أبا سفيان هذه الميزة إرضاء لعاطفة الفخر في نفسه، وقد أرضاه بما لا يضرّ أحداً، ولا يكلّف جهداً، ولا عليه أن يتحبّب إلى نفس بمثل هذا الثمن الميسور. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستوثق من سير الأمور بعيداً عن الحرب والضرب، فضمّ إلى ذلك المسلك مع أبي سفيان أن أوصى العبّاس باحتجازه في مضيق الوادي، حتى يستعرض القوى الزاحفة كلّها، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة، وهو سيد مكة المتبوع، إلى أن مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله! يا عباس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً!!. قال العباس: يا أبا سفيان، إنّها النبوة. قال: فنعم إذن(493)
وقام العباس رضي الله عنه بمهمته خير قيام، ولازم أبا سفيان كظله متفرساً فيه مستشعراً خلجات نفسه متتبعاً نظرات عينيه كلما مرت كتيبة أو لحقتها أختها، إلى أن مرَّ الجنود كلهم، حتى قتل في نفسه أي بادرةٍ للمقاومة أو نية للمناهضة.
«ودخل أبو سفيان مكة مبهوراً مذعوراً، وهو يحسّ أنّ مِن ورائه إعصاراً، إذا انطلق اجتاح ما أمامه، فما يقف دونه شيء، ورأى أهل مكة الجيش الفاتح يقبل من بعيدٍ رويداً رويداً، فاجتمعوا على سادتهم، ينتظرون الأوامر بالقتال،
