المشاركة، مهما عظم شأنه فيهم، فليس من الجائز كذلك أن يُخلَّى العباس ويُحصر أبو طالب في الشِّعب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكبر من العباس سناً وأمنع منه مكانة عند قريش.
ولم يكن العباس رضي الله عنه ليخلي الرسول صلى الله عليه وسلم وحده ومعه صفوة بني قومه يحاصرون ويضيَّق عليهم وهو آمن في سربه مترف في عيشه يتقلب في النعمة صباح مساء؛ وبخاصة وأنه يحب محمداً حباً شديداً، وكان كثيراً ما يتفقَّد حاله ويحوطه برعايته ونصحه. ولا أدل على ذلك من يوم العقبة وشهوده البيعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ليستوثق له من أمر الأنصار، رغم أن عيون المشركين عليه، وآذانهم تتحسس أخباره، والاقتراب منه وبخاصة في هذا الوقت العصيب نذير هلاك.
ويضاف إليه أن العباس رضي الله عنه هاشمي النسب والهوى وغير مقبول أن يتخلف عن نجدة قومه، أو تغيب عنه معاناتهم، وبخاصة وأنه كان حريصاً على ذلك.
ويكفينا أن نعلم أنه لما فُقد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج تفرقت بَنو عبد الْمطلب يطلبونه ويلتمسونه، وقد شاركهم العباس رضي الله عنه بحثهم وَخرج مجنِّداً طاقاته الجسدية وإمكاناته الصوتية وكان جَهوَري الصوت حَتَّى بلغ ذَا طوى فَجعل يصْرخ: يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد، فَأَجَابَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لبيْك، فَقَالَ: يَا ابْن أخي عنيت قَوْمك مُنْذُ اللَّيْلَة، فَأَيْنَ كنت؟ قَالَ: أتيت من بَيت الْمُقَدّس، قَالَ: فِي ليلتك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: هَل
