وهذا واضح في نص عبارات الرواية، والعباس كان من أجود الناس وأكرمهم. ولكن المسألة هنا لها أبعادها، وامتناع العباس في أول الأمر له ما يبرره، وهو ما ذكره العباس نفسه حيث قال معللاً امتناعه: «قطيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه إياها، فكيف يتسنى له أن يرد ما أقطعه له الرسول صلى الله عليه وسلم؟ إنه استعظم الأمر فكان الامتناع، وفور ما أبدى أُبِيُّ بْنَ كَعْبٍ حكمه في المسألة واستبان للعباس أن الأمر غير خادش في تقديره للنبي صلى الله عليه وسلم تنازل عنها دون مقابل، ولو كان مقصد العباس رضي الله عنه من رفضه، حب المال والطمع في زيادته أو المساومة على أكبر نصيب منه لما تصدَّق بها بلا مقابل.
فالأمر متعلق باستعظام قطيعة النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف للعباس أن يردها؟ وهذا أيضاً مروي عن الفاروق عمر رضي الله عنه حيث عظَّم قطيعة النبي صلى الله عليه وسلم في أرض مزينة.
ففي الخراج لأبي يوسف: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نُجَيْحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَقْطَعَ لأُنَاسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ أَرْضًا فَلَمْ يَعْمُرُوهَا، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا فَخَاصَمَهُمُ الْجَهْنِيُّونَ أَوِ الْمُزَنِيُّونَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ مِنِّي أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لَرَدَدْتُهَا، وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ثُمَّ تَرَكَهَا ثَلاثَ سِنِينَ فَلَمْ يَعْمُرَهَا فَعَمَرَهَا آخَرُونَ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا»(1094) .
