فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق عالياً واضحاً: يا معشر قريش! هذا محمد جاءكم فيما لا قِبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وشدهت امرأته هند بنت عتبة وهي تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت إليه، وأخذت بشاربه تلويه وصاحت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمش أي هذا الزقّ المنتفخ قبّحت من طليعة قوم. ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنّه قد جاءكم ما لا قِبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله؟ وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وأصبحت (أم القرى) وقد قيّد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون... وسكنت مكة، واستسلم سادتها وأتباعها، وعلت كلمة الله في جنباتها، ثم نهض رسول الله إلى البيت العتيق فطوّف به، وأخذ يكسّر الأصنام المصفوفة حوله، ويضربها بقوسه ظهرا لبطن، فتقع على الأرض مهشمة متناثرة(494)
وهكذا فقد أدى العباس رضي الله عنه ما عليه، ولازم أبا سفيان ملازمة الأُسد لفرائسها، وسدَّ في نفسه أي طريق للمقاومة.
ولما أتم الله الفتح، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة شرع في هدم
