تفنى، ثم طعنهم بالرماح حتى تتكسر، ثم مشيهم بالسيوف حتى يموت الأعجل.. فأعجب العباس مقاله، وقدَّر خبرتهم في الحرب قائلاً: أَنْتُمْ أَصْحَابُ حَرْبٍ.
ثم لفت نظره أن عبد الله لم يخص الدروع بشيء، فعاجله سائلاً: فَهَلْ فِيكُمْ دُرُوعٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ شَامِلَةٌ(735) .
إن الرجل يتقصى الأمر ويغوص في تفاصيله، والمتأمل في كلام العباس يجد الحكمة تتفجر منه، وملامح الخبرة في الحياة بادية على صاحبه، وبخاصة الخبرة الحربية كما مرَّ، إن العباس كان رجلاً مجرباً متمرساً يجيد الحكم على الناس والتفرس في طبائعهم، ويعرف كيف يزنهم ويميز بينهم، إن أسئلته تلك للقوم تنبئ عن بصيرة نافذة وحس عميق وفكر بعيد يستشرف المستقبل ويسبر أغواره، ويجوب بخياله في دروبه وشعابه، وكل هذا من مظان حكمته، ومؤيدات سداد رأيه ورجاحة عقله؛ ولذلك كان يثق النبي صلى الله عليه وسلم به في أمره كله.
ومن شواهد حكمته ورجاحة عقله:
ما رواه البخاري وغيره من إنقاذه لأبي ذر حين أعلن إسلامه أمام ملأ قريش، فما كان منهم إلا أن َضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وعندها:
أَتَى العَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ،
