، والنزاع بينهما لم يتعد الموقف.
فعمر مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم لجمع الصدقات، ولم يكن على علم بإخراج العباس صدقته مقدما عند من يرى ذلك كما سيأتي فسأل العباس صدقته فلم يعطه أو فتجهمه كما نص في بعض الروايات، ولعل
تجهم العباس على فرض صحة الرواية لإرادته الاستخفاء بصدقته، أو ظناً منه أن تعجيل الصدقة أمر بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فشكى عمر للنبي صلى الله عليه وسلم، فأوضح النبي صلى الله عليه وسلم لعمر الأمر وأنبأه عن تعجيل إخراج العباس لصدقته، أو تأخيرها لحاجة ألمت به كما سيأتي حسب ما تقرره الروايات. على أن هناك كثيراً من الروايات الصحيحة التي ذكرت الحادثة دون إشارة إلى تجهم أو إغلاظ بالقول كما سيأتي.
1 - دفع الالتباس عما ورد في منع العباس:
كان ما سبق رداً على ما يتعلق بالعلاقة بين العباس وعمر رضي الله عنهما ، أما ما يتعلق بشح العباس أو عناده وجحوده للزكاة فهو أمر غير صحيح.
وقد استشكل ابن القصار على هذا الأمر، وحاول تأويل ما ورد في الحادثة دفعاً لإساءة الظن بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. مما دفعه للقول بأن الصدقة المراد بها هنا التطوع وليس الفرض.
ورَدَ في الفتح: وقال ابن القصار المالكي: الأليق أنها صدقة التطوع لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض(1100) .
وأجاب ابن حجر على هذا بقوله: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ مَا مَنَعُوهُ كُلُّهُمْ جَحْدًا وَلَا عناداً، أما ابن جَمِيلٍ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا ثُمَّ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ كَذَا حَكَاهُ الْمُهَلَّبُ وَجَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ
فِيهِ نَزَلَتْ وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله الْآيَةَ انْتَهَى، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ. وَأَمَّا خَالِدٌ فَكَانَ مُتَأَوِّلًا بِإِجْزَاءِ مَا حَبَسَهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ الْعَبَّاسُ لِاعْتِقَادِهِ مَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ وَلِهَذَا عَذَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَالِدا وَالْعَبَّاس وَلم يعْذر ابن جميل(1101)
وعليه فما دفع العباس إلى المنع الظاهري إلا شيئين اختلف العلماء فيهما بناء على ما ورد من روايات.
-إن العباس عجل بإخراج زكاته عامين بناء على طلب من النبي صلى الله عليه وسلم حيث أسلفه زكاة عامين.
- إنه أخَّر الزكاة لحاجة ألمت به، وكلا الأمرين(1102) أو أحدهما مثبت لبراءة العباس مما قد ينسب إليه، وإليك البيان موجزاً.
- تعجيل أم تأجيل؟
تعددت الروايات الصحيحة المثبتة لهذا الأمر أو ذاك، فمن الروايات المثبتة للتعجيل. ما رواه مسلم حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا،
قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا» ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟»(1103)
فالرواية السابقة خلت من مسألة تجهم العباس، وساقت مبرر منعه الصدقة، وهو تعجيله بها قبل ذلك بدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم: هي علي ومثلها معها.
قال البيهقي معلقاً على رواية ورقاء: والذي رواه ورقاء دليل على أَنَّهُ - النبي صلى الله عليه وسلم - كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ(1104) .
على أنه توجد بعض الروايات الصحيحة التي لم يشر فيها أيضا من قريب ولا من بعيد إلى تجهم العباس، ولم ينص فيها على تعجيل العباس بصدقته، وإنما أشير فيها إلى عكس ذلك حيث أخر العباس الصدقة عامين بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة إليها.
فروى البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا» تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، «هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». تابعه ابن أبي الزناد عن أبيه. وقال ابن إسحق عن أبي الزناد (هي عليه ومثلها معها). وقال ابن جريج حدثت عن الأعرج بمثله(1105)
قال البيهقي معلقا على رواية ابن إسحق عن أبي الزناد: وَحَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَخَّرَ عَنْهُ الصَّدَقَةَ عَامَيْنِ مِنْ حَاجَةٍ بِالْعَبَّاسِ إِلَيْهَا(1106) .
وقال ابن حجر في عرض الآراء في هذه المسألة والترجيح بينها: قَوْله: (فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَمِثْلُهَا مَعَهَا) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْب، وَلَمْ يَقُلْ وَرْقَاء وَلَا مُوسَى بْن عُقْبَة «صَدَقَة» فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَكُونُ صلى الله عليه وسلم أَلْزَمُهُ بِتَضْعِيفِ صَدَقَتِهِ لِيَكُونَ أَرْفَع لِقَدْرِهِ وَأَنْبَهَ لِذِكْرِهِ وَأَنْفَى لِلذَّمِّ عَنْهُ، فَالْمَعْنَى فَهُوَ صَدَقَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ سَيَصَّدَّقُ بِهَا وَيُضِيفُ إِلَيْهَا مِثْلَهَا كَرَمًا، وَدَلَّتْ رِوَايَة مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم اِلْتَزَمَ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ «فَهِيَ عَلَيَّ»
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى سَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ «إِنَّ الْعَمَّ صِنْو الْأَب» تَفْضِيلًا لَهُ وَتَشْرِيفًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تُحْمَلُ عَنْهُ بِهَا فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ رِوَايَة «عَلَيَّ» وَرِوَايَة «عَلَيْهِ» بِأَنَّ الْأَصْلَ رِوَايَة «عَلَيَّ» وَرِوَايَة «عَلَيْهِ» مِثْلهَا إِلَّا أَنَّ فِيهَا زِيَادَة هَاء السَّكْت حَكَاهُ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ اِبْن نَاصِر.
وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ «عَلَيَّ» أَيْ: هِيَ عِنْدِي قَرْض لِأَنَّنِي اِسْتَسْلَفْت مِنْهُ صَدَقَة عَامَيْنِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْره مِنْ حَدِيثٍ عَلِيٍّ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَال، وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْن طَلْحَة أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إِنَّا كُنَّا اِحْتَجْنَا فَتَعَجَّلْنَا مِنْ الْعَبَّاس صَدَقَة مَالِهِ سَنَتَيْنِ» وَهَذَا مُرْسَل، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا مَوْصُولًا بِذِكْرِ طَلْحَة فِيهِ وَإِسْنَادُ الْمُرْسَلِ أَصَحُّ، وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عُمَر سَاعِيًا، فَأَتَى الْعَبَّاس فَأَغْلَظَ لَهُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ الْعَبَّاس قَدْ أَسْلَفَنَا زَكَاة مَالِهِ الْعَامَ، وَالْعَامَ الْمُقْبِلَ» وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْف، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِع نَحْوَ هَذَا وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضًا، وَمِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَعَجَّلَ مِنْ الْعَبَّاس صَدَقَتَهُ سَنَتَيْنِ» وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّد بْن ذَكْوَانَ وَهُوَ ضَعِيف، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ رَافِعًا لِلْإِشْكَالِ وَلَرَجَحَ بِهِ سِيَاق رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ قِصَّة التَّعْجِيل إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي وَقْتٍ غَيْر الْوَقْتِ الَّذِي بَعَثَ فِيهِ عُمَرَ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ،
وَلَيْسَ ثُبُوت هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي تَعْجِيل صَدَقَة الْعَبَّاس بِبَعِيدٍ فِي النَّظَرِ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى اِسْتَسْلَفَ مِنْهُ قَدْر صَدَقَة عَامَيْنِ؛ فَأَمَرَ أَنْ يُقَاصَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتُبْعِدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَقَعَ لَكَانَ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْعَبَّاس، وَلَيْسَ بِبَعِيد. وَمَعْنَى «عَلَيْهِ» عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ أَيْ: لَازِمَة «لَهُ» وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْبِضُهَا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ حَرَام لِكَوْنِهِ مَنْ بَنِي هَاشِم، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ رِوَايَةَ الْبَابِ عَلَى ظَاهِرِهَا فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِم، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ اِبْن خُزَيْمَة بِلَفْظ «فَهِيَ لَهُ» بَدَلَ «عَلَيْهِ» وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: اللَّامُ هُنَا بِمَعْنَى عَلَى لِتَتَّفِق الرِّوَايَاتُ(1107) وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الْمَخْرَجَ وَاحِد، وَإِلَيْهِ مَالَ اِبْنُ حِبَّانَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا فَهِيَ لَهُ أَيْ: الْقَدْر الَّذِي كَانَ يُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُخْرِجَهُ لِأَنَّنِي اِلْتَزَمْت عَنْهُ بِإِخْرَاجِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَخَّرَهَا عَنْهُ ذَلِكَ الْعَامَ إِلَى عَامٍ قَابِلٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَقَة عَامَيْنِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْد، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ اِسْتَدَانَ حِينَ فَادَى عَقِيلًا وَغَيْرَهُ فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ فَسَاغَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاة بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَأَبْعَدُ الْأَقْوَالِ كُلّهَا قَوْل مَنْ قَالَ: كَانَ هَذَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ التَّأْدِيب بِالْمَالِ، فَأَلْزَمَ الْعَبَّاس بِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ ضِعْفَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِعَظَمَةِ قَدْرِهِ وَجَلَالَتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) الْآيَة(1108)
وقد حاول البيهقي الجمع بين الروايات خروجاً من هذه الحيرة وانتصاراً للرأي القاضي بالتعجيل فقال: وَقَدْ يُقَالُ لَهُ بِمَعْنَى عَلَيْهِ فَرِوَايَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى سَائِرِ الرِّوَايَاتِ وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَهِيَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ وَرْقَاءَ.
ثم انتهى من ذلك إلى قوله:
وَرِوَايَةُ وَرْقَاءَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِمُوَافَقَتِهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الرِّوَايَاتِ الصَّرِيحَةِ بِالِاسْتِسْلَافِ وَالتَّعْجِيلِ وَاللهُ أَعْلَمُ(1109) .
وسواء أعجل العباس بصدقته وأسلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أخرها بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة نزلت به، فإن وجه المنع المجرد بلا تسويغ منتف عن العباس، وعليه فيعذر العباس لمنعه، وعمر لمطالبته العباس بصدقته لعدم علمه بما كان، وما أن وصل الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم إلا وفصل فيه الخطاب كما أسلفنا.
وعليه فلا وجه لأي من الاستشكالين الواردين على حادثة تصدُّق العباس، لا من جهة سوء العلاقة مع عمر، ولا من جهة جحود الزكاة والشح بها.
5 - إجبار عمر للعباس ليزوِّجه من أمِّ كلثوم بنت علي
تقرير الشبهة
استمراراً لمسلسل الشبهات الواردة حول العلاقة بين عمر والعباس رضي الله عنهما ، روت بعض المصادر تهديد عمر للعباس وإكراهه إياه على أن يزوجه أم كلثوم بنت علي، وأن يقنع أباها بهذا الزواج وإلا نكَّل بهما، وانتزع من العباس سقايته.
- ورد في الكافي: عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (ع) قال: لما خطب إليه قال له أمير المؤمنين: إنها صبية، قال: فلقي العباس فقال له: مالي أبي بأس؟ قال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردني أما والله لأعورن(1110) زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلا هدمتها ولأقيمن عليه شاهدين بأنه سرق ولأقطعن يمينه، فأتاه العباس فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه فجعله إليه(1111) .
وروى القطب الراوندي في الخرائج وعنه المجلسي في البحار عن الصفار، عن أبي بصير، عن جذعان بن أبي نصر، عن محمد بن مسعدة عن محمد بن حمويه بن إسماعيل، عن أبي عبد الله الربيبي، عن عمر بن أذينة قال:
قيل لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يحتجون علينا ويقولون: إن أمير المؤمنين عليه السلام زوَّج فلاناً عمر ابنته أم كلثوم، وكان متكئاً فجلس، وقال: أيقولون ذلك؟ إن قوماً يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل، سبحان الله ما كان يقدر أمير المؤمنين عليه السلام أن يحول بينه وبينها فينقذها؟! كذبوا ولم يكن ما قالوا، إن فلانا ًخطب إلى علي عليه السلام بنته أم كلثوم فأبى علي عليه السلام، فقال للعباس: والله لئن لم تزوجني لانتزعن منك السقاية وزمزم، فأتى العباس علياً فكلمه، فأبى عليه، فألح العباس، فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام مشقة كلام الرجل على العباس وأنه سيفعل بالسقاية ما قال أرسل أمير المؤمنين عليه السلام إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال لها: سحيفة بنت جريرية، فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم، وبعث بها إلى الرجل، فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوماً فقال: ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس فقتل وحوت الميراث وانصرفت إلى نجران، وأظهر أمير المؤمنين عليه السلام أم كلثوم»(1112)
هاتان الروايتان وغيرهما مما يدور في فلكهما تحويان إشارة على سوء العلاقة بين عمر والعباس رضي الله عنهما ، بل وعلى استذلال عمر للعباس رضي الله عنهما ، وإكراهه على إقناع علي بتزويج عمر من ابنته.
* الرد:
وعند الرد على تلك الفرية الظالمة والشبهة الساقطة يتبين لنا أن الرواية التي ساقها الكليني في كافيه لا ذكر لها من قريب ولا من بعيد عند أهل السنة.
وفي سندها هشام بن سالم، ورغم أنهم وثقوه(1113) ، إلا أنه أحد الشكاك المتحيرين، وأحد من روى عن الإمام الصادق - كذباً وزوراً - ما يفيد بتحريف القرآن(1114) .
ويضاف
إليه تضعيف المفيد لتلك الحادثة، بل وكل ما يفيد معناها، بناء على أصل ثابت عنده يتقرر بعدم صحة زواج عمر من أم كلثوم.
قال المفيد: إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر غير ثابت، وطريقه من الزبير بن بكار، ولم يكن موثوقاً به في النقل، وكان متهماً، فيما يذكره، وكان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام، وغير مأمون فيما يدعيه على أبي هاشم. وإنما نشر الحديث إثبات أبي محمد الحسن بن يحيى صاحب النسب ذلك في كتابه، فظن كثير من الناس أنه حق لرواية رجل علوي له، وهو إنما رواه عن الزبير بن بكار.
والحديث بنفسه مختلف، فتارة يروى: أن أمير المؤمنين عليه السلام تولى العقد له على ابنته. وتارة يروى أن العباس تولى ذلك عنه. وتارة يروى: أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم. وتارة يروى أنه كان عن اختيار وإيثار...
ويستمر المفيد في عرض تناقضات مروياتهم واختلافها في زواج عمر من أم كلثوم إلى أن يصل إلى قوله: وبدو هذا الاختلاف فيه يبطل الحديث، فلا يكون له تأثير على حال(1115) .
ولسنا هنا بصدد التعقيب على كلام المفيد، وبخاصة فيما يتعلق
بردِّ مسألة زواج عمر من أم كلثوم، فهذه مسألة ثابتة وأقرَّ بها كثير من علماء طائفته(1116) وكذا أثبتها علماء أهل السنة، إلا أن محلّ إيرادنا لكلامه أنه لا يقنع بصحة الأخبار الناقلة لهذا الزواج من أساسها ومنها رواية الكليني سالفة الذكر، التي كانت مورداً لشبهة سوء العلاقة بين عمر والعباس رضي الله عنهما.
- أما عن رواية القطب الراوندي في الخرائج والمجلسي في البحار، فما ورد فيها ساقط لا يلتفت إليه، فالرواية أولاً ضعيفة السند حتى على أصول من رواها، كما أنها مخالفة لبدهيات العقول، وللثابت تاريخياً.
أما عن كونها ضعيفة السند، ففي سندها: «جذعان بن أبي نصر»، قال عنه الشاهرودي: جذعان بن أبي نصر البرقي: لم يذكروه(1117) وهذا يعني أنه لم يرد فيه جرح أو تعديل. فهو مجهول الحال، ومن هذا حاله لا تقبل
روايته(1118)
وفيها «محمد بن مسعدة». قال الشاهرودي: محمد بن مسعدة: لم يذكروه. له رواية شريفة رواها عنه جذعان بن نصر(1119) .
ومحمد بن حمويه بن إسماعيل، قال عنه الشاهرودي في المستدركات: لم يذكروه(1120) .
فالرواية ضعيفة السند على أصول من رواها، ناهيك عن غرابة متنها ونكارته، حيث إنه إلى الأساطير أقرب منه إلى الواقع، وعليه فلا يصح الاحتجاج بها، ولا بغيرها مما يدور في فلكها.
أما عن مخالفتها للثابت تاريخياً: فلم يرد تهديد عمر للعباس أو علي رضي الله عنهم، أو إكراهه لهما على تزويجه من أم كلثوم في أي مرجع من مراجع السنة، بل الوارد أن عمر طلب أم كلثوم من أبيها، وعلل رغبته بحرصه على أن يكون له سبب ونسب بالنبي صلى الله عليه وسلم.
أخرج الطبراني بسنده، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَسَارَّهُ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَجَاءَ الصُّفَّةَ، فَوَجَدَ الْعَبَّاسَ وَعَقِيلًا وَالْحُسَيْنَ، فَشَاوَرَهُمْ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ كُلْثُومٍ عُمَرَ، فَغَضِبَ عَقِيلٌ: وَقَالَ: يَا عَلِيُّ مَا تَزِيدُكَ الْأَيَّامُ وَالشُّهورُ وَالسِّنُونَ إِلَّا الْعَمَى فِي أَمْرِكَ، وَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَيَكُونَنَّ وَلَيَكُونَنَّ لِأَشْيَاءَ عَدَدُهَا. وَمَضَى يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَقَالَ عَلَيٌّ لِلْعَبَّاسِ: وَاللهِ مَا ذَاكَ مِنْهُ نَصِيحَةٌ، وَلَكِنَّ دِرَّةَ عُمَرَ
أَخْرَجَتْهُ إِلَى مَا تَرَى، أَمَا وَاللهِ مَا ذَاكَ رَغْبَةً فِيكَ يَا عَقِيلُ، وَلَكِنْ قَدْ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَبَبِي ونَسَبي»(1121)
وأخرج الحاكم بسنده عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، خَطَبَ إِلَى عَلِيٍّ رضي الله عنهما أُمَّ كُلْثُومٍ. فَقَالَ: أَنْكِحْنِيهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي أَرْصُدُهَا لِابْنِ أَخِي جَعْفَرٍ رضي الله عنه، فَقَالَ عُمَرُ: أَنْكِحْنِيهَا، فَوَاللهِ مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَرْصُدُ مِنْ أَبِيهَا مَا أَرْصُدُهُ، فَأَنْكَحَهُ، فَأَتَى عُمَرُ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: رَفِّئُونِي. فَقَالُوا: بِمَنْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لِأُمِّ كُلْثُومٍ ابْنَةِ عَلِيٍّ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ كُلَّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَسَبِي وَسَبَبِي». فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَسَبًا(1122) .
ونقل المجلسي في البحار ما روي عن ابن عمر قال: صعد عمر ابن الخطاب المنبر فقال: أيها الناس والله ما حملني على الإلحاح على علي بن أبي طالب في ابنته إلا أني سمعت رسول الله يقول: كل سبب ونسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري(1123) .
وأجمعت مصادر أهل السنة على زواج عمر من أم كلثوم بنت علي رغبة من عمر في نسب النبي صلى الله عليه وسلم، دون ذكر تهديد أو وعيد(1124) .
فلن تجد أحداً من أهل السنة ينكر زواج عمر من أم كلثوم على الإطلاق، ولم يرد أبداً في أي مرجعٍ من مراجع السنة ذكر هذا التهديد والإكراه من عمر، ثم لو فرضنا صحة هذا التهديد المزعوم أكان يقبله العباس وعلي؟ إن أراذل الناس يأبون أن يغصبوا في أعراضهم فكيف يظن بعلي وعمه أن يقبلا بذلك ويستسيغاه؟
إن ما دعا عمر إلى الزواج بأم كلثوم إلا الحرص على أن يكون له بالنبي صلى الله عليه وسلم سبب ونسب، وأي حرص على النسب يبقى مع التهديد والوعيد، والغصب والإكراه.
* تقرير وبيان (قلوب انصهرت على المحبة):
وعلى ضوء ما سبق فلم يكن بين عمر والعباس رضي الله عنهما إلا المودة والمحبة التي سادت أجواءهما وامتلأت بها قلوبهما، وشهدت بها نصوص كثيرة وروايات عديدة منه.
ويكفينا أن نعلم أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمْ يَمُرَّ قط بِعُمَرَ بن الخطاب وَلا بِعُثْمَانَ بن عفان وَهُمَا رَاكِبَانِ إِلا نَزَلا حَتَّى يَجُوزَ الْعَبَّاسُ بهما إِجْلالا لَهُ أن يمرَّ بهما عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما راكِبان وهو يمشي(1125) .
وها هو عمر يخاطب العباس يوماً معرباً له عن حبه، وكاشفاً له عن ودّه، مَهْلًا يَا عَبَّاسُ، فَوَاللهِ لَإِسِلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ(1126) .
ولَمَّا دَوَّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابَ الدِّيوَانَ، كَانَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِهِ فِي
الْمَدْعَى بَنِي هَاشِمٍ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ بَنِي هَاشِمٍ يُدْعَى الْعَبَّاسَ بْنَ عبد المطلب في ولاية عمر وعثمان(1127)
ولم تكن هذه المواقف العمرية في تقدير المكانة العباسية مجرد شعار لا حظَّ له من الواقع، بل كانت واقعاً معاشاً، ومنهجاً مطبَّقاً.
فها هو عُمَرُ لَمَّا اسْتُخْلِفَ وَفُتِحَ عَلَيْهِ الفُتُوْحُ جَاءهُ مَالٌ فَفَضَّلَ المُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارَ؛ فَفَرَضَ لِمَنْ شَهِدَ بَدْراً خَمْسَةَ آلاَفٍ خَمْسَةَ آلاَفٍ، وَلِمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا وَلَهُ سَابِقَةٌ أَرْبَعَةُ آلاَفٍ أَرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً(1128) .
ولقد بيَّن الفاروق رضي الله عنه للأمة بعامة فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته من سيد الخلق ووضح ذلك وضوحاً كاملاً، فقد روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك قال: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْن(1129) .
ففي هذا الأثر عن الفاروق رضي الله عنه بيان لفضل العباس بن عبد المطلب، كما تضمن أيضاً فضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه.
والمراد بتوسل عمر رضي الله عنه بالعباس بدعائه لا بذاته إذ التوسل بدعاء أهل الصلاح والفضل نوع من أنواع التوسل المشروع(1130) .
ولم يكن العباس بعيداً عن ذلك، فقد بادل عمر حباً بحب، وودّاً بودّ، وتقديراً بتقدير؛ فنراه يخرج بصحبة الفاروق في فتح بيت المقدس، ونراه كذلك يدل القوم ليسلِّموا عليه، بعد أن ظنّوه عمر(1131) .
وقد توج العباس رضي الله عنه هذا كله بما رواه أحمد في الفضائل بسنده عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ كَانَ لِي جَارًا فَكَانَ لَيْلَهُ قِيَامٌ، وَنَهَارَهُ صِيَامٌ، وَفِي حَوَائِجِ النَّاسِ، قَالَ: فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُرِينِيهِ فِي الْمَنَامِ، فَأَرَانِيهِ رَأْسَ الْحَوْلِ وَهُوَ جَاءٍ مِنَ السُّوقِ مُسْتَحْيِيًا
فَقُلْتُ: مَا صُنِعَ بِكَ أَوْ مَا لَقِيتَ؟ قَالَ: فَقَالَ: كَادَ عَرْشِي أَنْ يَهْوَى لَوْلَا أَنْ لَقِيتُ رَبًّا رَحِيمًا»(1132)
وأخرج ابن سعد في طبقاته بسنده عن عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: «كَانَ عُمَرُ لِي خَلِيلًا، وَإِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ لَبِثْتُ حَوْلًا أَدْعُو اللهَ أَنْ يَرِيَنِيهِ فِي الْمَنَامِ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبْهَتِهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: هَذَا أَوَانُ فَرَغْتُ، وَإِنْ كَادَ عَرْشِي لَيُهَدُّ لَوْلَا أَنِّي لَقِيتُ رَبِّي رَؤُوفًا رَحِيمًا(1133) .
إن هذه النصوص شاهدة بمكانة العباس رضي الله عنه لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وناطقة بتوقير عمر للعباس وثنائه عليه، وكذا مكانة عمر عند العباس وقربه منه، بما يدحض أي فرية ويرد أي طعن في نحر من يتخرَّص به.
كانت هذه بعض الإشكالات والشبهات التي قد تبدو لمن يطالع بتمعن سيرة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وما كتب حوله، قصدت من ذكرها الإجابة على ما ورد فيها؛ دفاعاً عن عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، وتبرئة لساحته من الذامين والغالين على السواء.
الخاتمة
وبعد:
فكان ما سبق تطوافاً متأنياً ومتفحصاً في سيرة العباس بن عبد المطلب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حاولت من خلاله ألا يقتصر على العرض التأريخي المجرد لسيرة عم النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يزيد عليه التبحر في شخصيته، ومحاولة استقراء معالمها وملامحها، والكشف عن بعض الغموض البادي لمن يطالع شخصية العباس، وكذا إيضاح بعض المشتبهات التي ألقت بظلالها على سيرة العباس، مع رد بعض الشبهات التي لحقت به، وكذا الإشكالات التي قد تعتري ذهن بعض من يتابع سيرته رضي الله عنه.
وإلى القارئ الكريم جملة من النتائج التي خلص إليها البحث في سيرة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه:
ندرة الكتب المخصصة بشأن العباس وسيرته رضي الله عنه، بل وخلو المكتبة الإسلامية المعاصرة في الغالب من كتب خصصت للعباس، وقد بحثت وسع جهدي فلم أظفر من ذلك إلا بمؤلف قديم في فضائل
العباس للسمرقندي.
* إن العباس بن عبد المطلب كان ذا شخصية متميزة، يغلب عليها طابع السيادة بكل ما تحمله من معان وما ينضوي تحتها من مهام ومسئووليات.
* إن مسألة توقيت إسلام العباس شكَّلت لغزاً حيَّر كثيراً من العلماء، لدرجة صعب معها الترجيح، فلم يتمكن العلماء في الغالب من الجزم والقطع فيها بشيء على جهة اليقين، غاية ما هنالك أنهم رجَّحوا بعض الأقوال من باب غلبة الظن. وقد خلص الباحث من هذه المسألة إلى:
- إن أغلب أقوال العلماء تشير إلى إسلام العباس رضي الله عنه بعد بدر، على اختلاف في التحديد الزمني لهذه البعدية.
- إن الباحث يرى أنه يمكن أن يكون إسلام العباس مرَّ بمراحل ثلاث: أسلم سراً في مكة، وأعلن إسلامه للنبي صلى الله عليه وسلم بعد بدر، واستكتم الأمر لمصلحة راجحة، ثم أعلن إسلامه للجميع قبيل فتح مكة لانتفاء مستلزم السرية.
* إن العلماء اختلفوا أيضاً في تحديد توقيت هجرة العباس رضي الله عنه، وإن كان الأرجح أن هجرته تأخرت إلى ما قبيل الفتح وهو ما أيده الذهبي وما يظهر من كلام ابن حجر.
ثبتت مشاركة العباس في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، وفي حنين ويوم الطائف، وفي تبوك، كما شارك في فتح
بيت المقدس في خلافة عمر.
* إن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بايع الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وارتضى خلافتهم، وما كان له موقف معارض لبيعتهم. ولا عبرة بما أشاعه البعض من رفض العباس لبيعة أبي بكر رضي الله عنهما وما تلاها؛ لمعارضته الوقائع التاريخية التي أيدتها صحيح الروايات.
* بطلان ما ذهبت إليه الراوندية من النصّ على إمامة العباس، مع كونه أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسباً ممن تولاها؛ وذلك لعدم توافر شرطها الأساسي فيه، وهو السبق إلى الإسلام؛ ولذا أيضاً لم يكن من أصحاب الشورى مع فضله ومكانته.
* إن العلاقة بين عمر والعباس رضي الله عنهما غمرتها المحبة وَسادَتْها المودة، وتوجت بنصوص لا تقبل الشك في ثناء كل منهما على الآخر.
* بطلان ما ذهب إليه حسن المالكي في كتابه الصحبة والصحابة من تفرقة مزعومة بين الصحبة بمعناها الشرعي وقصرها على من أسلم قبل الحديبية، والصحبة بمعناها العام، ويدخل فيها من أسلم بعد الحديبية، وتنزيل نصوص الثناء والمدح والفضل على الأولى منهما دون الأخرى.
بطلان ما ذهب إليه بعض الغلاة من جبن العباس وذلته، حيث كان رضي الله عنه من أعز قريش، وكان من القلائل الذين حظوا بمكانة سامقة ومنزلة رفيعة في الجاهلية
والإسلام.
* إنه رغم تأخر إسلام العباس نسبياً إلا أنه لم يكن من الطلقاء - كما زعم الزاعمون -.
كانت هذه بعض النتائج التي انتهى إليها البحث في سيرة عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
هذا والمجال رحب لمن يريد دراسة سيرة عم النبي العباس من جوانب أخرى قد يكون أهملها البحث، والذي يعد خطوة على الطريق، نسأل الله تعالى أن تكون خالصة لوجهه الكريم، كما نسأله - تعالى - المثوبة عليها -.
وفي النهاية فإن واجب الوفاء والعرفان ليقتضي أن أنسب الفضل لأهله، وأقدم الشكر لمستحقيه عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾(1134) ولا يسعني إلا أن أتقدم بأسمى آيات الشكر إلى إخواني الكرام في مبرة الآل والأصحاب فهم من كلَّف وأعان ويسَّر واستبشر.
وأخيراً: فهذا جهد المقل وهو عرضة للخطأ والصواب، ويعلم الله عز وجل أني لم أدخر وسعاً، فإن كنت قد وُفِّقت فهذا من فضل الله عز وجل وتوفيقه ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾(1135) وإن كان غير ذلك فحسبي أني
بشر أخطئ وأصيب، والكمال لله عز وجل وحده. ولا يخلو بحث من هنات وهفوات.
وأرجو أن يكون هذا الجهد المتواضع مقبولاً، خاتماً بقول السيوطي في نهاية نظمه عقود الجمان:
| زففتها لمن نهاه راجح | ومهرها منه الدعاء الصالح |
|---|---|
| عليّ إذا صرت قرين الرمس | تنفعني دعوته في بؤسي |
| والحمد لله على الإنعام | حمداً يفوق البدر في التمام |
| مصلياً على نبي قد علت | أوصافه بين الورى وكملت |
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والله ولي التوفيق
فهرس المصادر والمراجع
الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير: أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الهمذاني الجورقاني، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض المملكة العربية السعودية، ومؤسسة دار الدعوة التعليمية الخيرية، الهند، ط: 4، سنة 1422ه 2002م. الإبهاج في شرح المنهاج: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي وولده تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، سنة 1416ه 1995م. الآحاد والمثاني: أبو بكر حمد بن عمرو بن الضحاك، ابن أبي عاصم، تحقيق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة، الناشر: دار الراية الرياض، ط: 1، سنة1411ه 1991م. الاحتجاج على أهل اللجاج: أحمد بن أبى طالب الطبرسي، تحقيق: محمد باقر الخرساني، الناشر: دار النعمان، النجف، بدون. الأحكام السلطانية والولايات الدينية: أبو الحسن علي بن محمد البصري البغدادي، الشهير بالماوردي، الناشر: المكتبة التوفيقية،
مصر، ط1: بدون. أحكام أهل الذمة: محمد بن أبي بكر بن أيوب، ابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف بن أحمد البكري شاكر بن توفيق العاروري، الناشر: رمادى للنشر الدمام، ط: 1، سنة 1418ه 1997م. الإحكام في أصول الأحكام: أبو الحسن علي بن محمد الآمدي، تحقيق: سيد الجميلي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط: 2، بدون. الإحكام في أصول الأحكام: علي بن حزم الأندلسي، الناشر: دار الآفاق الجديدة بيروت. أخبار الدولة العباسية: مؤلف أخبار الدولة العباسية مجهول، تحقيق: عبد العزيز الدوري، عبد الجبار المطلبي، الناشر: دار الطليعة، بيروت. أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه: أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن العباس المكي الفاكهي، تحقيق: د. عبد الملك عبد الله دهيش، الناشر: دار خضر بيروت، ط: 2، سنة 1414 ه. أخبار مكة وما جاء فيها من الأثار: أبو الوليد محمد بن عبد الله ابن أحمد الغساني المكي، المعروف بالأزرقي، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، الناشر: دار الأندلس للنشر بيروت. الاختصاص: محمد بن محمد بن النعمان، المفيد: جامعة المدرسين، قم، بدون. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: أبو العباس أحمد بن محمد ابن أبى بكر، القسطلاني، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، ط: 7، سنة 1323ه.
إرشاد القلوب المنجي مَن عمل به من أليم القلوب: الحسن بن أبي الحسن الديلمي، تحقيق: هاشم الميلاني، دار الأسوة للطباعة والنشر، ط: 2، سنة 1424ه. أسباب نزول القرآن: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، النيسابوري، تحقيق: عصام الحميدان، الناشر: دار الإصلاح الدمام، ط: 2، سنة 1412ه 1992م. أسد الغابة في معرفة الصحابة: أبو الحسن علي بن أبي الكرم الجزري، عز الدين ابن الأثير، نشر: دار الكتب العلمية، ط: 1، سنة 1415ه 1994 م. أسد الغابة في معرفة الصحابة: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد، الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير، تحقيق: علي محمد معوض عادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية، ط: 1، سنة 1415ه 1994 م. الأسماء والصفات للبيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، البيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، الناشر: مكتبة السوادي، جدة المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1413ه 1993م. الأسماء والصفات: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، الناشر: مكتبة السوادي، جدة المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1413ه 1993م. أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه (شخصيته وعصره دراسة شاملة): عَلي محمد الصَّلاَّبي، الناشر: مكتبة الصحابة، الشارقة الإمارات، سنة 1425ه 2004 م.
أصول مذهب الشيعة الإثنى عشرية عرض ونقد: ناصر بن عبد الله القفاري، ط: 5، سنة 1415ه 1994م. الأصيلي في أنساب الطالبين: ابن الطقطقي الحسني، تحقيق: مهدي الرجائي، نشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي قم، سنة 1418ه. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: أبو عبد الله محمد بن عمر ابن الحسن الرازي، الملقب بفخر الدين الرازي، تحقيق: علي سامي النشار، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. أعلام النبوة: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي، الناشر: دار ومكتبة الهلال بيروت، ط: 1، سنة 1409ه. الأعلام: خير الدين بن محمود بن محمد، الزركلي الدمشقي، الناشر: دار العلم للملايين، ط: 15، مايو سنة2002م. أعيان الشيعة: محسن الأمين، الناشر: مطبعة ابن زيدون دمشق، بدون. الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني، الناشر: دار الفكر بيروت، الطبعة الثانية. الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء: أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي الحميري، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1، سنة1420 ه. إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال: أبو عبد الله علاء الدين مغلطاي بن قليج المصري الحكري الحنفي، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن
محمد أبو محمد أسامة بن إبراهيم، الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط: 1، سنة 1422ه 2001م. الأمالي: محمد بن الحسن الطوسي، الناشر: دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع قم ط: 1، سنة1414ه. أنباء نجباء الأبناء: محمد بن ظفر، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، الناشر: دار الآفاق الجديدة بيروت، سنة 1980م. الانتصار للصحابة الأخيار في رد أباطيل حسن المالكي: عبد المحسن بن حمد، العباد البدر، الناشر: دار ابن القيم، الدمام، المملكة العربية السعودية، دار ابن عفان، القاهرة، مصر، ط: 2، سنة 1423ه. أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي): ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر، الشيرازي البيضاوي، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، ط: 1، سنة 1418ه. أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء: قاسم بن عبد الله بن أمير علي القونوي الرومي الحنفي، تحقيق: يحيى حسن مراد، الناشر: دار الكتب العلمية، سنة 1424ه 2004م. الباعث الحثيث: أبو الفداء إسماعيل بن كثير، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط: 2، بدون. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: محمد باقر المجلسي، الناشر: مؤسسة الوفاء بيروت، لبنان، ط: 2، سنة 1403ه 1983م. البحر المحيط في أصول الفقه: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن
عبد الله بن بهادر الزركشي، الناشر: دار الكتبي، ط: 1، سنة 1414ه 1994م. البدء والتاريخ: المطهر بن طاهر المقدسي، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، بور سعيد، بدون. البداية والنهاية: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، الناشر: دار الفكر، سنة 1407ه 1986م. بدر الكبرى المدينة والغزوة: محمد عبده يماني، منشور ضمن سلسلة كتاب المجلة العربية، عدد165، سنة1431ه. البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري، ابن الملقن، تحقيق: مصطفى أبو الغيط وآخرون، الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع الرياض السعودية، ط: 1، سنة 1425ه 2004م. البرصان والعرجان والعميان والحولان: أبو عثمان عمرو بن بحر ابن محبوب الليثي، الشهير بالجاحظ، الناشر: دار الجيل، بيروت، ط: 1، سنة 1410 ه. البرهان في تفسير القرآن: هاشم البحراني، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية بمؤسسة البعثة، الناشر: مؤسسة البعثة قم. بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب: للألوسي. ط3: القاهرة، بدون. تاج العروس من جواهر القاموس: أبو الفيض محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية، بدون.
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، تحقيق: عمر عبد السلام التدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، ط: 2، سنة 1413ه 1993م. تاريخ الخلفاء: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، تحقيق: حمدي الدمرداش، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، ط: 1، سنة 1425ه 2004م. تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس: حسين بن محمد بن الحسن الدِّيار بَكْري، الناشر: دار صادر بيروت، بدون. التاريخ الكبير: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان، بدون. تاريخ المدينة لابن شبة: أبو زيد عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، طبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد جدة، سنة 1399 ه تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب، دار صادر بيروت، بدون. تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي، تحقيق: الدكتور بشار عواد، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، ط: 1، سنة 1422ه 2002م. تاريخ دمشق: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، سنة 1415ه 1995م.
تثبيت دلائل النبوة: القاضى عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، دار المصطفى القاهرة، بدون. التحرير الطاووسي: حسن بن زين الدين العاملي، تحقيق: فاضل الجواهري، الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم، ط: 1، سنة1411ه. تحرير ألفاظ التنبيه: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق: عبد الغني الدقر، الناشر: دار القلم دمشق، ط: 1، سنة 1408ه. التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن، السخاوي، الناشر: الكتب العلميه، بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1414ه 1993م. التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد، السخاوي، الناشر: الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1414ه 1993م. تحفة المحتاج في شرح المنهاج: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى بمصر، سنة 1357ه 1983م. تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، الناشر: دار ابن خزيمة الرياض، ط: 1، سنة 1414ه. تصحيح اعتقادات الإمامية: محمد بن محمد بن النعمان، المفيد، تحقيق: حسين درگاهي، الناشر: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان، ط: 2، سنة 1414ه 1993م.
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: د. إكرام الله إمداد الحق، الناشر: دار البشائر بيروت، ط: 1، سنة 1996م. التعديل والتجريح، لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح: أبو الوليد سليمان بن خلف القرطبي الباجي الأندلسي، تحقيق: أبو لبابة حسين، الناشر: دار اللواء للنشر والتوزيع الرياض، ط: 1، سنة 1406 1986م. تفسير البغوي= معالم التنزيل في تفسير القرآن: أبو محمد الحسين ابن مسعود البغوي، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط: 4، سنة 1417ه 1997م. التفسير الصافي: الفيض الكاشاني، تحقيق: حسين الأعلمي، الناشر: مكتبة الصدر طهران، ط: 2، سنة 1416ه. تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن: أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان ط: 1، سنة 1422ه 2001م. تفسير العياشي: محمد بن مسعود العياشي، تحقيق: الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، الناشر: المكتبة العلمية الإسلامية طهران. تفسير القرآن العظيم (ابن كثير): أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، نشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون بيروت، ط: 1 سنة 1419 ه. تفسير القرآن العظيم: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، ابن أبي حاتم الرازي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز المملكة العربية السعودية، ط: 3، سنة 1419ه.
تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمي، تحقيق: طيب الجزائري، الناشر: مؤسسة دار الكتب قم، ط: 3، سنة 1404ه. تفسير الماوردي النكت والعيون: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان، بدون. تفسير مجاهد: أبو الحجاج مجاهد بن جبر التابعي المكي القرشي المخزومي، تحقيق: الدكتور محمد عبد السلام أبو النيل، الناشر: دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر، ط: 1، سنة 1410 ه 1989م. تفسير مقاتل بن سليمان: أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى، تحقيق: عبد الله محمود شحاته، الناشر: دار إحياء التراث بيروت، ط: 1، سنة 1423 ه. تقريب التهذيب: أبو الفضل أحمد بن علي، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عوامة، الناشر: دار الرشيد سوريا، ط: 1، سنة 1406ه 1986م. تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب، الباقلاني المالكي، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، ط: 1، سنة 1987م. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: أبو عمر يوسف بن عبد الله، ابن عبد البر القرطبي، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، سنة 1387ه. تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة: نور الدين،
علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن الكناني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، عبد الله محمد الصديق الغماري، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1، سنة 1399ه. تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن الطوسي، الناشر: دار الكتب الإسلامية طهران، ط: 4، سنة 1365ه. تهذيب الأسماء واللغات: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، بدون. تهذيب التهذيب: أبو الفضل أحمد بن علي، ابن حجر العسقلاني، الناشر: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة: ط: 1، سنة 1326ه. تهذيب الكمال في أسماء الرجال: أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، تحقيق: بشار عواد معروف، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت ط: 1، سنة 1400ه 1980م. الثاني من الأفراد: أبو الحسن علي بن عمر، الدارقطني، الناشر: مخطوط نُشر في برنامج جوامع الكلم المجاني التابع لموقع الشبكة الإسلامية، ط: 1، سنة 2004م. الثقات: أبو حاتم محمد بن حبان، التميمي، الدارمي، الناشر: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، ط: 1، سنة 1393ه 1973م. جامع الرواة: محمد بن على الأردبيلي، الناشر: مكتبة المحمدى قم، بدون. الجامع الكبير سنن الترمذي: أبو عيسى محمد
بن عيسى، الترمذي، تحقيق: بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، سنة 1998م. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه صحيح البخاري: أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، الناشر: دار طوق النجاة، ط: 1، سنة 1422ه. جامع بيان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، القرطبي تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1414ه 1994م. الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي، شمس الدين القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية القاهرة، ط: 2، سنة 1384ه 1964م. الجرح والتعديل: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد التميمي، ابن أبي حاتم الرازي، الناشر: طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط: 1، سنة1271ه 1952م. جمهرة اللغة: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين بيروت، ط: 1، سنة 1987م. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: علي بن حسن وآخرون، الناشر: دار العاصمة، السعودية، ط: 2، سنة 1419ه 1999م.
جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية (مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الرابع، القسم الأول): أبو سليمان عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي، الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية. جوامع السيرة النبوية: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، بدون. الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة: محمد بن أبي بكر التِّلمساني المعروف بالبُرِّي، نقحها وعلق عليها: د محمد التونجي، الناشر: دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع الرياض، ط: 1، سنة 1403 ه 1983 م. حاشية السندي على سنن ابن ماجه كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه، أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي التتوي، السندي، الناشر: دار الجيل بيروت، بدون طبعة، موافقة للطبعة رقم2، دار الفكر. حاشية السندي على سنن النسائي (مطبوع السنن): عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية حلب، ط: 2، سنة 1406 ه 1986م. حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني: أبو الحسن علي ابن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي، تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، الناشر: دار الفكر بيروت. الحكومة الإسلامية: روح الله الخميني، نشر مؤسسة تنظيم طبع ونشر تراث الإمام الخميني طهران، ط1: 1996م. حلية الأبرار: هاشم البحراني، تحقيق: غلام رضا البروجردي، الناشر: مؤسسة المعارف الإسلامية قم ايران، ط: 1، سنة1411ه.
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد، الأصبهاني، الناشر: دار السعادة مصر، سنة 1394ه 1974م. حوار مع فضل الله حول الزهراء: هاشم الهاشمي، الناشر: دار الهدى قم، ط: 2، سنة 1422ه. خاتمة المستدرك: ميرزا حسين النوري الطبرسي، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم ايران، ط: 1، سنة 1415ه. الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي، الناشر: مؤسسة الإمام المهدي قم، بدون. الخصال: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المعروف بالصدوق، جماعة المدرسين قم، ط: 2، سنة 1403ه. الخصائص الكبرى: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، بدون. خلاصة الأقوال: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، الناشر: المطبعة الحيدرية النجف، ط: 2، سنة 1381ه. الدر المنثور: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، الناشر: دار الفكر بيروت، بدون. الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: علي خان المدني الشيرازي، الناشر: منشورات مكتبة بصيرتي قم، سنة 1397ه. دفاعاً عن الآل والأصحاب: قسم الدراسات والبحوث بجمعية الآل والأصحاب بالبحرين، ط: 1، سنة 1431ه 2010م.
دلائل النبوة: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي تحقيق: عبد المعطي قلعجي، الناشر: دار الكتب العلمية، دار الريان للتراث، ط: 1، سنة 1408ه 1988م. ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر: عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون، تحقيق: خليل شحادة، الناشر: دار الفكر، بيروت ط: 2، سنة 140ه 1988م. ذخائر العقبى في مناقب ذوى القربى: محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري، الناشر: مكتبة القدسي القاهرة، عن نسخة: دار الكتب المصرية، ونسخة الخزانة التيمورية، سنة 1356ه. الذريعة إلى أصول الشريعة: أبو القاسم علي بن طاهر، الشريف المرتضى، تحقيق: أبو القاسم كرجي، طبعة دانشكاة طهران. الذريعة إلى تصانيف الشيعة: آقا بزرك الطهراني، الناشر: دار الأضواء بيروت، ط: 3، سنة 1403ه. رجال ابن الغضائري: أحمد بن الحسين الغضائري الواسطي البغدادي، تحقيق: محمد رضا الجلالي، الناشر: دار الحديث قم، ط: 1، سنة 1422ه. رجال ابن داود: ابن داود الحلي، تحقيق: محمد صادق آل بحر العلوم، الناشر: منشورات مطبعة الحيدرية النجف، سنة 1392ه 1972م. رجال الخاقاني: علي الخاقاني، تحقيق: السيد محمد صادق بحر العلوم، طبع ونشر مكتب الإعلام الإسلامي، ط: 2، سنة 1404ه. رجال الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: محمد باقر المجلسي، مطبعة بعثت قم، سنة 1403ه.
رجال الكشي: محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: محمد باقر المجلسي وآخرون، مطبعة بعثت قم، ط2: سنة 1403ه. رجال حول الرسول: خالد محمد خالد، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1421ه 2000م. رد المحتار على الدر المختار: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي، ابن عابدين، الناشر: دار الفكر بيروت، ط: 2، سنة 1412ه 1992م. رسالة في أصول الفقه: أبو علي الحسن بن شهاب بن الحسن، العكبريّ الحنبلي، تحقيق: د. موفق بن عبد الله بن عبد القادر، الناشر: المكتبة المكية مكة المكرمة، بدون. الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام: أبو القاسم السهيلي، تحقيق: عمر عبد السلام السلامي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: 1، سنة 1421ه 2000م. الروض الداني (المعجم الصغير): أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: محمد شكور محمود الحاج أمرير، الناشر: المكتب الإسلامي، دار عمار بيروت، عمان ط: 1، سنة 1405ه 1985م. روضات الجنات: محمد باقر الخونساري، طبعة طهران، ط: 2، سنة 1378ه. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد، الشهير بابن قدامة المقدسي، الناشر: مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، ط: 2، سنة 1423ه 2002م.
زاد المسير في علم التفسير: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، ط: 1، سنة 1422ه. زاد المعاد في هدي خير العباد: محمد بن أبي بكر بن أيوب، ابن قيم الجوزية، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط: 27، سنة 1415ه 1994م. سبل السلام: أبو إبراهيم عز الدين محمد بن إسماعيل بن صلاح ابن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، المعروف بالأمير، الناشر: دار الحديث، بدون طبعة وبدون تاريخ. سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد: محمد بن يوسف الصالحي الشامي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1414ه 1993م. السرائر: ابن إدريس الحلي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين قم، ط: 2، سنة 1410ه. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، الألباني، الناشر: مكتبة المعارف، الرياض، ط: 1، بدون. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، الألباني، الناشر: دار المعارف، الرياض المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1412ه 1992 م.
سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي: عبد الملك بن حسين بن عبد الملك العصامي المكي، تحققي: عادل أحمد عبد الموجود علي محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1، سنة 1419ه 1998م. السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية: مصطفى صادق الرافعي، دار البشير للثقافة والعلوم، بدون. السنة: أبو بكر بن أبي عاصم، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت ط: 1، سنة 1400ه. سنن ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ابن ماجه) تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، الناشر: دار الرسالة العالمية، ط: 1، سنة 1430ه 2009م. السنن الكبرى: أبو بكر أحمد بن الحسين، البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط: 1، سنة 1424ه 2003م. السنن الكبرى: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب، النسائي، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت ط: 1، سنة 1421ه 2001م. سير أعلام النبلاء: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، الناشر: دار الحديث القاهرة، سنة 1427ه 2006م. سير أعلام النبلاء: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف شعيب
الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط: 3، سنة 1405 ه 1985 م (تم الرجوع إليه مرة واحدة لزيادة ليست في طبعة دار الحديث). السيرة الحلبية إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون: أبو الفرج نور الدين علي بن إبراهيم، الحلبي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط: 2، سنة 1427ه. السيرة النبوية (من البداية والنهاية لابن كثير): أبو الفداء إسماعيل ابن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان، سنة 1395ه 1976م. السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: محمد بن محمد أبو شهبة، دار القلم، دمشق، سنة 1427ه. السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، مهدي رزق الله، طبع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات ط: 1، سنة 1412ه 1992م. السيرة النبوية: أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، الناشر: مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، ط: 2، سنة 1375ه 1955م. الشافي في الإمامة: أبو القاسم علي بن طاهر، الشريف المرتضى، الناشر: مؤسسة الصادق طهران، ط: 2، سنة 1410ه. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الناشر: دار طيبة السعودية ط: 8، سنة 1423ه 2003م.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الناشر: دار طيبة السعودية، ط: 8، سنة 1423ه 2003م شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المالكي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط: 1، سنة 1417ه 1996م. شرح السنة: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي دمشق، بيروت، ط: 2، سنة 1403ه 1983م. شرح الكوكب المنير: تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المعروف بابن النجار، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، الناشر: مكتبة العبيكان، ط: 2، سنة 1418ه 1997م. شرح المواقف: الشريف الجرجاني، الناشر: مطبعة السعادة القاهرة، ط1: سنة 1325ه 1907م شرح عمدة الفقه (من أول كتاب الصلاة إلى آخر باب آداب المشي إلى الصلاة): تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، ابن تيمية، تحقيق: خالد بن علي المشيقح، الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1418ه 1997م. شرح مختصر الروضة: أبو الربيع، نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط: 1، سنة 1407ه 1987م.
شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن: أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي المعروف ب ابن شاهين، تحقيق: عادل ابن محمد، الناشر: مؤسسة قرطبة للنشر والتوزيع، ط: 1، سنة 1415ه 1995م. شرح مشكل الآثار: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط: 1، سنة 1415ه، 1994م. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، الناشر: دار إحياء الكتب العربية، ط: 1، سنة 1378ه 1959م. الشريعة: أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن الرياض السعودية، ط: 2، سنة1420ه 1999م. شعب الإيمان: أبو بكر أحمد بن الحسين، البيهقي، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند ط: 1، سنة 1423ه 2003م. شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام: تقي الدين محمد بن أحمد بن علي، أبو الطيب المكي الحسني الفاسي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط: 1، سنة 1421ه 2000م. الصارم المسلول على شاتم الرسول: تقي الدين أبو العباس أحمد ابن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: الحرس الوطني السعودي، المملكة العربية السعودية، بدون.
الصحبة والصحابة: حسن بن فرحان المالكي، الناشر: مركز الدراسات التاريخية، ط2: 1425ه 2004م الصحيح من سيرة النبي الأعظم: جعفر مرتضى العاملي، الناشر: دار الحديث للطباعة والنشر قم ايران، ط: 1، سنة 1426ه. صحيح وضعيف سنن ابن ماجة: محمد ناصر الدين الألباني، مصدر الكتاب: برنامج منظومة التحقيقات الحديثية المجاني من إنتاج مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة بالإسكندرية. صحيح وضعيف سنن أبي داود: محمد ناصر الدين الألباني، مصدر الكتاب: برنامج منظومة التحقيقات الحديثية المجاني من إنتاج مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة بالإسكندرية. صحيح وضعيف سنن الترمذي: محمد ناصر الدين الألباني مصدر الكتاب: برنامج منظومة التحقيقات الحديثية المجاني من إنتاج مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة بالإسكندرية. صحيح وضعيف سنن النسائي: محمد ناصر الدين الألباني، مصدر الكتاب: برنامج منظومة التحقيقات الحديثية المجاني من إنتاج مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة بالإسكندرية. الضعفاء الكبير: أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المكتبة العلمية بيروت، ط: 1، سنة 1404ه 1984م. الضعفاء والمتروكون: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، المحقق: محمود إبراهيم زايد، الناشر: دار الوعي حلب، ط: 1، سنة 1396ه.
ضعيف الجامع الصغير وزيادته: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي، بدون. طبقات الحفاظ: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1، سنة 1403ه. طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال: السيد علي أصغر البروجردي، تحقيق: مهدي الرجائي، الناشر: مكتب آية الله المرعشي النجفي قم، ط: 1، سنة 1410ه. الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: ابن طاووس الحسني، طبعة الخيام قم، ط: 1، سنة 1371ه الطفل بين الوراثة والتربية: محمد تقي فلسفي، ترجمة: فاضل الحسيني الميلاني، مؤسسة العلمي بيروت. العقد الفريد: أبو عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه، المعروف بابن عبد ربه الأندلسي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1، سنة 1404ه. العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، الناشر: إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد، باكستان، ط: 2، سنة 1401ه 1981م. عمدة القاري شرح صحيح البخاري: أبو محمد محمود بن أحمد ابن موسى الغيتابى الحنفى، بدر الدين العينى، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت.
العمدة في محاسن الشعر وآدابه: أبو على الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: دار الجيل، ط: 5، سنة 1401ه 1981م. الفائق في غريب الحديث والأثر: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله، تحقيق: علي محمد البجاوي محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار المعرفة لبنان، ط: 2، بدون. الفتاوى الكبرى: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط: 1، سنة 1408ه 1987م. فتح الباري شرح صحيح البخاري: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة بيروت، سنة 1379ه. فتح الباري شرح صحيح البخاري: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، الحنبلي، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية المدينة النبوية. الحقوق: مكتب تحقيق دار الحرمين القاهرة، ط: 1، سنة 1417ه 1996م. فتح المغيث بشرح الفية الحديث للعراقي: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي، تحقيق: علي حسين علي، الناشر: مكتبة السنة مصر، ط: 1، سنة 1424ه 2003م. فتوح البلدان: أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُري، الناشر: دار ومكتبة الهلال بيروت، سنة 1988م.
فرق الشيعة: الحسن موسى النوبختي، سعد القمي، تحقيق: عبد المنعم الحنفي، الناشر: دار الرشاد القاهرة، ط: 1، سنة 1412ه 1992م. الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية: أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الأسفراييني، الناشر: دار الآفاق الجديدة بيروت، ط: 2، سنة 1977م. الفروق أنوار البروق في أنواء الفروق: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، طبع ونشر عالم الكتب، بدون. الْفِصَلَ في الملل والأهواء والنحل: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، الناشر: مكتبة الخانجي القاهرة، بدون رقم الطبعة وتاريخها. فضائل الخلفاء الأربعة وغيرهم: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني، تحقيق: صالح بن محمد العقيل، الناشر: دار البخاري للنشر والتوزيع، المدينة المنورة، ط: 1، سنة 1417ه 1997م. فضائل الصحابة: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ابن أسد الشيباني، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، ط: 1، سنة 1403ه 1983م. فضائل الصحابة: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ابن أسد الشيباني، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت ط: 1، سنة 1403 1983م. فقه السيرة النبوية: منير محمد الغضبان، الناشر: جامعة أم القرى، ط: 2، سنة 1413ه 1992 م.
فقه السيرة: محمد الغزالي السقا، نشر: دار القلم دمشق، تخريج الأحاديث: محمد ناصر الدين الألباني، ط: 1، سنة 1427 ه. الفهرست: محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: جواد القيومي، مؤسسة النشر الإسلامي قم، ط: 1. الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: محمد بن علي بن محمد الشوكاني المحقق: عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. قاموس الرجال: محمد تقي التستري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، ط: 1، سنة 1419ه. قواطع الأدلة في الأصول: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، تحقيق: محمد حسن الشافعي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط: 1، سنة 1418ه 1999م. قواعد الأحكام: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، ط: 1، سنة 1413ه. الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، تحقيق: محمد عوامة، أحمد محمد نمر الخطيب، الناشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية مؤسسة علوم القرآن، جدة، ط: 1، سنة 1413ه 1992م. الكافي في الأصول والفروع: محمد بن يعقوب الكليني، تحقيق: على أكبر غفاري، الناشر: دار الكتب الإسلامية، آخوندي، إيران، ط: 3، سنة 1388ه.
الكامل في ضعفاء الرجال: أبو أحمد بن عدي الجرجاني، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود علي محمد معوض، شارك في تحقيقه: عبد الفتاح أبو سنة، الناشر: الكتب العلمية بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1418ه 1997م. كتاب التعريفات: علي بن محمد بن علي الزين، الشريف الجرجاني، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1403ه 1983م. كتاب الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حماد الخزاعي المروزي، تحقيق: سمير أمين الزهيري، الناشر: مكتبة التوحيد القاهرة، ط: 1، سنة 1412ه. كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس الهلالي العامري، تحقيق: محمد باقر الأنصاري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي قم، بدون. كسر الصنم: نقض كتاب أصول الكافي للكليني، أبو الفضل بن الرضا البرقعي، منشورات رابطة أهل السنة في إيران، طبع دار البيارق الأردن، ط: 1، سنة 1419ه 1998م. كشاف القناع عن متن الاقناع: منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، تحقيق: لجنة متخصصة في وزارة العدل، الناشر: وزارة العدل المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1421ه 2000م. الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث: برهان الدين الحلبي أبو الوفا إبراهيم بن محمد الطرابلسي الشافعي، تحقيق: صبحي السامرائي، الناشر: عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية بيروت، ط: 1، سنة 1407ه 1987م.
كشف الخفاء ومزيل الإلباس: أبو الفداء إسماعيل بن محمد العجلوني الدمشقي، نشر المكتبة العصرية، تحقيق: عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي، ط: 1، سنة 1420ه 2000م. كشف الغمة في معرفة الأئمة: علي بن عيسى الإربلي، الناشر: دار الأضواء بيروت، ط: 2، سنة 1405ه 1985م. كشف المشكل من حديث الصحيحين: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب، الناشر: دار الوطن الرياض. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: علاء الدين علي بن حسام الدين البرهانفوري، الشهير بالمتقي الهندي، تحقيق: بكري حياني صفوة السقا، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط: 5، سنة 1401ه 1981م. الكنى والأسماء: أبو بِشْر محمد بن أحمد بن حماد، الأنصاري الدولابي الرازي، تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، الناشر: دار ابن حزم بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1421 ه 2000م. الكنى والأسماء: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: عبد الرحيم محمد أحمد القشقري، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1404ه 1984م اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي تحقيق: أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1، سنة 1417ه 1996م.
لسان العرب: أبو الفضل محمد بن مكرم بن على، ابن منظور، الناشر: دار صادر بيروت، ط: 3، سنة 1414 ه. لله وللحقيقة: علي آل محسن، دار الهادي، ط: 1، سنة 1425ه 2004م. لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي، الناشر: مؤسسة الخافقين ومكتبتها دمشق، ط: 2، سنة 1402ه 1982م. مآثر الإنافة في معالم الخلافة: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، الناشر: مطبعة حكومة الكويت الكويت، ط: 2، بدون تاريخ. المبسوط في فقه الإمامية: محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: محمد تقى الكشفي، الناشر: المكتبة المرتضوية، طهران 1387ه. المجدي في أنساب الطالبيين: على بن محمد العلوى العمري، تحقيق: الدكتور أحمد المهدوي الدامغاني، الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة قم، ط: 1، سنة 1409ه. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، سنة1414ه، 1994م. مجمع النورين: أبو الحسن المرندي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي قم، بدون.
مجمل اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس القزويني الرازي، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، ط: 2، سنة 1406ه 1986م. مجموع الفتاوى: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية سنة 1416ه 1995م. محاسن التأويل: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلميه بيروت، ط: 1، سنة 1418ه. المحبر: أبو جعفر محمد بن حبيب، البغدادي، تحقيق: إيلزة ليختن شتيتر، الناشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت. مخالفة الصحابي للحديث النبوي، عبد الكريم النملة، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، ط: 2، سنة1420ه 1999م. مختار الصحاح: زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الرازي، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية الدار النموذجية، بيروت صيدا، ط: 5، سنة 1420ه 1999م. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين، ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، ط: 3، سنة 1416ه
1996م. مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: محمد باقر المجلسي، الناشر: دار الكتب الإسلامية طهران، بدون. مرآة الكتب: علي بن موسى بن محمد شفيع التبريزي، تحقيق: محمد علي الحائري، الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي العامة قم، ط: 1، سنة 1414ه. المرتضى: أبو الحسن الندوي، المجمع الإسلامي العلمي، ط2: سنة 1424ه 2003م. مروج الذهب ومعادن الجوهر: أبو الحسن على بن الحسين المسعودي، تحقيق: أسعد داغر، نشر: دار الهجرة قم، سنة 1409ه. المرويات التاريخية عند المسلمين: خالد كبير علال، مبرة الآل والأصحاب بالكويت،، ط: 1، سنة 1431ه 2010م. المستجاد من كتاب الإرشاد: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، الناشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم، سنة 1406ه. مستخرج أبي عوانة: أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، الناشر: دار المعرفة بيروت، ط: 1، سنة 1419ه 1998م. مستدرك سفينة البحار: على النمازي الشاهرودي، تحقيق: حسن ابن على النمازي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي قم، ط: 1، سنة 1419ه. المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، ط: 1، سنة 1411 ه 1990م.
المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله محمد بن عبد الله، الحاكم النيسابوري، ط: 1، دار التأصيل القاهرة، سنة 1435ه 2014م. مستدركات علم رجال الحديث: علي النمازي الشاهرودي، الناشر: ابن المؤلف، المطبعة: شفق طهران. ط: 1، سنة 1412ه. المستصفى: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، الناشر: دار الكتب العلمية، ط: 1، سنة 1413ه 1993م. مسند أبي يعلى: أبو يعلى أحمد بن علي بن المثُنى التميمي، الموصلي، تحقيق: حسين سليم أسد، الناشر: دار المأمون للتراث دمشق ط: 1، سنة1404ه 1984م. مسند أبي يعلى: أبو يعلى أحمد بن علي بن المثُنى، التميمي، الموصلي، تحقيق: حسين سليم أسد، الناشر: دار المأمون للتراث دمشق، ط: 1، سنة 1404ه 1984م. مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار: أبو بكر أحمد بن عمرو ابن عبد الخالق المعروف بالبزار، الناشر: مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة (بدأت 1988م، وانتهت 2009م). مسند الحميدي: أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي المكي، تحقيق: حسن سليم أسد الدَّارَانيّ، الناشر: دار السقا، دمشق سوريا ط: 1، سنة 1996م. مسند الحميدي: أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله القرشي الأسدي الحميدي المكي، تحقيق: حسن سليم أسد الدَّارَانيّ، الناشر: دار السقا، دمشق سوريا، ط: 1، سنة 1996م.
مسند الدارمي المعروف ب (سنن الدارمي): أبو محمد عبد الله ابن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، ط: 1، سنة 1412ه 2000م. المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، بدون. المسند: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وآخرون، الناشر: مؤسسة الرسالة ط: 1، سنة 1421ه 2001م. مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار: أبو حاتم محمد بن حبان، التميمي، الدارمي، تحقيق: مرزوق على ابراهيم، الناشر: دار الوفاء المنصورة، مصر، ط: 1، سنة1411ه 1991م. مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الكناني الشافعي، تحقيق: محمد المنتقى الكشناوي، الناشر: دار العربية بيروت، ط: 2، سنة 1403ه. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: أبو العباس أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المكتبة العلمية بيروت، بدون. المصنف في الأحاديث والآثار: أبو بكر بن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد الرياض ط: 1، سنة 1409ه. المصنف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام اليماني الصنعاني،
تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي بيروت ط: 2، سنة 1403ه. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: أبو الفضل أحمد بن علي، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: (17) رسالة علمية قدمت لجامعة الإمام محمد بن سعود، تنسيق: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري، الناشر: دار العاصمة، دار الغيث السعودية، ط: 1، سنة 1419ه. المعارف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق: ثروت عكاشة، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط: 2، سنة 1992م. المعجم الأوسط: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين القاهرة، بدون. معجم الشعراء: أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، بتصحيح وتعليق: الأستاذ الدكتور ف. كرنكو، الناشر: مكتبة القدسي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط: 2، سنة 1402ه 1982م. معجم الصحابة: أبو الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق البغدادي، تحقيق: صلاح بن سالم المصراتي، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة، ط: 1، سنة 1418ه. معجم الصحابة: أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، البغوي، تحقيق: محمد الأمين الجكني، الناشر: مكتبة دار البيان الكويت، ط: 1، سنة 1421ه 2000م.
المعجم الكبير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي الناشر: مكتبة ابن تيمية القاهرة، ط: 1، بدون. معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة: أبو القاسم الخوئى، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي قم، ط: 5، سنة 1413ه. معجم مقاييس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، سنة 1399ه 1979م. معرفة السنن والآثار: أبو بكر أحمد بن الحسين، البيهقي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشرون: جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي باكستان)، دار قتيبة (دمشق بيروت)، ط: 1، سنة 1412ه 1991م. المعرفة والتاريخ: أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: أكرم ضياء العمري، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: 2، سنة 1401ه 1981م. المغازي: أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد السهمي الواقدي، تحقيق: مارسدن جونس، الناشر: دار الأعلمي بيروت. ط: 3، سنة 1409ه 1989م. مغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار: أبو محمد بدر الدين العيني الحنفي، تحقيق: محمد حسن إسماعيل، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1427ه 2006 م. المغني لابن قدامة: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد، الشهير بابن قدامة المقدسي، الناشر: مكتبة القاهرة، سنة 1388ه 1968م.
المفردات في غريب القرآن: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الناشر: دار القلم، الدار الشامية دمشق بيروت، ط: 1، سنة1412ه. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: جواد علي، الناشر: دار الساقي، ط: 4، سنة 1422ه 2002م. المفيد من معجم رجال الحديث: محمد الجواهري، الناشر: مكتبة المحلاتي قم ايران ط: 2، سنة 1424ه. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: نعيم زرزور، الناشر: المكتبة العصرية، ط: 1، سنة 1426ه 2005م. مقدمة ابن الصلاح: أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن، ابن الصلاح، الناشر: دار الفكر المعاصر بيروت، سنة 1406ه 1986م. الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني، الناشر: مؤسسة الحلبي، بدون رقم الطبعة وتاريخها. من لا يحضره الفقيه: ابن بابويه القمي (الصدوق) تحقيق: على أكبر الغفاري، طبعة جامعة المدرسين قم، ط: 2، سنة 1404ه. المنار المنيف في الصحيح والضعيف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط: 1، سنة 1390ه 1970م. مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب، الناشر: المطبعة الحيدرية النجف، سنة 1376ه 1956م.
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن محمد الجوزي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1، سنة 1412ه 1992م. المنتقى من السنن المسندة: أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري، تحقيق: عبد الله عمر البارودي، الناشر: مؤسسة الكتاب الثقافية بيروت، ط: 1، سنة 1408ه 1988م. المنمق في أخبار قريش: أبو جعفر محمد بن حبيب، تحقيق: خورشيد أحمد فاروق، الناشر: عالم الكتب، بيروت، ط: 1، سنة 1405ه 1985م. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني الحنبلي، تحقيق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود، ط: 1، سنة 1406ه 1986م. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، ط: 2، سنة 1392ه. المهذب في علم أصول الفقه المقارن، عبد الكريم النملة، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، ط: 1، سنة 1420ه 1999م. الموسوعة الفقهية الكويتية: صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت، اشترك في طباعتها: مطابع دار الصفوة مصر، دار السلاسل الكويت.
الموضوعات: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر: محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ط: 1، بدون. ميزان الاعتدال في نقد الرجال: شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط: 1، سنة 1382ه 1963م. نسب قريش: أبو عبد الله مصعب بن عبد الله، الزبيري، تحقيق: ليفي بروفنسال، الناشر: دار المعارف، القاهرة، ط: 3، بدون تاريخ. نقد الرجال: التفرشي صادق التفرشي، الناشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم، ط: 1، سنة 1418ه نهاية الأرب في فنون الأدب: أحمد بن عبد الوهاب بن محمد القرشي التيمي البكري، شهاب الدين النويري، الناشر: دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، ط: 1، سنة 1423ه. نهاية الأقدام في علم الكلام: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، الشهرستاني، الناشر: مكتبة زهران القاهرة، بدون. نهاية الدراية في شرح الكفاية: محمد حسين الغروي الأصفهاني، تحقيق: مهدي أحدي أمير كلائي، الناشر: انتشارات سيد الشهداء قم ايران، ط: 1. نهاية الدراية: حسن الصدر، تحقيق: ماجد الغرباوي، الناشر: نشر المشعر، المطبعة: اعتماد قم. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: شمس الدين محمد بن أبي
العباس أحمد بن حمزة، شهاب الدين الرملي، الناشر: دار الفكر، بيروت، سنة 1404ه 1984م. النهاية في غريب الحديث والأثر: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد الشيباني الجزري، ابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى محمود محمد الطناحي، الناشر: المكتبة العلمية بيروت، سنة 1399ه 1979م. نيل الأوطار: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، الناشر: دار الحديث، مصر، ط: 1، سنة 1413ه 1993م. الوافي بالوفيات: صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث بيروت، سنة1420ه 2000م. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: محمد بن الحسن الحر العاملي، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد ابن محمد، ابن خلكان البرمكي الإربلي، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر بيروت، بدون.
* دوريات:
1 - مرويات إسلام العباس جمع ودراسة وتحقيق، سليمان بن حمد العودة، بحث منشور بمجلة جامعة الإمام، العدد 27، رجب 1420ه.
2 - أجوبة الشيخ أبي إسحاق الحويني، مجلة التوحيد، عدد (ذو القعدة سنة 1425ه).
3 - سليم بن قيس الهلالي، حقيقة واقعة أم شخصية مصطنعة؟، عبد المهدي جلالي، بحث بمجلة نصوص معاصرة، العدد السادس في ربيع سنة 1433ه.
4 - الشعر في ضوء الشريعة الإسلامية: محمد بن عبد الرحمن الأهدل، مقال منشور بمجلة الجامعة الإسلامية، العدد 37.
5 - نقد كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة، بحث الدكتور خالد كبير علال في موقع مجلة الفسطاط بعنوان: http://efustat.blogspot.com
