سلسلة تراث الآل والأصحاب ( 14 )
الزهد والعبادة
في تراث الآل والأصحاب
سائد صبحي قطوم
الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة
عنوان الكتاب: الزهد والعبادة في تراث الآل والأصحاب.
اسم المؤلف: سائد صبحي شحادة قطوم.
نوع المطبوع: كتاب — الطبعة: الأولى — عدد الصفحات: 252
السلسلة: تراث الآل والأصحاب (14)
الناشر: مبرة الآل والأصحاب.
ص. ب. 12421 الشامية — الرمز البريدي 71655 — ت: 2560203
ردمك: 978 99966 64 53 3 ISBN
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الأولى
1440 ه 2019م
هاتف: 22560203 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
E mail: almabarrh@gmail.com
www. almabarrah.net
الزهد والعبادة في تراث الآل والأصحاب
فهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| مقدمة مبرة الآل والأصحاب | 7 |
|---|---|
| المقدمة | 11 |
| الباب الأول: الزهد في الدنيا عند الآل والأصحاب | |
| الزهد | 17 |
| لغة | 17 |
| اصطلاحًا | 17 |
| زهد النبي صلى الله عليه وسلم | 21 |
| زهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. | 23 |
| زهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه | 23 |
| زهد عمر الفاروق رضي الله عنه | 27 |
| زهد عثمان ذي النورين رضي الله عنه | 35 |
| زهد علي أبي السبطين رضي الله عنه | 37 |
| زهد أبي الدرداء رضي الله عنه | 48 |
| زهد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه | 50 |
| زهد حذيفة بن اليمان رضي الله عنه | 54 |
| زهد سلمان الفارسي رضي الله عنه | 55 |
| زهد أبي ذر رضي الله عنه | 56 |
| أمثلة أخرى من زهد بعض الصحابة وآل البيت رضوان الله تعالى عليهم | 58 |
| الباب الثاني: العبادة عند الآل والأصحاب | |
| العبادة | 69 |
| لغة | 69 |
| اصطلاحًا | 69 |
| المطلبُ الأولُ: الخوفُ من اللهِ تعالى | 72 |
| المطلبُ الثاني: البكاءُ من خشيةِ اللهِ تعالى | 82 |
| المطلبُ الثالثُ: الحياءُ من الله تعالى | 94 |
| المطلبُ الرابعُ: المحافظةُ على الصلاةِ في جماعةٍ | 99 |
| المطلبُ الخامسُ: الإكثارُ من النوافل | 108 |
| المطلبُ السادسُ: قيامُ اللَّيل | 117 |
| المطلبُ السابعُ: تلاوةُ القرآن الكريم | 130 |
| المطلبُ الثامنُ: الصيامُ | 140 |
| المطلبُ التاسعُ: الجودُ والإنفاقُ في سبيلِ اللهِ | 149 |
| المطلبُ العاشرُ: حجُّ بيتِ اللهِ تعالى | 168 |
| المطلبُ الحادي عشر: حسنُ الخُلقِ، والحذرُ من سيِّءِ الأخلاقِ | 175 |
| المطلبُ الثاني عشر: برُّ الوالدَيْن | 182 |
| المطلبُ الثالثُ عشر: الدُّعاءُ | 192 |
| المطلبُ الرابعُ عشر: ذِكْرُ اللهِ تعالى | 202 |
| المراجع | 215 |
| فهرس | 217 |
مقدمة مبرة الآل والأصحاب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد؛
فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.
وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَٱصۡبِرۡ
كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.
والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخز به من تحديات عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.
ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.
وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها
مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل الله الريادة في ذلك المجال.
وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى
تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.
ثم تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.
وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.
نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مبرة الآل والأصحاب
المقدمة
امتنّ
الله تعالى على هذه الأمة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله تعالى بإذنه وسراجًا منيرًا، ليفتح به قلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، فقام عليه الصلاة والسلام بهذه المهمة خير قيام، وجاهد في الله حق جهاده، فأكرمه الله تعالى بصحبة صالحة، وخلة طاهرة، استجابوا لأمره، وبادروا إلى تصديقه، ونشروا دعوته، فكانوا كما قال واحد منهم متحدثًا عنهم، وأهل مكة أدرى بشعابها، (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمدٍ صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمدٍ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه)(1)
فالصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم هم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلّفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، (وقد انتصر محمد صلوات الله وسلامه عليه يوم صاغ من الإسلام شخوصًا، وحوّل إيمانهم بالإسلام عملًا، وطبع من المصحف عشرات من النسخ، ثم مئات وألوفًا، ولكنه لم يطبعها على صحائف الورق، إنما طبعها بالنور على
صفحات القلوب)(2) ثم تركهم يتعاملون مع الناس، فيأخذون ويعطون، فيراهم الناس، فيرون الإسلام من خلالهم.
ولذا لا بد لنا من وقفة مع هذا الجيل الفريد المبارك، الذي ربّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه، فكانوا على أعلى مستوى من الدين، والخُلق، والإخلاص، والتفاني في نصرة هذا الدين، فاستحقوا رضا الله تعالى، ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، وفتح الله تعالى بهم البلاد وقلوب العباد.
ولو ذهبنا للحديث عن الجوانب التي غرسها النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وربّاهم عليها، حتى تبوأوا هذه المنزلة، وحظوا بتلك المكانة والمكرمة، لما استطعنا، ولكن حسبنا من ذلك كله الإشارة إلى جانبين من تلك الجوانب التي كان لها الأثر العظيم في حياة الصحابة، ألا وهما: الجانب العبادي، والجانب الزهدي.
فالعبادة من أعظم الوسائل وأجلِّها قدراً لتربية الرُّوح؛ إذ العبادةُ غاية التذلُّلِ لله سبحانه، ولا يستحقُّها إلا هو، فالنَّفس البشريَّة إذا لم تتطهَّر من أدرانها، وتتَّصل بخالقها، فلن تقوم بالتَّكاليف الشَّرعية الملقاة عليها، كما أن المداومة عليها، تعطي الرُّوح وقوداً وزاداً، ودافعاً قويّاً إلى القيام بما تُؤمر به، ويدلُّ على هذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في ثالث سورةٍ نزلت عليه بالصَّلاة، والذِّكر، وترتيل القرآن.
وقد كان الصحابة يكثرون من الذِّكر، والدُّعاء، وتلاوة القرآن
والاستماع إليه، واغتنام السَّاعات الفاضلة في قيام اللَّيل، ومجاهدة النَّفس على الخشوع والتدبُّر وحضور القلب، فكان ذلك من أعظم القربات إلى الله تعالى، وله آثار عظيمةٌ في تزكية النَّفس، وسموِّ الرُّوح، وترقيتها إلى مقامات الكمال؛ فمن أعظم ما ظفر به الصحابة من آثار الذِّكر والدُّعاء والتِّلاوة، مناجاةُ الله تعالى، وتحقيقهم مقامات العبوديَّة التي تُعلي مكانتهم عند الله تعالى.
وأما الزهد في الدنيا فهو في المحل الأعلى من هذا الدين، ومصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ازْهَدْ في الدُّنْيا يُحِبكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيما فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبكَ النَّاسُ)(3) ، فالزاهد في الدنيا محبوب من الله تعالى، ولكنه ليس بالزهد الذي يقعد به عن العمل، والسعي لجعل هذه الدنيا متعبَّدة لله تعالى، وإنما هو زهد بجمع الأشياء بحقِّها، ووضعها في حقِّها، كما قال ربيعة الرأي(4) رحمه الله.
ولما سئل سفيان الثوري رحمه الله عن الزهد في الدنيا أجاب: (الزهد في الدُّنيا قِصَرُ الأمل، ليس بأكلِ الغليظ، ولا بلبسِ العباء)(5) ، وقال: (كان من دعائهم: اللهم زهِّدنا في الدُّنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تَزْوِها عنّا، فترغِّبنا فيها)(6) .
إن الزاهد لا تراه إلاّ محاسبًا لنفسه، شحيحًا بوقته، لا يضيع عمره في شيء لا يقرِّبه إلى الله عز وجل، ولا ينفعه في الآخرة، وإنَّما ينظر إلى ما يقوله ويفعله، فإن كان ممّا ينفعه عند الله عز وجل، أخذ به، وعلّق همّته به، وإن كان لا يرجو نفعه في الآخرة، زهد فيه وتركه، ولو لم يكن منه ضرر في الآخرة، ولا يعني هذا أنَّ الزاهد لا يتمتَّع بالمباحات، بل إنَّه يتمتّع بها من غير توسُّع، وينوي بها التقوِّي على طاعة الله عز وجل، وبهذا تنفعه في الآخرة.
وهكذا كانت حياة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كلا الجانبين، فكانوا في أعلى المقامات في العبادات القلبية، والعملية، وفي أعلى المقامات في الزهد في الدنيا، حاديهم وهاديهم في ذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أزهد الخلق، وأعبد الخلق.
وقد كان لي في هذا الكتاب شرف ذكر بعضٍ من الآثار الواردة عنهم رضي الله عنهم في باب العبادات، وفي باب الزهد في الدنيا، علّها تكون حافزًا ودافعًا لنا للاقتداء بهم، والسير على خطاهم، والتشبه بآثارهم، بما يكون سببًا في اللحوق بهم، والاجتماع معهم في دار الكرامة، اللهم آمين.
وهذه الآثار التي ذكرتها في هذا الكتاب لم تنتظم جلّ الصحابة والآل، فضلًا عن كلهم؛ وسبب ذلك:
* أنني لم أتقصّد تتبّع كل مَن وما ورد عنهم في ذلك؛ لأن في الإشارة كفاية وغنية، فليس الهدف من هذا الكتاب الاستقصاء، وإنما التمثيل والتدليل، وهذا يحصل بأقل الأمثلة، وإلا لو رام أحدٌ الحصر، لظفِر بأكثر مما ورد في هذا الكتاب بكثير.
أن كثيرًا
منهم رضي الله عنهم كانوا يحرصون على إخفاء عبادتهم، وعدم إظهارها، إخلاصًا لله تعالى، ورغبة فيما عنده، وكلهم كذلك ولذا لم يُنقل عنهم من الروايات مثل ما نُقل عن غيرهم، وإن كانوا جميعهم يشتركون في قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]، فهذا الظن بهم، كيف لا وهم مَن تربى على عين أتقى الخلق، وأعبدهم لله تعالى، وأزهدهم في الدنيا الفانية؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد عايشوه أقوالًا وأفعالًا، ونهلوا من علمه، وتضلعوا من خُلقه، ما جعلهم خير الناس بعد أنبياء الله تعالى.
وقد جاء الكتاب في مقدمة، وبابين، وخاتمة؛ أما المقدمة فذكرتُ فيها سبب تأليف هذا الكتاب.
وأما الباب الأول: فكان في الآثار الواردة عن الصحابة والآل رضي الله عنهم في الزهد في الدنيا، وقد قدمتُ له بتعريف الزهد لغة واصطلاحًا، وبعض الأحاديث الواردة عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في باب الزهد، والمعنى الحقيقي للزهد في الدنيا، ثم جاءت الآثار عن الصحابة والآل في ذلك، وعلقتُ على بعضها تعليقات يسيرة، سواء في شرح غريب، أو فهم معنى، أو توضيح إشكال.
وأما الباب الثاني: فجاء في الآثار الواردة عن الصحابة والآل في العبادات، وقدمتُ له بتعريف العبادة لغة واصطلاحًا، وبعض الأحاديث الواردة في عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الآثار الواردة عن الصحابة والآل في ذلك، وقد جاءت هذه الآثار في أربعة عشر مطلبًا كالتالي:
الخوف من الله تعالى.
البكاء من خشية الله تعالى. الحياء من الله تعالى. المحافظة على الصلاة في جماعة. الإكثار من النوافل. قيام الليل. تلاوة القرآن الكريم. الصيام. الجود والإنفاق في سبيل الله. حج بيت الله تعالى. حُسن الخلق، والحذر من سيء الأخلاق. بر الوالدين. الدعاء. ذكر الله تعالى.
وقد علقتُ على بعض هذه الآثار بما يناسبها.
وأما الخاتمة فجاءت في خلاصة هذا البحث.
أسأل الله تعالى القبول والسداد، والحمد لله رب العالمين.
الباب الأول: الزهد في الدنيا عند الآل والأصحاب
الزهد:
لغة:
زَهِدَ: الزاء والهاء والدال أصل يدل على قلة الشيء. والزهيد: الشيء القليل.
وهو مُزهِد: قليل المال. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ مُزْهِدٌ» وهو المقل.
قال الخليل: الزهادة في الدنيا، والزهد في الدين خاصة. قال اللحياني: يقال رجل زهيد: قليل المطعم، وهو ضيق الخلق أيضًا. وقال بعضهم: الزهيد: الوادي القليل الأخذ للماء. والزهاد: الأرض التي تسيل من أدنى مطر(7) .
اصطلاحًا:
قال الجرجاني: قيل: هو بغض الدّنيا والإعراض عنها، وقيل: هو ترك راحة الدنيا طلبًا لراحة الآخرة، وقيل: هو أن يخلو قلبك ممّا خلت منه يدك(8) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: الزّهد المشروع: هو ترك الرّغبة فيما لا ينفع في الدّار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله، كما أن الورع المشروع: هو ترك ما قد يضرّ في الدّار الآخرة، وهو ترك المحرّمات والشّبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فِعْله أرجح منها، كالواجبات، فأمّا ما ينفع في الدّار الآخرة، فالزّهد فيه ليس من الدين، بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [المائدة: 87].
كما أنّ الاشتغال بفضول المباحات، هو ضدّ الزّهد المشروع، فإن اشتغل بها عن فعل واجب، أو فعل محرّم، كان عاصيًا، وإلّا كان منقوصًا عن درجة المقرّبين إلى درجة المقتصدين(9) .
وقال ابن القيّم: إن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا، وأخذه في منازل الآخرة، وعلى هذا صنّف المتقدمون كتب الزهد، كالزهد لعبد الله بن المبارك، وللإمام أحمد، ولوكيع، ولهنّاد بن السّريّ، ولغيرهم.
ومتعلّقه ستة أشياء، لا يستحق العبدُ اسمَ الزهد حتى يزهد فيها: وهي المال، والصور، والرياسة، والناس، والنفس، وكل ما دون الله.
وليس المراد رفضها من الملك، فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنّساء ما لهما، وكان نبيّنا صلى الله عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق، وله تسع نسوة، وكان عليّ بن أبي طالب،
وعبد الرحمن بن عوف، والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزّهّاد، مع ما كان لهم من الأموال، وغيرهم كثير.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحًا لهن، وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد، مع مال كثير، وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد، وكان له رأس مال يقول: لولا هو لتَمَنْدَل بنا هؤلاء(10) .
وقال أبو الحسين ابن سمعون وقد سأله البرقاني: أيها الشيخ؛ تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا، والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام! فكيف هذا؟! فقال: كلُّ ما يصلحك مع الله فافعله، إذا صلح حالُك مع الله تلبس ليِّن الثياب، وتأكل طيب الطعام، فلا يضرك(11) .
وقد تبين لنا من خلال النقول السابقة أن الزهد في الدنيا لا يعني الفقر، وإخلاء اليد من جميع حطام الدنيا، بل إن الزهد قد يجتمع مع الغنى، وذاك لأن الزهد هو عدم تعلق النفس بما في الدنيا من ملذات وشهوات، والرغبة عنها إلى ما في الآخرة من مرضاة الله تعالى، وهو لا يتنافى مع الغنى وامتلاك المال، إذا لم يشغف الغني بما عنده، وتتعلق نفسه بما ملكه، فإن ذهب مالُه لم يحزن عليه، وإن أتاه غيره لم يفرح به، بل غايته ومهجته رضا الله سبحانه وتعالى، وفي مثل هذا المعنى يقول علي رضي الله عنه: (الزهد
كله في كلمتين من القرآن، قال الله تعالى: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡ﴾ [الحديد: 23]، فمن لم يأْسَ على الماضي، ولم يفرح بالآتي فهو الزاهد)(12)
إذن هذا هو مفهوم الزهد الحقيقي، وليس كما يظنه البعض من أنه إعراض عن الدنيا، وعدم التفات لها، وتضييع لمن يعول! كلا، فكل ذلك خلاف ما جاءت به الشريعة الإلهية من الحث على الأخذ من الدنيا بما ينفع في الآخرة، والتزود منها ليوم القيامة، ولو تبسّط بالمباحات فلا حرج عليه، قال الله تعالى: ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [القصص: 77]، قال الحسن وقتادة: (معناه ولا تضيع أيضًا حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك)(13) .
وما ورد في بعض الأحاديث أو الآثار من الزهد في المباحات، والإقلال منها، فإنما هو محمول على تربية النفس وحملها على الرضا بالموجود، وعدم التطلع لكل مشتهى، أو ربما هو محمول على أن الفاضل والقدوة قد يترك بعض المباحات تربية لغيره بأنه لا ينبغي الانشغال بها دومًا.
والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان وسطًا في كل أموره، فلا إفراط
ولا تفريط، بل كان يأخذ من مباحات الدنيا إن وجدها، وإن لم يجدها لم يتبعها نفسه، أما أن يتقصد ترك المباح بحجة العبادة والزهادة، فلم يكن ذلك من هديه وطريقته عليه الصلاة والسلام، ويكفينا في ذلك حديث النفر الثلاثة الذين جاءوا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا بذلك كأنهم تقالّوها! فلما بلغ خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم خطب في الناس فقال: «أَنْتُمُ الذَّينَ قُلْتُمْ كَذا وَكَذا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشاكُمْ لِلهِ وَأَتْقاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(14)
زهد النبي صلى الله عليه وسلم:
ومن الأحاديث التي تدل على زهد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا ومتاعها:
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: (أَلَسْتُمْ فِي طَعامٍ وَشَرابٍ ما شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ(15) مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ)(16) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ»)(17) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا»)(18) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، لَنَمْكُثُ شَهْرًا مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَارٍ، إِنْ هُوَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْمَاءُ)(19) .
وعنها رضي الله عنها قالت: (كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَدَمٍ، وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ)(20) .
وعن عمرو بن الحارث رضي الله عنه قال: (مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً)(21) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (نَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)(22) .
ولو ذهبنا نذكر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، لطال بنا المقام، ولكن أكتفي بما سبق.
زهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
وأما ما ورد عن الأصحاب الأجلاء بهذا الخصوص فآثار كثيرة يصعب حصرها، فكلهم رضي الله عنهم كان زاهدًا في هذه الدنيا الفانية، متعففًا عن حطامها، نابذًا لزخرفها، وإن كان بعضهم قد ملك أموالًا عظيمة، إلا أنه مع ذلك لم يخرج عن مسمى الزاهد؛ لأن الدنيا كانت في أيديهم، ولم تكن في قلوبهم، ومن كانت هذه حاله فلن تغرّه الدنيا، ولن تطمح منه إلا بالقدر الذي يطلبه هو.
وها أنا أسوق جملة من تلك الآثار الواردة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في باب الزهد، فمن ذلك:
زهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كُنَّا مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فدعا بشَرابٍ، فَأُتي بماءٍ وعسلٍ، فلَما أدناهُ مِن فيه بَكى وبَكى حتّى أَبكى أصحابَه، فسكتُوا وما سكَتَ، ثُم عادَ فبَكى حتّى ظنّوا أنَّهم لن يَقْدروا عَلى مسألتِهِ. قال: ثُم مسحَ عينَيْه، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ اللهِ ما أَبْكاكَ؟ قال: كنتُ معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فرأيتُهُ يدفعُ عن نفسهِ شيئًا، ولم أرَ معهُ أَحدًا، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ما الذي تدفعُ عن نفسِكَ؟ قال: (هذِهِ الدُّنْيا مُثِّلَتْ لِي فَقُلْتُ لَها: إِلَيْكِ عَنِّي، ثُمَّ رَجَعَتْ فَقالَتْ: إِنَّكَ إِنْ أَفْلَتَّ مِنِّي فَلَنْ يُفْلِتَ مِنِّي مَنْ بَعْدَكَ)(23)
وفي رواية: عن زيد بن أرقم رضي الله عنه: (أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه استسقى، فأُتِي بماءٍ وعسلٍ، فلما وُضِع على يدِه بكى وردَّ الإناءَ وانتَحَب، فما زالَ يبكي حتّى بكى مَن حوله، حتّى ظنّوا أنَّه لا يسكُن، ثم سكنَ، فلما ذهبَ يمسحُ عن وجهِه، ذهبوا يسألونَهُ، فعادَ وانتحبَ وبكى، حتى يئِسوا منه أن يسألوهُ يومَهم ذاك، فمسحَ عن وجهِه، فذهبوا يسألونه، فعادَ وانتحبَ وبكى، حتّى يئسوا منه أن يسألوهُ، ثم سكنَ، فأقبلوا عليه، فقالوا: يا أبا بكر، ظننَّا أنْ سنقومُ اليوم من عندِك من غير أن نسألَك، فما الذي هيَّجك على ما هيَّجك؟ فقال: بينا أنا ذات يومٍ عند النَّبي صلى الله عليه وسلم إذ رأيتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم يدفعُ عن نفسِه شيئًا بيدِه، ويقولُ: «إِلَيْكِ عَنِّي، إِلَيْكِ عَنِّي». فقلتُ: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما الذي أراك تدفعُ عن نفسك، ولا أرى شيئًا؟ قال: «يَا أَبَا بَكْرٍ الدُّنْيَا تَطاوَلَتْ لِي بِعُنُقِها وَرَأْسِها، فَقُلْتُ: إِلَيْكِ عَنِّي إِلَيْكِ عَنِّي، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّكَ لَئِنْ انْفَلَتَّ مِنِّي، فَلَنْ يَنْفَلِتَ مِنِّي مَنْ بَعْدَكَ». قال: فظننتُ أنّها أدركتْني، وحالت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي هيَّجني على ما هيَّجني عليه)(24)
فإذا كان الصِّدِّيق رضي الله عنه يرى نفسه ممن قد غرَّته الدنيا، ووقع في شباكها! فما الحال بمن بعده؟!
وعن يحيى بن أبي كثير، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في خطبته: (أين الوُضَّاءُ الحسنةُ وجوهُهم، المُعجَبون بشبابِهم؟ أين الملوكُ الذين بنَوْا المدائنَ وحصَّنوها بالحيطانِ؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبةَ في مواطنِ الحربِ؟ قد تَضَعْضَعَ بهم الدهرُ، فأصبحوا في ظلماتِ القبورِ، الوَحا الوَحا، النَّجاء النَّجاء)(25) وفي رواية: عن عبد الله بن عكيم، قال: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه فقال: (أما بعدُ؛ فإني أوصيكم بتقوى اللهِ، وأن تُثنوا عليه بما هو له أهلٌ، وأن تخلِطوا الرغبةَ بالرهبةِ، وتجمعوا الإلحافَ بالمسألةِ، فإنّ الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيتهِ فقال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ثم اعلَموا عبادَ اللهِ أن اللهَ قد ارتَهن بحقِّه أنفسَكم، وأخذ على ذلك مواثيقَكم، واشترى منكم القليلَ الفاني بالكثيرِ الباقي، وهذا كتابُ اللهِ فيكم لا تفنى عجائبُه، ولا يُطفأ نورُه، فصدَّقوا قولَه، وانتصحوا كتابَه، واستبصروا فيهِ ليومِ الظلمةِ، فإنما خلقكم للعبادةِ، ووكَّل بكم الكرامَ الكاتبين، يعلمون ما تفعلون، ثم اعلموا عبادَ اللهِ أنكم تغدون وتروحون في أجلٍ قد غُيِّب عنكم علمُه، فإن
استطعتم أن تنقضيَ الآجالُ وأنتم في عملِ الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا باللهِ، فسابقوا في مهلِ آجالِكم قبل أن تنقضيَ آجالُكم فيردَّكم إلى أسوأ أعمالِكم، فإنّ أقوامًا جعلوا آجالَهم لغيرِهم، ونسوا أنفسَهم، فأنهاكُم أن تكونوا أمثالَهم، فالوَحاء الوَحاء، والنَّجاء النَّجاء، فإن وراءَكم طالبًا حثيثًا مَرُّه سريعٌ)(26)
هذه الوصية من الصديق رضي الله عنه تشير إلى حال هذه الدنيا، وما سيصير إليه أهلها، فلا نعيم ينفع، ولا مال يشفع، فمن لم يتدارك نفسه، ويعمل للحياة الحقيقية، فهو المغبون حقًّا.
وعن الحسن، أن سلمان الفارسي رضي الله عنه أتى أبا بكر رضي الله عنه يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال سلمان: (أوْصِني. فقال أبو بكر: إنْ فُتِحت عليكُم الدُّنيا فلا تَأخُذَنَّ منها إلا بلاغًا، واعلم أنَّ مَن صلى صلاةَ الصبحِ فهو في ذمَّة اللهِ، فلا تخفِرنَّ اللهَ في ذمَّتِه(27) ، فيَكُبَّك اللهُ على وجهِكَ في النارِ)(28) .
زهد عمر الفاروق رضي الله عنه:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (واللهِ ما الدنيا في الآخرةِ إلا كنَفْجَة أرنب(29)(30) ) . وفي رواية: عن مسروق، قال: (خرجَ علينا عمرُ ذاتَ يومٍ وعليه حلةُ قطنٍ، فنظرَ إليه الناسُ نظرًا شديدًا، فقال:
| لا شيءَ ممّا يُرى تبقى بشاشتُه | إلا الإلهُ ويُودى المالُ والولدُ |
|---|
وما الدنيا في الآخرةِ إلا كنَفْجةِ أرنب)(31) .
وفي رواية أخرى: (مثلكُم أيَّها الأمة كمثلِ عسكرٍ قد سارَ أوَّلُهم ونُودِيَ بالرحيلِ، فما أسرع ما يلحقُ آخرُهم بأوَّلِهم، واللهِ ما الدنيا من الآخرةِ إلا كنفجةِ أرنب، الجدّ الجدّ عبادَ اللهِ، واستعينوا باللهِ ربِّكم)(32) .
ومعنى ذلك أن الإنسان لا يعوِّل على هذه الدنيا كثيرًا، فهي سريعة الانقضاء، فمن لم يأخذ منها بحظه للآخرة، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
وعن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه قال: (التَّؤُدةُ في كلِّ شيءٍ خيرٌ إلّا في أمرِ الآخرةِ)(33)
التؤدة هي التأني، فالتأني خير في كل شيء إلا في أعمال الآخرة؛ لأن في تأخير الخيرات آفات، وفي هذا حث على الإسراع في عمل الخير في هذه الحياة، وعدم تفويت الفرص، فمن جعل الدنيا شغله الشاغل، ولم يزهد فيها، عاجلته المنية وهو على تلك الحال، فإنه يُرثى لحاله.
وعن أبي العالية الشامي، قال: (قدِمَ عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه الجابيةَ(34) على جملٍ أورقَ، تلوحُ صلعتُه بالشمسِ، ليس عليه قُلنسُوةٌ ولا عمامةٌ، تصطفقُ رجلاه بين شُعبتَيْ رحلِه، بلا ركابٍ، وِطاؤُه كساءٌ أَنْبَجانِيّ(35) صوفٌ، هو وطاؤُه إذا ركبَ، وفراشُه إذا نزلَ، حقيبتُه نمرةٌ أو شملةٌ محشوّةٌ ليفًا، هي حقيبتُه إذا ركبَ، ووسادتُه إذا نزلَ، عليه قميصٌ
من كرابيسَ(36) قد دسِمَ وتخرَّقُ جَيبُه، فقال: ادْعُوا لي رأسَ القريةِ، فدعوا له الحَلَوْمَسَ، فقال: اغسِلوا قميصي وخيِّطوه وأعِيروني قميصًا أو ثوبًا، فأُتي بقميصِ كتانٍ، فقال: ما هذا؟ قالوا: كتانٌ. قال: وما الكتانُ؟ فأخبروه، فنزعَ قميصَه فغُسل ورُقع، وأُتي به، فنزع قميصَهم ولبسَ قميصَه، فقال له الحَلَوْمَسَ: أنت ملكُ العربِ، وهذه بلادٌ لا تصلحُ لها الإبلُ، فأُتي ببِرْذَونٍ فطُرح عليه قطيفةٌ بلا سرجٍ ولا رحلٍ فركبه، فقال: احبسوا احبسوا، ما كنتُ أظنُّ الناسَ يركبون الشيطانَ قبل هذا، فأُتي بجملِه فركبَه)(37) وعن طارق بن شهاب قال: (لما قدِم عمرُ رضي الله عنه أرضَ الشامِ أُتي ببِرْذَون فركبَه، فهزَّه، فكرهَهُ، فنزل عنه، وركب بعيره، فعرضت له مَخاضةٌ، فنزل عن بعيره، ونزع مُوقَيْه، فأخذهما بيده، وخاض الماءَ، وهو ممسكٌ بعيرَه بخُطامِه أو قال: بزِمامِه فقال له أبو عبيدة بن الجراح: لقد صنعتَ اليومَ صنيعًا عظيمًا عند أهلِ الأرضِ، قال: فصكَّ في صدرِه، ثم قال: أَوِّهْ يمد بها صوته لو غيرُك يقول هذا يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذلَّ الناسِ، وأقلَّ الناسِ، وأحقرَ الناسِ، فأعزَّكم اللهُ بالإسلامِ، فمهما تطلبوا العزَّ بغيره يذِلُّكم اللهُ)(38)
وفي رواية: عن قيس، قال: (لما قدمَ عمرُ رضي الله عنه الشامَ، استقبله الناسُ وهو على البعيرِ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين لو ركبتَ بِرْذَونًا، يلقاك عظماءُ الناسِ ووجوهُهم، فقال عمرُ: لا أراكم ها هنا، إنمِّا الأمرُ من هنا، وأشار بيدهِ إلى السماءِ)(39)
إن فِعْل عمر رضي الله عنه في هذا الأثر والذي قبله إنما هو لبيان أن من كان مُتأمِّرًا على الناس، قائمًا بشؤونهم، فالأصلح له، والأولى به، أن يكون زاهدًا في هذه الدنيا، غيرَ متطلعٍ لزخرفها، لأنه قدوة للناس، فلا يليق بالأمير أو الوالي أن يكون منفتحًا على هذه الدنيا بكل ما فيها، وفي أبناء رعيته من يعاني شظف العيش، وعُسْر الحياة! أو أن يطالبهم بالاقتصاد والزهادة، ثم تكون حالُه كما ذكرنا، فكيف سيُسمع قولُه عندها، أو يُرجى الاقتداءُ به؟! ولذا كان الأمراء في عهد الفاروق رضي الله عنه ينسجون على منواله، ويقتفون أثره، وهذا ما يوضحه الأثرُ الآتي.
وعن عروة بن الزبير قال: (قدم عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه الشامَ، فتلقّاهُ أمراءُ الأجنادِ وعظماءُ أهلِ الأرضِ، فقال عمرُ: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: يأتيكَ الآن. فجاءَ على ناقةٍ مخطومةٍ بحبلٍ، فسلَّم عليه وسأله، ثم قال للناس: انصرفوا. فسار معه حتى أتى منزلَه فنزل عليه، فلم يرَ في منزلِه إلا سيفَه وتُرسَه ورحلَه، فقال له عمر: لو اتخذتَ
متاعًا، أو قال: شيئًا فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين: إن هذا سيُبَلِّغُنا المقيلَ)(40) وعن عمر رضي الله عنه قال: (الزهدُ في الدنيا راحةُ القلبِ والبدنِ)(41)
لأن من زهد في الدنيا تصاغر في عينِه كلَّ كبيرٍ، وحقُر كلَّ عظيمٍ، من أمورِها، فيعيش مرتاحَ البالِ والخاطرِ، مطمئنَّ القلبِ، لا ينظرُ إلى ما في أيدي الناسِ، ولا يطلبُ إلا كفايتَه، فيكون عزيزًا في نفسه، غنيًا في قلبه.
وعن الحسن، قال: (خرجَ عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه في يومٍ حارٍّ واضعًا رداءَه على رأسهِ، فمرَّ به غلامٌ على حمارٍ، فقال: يا غلام احمِلْني معك. قال: فوثب الغلامُ عن الحمارِ، وقال: اركبْ يا أميرَ المؤمنين. فقال: لا، اركبْ وأركبُ أنا خلفَك، تريدُ أنْ تحملَني على المكانِ الوَطيءِ، وتركبَ أنت على المكانِ الخشنِ، ولكنِ اركبْ أنت على المكانِ الوطيءِ، وأركبُ أنا خلفك على المكانِ الخشنِ، فركب خلف الغلامِ، فدخل المدينةَ وهو خلفَه والناسُ ينظرون إليه)(42) .
ما أشدَّ ورع عمر رضي الله عنه، وما أرخصَ نفسه في ذات الله تعالى، فإنه لم يرضَ أن يركب على المكان الوطيء لكونه أميرَ المؤمنين، لأنه لا يريد أن يكون هذا اللقبُ بذاته جالبًا له التعظيمَ والتبجيلَ، بل إنه يحب أن يُعاملَ كما يُعاملُ أيُّ فردٍ من الرعية، وهو في كل ذلك لا ينظرُ إلى كلامِ الناسِ، وما سوف يقال عنه، بل غايتُه الوحيدةُ أن يكون مقبولًا عند ربه جل وعلا، ولأجل ذلك كلِّه صدقَ فيه وفي صاحبه من قبلُ أبي بكر رضي الله عنه، وعلى رأسهما سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، قولُ ابنِ عمر رضي الله عنهما عندما سمع رجلًا يقول: (أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ قال: فأراه قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، ثم قال: عن هؤلاء تسأل؟)(43) .
وكتب عمرُ بن الخطاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما: (أما بعدُ، فإن القوةَ في العملِ أن لا تُؤخِّروا عملَ اليومِ لغدٍ، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركتْ عليكم الأعمالُ، فلم تدروا أيُّها تأخذون، فأضعتم، فإذا خُيِّرتم بين أمرين أحدهما للدنيا والآخر للآخرةِ، فاختاروا أمرَ الآخرةِ على أمر الدنيا، فإن الدنيا تفنى، وإن الآخرة تبقى، كونوا من اللهِ على وجلٍ، وتعلَّموا كتابَ اللهِ، فإنه ينابيعُ العلمِ، وربيعُ القلوبِ)(44) وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (لبسَ
عمرُ رضي الله عنه قميصًا جديدًا، ثم دعاني بشفرةٍ، فقال: مدَّ يا بني كُمَّ قميصي، والْزَقْ يديك بأطرافِ أصابعي، ثم اقطعْ ما فضلَ عنها. فقطعتُ من الكُمَّين من جانبيه جميعًا، فصار فمُ الكُمِّ بعضُه فوق بعضٍ، فقلت له: يا أَبَتَه، لو سوَّيتَه بالمقصِّ، فقال: دعْهُ يا بني، هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يفعلُ. فما زال عليه حتى تقطَّعَ، وكان ربما رأيتُ الخيوطَ تسَّاقطُ على قدمِه)(45) وعن أنس رضي الله عنه قال: (تَقَرْقَر بطنُ عمرَ، وكان يأكلُ الزيتَ عامَ الرَّمادةِ، وكان قد حرَّم على نفسه السمنَ، قال: فنقَر بطنَه بأصبعه وقال: تَقَرْقَر، إنه ليس لك عندنا غيرَه حتى يحيا الناسُ)(46) وعن حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنها أنها قالت لأبيها: (يا أميرَ المؤمنين؛ ما عليك لو لبستَ ألْينَ من ثوبك هذا، وأكلتَ أطيبَ من طعامك هذا، قد فتح الله عليك الأرضَ، وأوسع عليك الرزقَ؟ قال: سأخاصمكِ إلى نفسك، أمَا تعلمين ما كان يلقى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من شدةِ العيشِ؟ وجعل يذكِّرها شيئًا مما كان يلقى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى أبكاها، قال: قد قلتُ لكِ إنه كان لي صاحبان سلَكا طريقًا، فإني إن سلكتُ غير طريقِهما، سُلك بي غير طريقهما، فإني واللهِ لأشارِكنَّهما في مثل عيشهما الشديدِ، لعلِّي أدركُ معهما عيشَهما الرَّخِيَّ. يعني بصاحبيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر)(47)
وعن جرير، عن الحسن، أن عمر رضي الله عنه قال: (واللهِ إني لو شئتُ لكنتُ من أليَنِكُم لباسًا، وأطيبِكُم طعامًا، وأرقِّكُم عيشًا، إني واللهِ ما أجهلُ عن كراكرَ وأسنِمةٍ(48) وعن صِلاءٍ، وصِنابٍ، وصلايقَ، ولكنِّي سمعتُ اللهَ عز وجل عيَّر قومًا بأمرٍ فعلوه فقال: ﴿أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
قال جرير: الصلاء: الشواء، والصناب: الخردل، والصلائق: الخبز الرقاق)(49) .
وعن الحسن قال: (خطبَ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفةٌ، وعليه إزارٌ فيه ثنتا عشرةَ رقعة)(50) .
ما سبق من آثارٍ عن الفاروق رضي الله عنه توضح مدى تعلقه بالآخرةِ، وعدم اهتمامِه بأمورِ الدنيا، ولعلَّ هذا بدا واضحًا وجليًّا بعد تولِّيه إمارةَ
المسلمين، فقد كان يخشى أن يميزَ نفسَه عن أدناهم بأقلِّ شيءٍ، وما ذاك منه إلا تقوى لربِّه جل وعلا، ومراعاة لمشاعرِ من لا يجد اليسار والغنى من رعيته، وهو في ذلك كلِّه متَّبعٌ ومقتفٍ أثرَ صاحبيه؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر رضي الله عنه، وأَكرِم بها من صحبة، وأَنعِم بها من رفقة، فقد كان حريصًا كلَّ الحرصِ أن لا يفوتوه بشيءٍ، وأن يشاركَهم في كلِّ أمرٍ.
زهد عثمان ذي النورين رضي الله عنه:
عن بدر بن عثمان، عن عمه، قال: آخرُ خطبةٍ خطبها عثمانُ رضي الله عنه في جماعةٍ: (إنَّ اللهَ إنمَّا أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكُموها لتركنوا إليها، إنَّ الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، لا تَبْطَرنَّكم الفانيةُ، ولا تَشغلنَّكم عن الباقية، آثِروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعةٌ، وإنَّ المصيرَ إلى اللهِ عز وجل، اتقوا الله، والْزَموا جماعتَكم، ولا تصيروا أحزابًا، ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا﴾، إلى آخر الآيتين)(51) .
وقولُ عثمان رضي الله عنه كسالف أقوال صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهو كقول من سيأتي من بقية الصحابة الأجلاء، من أنَّ حقيقةَ الزهدِ في الدنيا ليس معناه هجرها، والإعراض عنها، فهذا لم يفهمه أحدٌ منهم، بل ما فهموه عن سيِّدِهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه الدنيا مزرعةً للآخرة، فمن أحسن الزرعَ فيها، ظفِر ونعِم بجميل الحصاد في الآخرة.
وعن عبد الملك بن شداد بن الهاد، قال: (رأيتُ عثمانَ بن عفان رضي الله عنه يومَ الجمعةِ على المنبر، عليه إزارٌ عدَنِيٌّ غليظٌ، ثمنُه أربعةُ دراهم، أو خمسةُ دراهم، ورَيْطَة(52) كوفية مُمَشَّقَة(53)(54) ) . وعن شرحبيل بن مسلم: (أنَّ عثمانَ رضي الله عنه كان يُطعم الناسَ طعامَ الإمارة، ويَدخُل بيتَه فيأكلُ الخلَّ والزيتَ)(55) .
هذه الآثار هي كسابقتها مما ورد عن الصديق والفاروق رضي الله عنهما حينما تولوا الإمارة، فقد كان حظُّ الواحدِ منهم الشيءَ اليسيرَ من أمر الدنيا، والاهتمامَ بحاجة رعيته، ونواقصهم، أكثرَ من اهتمامه بنفسه، بل كان الواحدُ منهم لا يأْبَه لما يأكل، ولما يلبس، مادام أن الرعية في عيشٍ رغيدٍ، وحياةٍ هانئةٍ، فمتى سعِدت الرعيةُ، سعِد هو، ومتى حزنت حزن، وهذا خلاف ما وقع بعد هذا الجيل المبارك من حرص القائمين على أمور الناس على الدنيا، وتكالُبهم عليها، والاستكثار من شهواتها، ضاربين بحاجة الرعية وفقرهم وعوَزهم عرض الحائط.
زهد علي أبي السبطين رضي الله عنه:
عن مالك بن دينار، قال: قالوا لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (يا أبا الحسن صِفْ لنا الدنيا. قال: أُطيلُ أم أقصرُ؟ قالوا: بل أقصر. قال: حلالُها حسابٌ، وحرامُها النارُ)(56) . وفي رواية: «حلالُها حسابٌ، وحرامُها عذابٌ»(57) . وفي رواية أخرى: قال رجلٌ لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (يا أميرَ المؤمنين صِفْ لنا الدنيا. قال: وما أَصِف لك من دارٍ، مَن صَحَّ فيها أمِنَ، ومن سقِم فيها ندمَ، ومن افتقَرَ فيها حزِنَ، ومن استغنى فيها فُتنَ، في حلالُها الحسابُ، وفي حرامِها النارُ)(58) .
فإذا كان حلال الدنيا سوف يُسأل عنه الإنسانُ، ويحاسب عليه، فكيف يحرص عاقلٌ على الإكثار منه، والتنافسِ فيه؟! ولذلك رأينا أبا الحسنين رضي الله عنه يزهد في هذه الدنيا، ويتقلل من شهواتها قدر المستطاع، وقد ورد عنه آثارٌ كثيرةٌ تدلل على هذا الأمر، ومن ذلك:
عن أبي عمرو بن العلاء، عن أبيه: أن عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه خطب الناسَ، فقال: (واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، ما رَزَأتُ من فيئِكُم إلا هذه(59) وأخرج قارورةً من كُمِّ قميصهِ، فقال: أهداها إليَّ مولاي دهقان)(60) وعن حبة
العرني، عن علي رضي الله عنه أنه أُتي بالفالوذَج(61) فوُضع قدّامَه، فقال: (إنك لطيبُ الريحِ، حسنُ اللونِ، طيبُ الطعمِ، ولكن أكره أن أُعوِّدَ نفسي ما لم تعتَدْهُ)(62)
بل بلغت به الحاجة أنه عرض سيفه للبيع للحصول على المال، وهو أمير للمؤمنين! وذلك حتى لا تمتد يده إلى شيء لا يحل له.
وعن علي بن الأرقم، عن أبيه، قال: (رأيتُ عليًّا رضي الله عنه وهو يبيعُ سيفًا له في السوقِ، ويقول: من يشتري منِّي هذا السيفَ؟ فوالذي فلقَ الحبةَ لطالما كشفتُ به الكربَ عن وجهِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولو كان عندي ثمنُ إزارٍ ما بِعتُه)(63) .
ومن تلك الآثار التي تدل على مدى تمثُّله رضي الله عنه لمقولته السابقة عن الدنيا: (حلالُها حسابٌ، وحرامُها عذابٌ)، ما يلي:
وعن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: (كان أبي صديقًا لقنبر، فقال: انطلقتُ مع قنبر إلى عليٍّ رضي الله عنه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قم معي، قد خبَّأتُ لك خبيئةً، فانطلق معه إلى بيته، فإذا أنا بسلَّةٍ مملوءةٍ جاماتٍ من ذهبٍ وفضةٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنك لا تترك شيئًا إلا قسمتَه أو أنفقتَه، فسلَّ سيفَه فقال: ويلك، لقد أحببتَ أن تُدخِل بيتي نارًا كبيرةً، ثم استعرضها بسيفِه فضربها فانتثرت بين إناءٍ مقطوعٍ نصفه وثلثه، قال: علَيَّ بالعُرفاء، فجاءوا، فقال: اقسموا هذه بالحصص، قال: ففعلوا وهو يقول: يا صفراء، يا بيضاء، غُرِّي غَيْري، قال: وجعل يقول:
| هذا جَنايَ وخيارُهُ فيه | إذ كلُّ جانٍ يدُهُ إلى فِيهِ |
|---|
قال: في بيت المال مسالٌّ(64) وإبرٌ، وكان يأخذ من كل قوم خراجَهم من عمل أيديهم، قال: وقال للعرفاء: اقسموا هذا، قالوا: لا حاجة لنا فيه، قال: والذي نفسي بيده، لأقسمَنَّه خيرَه مع شرِّه)(65) .
وفي رواية: أن ابن التَّيَّاح جاء عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: (يا أميرَ المؤمنين، امتلأَ بيتُ مال المسلمين من صفراء وبيضاء، فقال: الله أكبر، قال: فقام متوكئًا على ابن التَّيَّاح حتى قام على بيت مال المسلمين، فقال:
| هذا جَنايَ وخِيارُهُ فيه | وكلُّ جانٍ يدُهُ إلى فِيهِ |
|---|
يا ابن التَّيَّاح، علَيَّ بأشياخ الكوفة، قال: فنُودي في الناس، فأعطى جميع ما في بيت المسلمين، وهو يقول: يا صفراء، يا بيضاء، غُرِّي غَيري ها وها، وهو يقول: يا صفراء، يا بيضاء، غُرِّي غَيري ها وها، حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم، ثم أمَر بنَضْحه، وصلّى فيه ركعتين)(66) .
ما أعظم خوفهم من الله تعالى، ومراقبتهم له، فعليٌّ رضي الله عنه لم يرضَ أن يبقى في بيت مال المسلمين أموالٌ لا تُقسم على مستحِقِّيها، لأنه يعلم أنه سوف يحاسب عليها، ولأنه يعلم أن الدنيا تحاول جاهدة أن تُغرِيه بزينتها وزخرفها، فلم يعطها المجالَ لذلك، بل قطع الطريقَ عليها، وأصابها في مقتلٍ، فكان كما قال قبيصة بن جابر: (ما رأيتُ أزهدَ في الدنيا من عليِّ بن أبي طالب)(67) .
وعن نوف البكالي، قال: رأيتُ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه خرج فنظر إلى النجومِ، فقال: (يا نوف؛ أراقدٌ أنت أم رامقٌ؟ قلتُ: بل رامقٌ يا أميرَ المؤمنين. فقال: يا نوف؛ طوبى للزاهدين في الدنيا، والراغبين في الآخرة، أولئك قومٌ اتَّخذوا الأرضَ بساطًا، وترابَها فراشًا، وماءَها طيبًا، والقرآنَ والدعاءَ دِثارًا وشِعارًا، قَرَضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام، يا نوف؛
إن اللهَ تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن مُرْ بني إسرائيلَ أن لا يدخلوا بيتًا من بيوتي إلا بقلوبٍ طاهرةٍ، وأبصارٍ خاشعةٍ، وأيدٍ نقيةٍ، فإني لا أستجيبُ لأحدٍ منهم، ولأحدٍ من خلقي عنده مظلمةٌ، يا نوف؛ لا تكوننَّ شاعرًا، ولا عريفًا، ولا شرطيًا، ولا جابيًا، ولا عشّارًا، فإن داود عليه السلام قام في ساعةٍ من الليلِ، فقال: إنها ساعةٌ لا يدعو عبدٌ إلا استُجيب له فيها، إلا أن يكون عريفًا، أو شرطيًا، أو جابيًا، أو عشّارًا، أو صاحب عَرْطَبة وهي الطنبور أو صاحب كُوبة وهي الطبل(68) وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات)(69) وفي رواية: قام رجلٌ إلى عليٍّ رضي الله عنه فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما الإيمانُ؟ قال: (الإيمانُ على أربعِ دعائمَ، على الصبر، واليقين، والجهاد، والعدل، فالصبرُ منها على أربعِ شعبٍ: على الشوق، والشفق، والزهادة، والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلَا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات، واليقينُ على أربعِ شعبٍ: على تبصرةٍ في الفطنة، وتأويلِ الحكمة، وموعظةِ العبرة، وسنةِ الأولين، فمن تبصر في
الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين، والعدلُ على أربعِ شعبٍ: على غايصِ الفهم، وزهرةِ العلم، وروضةِ الحلم، فمن فهم فسَّر جميعَ العلوم، ومن علِمَ عرَفَ شرائعَ الحكم، ومن حلم لم يفرط أمره، وعاش في الناس، والجهادُ على أربعِ شعبٍ: على أمرٍ بالمعروف، ونهيٍ عن المنكر، والصدقِ في المواطن، وشنآنِ الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شدَّ ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن صدَق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له). فقام السائل عندها فقبَّل رأس عليٍّ(70)
وهذا كلامٌ جميلٌ سديدٌ، لا يصدر إلا عن فهمٍ ثاقبٍ، فقوله رضي الله عنه: (من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات)، لأن من زهد في الدنيا لا يفعل ذلك إلا وهو يعلم حقيقتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي شيئًا، فكل مصيبة تحُلُّ بسببها فهي هيِّنة؛ لأن الدنيا بكل ما فيها لا تعدل عند الله جناحَ بعوضة، ففَقْدُ أي شيء منها لا يُعَدّ شيئًا، فمن هان عليه الأصل، هان عليه الفرع من باب أولى.
وعن أبي شجاع قال: كتب عليُّ بن أبي طالب إلى سلمان الفارسي رضي الله عنهما: (أما بعدُ؛ فإنما مثَلُ الدنيا مثَلُ الحية: ليّنٌ مسُّها تقتل بسُمِّها، فأعْرِض عما يعجبُك فيها، لقلةِ ما يصحبُك منها، وضَعْ عنك همومَها لما أيقنتَ به من فراقِها، وكن أسرَّ ما تكونُ فيها، أَحْذَرَ ما تكونُ لها، فإن صاحبَها كلما اطمأنَّ منها إلى سرورٍ أشخصَه عنه مكروهٌ، والسلام)(71)
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب فقال: (الحمدُ للهِ، أحمدُهُ وأستعينُه وأؤمنُ به، وأتوكلُ عليه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأنّ محمدًا صلى الله عليه عبدُه ورسولُه، أرسله بالهدى ودينِ الحق، ليُزيحَ به عِلَّتَكم، وليوقظَ به غفلتَكم، واعلموا أنكم ميّتون ومبعوثون من بعد الموتِ، وموقوفون على أعمالِكم، ومجْزِيُّون بها، فلا تغرنَّكم الحياةُ الدنيا، فإنها دارٌ بالبلاء محفوفةٌ، وبالفناء معروفةٌ، وبالغدر موصوفةٌ، فكل ما فيها إلى زوالٍ، وهي بين أهلِها دُوَلٌ وسِجالٌ، لا تدوم أحوالُها، ولن يَسلَم من شرِّها نُزَّالها، بينا أهلها منها في رخاءٍ وسرورٍ، إذا هم منها في بلاءٍ وغرورٍ، أحوالٌ مختلفةٌ، وتاراتٌ متصرفةٌ، والعيشُ فيها مذمومٌ، والرخاءُ فيها لا يدوم، وإنما أهلُها فيها أغراضٌ مستهدَفةٌ، ترميهم بسهامِها، وتغصصهم بحِمامها، وكلٌّ حتفُه فيها مقدورٌ، وحظُّه فيها موفورٌ، واعلموا عبادَ الله أنكم وما أنتم فيه من زهرة هذه الدنيا على سبيلِ من قد مضى، ممن كان أطولَ منكم أعمارًا، وأشدَّ منكم بطشًا، وأعمرَ ديارًا، وأبعدَ آثارًا، فأصبحت أصواتُهم هامدةً خامدةً من بعد طول تقلُّبِها، وأجسادُهم باليةً، وديارُهم خاليةً، وآثارُهم عافيةً، واستبدلوا بالقصور المشيَّدةِ، والسُّرُرِ والنَّمارقِ الممهَّدة، الصخورَ والأحجارَ المسندةَ في القبور، اللاطئةَ
المُلْحَدة، التي قد بني بالخرابِ فناؤُها، وشُيِّد بالتراب بناؤُها، فمحلُّها مقتربٌ، وساكنُها مغتربٌ، بين أهلِ عمارةٍ موحشين، وأهلِ محلةٍ متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصلَ الجيران والإخوان، على ما بينهم من قربِ الجوارِ، ودُنُوِّ الدارِ، وكيف يكون بينهم تواصلٌ، وقد طحنهم بكَلْكَلِهِ البِلى، وأكلتهم الجنادلُ والثرى، فأصبحوا بعد الحياة أمواتًا، وبعد غضارة العيش رفاتًا، فُجع بهم الأحبابُ، وسكنوا الترابَ، وظعنوا فليس لهم إيابٌ، هيهات هيهات، ﴿كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾، فكأنْ قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البِلى والوحدة في دار الموتى، وارتهنتم في ذلك المضجعِ، وضمَّكم ذلك المستودعُ، فكيف بكم لو قد تناهت بكم الأمورُ، وبُعثرت القبورُ، وحُصِّل ما في الصدور، وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل، فطارت القلوبُ لإشفاقها من سالف الذنوب، وهُتكَت عنكم الحجبُ والأستارُ، وظهرت منكم الغيوبُ والأسرارُ؟ هنالك تُجزى كلُّ نفسٍ ما كسبت، إن الله تعالى يقول: ﴿لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَُٰٓٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾، جعلنا اللهُ وإياكم عاملين بكتابه، متَّبعين لأوليائه، حتى يُحِلَّنا وإياكم دارَ المُقامة من فضله، إنه حميدٌ مجيدٌ)(72)
ما أجلَّها من خطبةٍ وموعظةٍ بيَّن فيها رضي الله عنه حقيقةَ هذه الدنيا بأوجزِ
عبارة، وأبينِ بيانٍ.
وعن معاذ الحذَّاء قال: سمع عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه رجلًا يسبُّ الدنيا، فقال له: (إنها لدارُ صدقٍ لمَن صدَقها، ودارُ عافيةٍ لمَن فهم عنها، ودارُ غنى لمَن تزَّود منها، ومسجدُ أحبّاءِ اللهِ عز وجل، ومهبطُ وحيِه، ومصلَّى ملائكتِه، ومتجرُ أوليائِه، اكتسَبوا فيها الرحمةَ، وربحوا فيها الجنةَ، فمن ذا يذُمُّ الدنيا، وقد آذنت بفراقِها، ونادت بينها، ونعَتْ نفسَها وأهلَها، فمثَّلتْ ببلائها البلاءَ، وشوَّقت بسرورها إلى السرورِ، فذمَّها قومٌ عند الندامةِ، وحمِدَها آخرون، حدَّثَتْهُم فصدَّقوا، وذكَّرَتْهُم فذكروا، فيا أيها المعتلُّ بالدنيا، المغترُّ بغرورها، متى استهْوَتْك الدنيا، بل متى غرَّتْك؟ ألمضاجعِ آبائِك من الثرى؟ أم بمصارِعِ أمهاتِك من البِلى؟ كم قد قلّبتَ بكفَّيْكَ، ومرضتَ بيديك، تطلبُ له الشفاءَ، وتسألُ له الأطباءَ، لم تَظفَر بحاجتِك، ولم تُسعَف بطلبَتِك، قد مثَّلتْ لك الدنيا بمصرعِه مصرعَك غدًا، يوم لا يغني عنك بكاؤُك، ولا ينفعُك أحبَّاؤُك)(73) .
وهذا من دقيق فهم عليٍّ رضي الله عنه للمعنى الحقيقي للزهد في الدنيا، فليس المعنى هجرها مطلقًا، والإعراض عنها بالكلية، كلّا؛ بل هي دار صدق وعافية وغنى، لمن أحسنَ استغلالها، وتزوَّدَ منها لآخرته، ولم تصدّه عن طاعة ربه تعالى، ولو كان مع ذلك كلِّه من أهل الدُّثور، وأصحاب الأموال والقصور، فلن يضرَّه ذلك، ولذلك ورد عنه رضي الله عنه أنه كان يقول في دعائه: (اللهمَّ إنك جعلتَ الدنيا فتنةً ونكالًا، فاجعلْ حظِّي من جميعِها، ونصيبي من قسمِها، وشرفي من سلطانِها، سُلُوًّا عنها، وعملًا بما ترضى به عني)(74) .
وفي خطبة أخرى له رضي الله عنه يقول: (أُوصِيكم بتقوى الله، والتَّرْكِ للدنيا التاركةِ لكم، وإن كنتم لا تحبون تركَها، المُبلِيةِ أجسامَكم، وإن كنتم تريدون تجديدَها، فإنما مثلُكم ومثلُها كمثل سَفْر سلكوا طريقًا، فكأنهم قد قطعوه، أو أفضوا إلى عَلَمٍ، فكأنهم قد بلَغوه، وكم عسى أن يجريَ المجرى حتى ينتهيَ إلى الغاية؟ وكم عسى أن يبقى من له يومٌ من الدنيا، وطالبٌ حثيثٌ يطلبُه حتى يفارقَها؟ فلا تجزعوا لبؤسِها وضرَّائِها، فإنه إلى انقطاعٍ، ولا تفرحوا بنعيمِها، فإنه إلى زوالٍ، عجبتُ لطالبِ الدنيا والموتُ يطلبُه، وغافلٍ ليس بمغفولٍ عنه)(75) .
لقد عرف القومُ حقيقةَ الدنيا، فعملوا بذلك العِلم، فلم يكن كلامُهم مواعظَ تُتلى على المسامعِ، ونصائحَ تُوجَّه للآخرين، دون أن يكون لهم نصيبٌ منها، كلّا واللهِ، بل كانوا من أوائل العاملين بما يقولون، الحريصين على تطبيق ما يعِظون، ومن أجلّ الآثار الواردة عن أبي السبطين رضي الله عنهم أجمعين في هذا المقام:
عن أبي صالح، قال: دخل ضرارُ بن ضمرة الكناني على معاويةَ رضي الله عنه، فقال له: (صِفْ لي عليًّا، فقال: أَوَ تُعفيني يا أميرَ المؤمنين، قال: لا أُعفيك، قال: أمَا إذ لا بد، فإنه كان واللهِ بعيدَ المدى، شديدَ القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجر العلمُ من جوانبه، وتنطق الحكمةُ من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتِها، ويستأنس بالليلِ وظلمتِه، وكان واللهِ غزيرَ العَبرة، طويلَ الفكرة، يقلِّب كفَّه، ويخاطب نفسَه، يُعجبه من اللباسِ ما قصُر، ومن الطعام ما خشُن، كان واللهِ كأحدِنا يُدنِينا إذا أتيناه، ويُجيبُنا إذا سأْلناه، وكان مع تقرُّبه إلينا وقربِه منَّا لا نكلِّمُه هيبةً له، فإن تبسَّم فعن مثل اللؤلؤِ المنظومِ، يعظِّم أهلَ الدينِ، ويحبُ المساكينَ، لا يطمعُ القويُّ في باطلِه، ولا ييأسُ الضعيفُ من عدلِه، فأشهد بالله لقد رأيتُه في بعض مواقفه، وقد أرخى الليلُ سدولَه، وغارت نجومَه، يميل في محرابِه قابضًا على لحيتِه، يتململُ تململَ السَّليمِ، ويبكي بكاءَ الحزينِ، فكأني أسمعُه الآن وهو يقول: يا ربَّنا يا ربَّنا يتضرعُ إليه ثم يقول للدنيا: إليَّ تَغَرَّرْتِ، إليَّ تَشَوَّفْتِ، هيهاتَ هيهاتَ، غُرِّي غيري، قد بَتَتُّكِ ثلاثًا(76) ، فعمرُك قصيرٌ، ومجلسُك حقيرٌ، وخطرُك يسيرٌ، آهٍ آهٍ من قلةِ الزادِ، وبُعْدِ السفرِ، ووحشةِ الطريقِ.
فوكَفَتْ دموعُ معاوية على لحيتِه ما يملكُها، وجعل ينشِّفُها بكُمِّه، وقد اختنق القومُ بالبكاءِ، فقال معاوية: كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف
وَجْدُك عليه يا ضرارُ؟ قال: وَجْدُ من ذُبِح واحدُها في حَجْرِها، لا ترْقأُ دمعتُها، ولا يسكنُ حزنُها، ثم قام فخرج)(77)
زهد أبي الدرداء رضي الله عنه:
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «لو كانت الدنيا تزِنُ عند اللهِ جناحَ ذبابةٍ وفي رواية: بعوضةٍ ما سقى فرعونَ منها شربةَ ماءٍ»(78) .
قال المناوي: (هذا مثلٌ لغاية القلةِ والحقارةِ، والبعوضة فَعولية من البعض وهو القطع، كالبضع غلب على هذا النوع، فلو كان لها أي الدنيا أدنى قدرٍ ما مُتِّع الكافرُ منها أدنى تمتعٍ، وهذا أوضحُ دليلٍ وأعدلُ شاهدٍ على حقارةِ الدنيا)(79) .
وعنه رضي الله عنه قال: (لئِن حلفتُم لي على رجُلٍ منكم أنه أزهدُكم، لأحلفنَّ لكم أنه خيرُكم)(80) وعنه رضي الله عنه قال: (لا تزالُ نفسُ ابنِ آدمَ شابَّةً في حبِّ الدنيا والدرهمِ، ولو التَقَتْ تَرْقُوَتاهُ من الكِبَر، إلا الذين امتحنَ اللهُ قلوبَهم للآخرة، وقليلٌ ما هُمْ)(81) وعنه رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَليلًا، وَلَهَانَتْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، وَلَآثَرْتُمُ الآخِرَةَ». ثم قال أبو الدرداء من قِبلِ نفسِه: (لو تعلمونَ ما أعلمُ لخرجْتُم إلى الصَّعُداتِ تبكون على أنفسِكم، ولتركْتُم أموالَكم لا حارسَ لها، ولا راجعَ إليها، إلا ما لا بدَّ لكم منه، ولكن يغيبُ عن قلوبِكم ذكرُ الآخرةِ، وحضَرَها الأملُ، فصارت الدنيا أملكَ بأعمالِكم، وصرتُم كالذين لا يعلمون، فبعضُكم شرٌّ من البهائم التي لا تدعُ هواها مخافةً مما في عاقبتِه، ما لكم لا تحابُّون، ولا تناصحون، وأنتم إخوانٌ على دينٍ؟ ما فرَّق بين أهوائِكم إلا خبثُ سرائرِكم، ولو اجتمعتم على البِرِّ لتحابَبْتُم، ما لكم تناصحون في أمر الدنيا، ولا تناصحون في أمر الآخرة؟! لا يملك أحدُكم النصيحةَ لمن يحبُه ويعينُه على أمر آخرته! ما هذا إلا من قلةِ الإيمانِ في قلوبِكم، لو كنتم توقنون بخيرِ الآخرةِ وشرِّها، كما توقنون بالدنيا، لآثرتم طلبَ الآخرةِ، لأنها أملكُ لأموركم، فإن قلتم: حبُّ العاجلة غالبٌ، فإنَّا نراكم تدَعون العاجلَ من الدنيا للآجلِ منها، تكُدُّون أنفسَكم بالمشقَّة والاحتراقِ في أمرٍ لعلَّكم لا تدركونه، فبئس القومُ أنتم، ما حقَّقتُم إيمانَكم بما يُعرف به الإيمانُ البالغُ فيكم، فإن كنتم في شكٍّ مما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم فاْتُونا فلَنُبيِّن لكم، ولنُرِيَكم من النورِ ما تطمئنُّ إليه قلوبُكم، والله ما أنتم بالمنقوصةِ
عقولُكم فنعذُرَكم، إنكم لتُبَيِّنونَ صوابَ الرأيِ في دنياكم، وتأخذون بالحزمِ في أمرِكم، ما لكم تفرحون باليسيرِ من الدنيا تصيبونَه، وتحزنون على اليسيرِ منها يفوتُكم، حتى يتبيَّنَ ذلك في وجوهِكم، ويظهرَ على ألسنتِكم؟ وتُسمُّونها المصائبَ، وتقيمون فيها المآتمَ، وعامَّتُكم قد تركوا كثيرًا من دينهم بما لا يتبيَّن ذلك في وجوهِكم، ولا يتغيَّر حالُكم، إني لأرى اللهَ قد تبرَّأ منكم، يلقى بعضُكم بعضًا بالسرورِ، وكلُّكم يكرهُ أن يستقبِل صاحبَه بما يكره مخافةَ أن يستقبِلَه صاحبُه بمثله، فأصبحتم على الغِّلِّ، ونبتَتْ مراعيكم على الدِّمَنِ، وتصافَيْتم على رفضِ الأجلِ، لوددتُ أن اللهَ أراحَني منكم، وألحقَني بمن أحبُّ رؤيتَه، ولو كان حيًّا لم يصابِرْكم، فإن كان فيكم خيرٌ أسمعْتُكم، وإن تطلبوا ما عند اللهِ تجدوه يسيرًا، وبالله أستعينُ على نفسي وعليكم)(82)
وهذا هو حال كثير من الناس، فإذا كان أبو الدرداء يقول هذا الكلامَ في ذلك الزمان، والناسُ لم يزالوا على العهدِ الأولِ في غالبيتهم، فماذا لو رأى هذا الزمانَ، وكيف تعلق الناسُ بهذه الدنيا، وانصرفوا عن الآخرة؟!
زهد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «أنتم اليومَ أطولُ اجتهادًا وأطولُ صلاةً، أو أكثرُ صلاةً من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا خيرًا منكم»،
فقيل: لم؟ قال: «كانوا أزهدَ منكم في الدنيا، وأرغبَ في الآخرة»(83)
وهذا فهم عظيم من هذا الصحابي الجليل، فليست الخيرية عند الله تعالى بكثرة صلاة، وكثرة صيام، وغير ذلك من العبادات، بل إن ذلك كامن في الزهد في هذه الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى، وهذه حال صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا استحقوا تلك الخيرية والتقدم على كل من جاء بعدهم.
وعنه رضي الله عنه قال: «الدنيا دارُ من لا دارَ له، ومالُ من لا مالَ له، ولها يجمعُ من لا عقلَ له»(84) .
قال الطيبي: قوله: «دار من لا دار له»: لما كان القصدُ الأولُ من الدارِ الإقامةَ مع عيشٍ هنئٍ، ولَذٍّ صفيٍّ، ودارٌ خاويةٌ عنها لا يستحق لذلك أن تسمى دارًا، فمن دارُه الدنيا فلا دارَ له، ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾.
والمقصودُ من المال الإنفاقُ في المبرَّات، والصرفُ في وجوه الخيرات، فمن أتلفه في الشهوات، واستيفاءِ اللذات، فحقيقٌ بأن يقال: لا مالَ له، ﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾؛ ولذلك قدَّم الظرفَ على عامله في قوله: «ولها يجمع»، دلالة على أن الجمعَ للدار الآخرة للتزود، وهو المحمود؛ قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾(85) .
وعنه رضي الله عنه: أنه كان يقول إذا قعد: (إنَّكم في ممرِّ الليلِ والنهارِ في آجالٍ منقوصةٍ، وأعمالٍ محفوظةٍ، والموتُ يأتي بغتةً، فمن زرعَ خيرًا يوشك أن يحصدَ رغبةً، ومن زرعَ شرًّا يوشك أن يحصدَ ندامةً، ولكلِّ زارعٍ مثل ما زرعَ، فلا يسبق بَطِيءٌ بِحَظِّه، ولا يُدرك حريصٌ ما لم يقدره له، فمن أُعطي خيرًا فاللهُ أعطاه، ومن وُقي شرًّا فاللهُ وقاه، المتَّقون سادةٌ، والعلماءُ قادةٌ، ومجالستهم زيادةٌ)(86) وعنه رضي الله عنه قال: (لوددتُ أنِّي من الدنيا فردٌ، كالراكبِ الغادي الرائحِ)(87) عن ميمون، قال: (دخلتُ على ابن عمرَ رضي الله عنهما، فقوَّمْتُ كلَّ شيءٍ في بيته من فراشٍ أو لحافٍ أو بساطٍ، فما وجدتُه يسوى مائةَ درهمٍ! قال:
ودخلتُ عليه مرةً أخرى، فما وجدتُه يسوى ثمنَ طَيْلساني هذا.
قال أبو المليح: فَبِيع طيلسان ميمون في ميراثه بمائة درهم)(88) .
وهل يُظنُّ بابن عمر رضي الله عنهما أن يخالف سيرةَ والده، بل سيرة سيده صلى الله عليه وسلم؟! أبدًا، فإنها سلسلةُ ذهبٍ، السابقُ يُسلِّم اللاحقَ، والمتأخرُ يأخذ بهدي المتقدمِ، فهُم ذريةٌ بعضُها من بعضٍ.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (لا يصيبُ عبدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقصَ من درجاته عند اللهِ تعالى، وإن كان عليه كريمًا)(89) .
حمل بعض أهل العلم هذا الأثر على النوع الثاني من الناس في هذه الدنيا كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [فاطر: 32]، وهو المقتصد، فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (والمقتصدُ منهم أخذَ الدنيا من وجوهِها المباحة، وأدَّى واجباتها، وأمسك لنفسه الزائدَ على الواجبِ، يتوسعُ به في التمتعِ بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكرُه، ولا عقابَ عليهم في ذلك، إلا أنه ينقص من درجاتهم من الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا، قال ابن عمر: لا يصيبُ عبدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمًا)(90) .
زهد حذيفة بن اليمان رضي الله عنه:
عن حذيفة
بن اليمان رضي الله عنه أنه كان يقول: (ما من صباحٍ ولا مساءٍ إلا ومنادٍ ينادي: يا أيَّها الناسُ الرحيل الرحيل، وإنَّ تصديقَ ذلك في كتابِ اللهِ عز وجل: ﴿إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ٣٥ نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ٣٦ لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ﴾، قال: في الموت، ﴿أَوۡ يَتَأَخَّرَ﴾، قال: في الموت)(91) وعن أبي عبد الرحمن السُّلمي قال: (نزلنا وبيننا وبين المدائنِ فرسخٌ، فأخذ أبي بيدي، فذهب بي إلى الجمعة، فإذا حذيفة رضي الله عنه يخطبُ، فقال: ألا إنَّ الساعةَ قد اقتربت، وإنَّ القمر قد انشقَّ، وإنَّ الدنيا قد آذنت بفراقٍ، وإنَّ المضمارَ اليومَ، وغدًا السِّباقَ. فقلتُ: يا أبه غدًا يستبقُ الناسُ؟ قال: يا بُنيَّ ما أجهلَك، إنَّما يعني العمل. فلمَّا كانت الجمعةُ الثانيةُ قال مثلَها، وإنَّ الغايةَ النارُ، والسَّابقُ من سبق إلى الجنَّةِ)(92)
نعم فالدنيا لا تعدو أن تكون مضمارَ سباقٍ يتنافس فيه المتنافسون،
فهل رأيتَ عاقلًا يجلسُ وسط المضمارِ ليستريحَ، ويتنزَّهَ، ويأكلَ ويشربَ!! أم أنَّه يبذلُ كلَّ طاقتِه من أجل أن يصلَ إلى خطِّ النهايةِ؟!
زهد سلمان الفارسي رضي الله عنه:
عن الحسن، قال: لما حضرتْ سلمانُ رضي الله عنه الوفاةَ بكى، فقيل له: ما يُبكيك يا أبا عبد الله وأنت صاحبُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال: (ما أبكي جزعًا على الدنيا، ولكن عهِدَ إلينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عهدًا فتركنا عهدَه، عهِدَ إلينا أن يكون بُلْغةُ أحدِنا من الدنيا كزادِ الراكبِ. فلما ماتَ نُظِر فيما ترك، فإذا قيمتُه ثلاثون درهمًا!). وفي رواية: (فلم نرضَ بذلك حتى جمعنا ما تَرْون، قال: فقلَّبْنا أبصارَنا في البيتِ، فلم نرَ إلا إِكافًا وقرطاطًا)(93) وفي رواية أخرى: (دخل سعدُ بن أبي وقاص على سلمان يعوده، فبكى سلمانُ، فقال له سعدٌ: ما يُبكيك يا أبا عبد الله؟ توفي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ، وتلقى أصحابَك، وترد عليه الحوضَ، فقال سلمان: أمَا
إني لا أبكي جزعًا على الموتِ، ولا حرصًا على الدنيا، ولكنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عهِدَ إلينا، فقال: «لِيَكُنْ بُلْغَةُ أَحَدِكُمْ مِثْلَ زَادِ الرَّاكِبِ»، قال: وحولي هذه الأساود(94) وإنما حوله وسادةٌ وجفنةٌ ومَطْهرةٌ. فقال سعدٌ: يا أبا عبد الله اِعْهَد إلينا عهدًا نأخذُ به مِن بعدِك، فقال: يا سعد اذكر اللهَ عند همِّك إذا همَمْتَ، وعند حكمِك إذا حكمتَ، وعند يدك إذا قسمتَ)(95)
فهذا سلمان رضي الله عنه يتَّهم نفسَه بأنه خالف وصيةِ حبيبه صلى الله عليه وسلم بأن يكون بلاغُ أحدِهم من الدنيا كزادِ الراكبِ، كنايةً عن قلةِ ذلك، مع أنه لم يترك عند موتِه إلا الشيءَ اليسيرَ الذي لا يُذكر، بل إنه مما لا يُنظر إليه، ولا يُأْبهُ به في نظرنا، فماذا يقول أصحابُ الأموال، والقصور، والعقارات، والذي حالُ أحدِهم كما وصف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ)(96) ؟!!
زهد أبي ذر رضي الله عنه:
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (إِني لأقربِكم مجلسًا من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وذاك أني سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِهَيْئَةِ مَا تَرَكْتُهُ فِيهَا»، وإنه واللهِ ما منكم من أحدٍ إلا وقد تشبَّثَ منها بشيءٍ غيري)(97)
وعن محمد بن المنكدر، قال: أرسل حبيبُ بن مسلمة وهو على الشامِ إلى أبي ذرٍّ رضي الله عنه بثلاثمائةِ دينارٍ، فقال: اِسْتَعن بها على حاجتِك، فقال أبو ذر: (اِرْجِع بها، فما وجدَ أحدًا أغرّ باللهِ منا؟! ما لنا إلا ظلٌّ نتوارى به، وثلَّةٌ من غنمٍ تروح علينا، ومولاةٌ لنا تصدَّقتْ علينا بخدمتِها، ثم إني لأَتَخَوَّف الفضلَ)(98)
وليس هذا الكلامُ بمستغربٍ على أبي ذرٍّ العابدِ الزاهدِ، الذي كان لا يرى جوازَ ادِّخارِ النقدَيْن مهما بلغ! والذي كان يعارض الصحابةَ ويخالفهم في ذلك، حتى اعتزل الناسَ في آخر عمرِه، وتحقَّق فيه قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (يَرْحَمُ اللهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ)(99) .
وعن جعفر بن سليمان، قال: (دخلَ رجلٌ على أبي ذرٍّ رضي الله عنه، فجعل يقلِّب بصرَه في بيتِه، فقال: يا أبا ذر، أين متاعَكم؟ قال: إنَّ لنا بيتًا نُوَجِّهُ إليه صالحَ متاعِنا. قال: إنَّه لا بد لك من متاعٍ ما دُمتَ ها هنا. قال: إنَّ صاحبَ المنزلِ لا يدعُنا فيه)(100)
وعن إبراهيم التيمي، قال: (دخلَ شبابٌ من قريش على أبي ذرٍّ رضي الله عنه فقالوا: فَضَحْتَ الدنيا، فأغضبوهُ، فقال: ما لي وللدنيا، وإنَّما يكفيني صاعٌ من طعامٍ في كل جمعةٍ، وشربةٌ من ماءٍ في كل يومٍ)(101)
أمثلة أخرى من زهد بعض الصحابة وآل البيت رضوان الله تعالى عليهم:
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (إنَّه لم يَبْقَ من الدنيا إلا فتنةٌ مُنتظَرةٌ، وكلُّ مُحْزِنٍ)(102) .
وما دام أن هذا هو ما بقي من الدنيا، فعلامَ التنافسُ فيها، والاقتتالُ عليها، وإضاعةُ العمر في تحصيلها؟! أيسعى العاقلُ في فتنةِ نفسِه وإحزانِها ويبقى عاقلًا؟!!
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كيفَ أنتم عندَ ثلاثٍ: دنيا تقطعُ رقابَكم، وزلةِ عالِمٍ، وجدالِ منافقٍ بالقرآنِ؟ فسكتوا، فقال معاذ بن جبل:
أمَّا دنيا تقطعُ رقابَكم، فمن جعل اللهُ غناه في قلبه فقد هُدي، ومن لا فليس بنافعتِه دنياه، وأما زلةُ عالمٍ، فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينَكم، وإن فُتن فلا تقطعوا منه أناتكم(103) فإنَّ المؤمنَ يُفتَن ثم يُفتَن، ثم يتوبُ، وأمَّا جدالُ منافقٍ بالقرآنِ، فإنَّ للقرآنِ منارًا كمنارِ الطريقِ، لا يكاد يخفى على أحدٍ، فما عرفتم فتمسَّكوا به، وما أشكل عليكم فكِلُوه إلى عالمِه)(104)
والشاهد قوله رضي الله عنه: (أمَّا دنيا تقطعُ رقابَكم، فمن جعل اللهُ غناه في قلبِه فقد هُدي، ومن لا فليس بنافعتِه دنياه)، فحالُ الدنيا أنَّها كقاطعِ الطريقِ على الآخرة، فالذي يثق بها، ويخلص لها، فلن تنفعَه، بل ستكبّه على وجهِه.
عن خالد بن عمير العدوي، قال: خطبَنا عتبةُ بن غزوان رضي الله عنه، فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: (أمَّا بعدُ، فإنَّ الدنيا قد آذنتْ بصَرْمٍ(105) وولَّت حذَّاء(106) ولم يبقَ منها إلا صُبابةٌ كصُبابةِ الإناءِ، يتصابُّها صاحبُها، وإنكم منتقلون منها إلى دارٍ لا زوالَ لها، فانتقِلوا بخيرِ ما بحَضْرَتِكم، فإنَّه
قد ذُكر لنا أن الحجرَ يُلقى من شفةِ جهنمَ، فيهوي فيها سبعين عامًا، لا يُدرك لها قعرًا، وواللهِ لتُملأَنَّ، أفعجِبْتُم؟ ولقد ذُكر لنا أن ما بين مصراعَيْن من مصاريعِ الجنةِ مسيرةَ أربعين سنة، وليأتِيَنَّ عليها يومٌ وهو كَظيظٌ من الزحامِ، ولقد رأيتُني سابعَ سبعةٍ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعامٌ إلا ورقُ الشجرِ، حتى قَرِحت أشداقُنا، فالتقطتُ بردةً فشقَقْتُها بيني وبين سعدِ بن مالك، فاتَّزرتُ بنصفِها، واتَّزر سعدٌ بنصفِها، فما أصبح اليومَ منا أحدٌ إلا أصبح أميرًا على مِصرٍ من الأمصارِ، وإني أعوذُ باللهِ أن أكونَ في نفسي عظيمًا، وعند اللهِ صغيرًا، وإنَّها لم تكن نبوةٌ قطُّ إلا تناسخت، حتى يكون آخرُ عاقبتِها مُلكًا، فستَخْبَرون وتُجرِّبون الأمراءَ بعدَنا)(107)
في هذا الأثرِ يستذكر عتبةُ رضي الله عنه أحوالَهم مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما كانوا عليه من شظَفِ العيشِ، وقلةِ ذاتِ اليدِ، حتى أنَّ الواحدَ منهم لا يجد قوتَ يومِه، ثم ما أصبحوا عليه بعد ذلك من تَأَمُّرٍ على الأمصارِ، والولايةِ على الناسِ، فيستعيذ باللهِ تعالى من أن يكون في نفسِه عظيمًا، وعند اللهِ صغيرًا، لأنَّ الوزنَ الحقيقيَّ للإنسانِ ليس بما يملكُ من هذه الدنيا، وما جمع فيها، وإنَّما بما له عند اللهِ تعالى.
عن عمير بن حبيب رضي الله عنه أنه كان يقوم من السَّحر ينادي: (الرَّحيل الرَّحيل، الرَّواح الرَّواح، سَبَقْتم إلى الماءِ، مَن يسبق إلى الماءِ يظمأ، ومَن يسبق إلى الظلِّ يَضْحَى إلى الشمسِ. قال: فتسمعُ القراءةَ من ها هنا، ومن
ها هنا، قال: وكان في بستانٍ له ومعه غلامٌ له، فأذَّن المؤذِّنُ، فقال الغلامُ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، فقال: أَسَبَقْتني إليها؟ أنتَ حرٌّ، ولك هذه النخلة)(108)
وفي الأثرِ مدى حرصِ هذا الصحابيِّ الجليلِ على التسابقِ في الخيراتِ، والتنافسِ في الطاعاتِ، حتَّى ولو في إجابةِ المؤذنِ، فإنه لم يحب أن يُسبَق بذلك، وهذا غايةٌ في فهمِ حقيقةِ هذه الدنيا، والزهدِ فيها، والعملِ للآخرة.
عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: (تابَعْنا الأعمالَ، فلم نجد شيئًا أبلغ في طلبِ الآخرةِ من الزهدِ في الدنيا)(109) .
وهذه حقيقةٌ جليَّةٌ لمن كان له بصيرةٌ، فإنَّ الإنسانَ كلَّما تعلَّق قلبُه بالدنيا، نقص تعلُّقه بالآخرةِ بمقدارِه ولا بد، والعكسُ بالعكسِ، فمن زهد في الدنيا طلبَ الآخرةِ، ومن أقبلَ على الدنيا ورغبَ فيها، أعرضَ عن الآخرةِ وزهدَ فيها، فاختر لنفسِك أيُّها الإنسانُ من أيِّ الفريقين أن تكون.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (الدُّنيا جنَّةُ الكافرِ، وسجنُ المؤمنِ، وإنَّما مثلُ المؤمنِ حين تَخرج نفسُه كمثلِ رجلٍ كان في سجنٍ فأُخرجَ منه، فجعل يتقلَّبُ في الأرضِ ويتفسَّحُ فيها)(110) .
قال القرطبي في المفهم في شرح أثر الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر: (إنما كانت الدنيا كذلك؛ لأنَّ المؤمنَ فيها مقيَّدٌ بقيودِ التكاليفِ، فلا يقدرُ على حركةٍ ولا سكونٍ إلا أن يفسحَ له الشرعُ، فيفكَّ قيدَه، ويمكِّنَه من الفعلِ أو التركِ، مع ما هو فيه من توالي أنواعِ البلايا والمحنِ، والمكابداتِ من الهمومِ والغمومِ والأسقامِ والآلامِ، ومكابدةِ الأندادِ والأضدادِ والعيالِ والأولادِ،...، وأيُّ سجنٍ أعظمُ من هذا؟! ثم هو في هذا السجنِ على غايةِ الخوفِ والوَجلِ، إذ لا يدري بماذا يُختَم له من عملٍ؟ كيف وهو يتوقَّعُ أمرًا لا شيءَ أعظمُ منه، ويخافُ هلاكًا لا هلاكَ فوقه؟! فلولا أنه يرتجي الخلاصَ من هذا السجنِ لهلك مكانَه، لكنه لَطَف به، فهوَّن عليه ذلك كله بما وُعد على صبرِه، وبما كُشف له من حميدِ عاقبةِ أمرهِ، والكافرُ منفَكٌّ عن تلك الحالاتِ بالتكاليف، آمِنٌ من تلك المخاويفِ، مقبِلٌ على لذاتِه، منهمِكٌ في شهواتِه، معتزٌّ بمساعدة الأيامِ، يأكل ويتمتع كما تأكلُ الأنعامُ، وعن قريبٍ يستيقظ من هذه الأحلامِ، ويحصل في السجنِ الذي لا يُرام، فنسأل اللهَ السلامةَ من أهوالِ يوم القيامة)(111) .
وقال ملا علي قاري: (كالسجنِ للمؤمنِ في جنب ما أعد له في الآخرةِ من الثوابِ والنعيمِ المقيمِ، وكالجنةِ للكافرِ في جنب ما أعد له في
الآخرةِ من العقوبةِ والعذابِ الأليمِ، وقيل: إنَّ المؤمنَ عرض نفسَه عن الملاذِّ وأَخَذَها بالشدائدِ، فكأنه في السجنِ، والكافرُ فرجها بالشهواتِ فهي له كالجنةِ، كذا ذكر في الفائق. ويؤيِّد القولَ الأخيرَ ما قاله فضيلُ بن عياض: من ترك لذاتِ الدنيا وشهواتِها فهو في سجنٍ، فأمَّا الذي لا يترك لذاتِها وتمتعاتِها فأيُّ سجنٍ عليه؟)(112)
وقال المناوي: (ذكروا أنَّ الحافظَ ابن حجرٍ لمَّا كان قاضي القضاةِ مرَّ يومًا بالسوقِ في موكبٍ عظيمٍ، وهيئةٍ جميلةٍ، فهجم عليه يهوديٌّ يبيع الزيتَ الحارَّ، وأثوابُه ملطَّخةٌ بالزيتِ، وهو في غايةِ الرَّثاثةِ والشناعةِ، فقبض على لجامِ بغلتِه وقال: يا شيخَ الإسلامِ تزعُمُ أنَّ نبيَّكم قال: (الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ)، فأيُّ سجنٍ أنت فيه، وأيُّ جنَّةٍ أنا فيها؟ فقال: أنَا بالنسبة لمَّا أعدَّ اللهُ لي في الآخرةِ من النعيمِ كأني الآنَ في السجنِ، وأنتَ بالنسبة لمَّا أعدَّ لك في الآخرةِ من العذابِ الأليمِ كأنَّك في جنَّةٍ، فأسلمَ اليهوديُّ)(113) .
قال الصنعاني: (ويُحفظُ أنَّ مِثْلها اتَّفق للإمامِ عبد الله بن حمزة عليهما السلام، وأنه أجابَ وهو حدثُ السِّنِّ بهذا الجوابِ، فأُعجبَ به أهلُ زمانِه، ولا يَبعُد في اتفاق ذلك للرجلين)(114) .
قال ابن علَّان: (وفي الحديثِ تحريضٌ للمؤمنِ على الإعراضِ عنها، وعدم النظرِ لها نظرَ محبةٍ؛ لأنَّ ذلك شأن السجنِ)(115) .
عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: (الدنيا موقوفةٌ ما بين السماءِ والأرضِ كالشِّنِّ البالي، تُنادي ربَّها منذ يوم خلقَها إلى يومِ يُفنيها: يا ربّ يا ربّ، لمَ تُبغضْنِي؟ يا ربّ يا ربّ، لمَ تُبغضْنِي؟ فيقول لها: اسكُتي يا لا شيء، اسكُتي يا لا شيء)(116)
هذه هي حقيقةُ الدنيا، وهذه هي منزلتُها عند اللهِ تعالى، ولذا فقد زهَّد الناسَ فيها، وطلب منهم أن يحذروها على دينهم، وإلا كانت هلاكَهم.
كان الحسنُ بن علي رضي الله عنه يتمثَّل ويُروى أنه مِن قوله:
| يا أهلَ لذاتِ دنيا لا بقاءَ لها | إنَّ اغترارًا بظلٍّ زائلٍ حُمْقُ(117) ( 117 ) |
|---|
وصدق رضي الله عنه، فإنَّ الاغترارَ بأيِّ أمرٍ زائلٍ، سواء أكان ظلًّا، أم دنيا، أم غير ذلك، إنما هو من أعظم الحماقة.
عن أبي روح الأنصاري، قال: كان من دعاءِ الحسينِ بن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (اللهمَّ ارزُقْني الرغبةَ في الآخرةِ، حتى أعرف صِدقَ ذلك في قلبي بالزَّهادةِ مِني في دُنياي، اللهمَّ ارزُقْني بصرًا في أمرِ الآخرةِ حتى
أطلبَ الحسناتِ شوقًا، وأفرَّ من السيئاتِ خوفًا)(118)
دعاءٌ عظيمٌ يدلُّ على فهمٍ دقيقٍ للزهدِ في الدنيا، فالزهدُ فيها لا يكون حقيقيًا إلا بالرغبةِ في الآخرةِ، وطلبِ الحسناتِ شوقًا، والفرارِ من السيئاتِ خوفًا.
عن محمد ابن الحنفية رضي الله عنه أنه كان يقول: (إنِّي واصفٌ لك أخًا كان أعظمَ الناسِ في عيني، وكان الذي يُعظِّمُه في عيني صِغر الدنيا في عينِه، كان خارجًا من سلطانِ بطنِه، فلا يتشهَّى ما لا يجد، ولا يُكثِر إذا وَجد، وكان خارجًا من سلطانِ الجهالةِ، فلا يُقدِم على الأمرِ إلا بعد بينةٍ)(119) .
حُقَّ لمن كانت هذه صفتُه أن يحرص المرؤُ على صحبته، وأن يكون عظيمًا في أعينِ من يفهم حقيقةَ الدنيا، لأنَّ صحبةَ أمثالِ ذلك تزيد في الإيمانِ، وتقرب من الرحمنِ.
وعن عثمان بن زائدة، قال: قيل لمحمد ابن الحنفية رضي الله عنه: مَن أعظمُ الناسِ قدرًا؟ قال: (مَن لم يرَ الدنيا كلَّها لنفسِه خطرًا؛ إنَّه ليس لأبدانِكم ثمنٌ إلا الجنَّةِ، فلا تبيعوها إلا بها(120) ) .
وصدَق رحمه الله، فمَن نظر إلى هذه الدنيا على أنَّها مجردُ طريقٍ مسلوكٍ إلى الآخرةِ، وممرٍّ إلى دار المقرِّ، لم يُولِها أكثرَ من ذلك، وعملَ بحسب ذلك، فهو من أعظمِ الناسِ قدرًا ومنزلةً.
عن جابر الجعفي، قال: قال محمد بن علي الباقر رضي الله عنه: (يا جابر إني لمحزونٌ، وإني لمشتغلُ القلبِ! قلتُ: وما حزنُك وشغْلُ قلبِك؟ قال: يا جابر إنَّه مَن دَخل قلبَه صافي خالصُ دينِ اللهِ، شغله عمَّا سواه، يا جابر؛ ما الدنيا؟ وما عسى أن تكونَ؟ هل هو إلا مركبٌ ركبتَه، أو ثوبٌ لبِسْتَه، أو امرأةٌ أصبتَها؟ يا جابر؛ إنَّ المؤمنين لم يطمئنُّوا إلى الدنيا لبقاءٍ فيها، ولم يأمنوا قدومَ الآخرةِ، لم يُصِمُّهم عن ذكرِ اللهِ ما سمعوا بآذانِهم من الفتنةِ، ولم يُعْمِهم عن نورِ اللهِ عز وجل ما رأَوْا بأعينِهم من الزينةِ، ففازوا بثوابِ الأبرارِ، إنَّ أهلَ التقوى أيسرُ أهلِ الدنيا مؤونةً، وأكثرُهم لك معونةً، إنْ نسيتَ ذكَّروكَ، وإنْ ذكرتَ أعانوكَ، قوّالين بحقِّ اللهِ، قوّامين بأمرِ اللهِ سبحانه، قطعوا محبتَهم لمحبةِ ربهمِ، ونظروا إلى اللهِ وإلى محبتِه بقلوبِهم، وأوحشوا من الدنيا لطاعةِ مليكِهم، وعلِموا أنَّ ذلك منظورُ إليه من شأنِهم، فأَنزِل الدنيا بمنزلةِ منزلٍ نزلتَ به وارتحلتَ عنه، أو كَمالٍ أصبتَه في منامِك، فاستيقظتَ وليس منه شيءٌ، واحفظ اللهَ عز وجل ما استرعاك من دينِه وحكمتِه)(121) .
إنها كلماتٌ من نورٍ، وعليها نورٌ، كيف لا؟ والناطقُ بها حفيدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، الذي فهم عن آبائه حقيقةَ الدنيا، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمنُ فيها،
فهي كما قال رضي الله عنه: (ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟ هل هو إلا مركبٌ ركبتَه، أو ثوبٌ لبستَه، أو امرأةٌ أصبتَها؟)، نعم هذه الدنيا بما حَوَت، فمن نازع فيها، وأفنى عمرَه من أجلِها، فقد أضاعَه في لا شيء، وخرج منها بلا شيء!
الباب الثاني: العبادة عند الآل والأصحاب
العبادة:
لغة:
(عَبَدَ): العينُ والباءُ والدالُ أصلان صحيحان، كأنهما متضادان، والأولُ من ذَيْنِك الأصلين يدل على لينٍ وذلٍّ، والآخرُ على شدةٍ وغِلَظٍ. فالأول العبد، وهو المملوك، والجماعة العبيد، وثلاثة أَعبُد وهم العباد. قال الخليل: إلا أن العامة اجتمعوا على تفرقة ما بين عباد الله، والعبيد المملوكين، يقال: هذا عبدٌ بيِّن العبودة.
قال: وأما عَبَد يعبُد عبادة، فلا يقال إلا لمن يعبد اللهَ تعالى، يقال منه: عبَد يعبُدُ عبادةً، وتَعبَّد يتَعبَّد تَعبُّدًا، فالمتعبِّدُ: المتفرِّدُ بالعبادة.
ويقال: وبعيرٌ مُعَبَّدٌ: مُذَلَّلٌ، وطريقٌ معبَّدٌ: مسلوكٌ مذلَّلٌ(122) .
اصطلاحًا:
قال الشريف الجرجاني: العبادة: هو فعلُ المكلَّفِ على خلاف هوى
نفسه؛ تعظيمًا لربِّه(123)
وقيل: العبادةُ الإتيانُ بغاية ما في بابها من الخضوع، ويكون ذلك بموافقة الأمر، والوقوف حيثما وقف الشرعُ(124) .
وقيل: العبادةُ أقصى غايةِ الخضوع والتذلُّل، وسُمِّي العبدُ عبدًا لذلته وانقياده.
وقيل: العبادةُ عبارةٌ عن الفعل الذي يُؤدى به الفرضُ لتعظيم الله تعالى، فقولُ العبدِ: إيَّاك نعبد معناه لا أعبد أحدًا سواك، والعبادة غاية التذلُّل من العبد، ونهاية التعظيم للرب سبحانه وتعالى؛ لأنه العظيم المستحق للعبادة، ولا تُستعمل العبادةُ إلا في الخضوع لله تعالى؛ لأنه مولى أعظمِ النِّعم، وهي إيجاد العبد من العدم إلى الوجود، ثم هداه إلى دينه، فكان العبدُ حقيقًا بالخضوع والتذلُّل به(125) .
وقيل: العبادةُ عبارةٌ عمَّا يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف(126) .
إن هذه التعريفات جميعها تصبُّ في مصبٍّ واحد، فهي من باب اختلاف التنوعِ لا التضادِّ، فكلُّها متفقةٌ على أن العبادةَ تشتمل على أمرين اثنين هما: كمال الحب، مع كمال الذل والتعظيم، ولا بد من اجتماعهما
حتى يكون المرؤُ عابدًا لله تعالى، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعظمَ الخَلق وأجلَّهم عبادةً لربِّه جل وعلا، وسار على خطاه، ونسج على منواله آلُه الأطهارُ، وأصحابُه الأبرارُ، فكانوا عُبّادًا لله تعالى على الحقيقة، يقدِّمون مراضيه ومحابَّه على هوى أنفسهم ومحابِّهم، ويبذلون أنفسَهم، وأموالَهم، وأوقاتَهم، وطاقاتِهم، وكلَّ ما يملكون، في طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك استحقوا الصدارة، وفازوا بالخيرية، وظفروا بالرضا الإلهي، والمحبة المصطفوية.
وقد كان للشعائر التعبدية موقعٌ خاصٌّ، واهتمامٌ بالغٌ، عند صحابة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا لا غرابةَ فيه، وهو يرَوْن بأمِّ أعينهم كيف كانت عبادة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مع أنه قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، أفيقصِّرون بعد ذلك ويتكاسلون؟!! كلّا واللهِ، ولذا فقد وردت عنهم أحوالٌ عجيبةٌ في عباداتهم، لولا النقلُ الصحيحُ لها لعُدَّت ممّا يستبعده العقلُ!
ولعلِّي أسوق جملةً من هذه الآثار الواردة عنهم في بعض أبوابٍ من العبادات القلبية، والعملية، وهي على سبيل الذكر والمثال لا الحصر، وهذا أوانُ ذِكْرِها:
المطلبُ الأولُ: الخوفُ من اللهِ تعالى
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (ومن منازل: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾، منزلةُ الخوف، وهي من أجلِّ منازل الطريق وأنفعها للقلب، وهي فرضٌ على كل أحدٍ)(127) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (إنَّ اللهَ خلق الخلقَ ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلةَ الدالةَ على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوفَ الإجلال، ووصف لهم شدةَ عذابِه، ودارَ عقابِه، التي أعدَّها لمن عصاه ليتَّقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرَّر سبحانه وتعالى في كتابه ذكرَ النارِ وما أعدَّه فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع، والحميم والسلاسل والأغلال، إلى غير ذلك ممَّا فيها من العظائم والأهوال، ودعا عبادَه بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعةِ إلى امتثال ما يأمر به ويحبُّه ويرضاه، واجتنابِ ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمَّل الكتابَ الكريمَ، وأدار فكرَه فيه، وجد من ذلك العجبَ العجاب، وكذلك السنةُ الصحيحةُ التي هي مفسرةٌ ومبينةٌ لمعاني الكتاب، وكذلك سيرُ السلف الصالح أهل العلم والإيمان، من الصحابة والتابعين
لهم بإحسان، من تأمَّلها علِمَ أحوالَ القوم، وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأن ذلك هو الذي رقَّاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيَّات، من شدة الاجتهاد في الطاعات، والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات، فضلًا عن المحرمات)(128)
فالخوف من الله تعالى من أعظم العبادات، وأجلِّ الأعمال القلبية، ولذا فقد أمر الله تعالى به، فقال عز وجل: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]، وقال: ﴿فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ﴾ [المائدة: 44].
ومدح اللهُ تعالى أهلَه في كتابه وأثنى عليهم، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ٥٩ وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ٦٠ أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57 61].
ووصف نبيَّه ورسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة، فقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [يونس: 15]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ١٣ قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي١٤ فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ١٥ لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 13 16].
وأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن نفسه بأنه من أخشى الناسِ لله تعالى، فقال: (أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ)(129) ، كيف لا، وهو أعلمُ الناسِ بربِّه جل وعلا ؟ فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ(130) السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّه، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ»(131) .
والخوفُ المطلوبُ هو الخوفُ الحاملُ للعبد على الإتيانِ بالطاعة، والبعدِ عن المعصية، وأما الخوفُ الذي يُقعِد عن العمل فهو خوفٌ مذمومٌ، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (القدرُ الواجبُ من الخوف ما حمل على أداءِ الفرائض واجتنابِ المحارم، فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافلِ الطاعات، والانكفافِ عن دقائقِ المكروهات، والتبسُّطِ في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورثَ مرضًا أو موتًا، أو همًّا لازمًا، بحيث يقطع
عن السعيِ في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة للهِ عز وجل لم يكن محمودًا)(132)
وقد كان لهذه الصفةِ موقعُها العظيمُ في قلوب الصحابة الكرام، فكانوا من أشدِّ الناسِ خوفًا من الله تعالى، وقد وردت عنهم آثارٌ كثيرةٌ في هذا المقام، ومن ذلك:
عن الضَّحَّاك، قال: (رأى أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه طيرًا واقعًا على شجرةٍ، فقال: طوبى لك يا طيرُ، واللهِ لوددتُ أني كنتُ مثلَك، تقع على الشجرة، وتأكل من الثمر، ثم تطير وليس عليك حسابٌ ولا عذابٌ، واللهِ لوددتُ أني كنتُ شجرةً إلى جانب الطريق، مرَّ عليَّ جملٌ، فأخذني فأدخلني فاهُ فلاكَني، ثم ازْدَرَدَنِي، ثم أخرجني بَعْرًا ولم أكن بشرًا)(133) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (كان رأسُ عمرَ على فخذي في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: ضعْ رأسي على الأرض. قال: فقلتُ: وما عليك كان على فخذي أم على الأرض؟ قال: ضعْهُ على الأرض. قال: فوضعتُه على الأرض، فقال: ويلي، وويلُ أمِّي، إن لم يُرْضِني ربي)(134) .
وعنه رضي الله عنه، قال: (قيل لعمرَ: ألا تستخلف؟ قال: إنْ
أستخلف فقد استخلف من هو خيرٌ مني؛ أبو بكر، وإنْ أترك فقد ترك من هو خيرٌ مني؛ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأثنوا عليه، فقال: راغبٌ راهبٌ، ودِدتُ أني نجوتُ منها كفافًا، لا لي ولا عَلَّي، لا أتحمَّلُها حيًّا ولا ميتًا)(135)
وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه، قال: (لما طُعن عمرُ قال: واللهِ لو أنَّ لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديتُ به من عذاب اللهِ مِن قبلِ أن أراه)(136) .
وعن عمر رضي الله عنه، قال: (لو نادى منادٍ من السماء: أيُّها الناسُ، إنكم داخلون الجنةَ كلكم أجمعون إلا رجلًا واحدًا، لخفتُ أن أكونَ هو، ولو نادى منادٍ: أيُّها الناسُ، إنكم داخلون النارَ إلا رجلًا واحدًا، لرجوتُ أن أكونَ هو)(137) .
وعنه رضي الله عنه قال: (ليتَني كنتُ كبشَ أهلي، يُسمِّنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنتُ أسمنَ ما أكون، زارهم بعض من يحبُّون، فجعلوا بعضي شواءً، وبعضي قديدًا، ثم أكلوني فأخرجوني عذرةً، ولم أكُ بشرًا!)(138) .
وعن قتادة قال: (خرج عمرُ رضي الله عنه من المسجد ومعه الجارود العبدي، فإذا بامرأةٍ برْزةٍ على ظهر الطريق، فسلَّم عليها عمر رضي الله عنه، فردَّت عليه، أو
سلَّمت عليه، فردَّ عليها، ثم قالت: هيه يا عمر، عهدتُك وأنت تُسمَّى عُميرًا في سوق عكاظ تصارع الصبيان، فلم تذهب الأيامُ والليالي حتى سُمِّيت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سُمِّيت أميرَ المؤمنين، فاتَّقِ اللهَ في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيدَ قرُب منه البعيدُ، ومن خاف الموتَ خشي الفوْتَ، فبكى عمر رضي الله عنه، فقال الجارود: هيه، فقد أكثرتِ وأبكيتِ أميرَ المؤمنين. فقال له عمر رضي الله عنه: أوَما تعرفُ هذه؟ هذه خولةُ بنت حكيم، امرأةُ عبادة بن الصامت التي سمع اللهُ قولَها من سمائه، فعمرُ واللهِ أجدرُ أن يسمع لها)(139)
وعن عبد الله بن عامر قال: (رأيتُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أخذ تبنةً من الأرض، فقال: يا ليتَني هذه التبنة، ليتَني لم أكُ شيئًا، ليتَ أمِّي لم تلِدْني، ليتَني كنتُ نسيًا منسيًا)(140) .
وعن عبد الله الرومي قال: بلغني أن عثمان قال: (لو أني بين الجنةِ والنارِ، لا أدري إلى أيِّهما يُؤمَر بي، لاخترتُ أن أكون رمادًا، قبل أن أعلم إلى أيِّهما أصيرُ)(141) .
وعن ابن أبي مُليكة، قال: (استأذن ابنُ عباس رضي الله عنهما قبل موتها على عائشةَ رضي الله عنها وهي مغلوبةٌ، قالت: أخشى أن يُثنيَ علَيَّ، فقيل: ابنُ عمِّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ومن وجوه المسلمين، قالت: ائْذَنوا له، فقال: كيف تَجدينَكِ؟ قالت: بخيرٍ إن اتَّقيتُ، قال: فأنت بخيرٍ إن شاء اللهُ، زوجةُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولم ينكح بِكرًا غيرك، ونزل عذرُك من السماء. ودخل ابنُ الزبير خلافَه، فقالت: دخل ابنُ عباس فأثنى علَيَّ، ووددتُ أني كنتُ نسيًا منسيًا)(142)
وفي رواية: (عن ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها قال: جاء عبدُ الله بن عباس يستأذن على عائشة، فجئتُ وعند رأسِها ابنُ أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، فقلتُ: هذا ابن عباس يستأذن، فأكبَّ عليها ابن أخيها عبد الله، فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن، وهي تموت، فقالت: دَعْني من ابن عباس، فقال: يا أمتاه، إنَّ ابن عباس من صالحي بَنيكِ، ليُسلِّم عليكِ، ويودِّعكِ، فقالت: ائذن له إن شئتَ، قال: فأدخلتُه، فلما جلس، قال: أبشري، فقالت: أيضًا، فقال: ما بينكِ وبين أن تلقي محمدًا صلى الله عليه وسلم والأحبة، إلا أن تخرجَ الروحُ من الجسد، كنتِ أحبَّ نساءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله، ولم يكن رسولُ اللهِ يحبُّ إلا طيِّبًا، وسقطتْ قلادتُكِ ليلةَ الأبواء، فأصبح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حتى يصبحَ في المنزل، وأصبح الناسُ ليس معهم ماء، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا﴾ [النساء: 43]، فكان ذلك في سببكِ، وما أنزل اللهُ عز وجل لهذه الأمة من الرخصة، وأنزل اللهُ براءتَكِ من فوق سبع سماوات، جاء به الروحُ الأمينُ، فأصبح ليس للهِ مسجدٌ من مساجد الله يُذكر فيه اللهُ، إلا يُتلى فيه آناءَ الليل وآناءَ النهار، فقالت: دعني منك يا ابن عباس:
والذي نفسي بيده، لوددتُ أني كنتُ نسيًا منسيًا)(143)
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (وددتُ أن حسناتي فَضُلت سيئاتي مثقالَ ذرة، ولو وقفتُ بين الجنةِ والنارِ، لا أدري إلى أيَّتِهما أصير، ثم قيل لي: تمنَّه، لتمنيتُ أن أكون ترابًا)(144) .
وعن مسروق قال: (قال رجلٌ عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أحبُّ أن أكون من أصحاب اليمين، أكونُ من المقربين أحبُّ إليَّ، فقال: لكن ها هنا رجلٌ ودَّ أنه إذا مات لم يبعث! يعني نفسه(145) ) .
وعن أسلم قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لو تعلمون ذنوبي ما وطِئ عقبي منكم رجلان، ولحثَيْتُم على رأسي الترابَ، لوددتُ أن اللهَ غفر لي ذنبًا من ذنوبي، وأني دُعيتُ عبدَ الله بن روثة)(146) .
وعن قتادة، قال: قال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: (وددتُ أني كنتُ كبشًا فيذبحُني أهلي، يأكلون لحمي، ويحسُون مرَقتي)(147) .
وعن أبي شعبة، قال: (مرَّ قومٌ بأبي ذرٍّ في الرَّبَذة(148) ، فعرضوا عليه النفقة، فقال أبو ذرٍّ: عندنا أعنُزٌ نحلبُها، وأحمرةٌ ننتقل عليها، ومحرَّرةٌ تخدمُنا، وفضلُ عباءةٍ إني لأخاف الحسابَ فيها)(149) .
وعن سلم بن بشير: (أن أبا هريرة رضي الله عنه بكى في مرضه، فقيل له: ما يُبكيكَ؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي على بُعدِ سفري، وقلةِ زادي، وإني أمسيتُ في صعودِ مهبطةٍ على جنةٍ ونارٍ، لا أدري إلى أيَّتِهما يُؤخذُ بي)(150) .
وعن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول في آخِرِ عمره: (اللهمَّ إني أعوذُ بك أن أَزْني، أو أعمل بكبيرة في الإسلام. يقول بعض أصحابه: يا أبا هريرة ومِثلُكَ يقول هذا، ويخافه، وقد بلغتَ من السنِّ ما بلغتَ، وانقطعتْ عنك الشهوات، وقد شافهتَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وبايعتَه، وأخذتَ عنه؟ قال: ويحكَ وما يُؤمِّنُني وإبليس حيٌّ)(151) .
وعن العتبي قال: حدثنا أبي قال: (كان عليُّ بن الحسين إذا فرغ من
وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته، أخذَتْهُ رعدةٌ ونفضةٌ، فقيل له في ذلك، فقال: ويحكم أتدرون إلى مَن أقوم، ومَن أُريد أن أُناجي؟)(152)
المطلبُ الثاني: البكاءُ من خشيةِ اللهِ تعالى
البكاءُ من خشية الله مقامٌ عالٍ، ومطلبٌ للصالحين عزيزٌ؛ ذلك بأنه يترتب عليه ثوابٌ عظيمٌ، وأجرٌ جليلٌ، وهو دلالةُ الإيمان، وشعارُ اليقين؛ ولذا فإنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أخبر فيما رواه عنه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ)(153) ، وفي رواية: (كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَعْيُنٍ: عَيْنًا غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَعَيْنًا سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَعَيْنًا يَخْرُجُ مِنْ مَلْمَعِهَا مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ دُمُوعٌ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ)(154) .
والمقصودُ بالبكاء من خشية الله البكاءُ الخالصُ الذي لا تشوبه شائبةَ رياءٍ ولا سمعةٍ، وقد يكون ذلك من المرء خاليًا، وقد يكون وهو بحضرةِ آخرين، والغالبُ أن الدمع إذا نزل خشية لله في حال الخلوة أن يكون ذلك خالصًا؛ لذا كان جزاؤه من جنس عمله، فأمَّن اللهُ خوفَه بأن أظلَّه في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، بما خشي وخاف في الدنيا التي أمِن فيها كثيرٌ من الناس، روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي
ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ...، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)(155)
وقد جعل اللهُ تعالى من صفات أنبيائِه المرسلين، وعبادِه المتقين، وأوليائِه الصالحين، أنهم تنهمر عيونُهم بكاءً من خشيته، ورجاء رحمته، فقال عزَّ من قائل: ﴿قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا﴾ [الإسراء: 107 109]، ويقول جل جلاله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا﴾ [مريم: 58].
وقد كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أعلمَ الناس بربه، وأتقاهم له، وأخشاهم إياه، ولذا فقد كان كثيرَ البكاء من خشية الله تعالى، فعن عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله عنه قال: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ)(156) وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: («اِقْرأْ عَلَيَّ القُرْآنَ». قال: فقلت: يا رسول الله أقرأُ عليك وعليك أُنزِل؟ قال: «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعُهُ مِنْ غَيْرِي»، فقرأتُ النّساء حتّى إذا بلغتُ: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۢ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا﴾، رفعتُ رأسي، أو غمزني رجلٌ إلى جنبي، فرفعتُ رأسي، فرأيتُ دموعَه تسيلُ)(157) قال ابن
بطَّال: (وبكاؤه صلى الله عليه وسلم إشارةٌ منه إلى معنى الوعظ؛ لأنه مثَّل لنفسه أهوالَ يوم القيامة، وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه، والإيمان به، وسؤاله الشفاعة لهم، ليريحهم من طول الموقف وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن)(158)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لمّا نزلت: ﴿أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ٥٩ وَتَضۡحَكُونَ وَلَا تَبۡكُونَ﴾، بكى أصحابُ الصُّفَّة، حتّى جرت دموعُهم على خدودِهم، فلمّا سمع رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بكى معهم، فبكَيْنا ببكائِه؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وِلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»)(159) .
وعن عطاء، قال: (دخلتُ أنا وعبيدُ بن عمير على عائشةَ رضي الله عنها فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورَنا، فقال: أقول يا أمه كما قال الأولُ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا، قال: فقالت: دَعُونا من رطانَتِكم هذه، قال ابن عمير: أخبرِينا بأعجبِ شيءٍ رأيتِه من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال: «يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي». قلتُ: واللهِ إنِّي لأحبُّ قربَكَ، وأحبُّ ما سرَّكَ، قالت: فقامَ فتَطهَّر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزلْ يبكي حتى
بلَّ حجرَه، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيتَه، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرضَ، فجاء بلالٌ يُؤذِنُه بالصلاةِ، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكِ، وقد غفر اللهُ لك ما تقدَّم وما تأخَّر؟ قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ...﴾»، الآية كلها. [آل عمران: 190])(160)
وقد سار الصحابةُ الكرامُ رضوان الله تعالى عليهم على هذا المنهاجِ النبويِّ، فكانوا يبكون من خشية الله تعالى، والأمثلةُ على ذلك أكثرُ من أن تحصر.
فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (وعظَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومًا بعد صلاةِ الغداةِ موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيونُ، ووجلت منها القلوبُ. فقال رجلٌ: إنّ هذه موعظةُ مودِّعٍ، فبماذا تعهدُ إلينا يا رسولَ اللهِ؟ قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»)(161) .
ومما ورد عنهم في ذلك:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أبو بكرٍ رضي الله عنه رجلًا بكّاءً، لا يملكُ دمعَه إذا قرأ القرآنَ)(162) .
وعنها رضي الله عنها قالت: (إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ»، قالت عائشة: قلتُ: إنَّ أبا بكر إذا قام في مقامِكَ لم يُسمِع الناسَ من البكاءِ، فمُرْ عمرَ فليصلِّ للناسِ، فقالت عائشة: فقلتُ لحفصة: قولي له: إنَّ أبا بكر إذا قام في مقامِكَ لم يُسمِع الناسَ من البكاءِ، فمُرْ عمرَ فليصلِّ للناسِ، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ»، فقالت حفصة لعائشة: ما كنتُ لأُصيبَ منكِ خيرًا)(163) .
وعن عرفجة السلمي: أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال: (ابكوا، فإنْ لم تبكوا فتباكَوْا)(164) .
وعن عبد الله بن عيسى، قال: (كان في وجه عمرَ رضي الله عنه خطَّانِ أسودانِ من البكاءِ)(165) .
وعن الحسن، قال: (كان عمرُ رضي الله عنه يمرُّ بالآيةِ في وِردِه فتخنقُه العَبرةُ، فيبكي حتى يسقطَ، ثم يلزم بيتَه حتى يُعاد، يحسبونه مريضًا)(166) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (رأيتُ عمرَ بن الخطاب البكَّاءَ، وهو يصلي، حتى سمعتُ خنينَه، من وراءِ ثلاثةِ صفوفٍ)(167) .
وعن هانئ، مولى عثمان رضي الله عنه قال: (كان عثمانُ إذا وقف على قبرٍ بكى حتى يبلَّ لحيتَه، فقيل له: تذكرُ الجنةَ والنارَ فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ القَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ»)(168) .
وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: (إذا بكى أحدُكم من خشيةِ اللهِ فلا يمسح دموعَه بثوبِه، وليَدَعها تسيل على خدَّيْه يلقى الله عز وجل بها)(169) .
وعن نافع قال: (كان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يقرأ في صلاته فيمرُّ بالآية فيها
ذِكْرُ الجنةِ، فيقف ويسأل اللهَ الجنةَ، قال: ويدعو ويبكي، قال: ويمرُّ بالآية فيها ذِكْرُ النارِ، فيقف فيدعو ويستجير بالله عز وجل)(170)
وفي رواية: (وكان إذا أتى على هذه الآية: ﴿أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾، بكى، وقال: بلى يا ربّ، بلى يا ربّ)(171) .
وعن محارب بن دثار رحمه الله قال: (دخلتُ على ابنِ عمرَ رضي الله عنهما بيتَه وهو يصلي، فإذا هو يبكي في صلاته، فلما انصرف أقبل علَيَّ، وعلِمَ أني قد رأيتُه وهو يبكي، فقال: إنَّ هذه الشمسُ لتبكي من خشية الله، ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا).
وفي رواية: عن ابن أبي مُليكة رحمه الله قال: (بينما عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما وراء المقام يصلي، وقد شفا القمرُ ليغيب، مرَّ به عبدُ الله بن طارق فوقف، فقال له: ما لك ابن أخي، أتعجبُ مني أن أبكي، فواللهِ إنَّ هذا القمرَ ليبكي من خشية الله، أمَا واللهِ لو تعلمون حقَّ العلمِ لبكى أحدُكم حتى ينقطعَ صوتُه، ولسجد حتى ينكسرَ صُلْبُه، وقرأ ابنُ عمر: ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ﴾، فلما أتى على هذه الآية: ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، بكى حتى خنَّ، وحتى انقطع عن قراءةِ ما بعدها)(172) .
وعن يعلى بن عطاء، عن أمِّه: (أنَّها كانت تصنعُ لعبدِ الله بن عمرو رضي
الله عنهما الكُحْلَ، وكان يُكثر من البكاء، قال: ويغلق عليه بابَه ويبكي حتى رَمِصَتْ عيناه(173) قال: وكانت أمي تصنع له الكحلَ)(174)
وعن عبد الله بن هبيرة: أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (لأنْ أدمعُ دمعةً من خشيةِ اللهِ أحبُّ إليَّ من أنْ أتصدَّقَ بألفِ دينارٍ)(175) .
وعن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: (أنه بكى، فبكت امرأتُه، فقال لها: ما يبكيكِ؟ قالت: أبكاني الذي أبكاكَ، فقال: أبكاني أني واردٌ النارَ، فلا أدري أناجٍ منها أم لا؟)(176) .
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: (نزلت هذه الآية: ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ﴾ [مريم: 71]، ذهب عبدُ الله بن رواحة رضي الله عنه إلى بيته فبكى، فجاءت امرأتُه فبكت، فجاءت الخادمُ فبكت، وجاء أهلُ البيت فجعلوا يبكون، فلما انقطعت عَبرتُه، قال: يا أهلاه، ما الذي أبكاكم؟ قالوا: لا ندري، ولكن رأيناك بكيتَ فبكَيْنا، قال: إنه أُنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آيةٌ ينبِّئُني فيها ربي عز وجل أني واردٌ النارَ، ولم ينبِّئْني أني صادرٌ عنها، فذلك الذي أبكاني)(177) .
وعن أبي رجاء العُطاردي قال: (كان هذا المكانُ من ابن عباسٍ رضي الله عنهما مجرى الدموعِ، مثل الشِّراكِ البالي من الدموعِ)(178) .
وعن ابن أبي مُليكة قال: (صحبتُ ابنَ عباس رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، فكان إذا نزل منزلًا قام شطرَ الليل، فأكثر في ذلك النشيجَ، قلت: وما النشيجُ؟ قال: النحيبُ البكاء، ويقرأ: ﴿وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19])(179) .
وعن أبي الضحى، أن عائشة رضي الله عنها، مرَّت بهذه الآية: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ [الطور: 27]، فقالت: (ربّ مُنَّ عليَّ، وقني عذابَ السَّمومِ)(180) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لم أرَ رجلًا يجدُ من القشعريرة ما يجدُ عبدُ الرحمن بن عوف عند القراءةِ)(181) .
وعن مسروق قال: (قال لي رجلٌ من أهل مكة: هذا مقامُ أخيك تميمٌ الداري رضي الله عنه، صلَّى ليلةً حتى أصبح، أو كَرَبَ(182) أن يُصبح، يقرأ آيةً ويردِّدُها ويبكي: ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّئَِّاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21])(183) .
ودخل سعدٌ على سلمان رضي الله عنهما يعودُه، قال: فبكى، فقال له سعدٌ: (ما يُبكيك يا أبا عبد الله؟ توفي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ، وترِدُ عليه الحوضَ، وتلقى أصحابَك، قال: فقال سلمان: أمَا إني لا أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهِدَ إلينا عهدًا حيًّا وميتًا، قال: «لِتَكُنْ بُلْغَةُ أَحَدَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا مِثْلَ زَادَ الرَّاكِبِ»، وحولي هذه الأساود(184) ، قال: فإنما حوله إجانة(185) ، وجفنة، ومطهرة)(186) .
وعن الحسن: (أنَّ معاذَ بن جبل رضي الله عنه لما احتُضِر دُخِل عليه وهو يبكي، فقيل: ما يبكيك، فقد صحبتَ محمدًا صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما أبكي جزعًا من الموتِ إن حلَّ بي، ولا على الدنيا أتركُها بعدي، ولكنَّ بكائي أنَّ اللهَ قبض قبضتَيْن، فجعل واحدةً في النارِ، وواحدةً في الجنةِ، فلا أدري في أيِّ القبضتَيْن أكون؟)(187) .
وعن ليث بن أبي سليم قال: (لما نزل بحذيفة بن اليمان رضي الله عنه الموتُ جزع جزعًا شديدًا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي أسفًا على الدنيا، بل الموتُ أحبُّ إليَّ، ولكنِّي لا أدري على ما أُقْدِم، على الرضا أم على سخطٍ؟)(188) .
وعن جعفر بن زيد العبدي: (أنَّ أبا الدرداء رضي الله عنه لما نزل به الموتُ بكى، فقالت له أم الدرداء: وأنت تبكي يا صاحبَ رسول الله؟ قال: نعم، وما لي لا أبكي ولا أدري على ما أُهْجَمُ من ذنوبي؟)(189) .
وعن سعد بن الأخرم، قال: (كنتُ أمشي مع عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه، فمرَّ بالحدَّادِين وقد أخرجوا حديدةً من النارِ، فقام ينظر إليها ويبكي)(190) .
وعن بكر بن عبد الله المزني: (أنَّ أبا موسى رضي الله عنه خطب الناسَ بالبصرة، فذكر في خطبتِه النارَ، فبكى حتى سقطت دموعُه على المنبر، وبكى الناسُ يومئذٍ بكاءً شديدًا)(191) .
وعن عبد الله بن عبيدة: (أنَّ نفرًا اجتمعوا في حجرةِ صفية بنت حُيي رضي الله عنها زوج النبي
صلى الله عليه وسلم فذكروا اللهَ، وتلوا القرآنَ، وسجدوا، فنادتهم صفيةُ: هذا السجودُ وتلاوةُ القرآن، فأين البكاءُ؟)(192)
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (عليكم بالسبيلِ والسُّنَّةِ، فإنه ما على الأرض من عبدٍ على السبيل والسُّنَّة ذكرَ اللهَ ففاضت عيناه من خشية ربِّه فيعذبُه اللهُ أبدًا، وما على الأرض من عبدٍ على السبيل والسُّنَّة ذكرَ اللهَ في نفسه فاقشعرَّ جلدُه من خشية الله، إلا كان مَثَلُه كمثل شجرةٍ قد يبس ورقُها، فهي كذلك إذا أصابَتْها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها، إلا حطَّ اللهُ عنه خطاياه، كما تحاتّ عن تلك الشجرةِ ورقُها، وإنَّ اقتصادًا في سبيلٍ وسنَّةٍ، خيرٌ من اجتهادٍ في خلافِ سبيلٍ وسنةٍ، فانظروا أن يكون عملُكم إن كان اجتهادًا أو اقتصادًا أن يكون على منهاج الأنبياء وسنَّتِهم)(193) .
المطلبُ الثالثُ: الحياءُ من الله تعالى
عن عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجلٍ من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ»(194)
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَا بِخَيْرٍ»(195) .
فالحياءُ خلقٌ قويمٌ، وخصلةٌ حسنةٌ، ترتقي بالإنسان في سُلِّم الكمالات، وتحشمه عن القبائح والرذائل.
وقد عرّف العلماءُ الحياءَ تعريفات كثيرةً، إلا أنَّها كلها تصبُّ في مدلولٍ واحدٍ ألا وهو: خُلقٌ يبعث على فِعْل الحسنِ وتَرْك القبيحِ(196) .
قال ابن القيّم رحمه الله: وخلقُ الحياء من أفضل الأخلاق وأجلّها، وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصّة الإنسانيّة، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانيّة إلّا اللّحم والدّم وصورتهما الظّاهرة، كما أنّه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق لم يُقْرَ الضّيف، ولم يُوفَ بالوعد، ولم تُؤدَّ
أمانة، ولم تُقضَ لأحدٍ حاجة، ولا تحرّى الرّجلُ الجميلَ فآثره، والقبيحَ فتجنَّبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع من فاحشة.
وكثير من النّاس لولا الحياء الذي فيه لم يؤدِّ شيئًا من الأمور المفترضة عليه، ولم يرعَ لمخلوق حقًّا، ولم يصِلْ له رحمًا، ولا برَّ له والدًا؛ فإنّ الباعث على هذه الأفعال إمّا دينيّ، وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وإمّا دنيويّ، وهو حياء فاعلها من الخلق. فقد تبيّن أنّه لولا الحياء إمّا من الخالق أو من الخلائق لم يفعلها صاحبها(197) .
وقد كان سيدُ الخلق صلى الله عليه وسلم أكملَ الناس في هذا الباب، فهو الحيي الذي كان أشدَّ حياءً من العذراء في خِدْرها(198) .
وقد نهج أصحابه وآله نهجَه في هذا المقام الشريف قولًا وعملًا، فالمنقول عنهم في ذلك كثير جدًّا، نسوق منه بعض الشواهد، فمن ذلك:
ما ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال وهو يخطب الناس: (يا معشرَ المسلمين، استَحْيُوا من الله، فوالذي نفسي بيده إنِّي لأظلُّ حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعًا بثوبي استحياءً من ربي عز وجل)(199) .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (من كثُر ضحكُه قلَّت هيبتُه، ومن مزح استُخِفَّ به، ومن أكثر من شيءٍ عُرف به، ومن كثُر كلامُه كثُر سقطُه، ومن كثُر سقطُه قلَّ حياؤُه، ومن قلَّ حياؤُه قلَّ ورعُه، ومن قلَّ ورعُه قلَّ خيرُه، ومن كثُر أكلُه لم يجد لذكر الله لذةً، ومن كثُر نومُه لم يجد في عمره بركةً، ومن كثُر كلامُه في الناس سقط حقُّه عند الله، وخرج من الدنيا على غير الاستقامة)(200) .
وفي قول الفاروق دلالة على أن الحياءَ رأسُ كل خيرٍ، وعدمَه رأسُ كل شرٍّ، وطريق إلى كل رذيلة.
وعن الشعبي قال: (مرَّ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه في بعض طرق المدينة، فسمع امرأةً تقول:
| دعتني النفسُ بعد خروج عمرو | إلى اللَّذَّات فاطلع التلاعا |
|---|---|
| فقلتُ لها عجلتِ فلن تطاعي | ولو طالت إقامتُه رباعا |
| أحاذرُ إن أُطيعُكِ سبَّ نفسي | ومخزاةً تجلِّلني قناعا |
فقال عمرُ، وأُتي بالمرأة: «أيُّ شيءٍ منعكِ؟» قالت: الحياءُ وإكرامُ عرضي. فقال عمرُ: إنَّ الحياء ليدل على هناتٍ ذات ألوان، مَن استحيا استخفى، ومَن استخفى اتَّقى، ومَن اتَّقى وُقي. وكتب عمر إلى زوجها فأقفله إليها)(201) .
والمقصودُ بكلام عمر رضي الله عنه أنَّ الحياء يدل ويكشف عن خصالِ شرٍّ مختلفة ومتنوعة في نفس الإنسان، ولكن مَن استحيا من الله تعالى أو من خلقه استخفى بتلك الخصال ولم يظهرها، ومَن استخفى فقد اتَّقى، ومَن اتَّقى فقد وُقي الشر بإذن الله تعالى.
والشاهدُ من الأثر أنَّ الحياء لم يكن مقصورًا على المعروفين من الصحابة، بل إنَّه خلقٌ تشرَّبه كل من تربَّى في حضرة النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وحضرة أصحابه، فتلك المرأة لو فعلتْ ما فعلتْ لما علم بها أحدٌ من الخلق، ولكنَّ الحياء الذي تربت عليه، والذي هو خلقٌ في الحُرة، فضلًا عن المؤمنة، جعلها تترفَّع عن تلك القبائح، ولا تدنِّس عرضَها.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (الإيمانُ عريان، وزينتُه التَّقوى، ولباسُه الحياء)(202) .
وهذا تشبيه بليغ من هذا الصحابي الجليل، فالإيمان لا يمكن له أن يكمل، وتظهر حسنتُه، إلا إذا تزيَّى بزي الحياء، وتزيَّن بالتَّقوى، وبدون ذلك فكأنَّما هو جسدٌ عاري.
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: (إذا أراد اللهُ بعبدٍ هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقَه إلا مقيتًا ممقَّتًا).
وصدق رضي الله عنه، فالحياء كما قال النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ)، ومعنى ذلك أن ضد الحياء يأتي بالشر والقبائح، فمن نُزع منه الحياء، فكأنَّما نُزع من الإيمان، ومن هذا المعنى نفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)(203) .
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (إنَّ خِلال المكارم عشرٌ، تكون في الرجلِ ولا تكون في أبيه، وتكون في العبدِ ولا تكون في سيدِه، يقسمها اللهُ لمن أحبَّ: صدقُ الحديثِ، وصدقُ البأسِ، وإعطاءُ السائلِ، والمكافأةُ بالصنائعِ، وصلةُ الرحمِ، وحفظُ الأمانةِ، والتذمُّمُ للجارِ، والتذمُّمُ للصاحبِ، وقِرى الضيفِ، ورأسُهنَّ الحياءُ)(204) .
قال الأمير الصنعاني: (رأسُهنَّ الحياءُ): لأنَّه الذي يدعو إلى هذه الأخلاق وأضعافها، ولذا ورد أن: (الحياء خير كله)، أي خصاله الناشئة عنه كلها خير، وهذا حثٌّ للعبد على التخلُّق بهذه الأخلاق وإن كانت قسمة من الله، إلا أن العبد إذا علم اللهُ فيه محبة الإقبال عليها رزقه إياها(205) .
المطلبُ الرابعُ: المحافظةُ على الصلاةِ في جماعةٍ
إنَّ للصلاة مكانةً عظيمةً في هذا الدين؛ فهي عموده الذي لا يقوم إلّا به، فقد قال رسولُ اللِه صلى الله عليه وسلم: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذَرْوَةُ سَنامِهِ الجِهَادُ)(206) فإنْ سقط عمود الشيء، سقط ما بُني عليه، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، والصلاةُ أوّل ما يحاسِب اللهُ تعالى عليها العبدَ يوم القيامة، وصلاحُ أعماله التي يقوم بها قائمةٌ على صلاح صلاته، فإن صلحتْ صلاتُه كان عملُه صالحاً مقبولاً، وإن فسدتْ صلاتُه كان عملُه فاسداً مردوداً، وهي آخر شيءٍ يفقده المسلم من دينه، فإنْ فقدها لم يبقَ له شيءٌ من الدين، فعن أبي أمامة الباهليّ رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثُ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ)(207) وكانت الصلاة آخر ما وصَّى به الرسولُ صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، وقد مدح اللهُ عز وجل القائمين والآمرين بها، وذمَّ التاركين لها والمتكاسلين عنها، وممّا يدلّ على عظيم شأن الصلاة، أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يفرضها في الأرض بواسطة الوحي جبريل عليه السلام، وإنّما فُرضت في السّماء
ليلة الإسراء والمعراج.
ولذا فعلى المسلم أن يحافظ على الصلاة كما أمر بها اللهُ سبحانه تعالى، ورسولُه صلى الله عليه وسلم، ومن عظيم أهميّتها في الإسلام؛ أنَّ الله عز وجل جعل ثوابَ أدائها في جماعةٍ مضاعفاً عن أدائها منفرداً، وقد بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الصلاة في جماعةٍ يزيد أجرُها عن الصلاة منفرداً بدرجاتٍ عديدةٍ، من ذلك أنّه قال: (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ)(208) .
وبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الدرجات في الجنة بكثرة الذهابِ والغُدوِّ إلى المساجد لأداء فرائض الله عز وجل، فعن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ)(209) .
وحذّر عليه الصلاة والسلام من التَّخلُّف عن صلاة الجماعة، وجعل ذلك شعارَ
المنافقين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ)(210)
بل إنَّه عليه الصلاة والسلام لم يرخِّص للضَّرير بترك الصلاة في جماعة، إعلامًا للأمة بعظيم أجرها، وتأكُّدِ المحافظة عليها، فقد أتى ابن أم مكتوم إلى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقد أصابه ضررٌ في عينيه، فقال: (هَلْ تَجِدُ لِي رُخْصَةً أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً». قَالَ مَعْمَرٌ: وَسَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ يَقُولُ: فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَتَسْمَعُ الْفَلَاحَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ»(211) .
والكلام في هذا المقام يطول جدًّا.
أما حالُ الصحابة الكرام عليهم من الله تعالى الرحمة والرضوان في هذا الباب فعجبٌ عجابٌ، كيف لا؛ وهم يرون سيِّدَهم وقدوتَهم وإمامَهم رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أحرص النَّاس على هذه الشعيرة العظيمة، والعبادة
الجليلة؟ ولذا كان أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أحرصَ النَّاس على أداء الصلواتِ في جماعةِ المسجد مهما شقَّ التكليف؛ التماسًا لرضوان الله تعالى، وتحصيلًا لعظيم الأجر، فعن أبي بن كعب رضى الله عنه قال: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ، وَفِي الرَّمْضَاءِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ». وفى رواية: قال أُبَيٌّ: فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلًا حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْجُو فِي أَثَرِهِ الْأَجْرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ»(212)
وكانوا رضي الله عنهم يعدُّون فوات الجماعة من المصائب التي يغتمُّ المرءُ لها، فعن نافعٍ، عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال: (خَرَج عمرُ رضي الله عنه إلى حائطٍ له، فرَجَع وقد صلَّى الناسُ العصرَ، فقال: إنما خَرَجتُ إلى حائطي، فرَجَعتُ، وقد صلَّى الناسُ، حائطي على المساكين صدقةٌ. قال ليث: إنِّما فاتَتْه في جماعةٍ)(213) .
ومما ورد عنهم في هذا المقام:
عن ثابت بن الحجاج قال: (خرج عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه إلى الصَّلاة، فاستقبل النَّاس، فأمر المؤذِّنَ فقام، وقال: واللهِ لا ننتظرُ لصلاتنا أحداً. فلمَّا قضى صلاتَه أقبل على النَّاس، ثم قال: ما بالُ أقوامٍ يتخلَّفون،
يتخلَّف بتخلُّفهم آخرون، واللهِ لقد هممتُ أن أُرسل إليهم، فيجأ في أعناقهم، ثم يقال: اشهدوا الصلاة)(214)
وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة: (أنَّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وأنَّ عمر بن الخطاب غدا إلى السوق، ومسكن سليمان بين السوق والمسجد النبوي، فمرَّ على الشِّفاء أم سليمان، فقال لها: لم أرَ سليمان في الصبح! فقالت: إنه بات يصلي، فغلبته عيناه، فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في الجماعة، أحب إليَّ من أن أقوم ليلة)(215) .
وعن ابن أبي ليلى، عن عمر رضي الله عنه قال: (لأن أشهد العشاء والفجر في جماعة، أحب إليَّ من أن أحيي ما بينهما)(216) .
وعن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال: (جاء عمرُ بن الخطاب سعيدَ بن يربوع رضي الله عنهما إلى منزله، فعزّاه بذهاب بصره، وقال: لا تدع الجمعة، ولا الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ليس لي قائدٌ. فقال عمرُ: فنحن نبعث إليك بقائد، فبعث إليه بغلام من السَّبي)(217) .
وعن عبيد الله بن عدي بن خيار: (أنَّه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو محصورٌ فقال: إنك إمامُ عامةٍ، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمامُ فتنةٍ، ونتحرج؟ فقال: الصلاةُ أحسن ما يعمل النَّاس، فإذا أحسن النَّاس، فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم)(218) .
وهذا من كمال فقه عثمان رضي الله عنه، فلو أنَّ كل واحدٍ من النَّاس اجتهد لنفسه بترك الصلاة خلف الإمام لما يظنُّه من وقوع هذا الإمام في بدعةٍ، أو تقصيرٍ، أو تركِ سنةٍ، أو غير ذلك، لوجدنا المساجد قد هُجرت، ولم تعُدْ معمورةً بذكر الله تعالى، فوضع عثمانُ رضي الله عنه قاعدةً جليلةً في مثل هذه الأحوال، ألا وهي أنْ يُحسن الإنسان مع هؤلاء إن أحسنوا، ولا شك أنَّ الصلاة من أجلِّ الحسنات، وأن لا يسيء معهم إذا أساءوا، وهذا مأخوذٌ من قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «سَيَلِيكُمْ بَعْدِي وُلَاةٌ، فَيَلِيكُمُ الْبَرُّ بِبِرِّهِ، وَالْفَاجِرُ بِفُجُورِهِ، فَاسْمَعُوا لَهُمْ وَأَطِيعُوا فِي كُلِّ مَا وَافَقَ الْحَقَّ، وَصَلُّوْا وَرَاءَهُمْ، فَإِنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»(219) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (مَن سرَّه أن يلقى اللهَ غدًا مسلمًا، فليحافِظْ على هؤلاء الصلواتِ حيث يُنادى بهنَّ، فإنَّ اللهَ شرع لنبيِّكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنَّهن من سنن الهدى، ولو أنَّكم صلَّيتم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلفُ في بيته، لتركتم سنة نبيِّكم، ولو تركتم سنة نبيِّكم
لضللتم، وما من رجلٍ يتطهَّر فيحسن الطّهور، ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد، إلا كتب اللهُ له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطُّ عنه بها سيئةً، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلومُ النِّفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلِيْن حتى يُقام في الصفِّ)(220)
وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال: (كنَّا إذا فقدنا الرجلَ في صلاة العشاءِ وصلاة الفجرِ أسَأْنا به الظَّنَّ)(221) .
ولا شك أنَّ ذلك إنْ كان على سبيل الدوام، أو الغالب، وبدون عذرٍ شرعيٍّ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لأَنْ يمتلِئَ أذنُ ابن آدم رصاصًا مذابًا، خيرٌ له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبُه)(222) .
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (مَن سمع المنادي فلم يُجِبْ، لم يُرِدْ خيرًا، أو لم يُرَدْ به)(223) .
وعن عليٍّ رضي الله عنه، أنه قال: (مَن سمع النِّداءَ فلم يأْتِه، لم تُجاوز صلاتُه رأسَه إلا بالعذرِ)(224) .
وفي رواية: (لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلا في المسجدِ). قال الثوري في حديثه: قيل لعليٍّ: ومَن جارُ المسجد؟ قال: (من سمع النِّداء)(225) .
وعن معاوية بن قرة، قال: (كان حذيفةُ رضي الله عنه إذا فاتَتْه الصَّلاة في مسجدِ قومِه، يُعلِّق نعلَيْه ويتَّبع المساجدَ حتى يصلِّيَها في جماعةٍ)(226) .
وعن مجاهد قال: (سمعتُ رجلًا من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: لا أعلمه إلا من شهد بدرًا ، قال لابنه: أدركتَ الصَّلاة معنا؟ قال: أدركتَ التَّكبيرةَ الأولى؟ قال: لا. قال: لَمَا فاتَكَ منها خيرٌ من مائةِ ناقةٍ، كلُّها سُودُ العين)(227) .
وعن جعفرٍ الصَّادق، عن أبيه رضي الله عنهما، قال: (كان عليُّ بن الحسين رضي الله عنه، يأمر الصِّبيان أن يصلُّوا الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعشاءَ جميعًا، فيقال: يصلُّون الصَّلاة لغير وقتها، فيقول: هذا خيرٌ من أن يناموا عنها)(228) .
وهذا من عظيم فقههم رضي الله عنهم، حيث كانوا يربُّون أطفالَهم على العبادات منذ نعومة أظفارِهم، حتى ينشؤوا عليها، ويعتادوها عند كِبرِهم، ومِن تلك العبادات الصَّلاة، فكانوا رأفةً بهؤلاء الأطفال، وشفقةً عليهم،
يدَعُونهم يجمعون ما بين الصلوات، كالظهرين، والعشاءين، تخفيفًا عنهم، حتى لا يتركوها بالكلِّيَّة، وهذا مثالُه ما كان الصَّحابةُ يُصَوِّمون أبناءَهم عاشوراء، ويُلهونهم باللعب حتى يُتِمُّوا صومَهم، تربيةً لهم على هذه العبادة، فعن الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ ابن عفراء رضي الله عنها، قالت: (أَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ). وفي رواية: (وَنَصْنَعُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ، أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ)(229)
المطلبُ الخامسُ: الإكثارُ من النوافل
في الحديث الإلهي: (إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ)(230) ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (ظاهرُه أن محبة اللهِ تعالى للعبد تقع بملازمةِ العبدِ التقرّبَ بالنوافل)، ثم بيّن أن ذلك مشروطٌ بتحقيق الفرائض، والاستزادة بعدها من النوافل، فقال: (قال الفاكهاني: معنى الحديث أنه إذا أدّى الفرائض، ودام على إتيان النوافل؛ من صلاة وصيام وغيرهما، أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى. وقال ابن هبيرة: يؤخذ من قوله: (ما تقرب إلخ)، أنَّ النَّافلة لا تقدَّم على الفريضة؛ لأنَّ النَّافلة إنِّما سُمِّيت نافلةً لأنَّها تأتي زائدةً على الفريضة، فما لم تؤدَ الفريضةُ لا تحصل النافلة، ومن أدَّى الفرض، ثم زاد عليه النفلَ وأدام ذلك، تحققت منه إرادة التقرّب)(231) .
وفي حديث أبي ذرٍّ رضي
الله عنه أنَّه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا الصَّلَاةُ؟ قَالَ: خَيْرٌ مَوْضُوعٌ، فَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ، وَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ)(232)
قال الملا علي القاري: (الصلاةُ خيرٌ موضوعٌ، أي: خيرٌ مِن كلِّ ما وضعه اللهُ لعباده ليتقربوا إليه)(233) .
وقال المناوي: ((الصلاةُ خيرُ موضوعٍ): بإضافة خير إلى موضوع، أي أفضل ما وضعه اللهُ أي شرعه من العبادات، (فمن استطاع أن يستكثر)، منها، (فليستكثر)؛ لأنَّ بها تبدو قوة الإيمان في شهود ملازمة خدمة الأركان، ومن كان أقواهم إيمانًا، كان أكثرَهم وأطولَهم صلاةً، وقنوتًا، وإيقانًا، وقد جعلها الله فروضًا وسننًا)(234) .
وقد كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم المثلَ الأعلى في الاستكثار من نوافل العبادات، لاسيما الصلاة، بجميع أنواعها؛ من قيامِ ليلٍ، وصلاةِ ضحى، ورواتبِ الصلوات، والوتر، وغيرها، وما ذاك إلا لعلمه عليه الصلاة والسلام بفضيلة تلك النوافل، ومنزلتها عند الله تعالى، فإضافة إلى ما سبق بيانه من أنَّ علامة محبة الله تعالى للعبد بكثرة التقرب إليه بالنوافل، فإنَّ لهذه النوافل مزايا أخرى لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان، مما يجعلها محلَ اهتمامٍ عند كل مسلم، ومن أعظم ذلك أنه يُكمل نقص الفرائض من تلك النوافل، ففي الحديث
الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ»، قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ)(235)
فمَن لم يحافظ على النوافل، ويستكثر منها، فإنَّه يأتي يوم القيامة وليس معه ما يجبر به نقصَ فرائضِه، فماذا هو فاعل عندها؟! ولا شكَّ أنَّ غالب النَّاس حالهم هو عدم إكمال وإتمام العبادة على الوجه الذي أراده اللهُ تعالى منَّا، ولذا فمن الأهمية بمكانٍ أنْ يحرص المسلم على تلك النوافل.
وإذا كان خيرُ البشر وسيِّدُهم صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل النَّاس عبادة، وأعظمهم طاعة، وأشدهم إخلاصًا، ومع ذلك يحرص على تلك النوافل، ويستكثر منها، فما الظنُّ بنا نحن إذن؟!!
ومن الأمثلة الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في هذا المقام:
عن عائشة رضي الله عنها: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟ فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ)(236) .
وعن معاذة، أنها سألت عائشة رضي الله عنها: (كَمْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: «أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ»)(237) .
وعن عائشة رضي الله عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ)(238) .
وعن عبد الله بن شقيق، قال: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها عن صلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، عن تطوُّعِه؟ فقالت: (كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ)(239) .
وعن عليٍّ رضي الله عنه، قال: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ)(240) .
وعن عاصم بن ضمرة، قال: سألنا عليًّا رضي الله عنه عن تطوُّعِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالنَّهار، فقال: (إِنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَهُ، فَقُلْنَا: أَخْبِرْنَا بِهِ نَأْخُذْ مِنْهُ مَا اسْتَطَعْنَا، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ يُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَا هُنَا يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ بِمِقْدَارِهَا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ هَا هُنَا يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَا هُنَا، يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مِقْدَارَهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ هَا هُنَا قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَتِلْكَ سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً، تَطَوُّعُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّهَارِ، وَقَلَّ مَنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا)(241) .
وعن حذيفةَ رضي الله عنه قال: (قَالَتْ لِي أُمِّي: مَتَى عَهْدُكَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لِي بِهِ عَهْدٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَهَمَّتْ بِي، فَقُلْتُ: يَا أُمَّهْ، دَعِينِي حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَا أَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَغْفِرَ لِي وَيَسْتَغْفِرَ لَكِ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ خَرَجَ)(242) .
هكذا كانت عبادةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وحرصه على الاستكثار منها، وقد حذا
حذوه صحابتُه الكرام، فكانوا من أشدِّ النَّاس حرصًا على النوافل، والاستزادة منها، والأمثلة على ذلك يطول سردها، ويصعب حصرها، ولكنَّني أذكر طرفًا منها، علَّها تكون حافزًا لنا على الاقتداء بهم، والسير على منهاجهم.
ومن ذلك:
عن الركين، قال: (دخلتُ على أسماءَ رضي الله عنها وهي تصلي وهي عجوز، وامرأةٌ تقول لها: اركعي واسجدي)(243) .
وعن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمِّه، قال: (ساعة ما أتيتُ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيها إلا وجدتُه يصلِّي ما بين المغربِ والعشاءِ، وكان يقول: هي ساعةُ غفلةٍ)(244) .
وعن نافع، عن ابن عمرَ رضي الله عنهما: (أنَّه كان يُحيي ما بين الظهرِ والعصرِ)(245) .
وعن أبي عون الثقفي: (أنَّ الحسنَ بن علي رضي الله عنهما كان يصلِّي أربعًا قبل الظهر يطيلُ فيهنَّ)(246) .
وعن حذيفة بن أسيد، قال: (رأيتُ عليًّا رضي الله عنه إذا زالت الشمسُ صلَّى أربعًا طوالًا)(247) .
وعن المسيب بن رافع: (أنَّ أبا أيوبٍ رضي الله عنه كان يصلِّي ثمان ركعاتٍ قبل الظهر)(248) .
وعن بُريدة رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «سَمِعْتُ فِي الْجَنَّةِ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَقُلْتُ، مَنْ هَذَا؟» قَالُوا: بِلَالٌ، فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: «بِمَا سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا تَوَضَّأْتُ، وَلَا تَوَضَّأْتُ إِلَّا رَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ أُصَلِّيهِمَا، قَالَ: «بِهَا»(249) .
وعن عباد بن حمزة، قال: (دخلتُ على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ﴾ [الطور: 27]، قال: فوقفتْ عليها، فجعلتْ تستعيذُ وتدعو. قال عباد: فذهبتُ إلى السُّوق، فقضيتُ حاجتي، ثم رجعتُ وهي فيها بعدُ تستعيذُ وتدعو)(250) .
وعن مسلم بن يناق المكي، قال: (رأيتُ ابنَ الزُّبير رضي الله عنهما ركع، فقرأتُ البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، وما رفع رأسَه)(251) .
وعن عمرو بن دينار، قال: (رأيتُ ابنَ الزُّبير رضي الله عنهما يصلِّي في الحِجْر، خافضًا بصرَه، فجاءه حَجَرٌ قُدَّامه، فذهب ببعض ثوبه، فما انفتل)(252) .
وعن محمد بن المنكدر، قال: (لو رأيتَ ابنَ الزُّبير رضي الله عنهما يصلِّي تحت ظلِّ شجرةٍ، كأنَّه غصنٌ من أغصانها، ويجيئه المنجنيق من ها هنا، فما يلتفتُ إليه)(253) .
وعن عمرو بن دينار قال: (ما رأيتُ مصلِّيًا قطُّ أحسنَ صلاة من عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما)(254) .
وعن مجاهد قال: (كان ابنُ الزُّبير رضي الله عنهما إذا قام في الصَّلاة كأنَّه عودٌ لا يتحرك، وحدثتُ أنَّ أبا بكر كان كذلك، قال: وكان يقال: ذلك الخشوعُ)(255) .
وعن عطاء، قال: (كان ابنُ الزُّبير رضي الله عنهما إذا صلَّى كأنه كعبٌ راتبٌ)(256) .
وعن أم جعفر بنت النعمان: أنَّها سلمت على أسماء بنت أبي بكر،
وذُكر عندها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فقالت: (كان ابنُ الزُّبير قوَّامَ الليل، صوَّامَ النَّهار، وكان يُسمَّى: حمام المسجد)(257)
وعن أحمد بن محمد بن كريب مولى ابن عباس: (أنَّ عليَّ بن عبد الله بن عباس كان يسجد كلَّ يومٍ ألفَ سجدة)(258) .
وعن عبد الله بن يحيى قال: (رأيتُ على أبي جعفر محمد بن عليٍّ رضي الله عنهما إزارًا أصفر، وكان يصلِّي كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسين ركعة بالمكتوبة)(259) .
وعن معاوية بن قرة قال: (قال معاذٌ رضي الله عنه لابنه: يا بنيَّ إذا صلَّيتَ صلاةً فصلِّ صلاةَ مودِّعٍ؛ لا تظنّ أنَّك تعود إليها أبدًا، واعلم يا بنيَّ أنَّ المؤمنَ يموت بين حسنتَيْن: حسنة قدَّمها، وحسنة أخَّرها)(260) .
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (مِن أحبِّ حالٍ يحمد اللهُ عز وجل العبدَ عليها أن يجدَه عافرًا وجهَه)(261) .
المطلبُ السادسُ: قيامُ اللَّيل
قيامُ اللَّيل هو دأبُ الصالحين، وتجارةُ المؤمنين، وعملُ الفائزين، ففي اللَّيل يخلو المؤمنون بربِّهم، ويتوجَّهون إلى خالقهم وبارئهم، فيشكون إليه أحوالَهم، ويسألونه من فضله، فنفوسُهم قائمةٌ بين يدي خالقِها، عاكفةٌ على مناجاة بارئها، تتنسَّم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وترغب وتتضرع إلى عظيم العطايا والهبات.
قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16]، قال مجاهد والحسن: يعني قيام الليل(262) .
وقال عبد الحق الأشبيلي: (أي تنبو جنوبُهم عن الفُرش، فلا تستقر عليها، ولا تثبت فيها؛ لخوف الوعيد، ورجاء الموعود).
وقد ذكر الله عز وجل المتهجِّدين فقال عنهم: ﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ١٧ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18، 17]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لم يكن يمضي عليهم ليلةً إلا يأخذون منها ولو شيئًا)(263) ، وقال الحسن: (مَدُّوا في الصلاة ونشطوا، حتى كان الاستغفار بسَحَر)(264) .
وقال تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ
ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر: 9]، أي: هل يستوي مَن هذه صفتُه مع من نام ليلَه، وضيَّع نفسَه، غير عالم بوعد ربه ولا بوعيده؟!
إنَّ من رحمة الله تعالى أنْ شرع لنا النوافل لتكمل ما في الفرائض من نقص، ولتزيد في الموازين من الحسنات، فجعل اللهُ للفرائض من جنسها نوافل، فالصلاة وهي عمود الدين، كانت خمسَ صلوات مفروضة، لا يجب علينا غيرها إلا أن نطوع جعل اللهُ لها نوافل تكمِّلها، فأفضلُ الصلاة بعد المكتوبة قيامُ اللَّيل، ومَن الذي يدعي أنَّ فرائضه قد كمُلت حتى يستغني عن التنفُّل؟!
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ عز وجل: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ)(265) .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِّه عز وجل: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ...)(266) .
وقد افترض اللهُ سبحانه وتعالى في أول الأمر قيامَ اللَّيل، فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه حولًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ١ قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [المزمل: 1، 2]، كما قالت عائشةُ رضي الله عنها: (فَإِنَّ اللهَ عز وجل افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ)(267) .
وقد رغَّب النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قيام اللَّيل، وحثَّ عليه، في أحاديثَ كثيرةٍ، ومن ذلك:
عن بلال رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنْ الإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ)(268) .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ،
وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ)(269)
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: (يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزِّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ)(270) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ)(271) .
إلى غير ذلك من أحاديثَ نبويةٍ في فضل هذه العبادة الجليلة، وعظيم منزلتها، ورفيع درجتها.
ولأجل ذلك فقد امتثل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم تلك التَّوجيهات الربانية، والتَّحفيزات النبوية، فضربوا في ذلك أروع الأمثلة، وكانوا يتنافسون في ذلك تنافسًا شديدًا.
وسأسوق ها هنا نبذةً يسيرةً مما ورد عنهم في هذا المقام الشريف، الذي أَوْلَوْه عنايةً خاصةً، لعلَّ ذلك يكون حافزًا لنا على الاقتداء بهم، رضي الله عنهم.
ومن الجدير بالتنبيه عليه أنَّ عدم ورود آثار خاصة عن بعض الصحابة الأجلاء في هذه العبادة، لا يلزم منه عدم قيامهم بذلك في ذات الأمر، بل يكفينا في أنَّه كان لكلِّ واحدٍ منهم نصيبُه من هذه العبادة، قولَ عليٍّ رضي الله عنه: (لقد رأيتُ أثرًا من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فما أرى أحدًا يشبِهُهم، والله إنْ كانوا ليُصبحون شُعثًا غُبرًا صُفرًا، بين أعينهم مثل رُكَبِ المِعْزَى، قد باتوا يتلون كتابَ اللهِ، يراوحون بين أقدامِهم وجباهِهم، إذا ذُكر اللهُ مادُوا كما تميد الشجرةُ في يومِ ريحٍ، فانهملت أعينُهم حتَّى تبلَّ واللهِ ثيابُهم، واللهِ لكأنَّ القومَ باتوا غافلين)(272) ، وقولَ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: (لم يكن يمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا)، وهذا يدل على أنَّ لكلِّ واحدٍ منهم نصيبَه الذي لا يتركه، ولو كان قليلًا، أمَّا مسألة نقل ذلك عن كلِّ واحدٍ منهم بخصوصه، فهذه قضية أخرى.
ومما جاء عنهم مخصوصًا:
ما ورد أنَّ العبَّاس بن عبد المطلب رضي الله عنه كان جار عمر رضي الله عنه، وكان يقول: (ما رأيتُ مثلَ عمر قطُّ، نهارُه صائمٌ، وفي حاجاتِ النَّاس، وليلُه قائمٌ، فلمَّا تُوفِّي عمرُ سألتُ اللهَ أنْ يُرِيَنيه، فمكثتُ سنةً ثم رأيتُه فيما يرى النائم، مقبلًا من السوق، فسلَّمتُ عليه، وسلَّم علَيَّ، فقلتُ: كيف أنت، وماذا وجدتَ؟ فقال: الآن فرغتُ من الحساب! وإن كاد عرشي ليهوي لولا أنَّي وجدتُ ربًّا رحيمًا)(273) .
وعن زيد بن أسلم، عن أبيه: (أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصلِّي من اللَّيل ما شاء اللهُ أنْ يصلِّي، حتَّى إذا كان من آخر اللَّيل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة، الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسَۡٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ [طه: 132])(274) .
وعن أبي رافع رحمه الله قال: (كان عمرُ رضي الله عنه ينش النَّاسَ بعد العشاء بالدِّرَّة، ويقول: انصرفوا إلى بيوتكم، يقول: قوموا لعلَّ اللهَ يرزقكم صلاةً)(275) .
وعن الزبير بن عبد الله بن رهيمة، عن جدَّته، قالت: (كان عثمانُ رضي الله عنه يصوم الدَّهر، ويقوم اللَّيل إلا هجعةً من أوَّله).
وفي رواية: (كان عثمانُ رضي الله عنه لا يوقظ نائمًا من أهله، إلا أن يجد يقظانًا فيدعوه، فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدَّهر)(276) .
وعن يحيى البكاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ﴾ [الزمر: 9]، قال: (هو عثمان بن عفان)(277) .
وعن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، قال: قال أبي: (لأَغلِبنَّ اللَّيلة على المَقام، قال: فلمَّا صلَّيتُ العتمة تخلصتُ إلى المَقام حتَّى قمتُ فيه، قال: فبينما أنا قائمٌ إذا رجلٌ وضع يده بين كتفي، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: فبدأ بأمِّ القرآن فقرأ حتَّى ختم القرآنَ، فركع وسجد، ثم أخذ نعلَيْه، فلا أدري أصلَّى قبل ذلك شيئًا أم لا؟)(278) .
وعن محمد بن سيرين، قال: قالت امرأةُ عثمان بن عفان رضي الله عنه حين أطافوا به يريدون قتلَه: (إنْ تقتلوه أو تتركوه فإنَّه كان يحيي اللَّيل كلَّه في ركعةٍ يجمع فيها القرآن)(279) .
وعن الشعبي، قال: لقي مسروقٌ الأشترَ، فقال: مسروقٌ للأشتر: (قَتَلْتُم عثمانَ؟ قال: نعم! قال: أمَا واللهِ لقد قتلتموه صوَّامًا قوَّامًا)(280) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان الرجلُ في حياة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذا رأى رؤيا قصَّها على رسولِ اللهِ صلى الله
عليه وسلم، فتمنيتُ أن أرى رؤيا، فأقصَّها على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكنتُ غلامًا شابًا، وكنتُ أنام في المسجد على عهد رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فرأيتُ في النَّوم كأنَّ ملكَيْن أخذاني، فذهبا بي إلى النَّار، فإذا هي مطويَّةٌ كطيِّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناسٌ قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذُ بالله من النَّار، قال: فلقينا ملكٌ آخر فقال لي: لم تُرَع، فقصصْتُها على حفصة، فقصَّتْها حفصة على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»، فكان بعدُ لا ينام من اللَّيل إلا قليلًا)(281)
وفي رواية: فقال نافع: (فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة)(282) .
وعن نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يحيي الليل صلاتًا، ثم يقول: (يا نافع أَسْحَرْنا؟ فأقول: لا، فيعود إلى صلاته، فإذا قلتُ: نعم، قعد يستغفر اللهَ ويدعو حتَّى يصبح)(283) .
وعن محمد، قال: (كان ابنُ عمر رضي الله عنهما كلمَّا استيقظ من اللَّيل صلَّى)(284) .
وعن سعيد بن جبير قال: (لما أصاب ابن عمر رضي الله عنهما الخَبْل(285) الذي
أصابه بمكة، وفي رواية: كنتُ مع ابن عمر حين أصابه سنان الرُّمح في أخمص قدمه، فلزقت قدمُه بالركاب فرمي حتى أصاب الأرض، فخاف أن يمنعه الألم، فقال ابن عمر لسعيد: يا ابن أمِّ الدَّهماء اقضِ بي المناسك، فلمَّا اشتدَّ وجعُه بلغ الحجاج، فأتاه يعوده، فجعل يقول: لو أعلم مَن أصابك لفعلتُ وفعلتُ! فلمَّا أكثر عليه، قال: أنت أصَبْتَني! حملتَ السلاح في يومٍ لا يُحمل فيه السلاح، فلمَّا خرج الحجاج، قال ابن عمر: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاثٍ: ظمأ الهواجر، ومكابدة اللَّيل، وألا أكون قاتلتُ هذه الفئة الباغية التي حلَّت بنا)(286)
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (فضلُ صلاة اللَّيل على صلاة النَّهار، كفضل صدقة السِّرِّ على صدقة العلانية). قال: وقال عبد الله: (إنَّك ما كنتَ في صلاةٍ كأنَّك تقرع باب الملك، ومَن قرع باب الملك يوشك أن يُفتَح له)(287) .
وعنه رضي الله عنه قال: (حسْبُ الرجل من الخيبة، أو من الشَّرِّ، أن ينام ليلةً حتَّى يصبح، وقد بال الشيطان في أذنه، فلم يذكر الله ليلةً حتَّى يصبح).
وفي رواية: (والذي لا إله غيرُه لا ينام الرجل ليلةً إلى الصباح، لا يذكر
الله، إلا بال الشيطان في أذنه)(288)
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: (كان عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه إذا هدأت العيونُ قام، فسمعتُ له دويًّا كدوِيِّ النَّحل حتَّى يصبح)(289) .
وعن محارب بن دثار، عن عمِّه قال: (غدوتُ بسَحَرٍ فمررتُ بدار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فسمعتُه يقول: اللَّهمَّ أمَرْتَني فأطعتُك، ودعوتَني فأجبتُك، وهذا سَحَرٌ فاغفر لي، فلما أصبحتُ أتيتُه، فذكرتُ ذلك له، فقال: إنَّ يعقوبَ حين قال له بنوه: ﴿ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا﴾، أخَّرهم إلى السَّحَر)(290) .
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سُمع وهو يصلي من اللَّيل وهو يبكي، ويقول: (اللَّهمَّ إنَّك آتيتَ عَمرًا مالًا، فإن كان أحب إليك أن تسلب عمرًا مالَه ولا تعذِّبه بالنَّار، فاسلبه مالَه، وإنَّك آتيتَ عمرًا ولدًا، فإن كان أحب إليك أن تثكل عمرًا ولدَه ولا تعذِّبه بالنَّار، فأثكله ولدَه، وإنَّك آتيتَ عمرًا سلطانًا، فإن كان أحب إليك أن تنزع منه سلطانَه ولا تعذِّبه بالنَّار، فانزع منه سلطانَه)(291) .
وعن أبي عثمان النهدي قال: (تضيَّفتُ أبا هريرة رضي الله عنه سبعًا، فكان
هو وامرأتُه وخادمُه يعتقبون اللَّيل أثلاثًا، يصلِّي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلِّي هذا ثم يرقد ويوقظ هذا، قال: قلتُ: يا أبا هريرة كيف تصوم؟ قال: أمَّا أنا فأصوم من أوَّل الشهر ثلاثًا، فإن حدث لي حادثٌ كان آخر شهري)(292)
وعنه رضي الله عنه أنَّه قال: (إنِّي لأُجزِّئ اللَّيل ثلاثةَ أجزاء: فثلثٌ أنام، وثلثٌ أقوم، وثلثٌ أتذكَّر أحاديثَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)(293) .
وعن أبي عثمان النهدي، قال: (كان أبو هريرة رضي الله عنه يقوم ثلثَ اللَّيل، وامرأتُه ثلثَ اللَّيل، وابنُه ثلثَ اللَّيل)(294) .
وعن الحسن، أن رجلًا سأل أبا ذرٍّ رضي الله عنه: (أيُّ اللَّيل أسمعُ؟ قال: جوفُ اللَّيل الأوسط. قال: ومَن يطيق ذلك؟ قال: من خاف أدلج)(295) .
وعن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، أنَّ معاذًا رضي الله عنه قال لأبي موسى رضي الله عنه: (كيف تقرأ القرآنَ؟ قال: أتفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا(296) فقال له أبو موسى: فكيف تقرأه أنت يا معاذ؟ قال: أنام أوَّل اللَّيل، وأتقوَّى به على آخره، وإنِّي
لأرجو الأجر في رقدتي، كما أرجوه في يقظتي)(297)
وعن أم إسحاق بنت طلحة، قالت: (كان الحسنُ بن عليٍّ رضي الله عنهما يأخذ نصيبَه من قيام اللَّيل من أوَّل اللَّيل، وكان الحسينُ رضي الله عنه يأخذ نصيبَه من آخر اللَّيل)(298) .
وعن طارق بن شهاب، أنه بات عند سلمان رضي الله عنه ينظر اجتهادَه، قال: (فقام فصلَّى من آخر اللَّيل، فكأنَّه لم يرَ الذي كان يظن، فذكر ذلك له، فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنَّهنَّ كفاراتٌ لهذه الجراحات ما لم تصب المقتلة، فإذا أمسى النَّاس كانوا على ثلاث منازل: فمنهم من له ولا عليه، ومنهم من عليه ولا له، ومنهم لا له ولا عليه، فرجلٌ اغتنم ظلمةَ اللَّيل، وغفلةَ النَّاس، فقام يصلِّي حتَّى أصبح، فذلك له ولا عليه، ورجلٌ اغتنم غفلةَ النَّاس، وظلمةَ اللَّيل، فركب رأسَه في المعاصي، فذلك عليه ولا له، ورجلٌ صلَّى العشاء، ثم نام، فذلك لا له ولا عليه، فإيَّاك والحقحقة(299) ، وعليك بالقصد والدَّوام)(300) .
وعن شدَّاد بن أوس الأنصاري رضي الله عنه: أنَّه كان إذا دخل الفراش يتقلَّب على فراشه، لا يأتيه النَّوم فيقول: (اللَّهمَّ إنَّ النَّار أذهبت منِّي النَّوم، فيقوم فيصلِّي حتَّى يصبح)(301) .
المطلبُ السابعُ: تلاوةُ القرآن الكريم
(القرآنُ: آياتٌ منزَّلةٌ من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم، وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليها أعراف الضمائر فابتز أنفالها.
وكم صدُّوا عن سبيله صدًّا، ومن ذا يدافع السَّيل إذا هدر؟! واعترضوه بالألسنة ردًّا، ولعمري مَن يردّ على الله القدَر؟! وتخاطروا له بسفهائِهم كما تخاطرت الفحول بأذناب، وفتحوا عليه من الحوادث كلّ شدق فيه من كل داهية ناب.
فما كان إلا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه، ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصَّبي غطاءه ليخفيه بحجابه، ثم لا يزال النُّور يتبسط على غطائه.
ألفاظٌ إذا اشتدَّت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، ومعانٍ هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورِقَّة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان)(302) .
إنَّ الحديث عن كتاب الله تعالى ذو شجون، فمهما أوتي الإنسان من بلاغةٍ وبيانٍ، فلن يستطيع أن يعطي هذا الكتاب حقَّه، كيف لا، وهو كلام الله تعالى العلي الأعلى، منه بدأ، وإليه يعود، فمن الذي يدانيه أو يقاربه؟
(لذلك كله كان القرآنُ الكريمُ موضعَ العناية الكبرى من الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وصحابته، ومن سلف الأمَّة وخلفها جميعًا إلى يوم النَّاس هذا.
وقد اتخذت هذه العنايةُ أشكالًا مختلفةً؛ فتارةً ترجع إلى لفظه وأدائه، وأخرى إلى أسلوبه وإعجازه، وثالثةً إلى كتابته ورسمه، ورابعةً إلى تفسيره وشرحه، إلى غير ذلك)(303) .
والذي يهمُّنا في هذا المقام الجليل هو الحديثُ عن تلاوة كتاب الله تعالى، وحرصُ السلف
الصالح رضوان الله تعالى عليهم على التَّزود من هذا المعين الذي لا ينضب، والنَّهل من هذا الرويِّ الذي لا يفنى، وما ذاك إلا استجابة منهم لأمر الله تعالى بتلاوة هذا الكتاب العظيم، والإكثار من ذلك، ليفوزوا بالدرجات العُلى، والأجور المتكاثرة.
قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 121]، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، وقال عزَّ من قائل: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ٢٩ لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ﴾ [فاطر: 29 30]، إلى غير ذلك من آياتٍ تحثُّ على تلاوة كتاب الله تعالى.
أمَّا الأحاديثُ النبوية الدَّالَّة على هذا الأمر فحدِّثْ ولا حرج، فمن ذلك:
عن عائشة رضي الله عنها: قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ»(304) .
وعقبة بن عامر رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عز وجل، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ»)(305) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا
مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»(306)
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ»(307) .
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»(308) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا»(309) .
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أكثرَ النَّاس امتثالًا وتطبيقًا لهذه التَّوجيهات، فكان القرآنُ حياتَه، لا يفارقه في حلِّه وترحاله، وقيامه وقعوده، ويقظته ومنامه،
وذهابه وإيابه، ولو أردنا أن نذكر أمثلةً من حياة النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع كتاب الله تعالى، لاحتجنا في ذلك إلى كتابٍ مستقلٍّ، فما قام أحدٌ بالقرآن قيامَ رسولنا صلى الله عليه وسلم، وما تدبَّره أحدٌ تدبُّرَ رسولنا صلى الله عليه وسلم، وما بكى أحدٌ من تلاوته أو استماعه ما بكى سيد الخائفين، وما اقتدى بهديه أحدٌ اقتداء سيد العالمين.
فعن حذيفة رضي الله عنه، قال: (صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ)(310) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَطَالَ حَتَّى
هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ، قَالَ: قِيلَ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ)(311)
وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ بِهَا: ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ، تَرْكَعُ بِهَا وَتَسْجُدُ بِهَا قَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا)(312) .
وعن عليٍّ رضي الله عنه، قال: (مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ الْمِقْدَادِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلا نَائِمٌ، إِلَّا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي، وَيَبْكِي، حَتَّى أَصْبَحَ)(313) .
إلى غير ذلك من أحاديث.
أمَّا الصحابة الكرام فكانوا خيرَ خلفٍ لخيرِ سلفٍ في هذا الباب، فكم كان حرصُهم عظيمًا على تلاوة كتاب الله تعالى، والإكثار منه، وعدم السآمة من ذلك، ولعلِّي أسوق نبذةً من تلك الآثار الدالة على مدى تعلقهم بكتاب الله تعالى.
فمن ذلك:
عن عمر رضي الله عنه قال: (قد أتى عليَّ زمانٌ وأنا أحسب مَن قرأ القرآنَ يريد به وجهَ اللهِ، فقد خُيِّل لي الآن بأخرةٍ أنِّي أرى قومًا قد قرأوه يريدون به
النَّاس، فأريدوا اللهَ بقراءتكم، وأريدوا اللهَ بأعمالكم)(314)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنَّ عمرَ رضي الله عنه كان إذا دخل بيته نشر المصحفَ فقرأ فيه)(315) .
وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، قال: (استأذنتُ على عمر بالهاجرة، فحبسني طويلًا، ثم أذن لي، وقال: إنِّي كنتُ في قضاء وِرْدي)(316) .
وعن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، قال: قال أبي: (لأَغلِبنَّ اللَّيلة على المقام، قال: فلمَّا صليتُ العتمة تخلصتُ إلى المقام حتَّى قمتُ فيه، قال: فبينما أنا قائمٌ إذا رجلٌ وضع يده بين كتفي، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: فبدأ بأمِّ القرآن، فقرأ حتَّى ختم القرآن، فركع وسجد، ثم أخذ نعلَيْه، فلا أدري أصلَّى قبل ذلك شيئًا أم لا)(317) .
وعن محمد بن سيرين، قال: قالت امرأة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين أطافوا به يريدون قتلَه: (إنْ تقتلوه أو تتركوه فإنَّه كان يحيي اللَّيل كله في ركعةٍ يجمع فيها القرآن)(318) .
وعن ابن
عمر رضي الله عنهما قال: (إذا رجع أحدُكم من سوقه فلينشر المصحفَ فليقرأ)(319)
وعن أم موسى: (أنَّ الحسن بن عليٍّ كان يقرأ وِرْده من أوَّل اللَّيل، وأنَّ حسينًا كان يقرؤه من آخر اللَّيل)(320) .
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (إنِّي لأقرأ جزئي أو قالت سُبعي وأنا جالسةٌ على فراشي، أو على سريري)(321) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبره أي عبدَ الله ذا البجادين رضي الله عنه ليلًا، وأسرج فيه سراجًا، وأخذه من قِبل القبلة، وكبّر عليه أربعًا، وقال: «رَحِمَكَ اللهُ، إنْ كُنْتَ لَأَوَّابًا تَلَّاءً لِلقُرْآنِ»)(322) .
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: (كان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ القرآن في كلِّ ثلاثٍ، وقلَّما يستعين بالنَّهار)(323) .
أي أن معظم تلك القراءة كانت باللَّيل، وقليلٌ منها بالنَّهار.
وعنه رضي الله عنه قال: (إنَّ هذه القلوبَ أوعيةٌ، فأَشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره)(324) .
وعنه رضي الله عنه قال: (مَن قرأ القرآنَ فليُبْشِر)(325) .
وعنه رضي الله عنه قال: (إنَّ هذا القرآنَ مأدبةُ اللهِ، فخذوا منه ما استطعتم، فإنِّي لا أعلم شيئًا أصفر من خيرٍ، من بيتٍ ليس فيه من كتاب الله شيءٌ، وإنَّ القلبَ الذي ليس فيه من كتاب الله شيءٌ خرِبٌ، كخراب البيت الذي لا ساكن له)(326) .
وعن أبي وائل، قال: قيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إنَّك لتُقِلُّ الصومَ؟ قال: إنَّه يُضعِفني عن قراءة القرآن، وقراءةُ القرآن أحبُّ إليَّ منه)(327) .
وعن أبي قلابة: (أنَّ أبيًّا رضي الله عنه كان يختم القرآنَ في ثمانٍ، وأنَّ تميمًا الدَّاريِّ رضي الله عنه كان يختم القرآنَ في سبعٍ)(328) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (مَن قرأ القرآنَ فقد
أُدرجت النُّبوة بين جنبَيْه، إلا أنَّه لا يوحى إليه، ومَن قرأ القرآنَ فرأى أنَّ أحدًا من خَلق اللهِ أُعطي أفضل ممَّا أُعطي، فقد حقَّر ما عظَّم اللهُ، وعظَّم ما حقَّر اللهُ، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل، ولا يَحِدَّ فيمن يحد، ولكن يعفو ويصفح)(329)
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (اقرءوا القرآن، ولا تغرَّنَّكم هذه المصاحف المعلَّقة، فإنَّ اللهَ لن يعذِّب قلبًا وعى القرآنَ)(330) .
وعن فروة بن نوفل الأشجعي، قال: (كنتُ جارًا لخبَّاب رضي الله عنه، فخرجنا يومًا من المسجد وهو آخذٌ بيدي، فقال: يا هناه تقرَّب إلى الله عز وجل ما استطعتَ، فإنَّك لن تتقرَّب إليه بشيءٍ أحب إليه من كلامه)(331) .
المطلبُ الثامنُ: الصيامُ
قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله: (فهو أي الصوم لِجامُ المتَّقين، وجنةُ المحاربين، ورياضةُ الأبرار والمقربين، وهو لربِّ العالمين من بين سائر الأعمال، فإنَّ الصائمَ لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوباتِ النَّفس وتلذُّذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربِّه، لا يطَّلع عليه سواه، والعباد قد يطَّلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأمَّا كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يطَّلع عليه بشرٌ، وذلك حقيقة الصوم. وللصوم تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِمْيَتها عن التَّخليط الجالب لها الموادَ الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحَّتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحَّتها، ويعيد إليها ما اسْتَلَبَتْهُ منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التَّقوى، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183])(332) .
فالصومُ من أجلِّ العبادات، وأعظمِ الطاعات، ولذا فقد فرضه اللهُ
تعالى على الأمم السابقة، كما فرضه على أمَّة الإسلام، وما ذاك إلا لما لهذه العبادة من منزلة ومكانة عند الله تعالى لا تعدِلها منزلة، ولذا فقد صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه لما سأله أبو أمامة رضي الله عنه عن عملٍ يدخله الجنَّةَ، قال له: (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ. أَوْ قَالَ: لَا مِثْلَ لَهُ)(333)
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم حريصًا على هذه العبادة، مستكثرًا منها، لعِلمه ما لها من فضيلةٍ وثوابٍ لا يوازيه ثوابُ أيِّ شيءٍ من الأعمال الصالحة الأخرى، فكما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (الصِّيَامُ نِصْفُ الصَّبْرِ)(334) ، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10]، فثوابُ الصيام لا يعلمه إلا اللهُ تعالى.
ومما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في شأن هذه العبادة:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ يَعْنِي مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)(335) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ
صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ)(336)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قال: (تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)(337) .
ويضاف إلى ذلك صيام الأيام الفاضلة، كيوم عرفة، وعاشوراء، والست من شوال، ونحوها.
أمَّا الصحابة الكرام فلم يبتعدوا عن هذا النَّهج النبوي المبارك، فكانوا حريصين على هذه العبادة العظيمة، كلٌّ بحسبه، وبما ييسر اللهُ تعالى له، فالنَّاسُ في ذلك أصنافٌ، والقدراتُ مختلفةٌ، فما يطيقه البعض، قد لا يطيقه آخرون.
ومما ورد عنهم في ذلك:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»(338) .
وعن أبي عثمان النهدي قال: قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: (الشِّتاءُ غنيمةُ العابدين)(339) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنَّ عمرَ رضي الله عنه سرد الصومَ قبل موته بسنتَيْن)(340) .
وعن الزبير بن عبد الله، عن جدَّةٍ له يقال لها: زهيمة، قالت: (كان عثمانُ يصوم الدَّهر، ويقوم اللَّيل إلا هجعةً من أوَّله).
وفي رواية: (كان عثمانُ لا يوقظ نائمًا من أهله، إلا أن يجد يقظانًا فيدعوه، فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدَّهر)(341) .
وعن عبد الله بن أبي مُليكة: (أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تصوم الدَّهر كلَّه، وأيامَ التَّشريق).
وفي رواية: (كانت تَسْرُد الصَّوم)(342) .
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: (أراد رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يطلِّق حفصة، فجاء جبريلُ عليه السلام فقال: لا تُطلِّقها؛ فإنَّها صوَّامةٌ قوامَّةٌ، وإنَّها زوجتُك في الآخرة)(343) .
وعن نافع قال: (ما ماتت حفصة حتى ما تفطر)(344) .
وعن هبيرة، قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (الصومُ جُنَّةٌ من النَّار، كجُنة الرجل إذا حمل من السلاح ما أطاق)(345) .
وعن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: (كنّا في البحر، فبينا نحن نسير، وقد رفعنا الشراع، ولا نرى جزيرة ولا شيئًا، إذ سمعنا مناديًا ينادي: يا أهلَ السفينة، قِفوا أخبرُكم، فقمنا ننظر فلم نرَ شيئًا، فنادى سبعًا فلما كانت السابعة، قمتُ فقلتُ: يا هذا، أخبِرْنا ما تريد أن تخبِرَنا به، فإنَّك ترى حالَنا، ولا نستطيع أن نقف عليها، قال: ألا أخبرُكم بقضاءٍ قضاه اللهُ على نفسه: أيَّما عبد أظمأ نفسه في الله في يومٍ حارٍّ، أرواه اللهُ يوم القيامة).
زاد أبو أسامة: (فكنتَ لا تشاء أن ترى أبا موسى صائمًا في يومٍ بعيدِ ما بين الطرفَيْن إلا رأيتَه).
وفي رواية: (فكان أبو موسى لا يمرُّ عليه يومٌ حارٌّ إلا صامَه، فجعل يتلوى فيه من العطش).
وفي رواية: (فكان أبو موسى يتوخَّى اليوم الشَّديد الحرِّ، الذي يكاد الإنسانُ فيه أن ينسلخ حرًّا فيصومه)(346) .
وعن أنس رضي الله عنه: (أنَّ أبا طلحة رضي الله عنه كان يكثر الصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يفطر بعده، إلا من وَجَعٍ).
وفي رواية: (كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ من أجل الغزو، فصام بعده أربعين سنة، لا يفطر إلا يومَ الأضحى، أو يومَ فطرٍ)(347) .
وعن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنَّه كان لا يكاد يفطر في الحضر إلا أن يمرض).
وفي رواية: (كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر، إلا أن يمرض، أو أيامَ يَقْدَمُ، فإنَّه كان رجلًا كريمًا، يحب أن يُؤكَل عنده، قال: وكان يقول: (لأن أفطر في السفر فآخذُ برخصة الله أحب إليَّ من أن أصوم)(348) .
وعن سعيد بن جبير قال: (لمَّا أصيب ابن عمر قال: ما تركتُ خلفي شيئًا من الدنيا آسى عليه غير ظمأ الهواجر، وغير مشيٍ إلى الصلاة)(349) .
وعن سعد بن مسعود: أنَّ أبا الدرداء قال: (لولا ثلاثٍ ما أحببتُ أن
أعيش يومًا واحدًا: الظمأ لله بالهواجر، والسجود في جوف اللَّيل، ومجالسة قوم ينتقون من خيار الكلام، كما يُنتقى أطائب التمر)(350)
وعن أبي نوفل بن أبي عقرب، قال: (دخلتُ على ابن الزُّبير رضي الله عنهما صبيحة خمسة عشر من الشهر وهو مُواصلٌ. أي الصيام(351) ) .
وعن ابن مليكة، قال: (كان ابنُ الزُّبير يواصل سبعة أيام، ويصبح يوم السابع وهو أَلْيَثُنا)(352) .
وعن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قال: (لمَّا كان قبل قَتْل ابن الزُّبير رضي الله عنهما بيومٍ قالت أمُّه: خذلوه وأحبُّوا الحياة، ولم ينظروا لدينهم، ولا لأحسابهم. ثم قامت تصلِّي وتدعو وتقول: اللَّهمَّ إنَّ عبد الله بن الزُّبير كان معظِّمًا لحرمتك، كريهٌ إليه أن تُعصى، وقد جاهد فيك أعداءَك، وبذل مهجةَ نفسِه لرجاء ثوابِك، اللَّهمَّ فلا تخيِّبْهُ، اللَّهمَّ ارحم طولَ ذلك السجود والنحيب، وطولَ ذلك الظمأ في الهواجر، اللَّهمَّ لا أقول ذلك تزكيةً له، ولكنَّه الذي أعلم، وأنت أعلمُ به، اللَّهمَّ وكان برًّا بالوالدين. قال: فلمَّا أصبحنا يوم الثلاثاء جاء أمَّه فودَّعها، ثم خرج من عندها، فأصابته رميةً فوقع، فتغاوروا عليه فقتلوه)(353) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: (أُخبِر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّه يقول: لأقومنَّ اللَّيل ولأصومنَّ النَّهار ما عشتُ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «آنتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟» فقلتُ له: قد قلتُه، يا رسولَ اللهِ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلَ صِيَامِ الدَّهْرِ». قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: «صم يومًا وأفطر يومين». قال: قلتُ: فإنِّي أطيقُ أفضلَ من ذلك يا رسولَ اللهِ. قال: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ». قال: قلتُ: فإنِّي أطيقُ أفضلَ من ذلك. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ». قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: لأَنْ أكون قبلتُ الثلاثةَ الأيام التي قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أحب إلَّي من أهلي ومالي).
وفي رواية: (فشدَّدتُّ، فشُدِّد عليَّ. قال: وقال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ». قال: فصِرتُ إلى الذي قال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلما كبرتُ وددتُ أنَّي كنتُ قبلتُ رخصةَ نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم)(354) .
وعن عمرو بن قيس: أنَّ معاذ بن جبل رضي الله عنه لما حضره الموتُ قال: (انظروا، أَصْبَحْنا؟ قال: فقيل: لم نُصبِح. حتَّى أُتي فقيل له: قد أصبحتَ. قال: أعوذُ باللهِ من ليلةٍ صباحُها إلى النَّار، مرحبًا بالموت، مرحبًا، زائرٌ مُغِب، حبيبٌ جاء على فاقةٍ، اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنَّي كنتُ أخافك، فأنا اليوم
أرجوك، إنِّي لم أكن أحبُّ الدنيا، وطولَ البقاء فيها لكَرْيِ الأنهار، ولا لغرس الشجر، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالرُّكب عند حِلَق الذِّكر)(355)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ألا أدلُّكم على غنيمةٍ باردةٍ؟ قالوا: ماذا يا أبا هريرة؟ قال: الصومُ في الشتاء)(356) .
وعن عائشة رضي الله عنها: (أنَّ حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي رجلٌ أسرد الصومَ، أفأصوم في السفر؟ قال: «صُمْ إِنْ شِئْتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ»)(357) .
المطلبُ التاسعُ: الجودُ والإنفاقُ في سبيلِ اللهِ
كثيرةٌ تلك الألفاظ في لغتنا العربية الدالة على معاني البذل والعطاء، كالكرم، والسَّخاء، والجود، وغيرها، وقد يكون بينها نوعٌ من الاختلاف في المدلول، إلا أنَّها في النِّهاية تدلُّ على معنى متقاربٍ، فمثلًا:
الكرم: هو الإعطاء بالسهولة، والكريم: من يوصل النَّفع بلا عوضٍ(358) .
وأمَّا الجود: فهو التَّسمُّح بالشيء، وكثرة العطاء(359) . وقيل هو: بذل المقتنيات مالًا كان أو عِلمًا(360) .
وأمَّا السَّخاء: فهو الجود(361) . وقيل هو: هيئةٌ للإنسان داعيةٌ إلى بذل المقتنيات، حصل معه البذل أو لم يحصل(362) .
قال المناوي: وقال بعضهم: السَّخاءُ أتمُّ وأكملُ من الجود، وضدُّه البخلُ، وضدُّ السَّخاء الشُّحُّ، والجود والبخل يتطرَّق إليهما الاكتسابُ
عادةً، بخلاف ذينك أي السَّخاء والشُّح فإنَّهما من ضروريات الغريزة، فكلُّ سخيٍّ جوادٌ، ولا عكس، والجود يتطرَّق إليه الرِّياء ويمكن تطبُّعه، بخلاف السَّخاء(363)
والأصلُ في المؤمن أن يتَّصف بهذه الصفة، وهذا الخلق الكريم، فاللهُ جل وعلا عندما وصف عبادَه المتَّقين قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾، قال الزمخشري: وأدخل (مِن) التبعيضية صيانةً لهم وكفًّا عن الإسراف والتَّبذير المنهي عنه، وقدَّم مفعولَ الفعل دلالةً على كونه أهمَّ، كأنَّه قال: ويخصُّون بعض المال الحلال بالتَّصدُّق به(364) .
والسَّخاء من أخلاق الأنبياء عليهم السلام، وهو أصلٌ من أصول النَّجاة، لأنَّ مَن أحبَّ شيئًا أمسكه، ولم يفارِق المالَ إلا من صغُرت الدنيا في عينه(365) .
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أكرم النَّاس وأجودِهم، حتَّى إنَّه (جاد بكلِّ موجودٍ، وآثَرَ بكلِّ مطلوبٍ ومحبوبٍ، ومات ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ على آصُعٍ من شعيرٍ لطعامِ أهلِه(366) وقد ملك جزيرةَ العرب، وكان فيها ملوكٌ وأقيالٌ، لهم خزائنُ وأموالٌ، يقتنونها ذخرًا، ويتباهون بها فخرًا، ويستمتعون بها أشرًا وبطرًا، وقد حاز مُلكَ جميعِهم، فما اقتنى دينارًا ولا
درهمًا، لا يأكل إلا الخشب(367) ولا يلبس إلا الخشن، ويعطي الجزْلَ الخطيرَ، ويصل الجمَّ الغفيرَ، ويتجرع مرارةَ الإقلال، ويصبر على سغبِ الاختلال.
وقد حاز غنائمَ هوازن، وهي من السَّبيِ ستةُ آلافِ رأسٍ، ومن الإبلِ أربعةٌ وعشرون ألفَ بعيرٍ، ومن الغنمِ أربعون ألفَ شاةٍ، ومن الفضَّة أربعةُ آلافِ أُوقيَّة، فجاد بجميع حقِّهِ وعاد خَلْوًا)(368) .
هذا أنسُ بن مالك رضي الله عنه أقربُ النَّاس من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يصفه فيقول: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ...»(369) .
وقد حثَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أتباعَهُ على الجود والكرم، وبشَّرهم بالجائزة العظمى، والقيمة المثلى، ألا وهي حبُّ اللهِ تعالى للكرم والكرماء، والجود والأجواد الأسخياء، فعن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الَله كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ وَمَعَالِيَ الأَخْلَاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»(370) .
وبيَّن لهم أنَّ الإيمان والشُّحَّ لا يجتمعان في قلبِ مؤمنٍ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي
سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ، وَلَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»(371)
وقد امتثل الصحابةُ الأبرار، وآلُ البيت الأطهار، هذا الخلقَ العظيمَ، طلبًا لما عند الله تعالى من الأجر والثواب، واقتداءً بسيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وهذه جملة من النقول والآثار عنهم في ذلك، فمن ذلك:
أنهم كانوا يحثون بعضهم بعضًا على بذل المعروف، والإنفاق، قبل أن يسألهم السائلُ؛ حتَّى لا يوقعوه في الحرج، وإراقة ماء الوجه، وهذا من عظيم الأخلاق، وأكرمها، فالمنفق بذلك يكون قد أحسن إلى السائل من جهتين: أنَّه أعطاه قبل السؤال حفظًا لماء وجهه، وأنَّه أعطاه ما يحتاجه.
فعن عبيد الله بن العباس رضي الله عنهما أنه قال لابن أخيه: (إنَّ أفضلَ العطيَّة ما أعطيتَ الرجلَ قبل المسألة، فإذا سألك فإنَّما تعطيه ثمنَ وجهِه حين بذلَه إليك)(372) .
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: (ليس الجوادُ الذي يعطيك بعد المسألة، ولكنَّ الجواد الذي يبتدئ؛ لأنَّ ما يبذله إليك من وجهِه، أشدُّ عليه ممَّا يُعطى عليه)(373) .
وفي رواية: (ليس الجوادُ الذي يعطي بعد المسألة، لأنَّ الذي يبذل السائلُ من وجهِه وكلامِه أفضلُ ممَّا يبذل المسؤول من نائله، وإنَّما الجواد الذي يبتدئ بالمعروف)(374) .
وعن قبيصة بن جابر، قال: (صحبتُ طلحةَ بن عبيد الله رضي الله عنه، فما رأيتُ رجلًا أعطى لجزيلِ مالٍ من غير مسألةٍ منه)(375) .
بل كان بعضهم رضي الله عنهم لا يرى في مالِه حقًّا دون الآخرين! بل هو والآخرون فيه سواءٌ.
فقد قيل لمعاوية بن عبد الله بن جعفر: (ما بلغ من كرمِ عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما؟ فقال: كان ليس له مالٌ دون النَّاس، هو والنَّاس في مالِه شركاء، مَن سأله شيئًا أعطاه، ومَن استمنحه شيئًا منحه إيَّاه، لا يرى أنَّه يفتقِر فيقتصِر، ولا يرى أنَّه يحتاج فيدَّخر)(376) .
وعن حماد بن أبي حنيفة قال: (كان أبو جعفر محمد بن علي رضي الله عنه يدعو نفرًا من إخوانه كلَّ جمعةٍ فيطعمهم الطَّعام الطَّيب، ويطيِّبهم ويجمِّرهم، ويروحون إلى المسجد من منزله)(377) .
وعن مالك
الداراني: (أنَّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينارٍ، فجعلها في صرَّةٍ، ثم قال للغلام: اذهبْ بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثمَّ تَلَهَّ ساعةً في البيت حتَّى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أميرُ المؤمنين: اجعلْ هذه في بعض حوائجك، فقال: وصلَهُ اللهُ ورحمَهُ، ثمَّ قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلانٍ، وبهذه الخمسة إلى فلانٍ، حتَّى أنفدها، فرجع الغلام إلى عمر بن الخطاب فأخبره، ووجده قد أعدَّ مثلَها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهبْ بها إلى معاذ بن جبل، ثمَّ تَلَهَّ في البيت ساعةً؛ حتَّى تنظر إلى ما يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أميرُ المؤمنين: اجعلْ هذا في حاجتك، فقال: وصلَهُ ورحمَهُ، تعالي يا جارية، اذهبي إلى فلانٍ بكذا، وإلى بيتِ فلانٍ بكذا، وإلى بيتِ فلانٍ بكذا، فاطلعت امرأةُ معاذٍ، فقالت: ونحن واللهِ مساكينٌ، فأَعْطِنا، فلم يبقَ في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره؛ فسُرَّ بذلك عمر، وقال: إنَّهم إخوةٌ بعضهم من بعضٍ)(378)
وعن أبي الأسود، قال: (دخل على الحسن بن علي رضي الله عنه نفرٌ من أهل الكوفة وهو يأكل طعامًا، فسلَّموا عليه وقعدوا، فقال لهم الحسن: الطَّعامُ أيسرُ من أن يُقسِم عليه النَّاس، فإذا دخلتم على رجلٍ منزلَه، فقرَّب طعامَه، فكُلُوا من طعامه، ولا تنتظروا أن يقول لكم هلمُّوا، فإنَّما يوضع الطَّعام
ليُؤكل، قال: فتقدَّم القومُ فأكلوا، ثمَّ سألوه حاجتهم، فقضاها لهم)(379)
ولقد بلغ الكرمُ ببعضهم رضي الله عنهم أن يقعوا في الدَّين من شدة كرمهم وسخاء أيديهم، فعن أبي جعفر رضي الله عنه قال: (ما مات عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه حتَّى بلغت غلَّتُه مائةَ ألفٍ، ولقد مات يومَ مات وعليه سبعون ألفًا دَيْنًا! فقلتُ: من أين كان عليه هذا الدَّين؟ قال: كان تأتيه حامَتُه من أصهاره ومعارفه ممَّن لا يرى لهم في الفيء نصيبًا فيعطيهم، فلمَّا قام الحسنُ بن علي رضي الله عنه باع وأخذ من حواشي مالِه حتى قضى عنه، ثمَّ كان يعتق عنه كلَّ عامٍ خمسين نسمة حتَّى هلك، ثمَّ كان الحسينُ رضي الله عنه يعتق عنه خمسين نسمة حتَّى قُتل، ثمَّ لم يفعله أحدٌ بعدهما)(380) .
وعن نافع أيضًا، قال: (أُتي ابن عمر رضي الله عنهما بعشرين ألفًا، فما قام من مجلسه حتَّى أعطاها وزاد عليها. قال: وكيف زاد؟ قال: جاءه مَن كان يحبُّ أن يعطيَه، فيستقرض مِن بعض مَن كان أعطاه، كانوا يزعمون أنَّه بخيلٌ! كذبوا واللهِ، ما كان يبخل فيما ينفعه)(381) .
وصورُ البذل والعطاء، ومواقفُ الكرم والسَّخاء لهؤلاء الأجلَّاء، لا يمكن أن يحصرها كتابٌ، أو يجملها خطابٌ، ولعلِّي أسوق طرفًا منها لتكون شاهدًا على مثيلاتها.
أمَّا الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فحدِّثْ ولا حرج، فقد كانا يتنافسان في الصدقة أيّهما يسبق الآخر، إلا أنَّ الصِّدِّيق كان سبَّاقًا دائمًا، فعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعتُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (أمرَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومًا أنْ نتصدَّق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلتُ: اليومَ أسبقُ أبا بكرٍ إنْ سبقتُه يومًا، فجئتُ بنصف مالي، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قلتُ: مثلَه، قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكلِّ ما عندَه، فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قال: أبقيتُ لهم اللهُ ورسولُه، قلتُ: لا أسابقُك إلى شيءٍ أبدًا)(382) .
قال ملا علي قاري في تعليقه على قول الفاروق: (لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا): لأنَّه إذا لم يقدر على مغالبته حين كثرة مالِه، وقلة مال أبي بكر، ففي غير هذا الحال أولى أن لا يسبقه(383) .
وأمَّا عثمان رضي الله عنه فقد بلغ الذروة في هذا المقام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (اشترى عثمانُ بن عفان رضي الله عنه من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الجنَّةَ مرتَيْن بَيْعَ الحقِّ: حين حفر بئرَ رُومة، وحين جهَّز جيشَ العُسرة)(384) .
وعن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال: (إنِّي لتحت منبرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر، فحضَّض على جيش العُسرة، فلم يجُبْه أحدٌ، فقام
عثمانُ بن عفان رضي الله عنه فقال: يا رسولَ اللهِ، عَلَيّ مائةُ بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها عونًا في هذا الجيش، ثمَّ حضَّض فلم يجُبْه أحدٌ، فقام عثمان فقال: يا رسولَ اللهِ، عَلَيّ مائتا بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها عونًا في هذا الجيش، ثمَّ حضَّض فلم يُجْبه أحدٌ، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسولَ اللهِ، عَلَيّ ثلاثمائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها عونًا في هذا الجيش، فقال عبد الرحمن بن خبَّاب: فكأنَّي أنظر إلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذَا اليَوْمِ»)(385)
وهذا طلحةُ بن عبيد الله رضي الله عنه الذي لقبَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بطلحةَ الخير(386) ، وطلحةَ الفيَّاض(387) ، كان قد تمثَّل هذه الألقابَ عمليًّا في حياته، فعن سُعدى بنت عوف المرية، وكانت محلَ إزارِ طلحة رضي الله عنه أي زوجته ، قالت: (دخل علَيَّ طلحةُ ذات يومٍ وهو خائر النَّفس، وقال قتيبة: دخل علَيّ طلحةُ ورأيتُه مغمومًا ، فقلتُ: ما لي أراك كالحَ الوجه؟ وقلتُ: ما شأنُك، أرابَك منِّي شيءٌ فأعينك؟ قال: لا، ولَنِعْمَ خليلةُ المرء المسلم أنتِ. قلتُ: فما شأنُك؟ قال: المالُ الذي عندي قد كثُر وأكربَني! قلتُ: وما عليكَ، اقْسِمْه. قالت: فقسمه حتَّى ما بقي منه درهمٌ واحدٌ. قال طلحة بن يحيى: فسألتُ خازن طلحة: كم كان المال؟ فقال: أربعمائة ألفٍ!)(388) !!
وعن الحسن، قال: (باع طلحةُ بن عبيد الله رضي الله عنه أرضًا بسبعمائة ألفٍ، فبات ذلك المالُ عنده ليلةً، فبات أرقًا من مخافة ذلك المال حتَّى أصبح ففرَّقه)(389) .
ولا يبعد عن ذلك الزُّبير بن العوام رضي الله عنه، فعن سعيد بن عبد العزيز، قال: (كان للزُّبير بن العوام رضي الله عنه ألفَ مملوكٍ يؤدُّون إليه الخراجَ، وكان يقسمه كلَّ ليلةٍ، ثمَّ يقوم إلى منزله ليس معه منه شيءٌ)(390) .
وأمَّا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقد ضرب أمثلةً عجيبةً في الكرم والجود، فعن أنسٍ رضي الله عنه، قال: (بينما عائشةُ رضي الله عنها في بيتها إذ سمعتْ صوتًا في المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عِيرٌ لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قدمت من الشَّام، تحمل من كلِّ شيءٍ، قال: فكانت سبع مائة بعيرٍ، قال: فارتجَّت المدينةُ من الصوت، فقالت عائشة رضي الله عنها: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «قَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ حَبْوًا»، فبلغ ذلك عبدُ الرحمن بن عوف، فقال: إن استطعتُ لأَدخلنَّها قائمًا، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل اللهِ عز وجل)(391) .
وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: (باع عبدُ الرحمن بن عوف رضي الله عنه أرضًا له بأربعين ألفَ دينارٍ من عثمانَ بن عفان رضي الله عنه، فقسم في فقراء بني
زهرة، وفي ذوي الحاجة، وأمَّهات المؤمنين، قال المسور: فجئتُ بنصيبِ عائشةَ رضي الله عنها إليها، فقالت: مَن أرسل بهذا؟ فقلتُ: عبدُ الرحمن بن عوف. فقالت: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الَّذِي يَحْنُو عَلَى أَزْوَاجِي مِنْ بَعْدِي الصَّادِقُ البَارُّ». سقى اللهُ ابنَ عوف من سلسبيلِ الجنَّة)(392)
وعلى هذا المنوال سار سائر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين:
فعن أبي قتادة رضي الله عنه: (أنَّه كان يطلب رجلًا بدَينٍ فاختفى منه، فقال: ما حملَكَ على ذلك؟ قال: العُسر. فاستحلفه على ذلك فحلف، فدعا بصَكِّه فأعطاه، وقال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ أَنْسَأَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَنْجَاهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ»)(393) .
وهذا عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (مَن استطاع منكم أن يجعل كنزَه في السماء، حيث لا يأكله السُّوس، ولا يناله السُّرُق وفي رواية: السُّرَّاق، وفي أخرى: السرقة فليفعل، فإنَّ قلب الرجل مع كنزه)(394) .
ومعنى ذلك أن يدَّخره عند الله تعالى عن طريق الصدقة والإنفاق في سبيل الله تعالى.
وهذا صهيبٌ رضي الله عنه، فعن حمزة بن صهيب: (أنَّ صهيبًا رضي الله عنه كان يُكْنى أبا يحيى، ويقول: إنَّه من العرب، ويُطعم الطَّعام الكثير، فقال له عمرُ رضي الله عنه: يا صهيب، ما لك تُكْنى أبا يحيى وليس لك ولدٌ؟ وتقول: إنِّك من العرب، وتُطعم الطَّعام الكثير، وذلك سرَفٌ في المال؟ فقال صهيبٌ: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كنَّاني أبا يحيى، وأمَّا قولُك في النَّسب، فأنا رجلٌ من النَّمِر بن قاسط، من أهل الموصل، ولكنِّي سُبِيتُ غلامًا صغيرًا قد عقلتُ أهلي وقومي، وأمَّا قولُك في الطَّعام، فإنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقول: «خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَرَدَّ السَّلَامَ»، فذلك الذي يحملني على أن أُطعم الطَّعام)(395) .
وعن الحسن، قال: (كان عطاءُ سلمان رضي الله عنه خمسةَ آلاف درهمٍ، وكان أميرًا على زهاء ثلاثين ألفًا من المسلمين، وكان يخطب النَّاس في عباءة، يفترش بعضها ويلبس بعضها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه، ويأكل من سَفيفِ يده)(396) .
وعن أوس بن ضمعج، قال: (سألنا سلمانَ رضي الله عنه عن عملٍ نعمله، فقال: تُفشي السلام، وتُطعم الطَّعام، وتُصلِّي والنَّاس نيام)(397) .
وهذا سعيد بن عامر رضي الله عنه يسير بسيرهم، ويقتفي أثرهم، فعن حسان بن عطية، قال: (لمَّا عزل عمرُ بن الخطاب معاويةَ عن الشام، بعث سعيد
بن عامر بن جذيم الجمحي، قال: فخرج معه بجاريةٍ من قريش نضيرةَ الوجه، فما لبث إلا يسيرًا حتَّى أصابته حاجةٌ شديدةٌ، قال: فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بألف دينار، قال: فدخل بها على امرأته، فقال: إنَّ عمر بعث إلينا بما تَرَين، فقالت: لو أنَّك اشتريتَ لنا أدمًا وطعامًا وادَّخرت سائرها؟ فقال لها: أو لا أدلُّكِ على أفضل من ذلك؟ نُعطي هذا المالَ من يتَّجر لنا فيه، فنأكل من ربحها، وضمانُها عليه. قالت: فنعم إذًا، فاشترى أدمًا وطعامًا، واشترى بعيرَيْن وغلامَيْن يمتاران عليهما حوائجهم، وفرّقها في المساكين وأهل الحاجة، قال: فما لبث إلا يسيرًا حتَّى قالت له امرأته: إنَّه نفذ كذا وكذا، فلو أتيتَ ذلك الرجل فأخذتَ لنا من الربح فاشتريتَ لنا مكانه، قال: فسكت عنها، قال: ثمَّ عاودَتْه، قال: فسكت عنها حتَّى آذَتْه، ولم يكن يدخل بيتَه إلا من ليلٍ إلى ليلٍ، قال: وكان رجلٌ من أهل بيتِه ممَّن يدخله بدخوله، فقال لها: ما تصنعين؟ إنَّك قد آذيتيه، وإنَّه قد تصدَّق بذلك المال، قال: فبكت أسفًا على ذلك المال، ثمَّ إنَّه دخل عليها يومًا فقال: على رِسلِكِ، إنَّه كان لي أصحابٌ فارقوني منذُ قريب، ما أحبُّ أنَّي صددتُ عنهم وأنَّ لي الدنيا وما فيها، ولو أنَّ خَيِّرة من خَيِّرات الحسان اطَّلعت من السماء لأضاءت لأهل الأرض، ولقهر ضوءُ وجهِها الشمسَ والقمرَ، ولنصيفٌ تُكسى خيرٌ من الدنيا وما فيها، فلأنتِ أحرى في نفسي أنْ أدَعَكِ لهنَّ من أنْ أدَعَهُنَّ لك، قال: فسمحت ورضيت)(398)
أمَّا ابنُ عمر
رضي الله عنهما فقد كان صنوَ أبيه في هذا الباب، وقد قيل: من شابَهَ أباه فما ظلم، فعن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنَّه كان لا يعجبُه شيءٌ من مالِه إلا خرج منه للهِ عز وجل، قال: وكان ربَّما تصدَّق في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا! قال: وأعطاه ابنُ عامر مرتَيْن ثلاثين ألفًا، فقال: يا نافع إنِّي أخاف أن تفتِنِّي دراهمُ ابنِ عامر، اذهبْ فأنت حرٌّ، وكان لا يُدمِن اللحمَ شهرًا إلا مسافرًا، أو في رمضان، قال: وكان يمكث الشهرَ لا يذوق فيه مزعةُ لحمٍ)(399)
وعن نافع، قال: (ما مات ابنُ عمر رضي الله عنهما حتَّى أعتق ألفَ إنسانٍ أو زاد)(400) .
وعن نافع أيضًا: (أنَّ معاويةَ رضي الله عنه بعث إلى ابنِ عمر رضي الله عنهما مائةَ ألفٍ، فما حال الحَوْل وعنده منها شيءٌ)(401) .
وعن نافع كذلك، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنَّه كان يجمع أهل بيته على جفنته كل ليلةٍ، قال: فربَّما سمع بكاءَ المسكين، فأخذ نصيبَه من اللحم والخبز، فيدفعُه إلى المسكين، ويرجع إلى مكانه وقد فرغوا مما في الجفنة، ثمَّ يصبح صائمًا)(402) .
ولم يكن أهلُ بيت النبيِّ صلى الله عليه وسلم بمنأى عن ذلك، أو بأقلّ شأنًا وحظًّا في هذا الجانب، كيف وهم من بيتِ أكرمِ الخلق، وأسخاهم يدًا، وأجودهم عطاءً، حتَّى إنَّه ليصدُق فيه دون غيره من النَّاس قولُ الشاعر:
| تعوَّد بسطَ الكفِّ حتَّى لو أنَّه | ثناها لقَبْضٍ لم تجِبْه أناملُه |
|---|---|
| تراه إذا ما جئْتَه متهلِّلًا | كأنَّك تعطِيه الذي أنتَ سائلُه |
| هو البحرُ من أيِّ النَّواحي أتيتَه | فلُجَّتُه المعروفُ والجودُ ساحلُه |
| ولو لم يكن في كفِّه غيرَ روحِه | لجادَ بها فليتَّقِ اللهَ سائلُه |
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لأنْ أعول أهل بيت من المسلمين شهرًا، أو جمعة، أو ما شاء الله، أحبُّ إليَّ من حَجَّةٍ بعد حَجَّةٍ، ولَطَبقٌ بدانِقٍ أُهديه إلى أخٍ لي في الله عز وجل، أحبُّ إليَّ من دينارٍ أُنْفِقه في سبيل اللهِ عز وجل)(403) .
وعن محمد بن علي بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنَّ أبا أيوب بن زيد الأنصاري الذي كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نزل عليه حين هاجر إلى المدينة غزا أرضَ الروم، فمرَّ على معاويةَ فجفاه، فانطلق، ثمَّ رجع من غزوته، فمرَّ عليه فجفاه ولم يرفع رأسًا، فأتى عبدَ الله بن عباس بالبصرة وقد أمَّره عليٌّ عليها، فقال: يا أبا أيوب إنِّي أريد أنْ أخرج عن مسكني كما خرجتَ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأمَر أهلَه فخرجوا، وأعطاه كلَّ شيءٍ أُغلِق عليه الدار، فلمَّا كان انطلاقُه، قال: ما حاجتُك؟ قال: حاجتي عطائي، وثمانيةُ
أعبُدٍ يعملون في أرضي، وكان عطاؤه أربعةَ آلافٍ، فأضعفها له خمسَ مراتٍ، فأعطاه عشرين ألفًا، وأربعين عبدًا)(404)
وعن أبي حمزة الثُّمالي قال: (كان عليُّ بن الحسين رضي الله عنهما يحمل جِرابَ الخبز على ظهره باللَّيل فيتصدَّق به، ويقول: إنَّ صدقة السِّرِّ تُطفئ غضبَ الربِّ عز وجل)(405) .
وعن شيبة بن نعامة، قال: (كان عليُّ بن الحسين رضي الله عنهما يُبخَّل(406) ، فلمَّا مات وَجَدوه يقوت مائةَ أهلِ بيتٍ بالمدينة، قال جرير في الحديث أو من قبله إنَّه حين مات وجدوا بظهره آثارًا ممَّا كان يحمل باللَّيل الجُرُبَ إلى المساكين)(407) .
وعن عمرو بن ثابت قال: (لمَّا مات عليُّ بن الحسين رضي الله عنهما فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثارٍ سوداءَ بظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جُرُبَ الدقيق ليلًا على ظهره، يعطيه فقراءَ أهل المدينة)(408) .
وعن محمد بن إسحاق قال: (كان ناسٌ من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلمَّا مات عليُّ بن الحسين رضي الله عنهما فقدوا ما كانوا يُؤتَوْن به في اللَّيل)(409) .
وعن ابن عائشة قال: قال أبي: سمعتُ أهل المدينة يقولون: (ما فقَدْنا صدقةَ السِّرِّ حتَّى مات عليُّ بن الحسين رضي الله عنهما)(410) .
وعن الهياج بن بسطام قال: (كان جعفرُ بن محمد رضي الله عنهما يُطعِم حتَّى لا يُبقي لعياله شيءٌ)(411) .
وممَّن عُرف بالكرم والجود والسَّخاء عبدُ الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، وأخبارُه في ذلك تفوق الحصر، أذكر منها على سبيل المثال:
أنَّه كان رضي الله عنه في سفرٍ له، فمرَّ بفتيانٍ يوقدون تحت قِدْرٍ لهم، فقام إليه أحدُهم فقال:
| أقول له حين أَلْفَيْتُهُ | عليكَ السلامُ أبا جعفرُ |
|---|
فوقف وقال: «السلامُ عليك ورحمةُ الله». وقال:
| وهذي ثيابي قد أَخْلَقَتْ | وقد عضَّني زمنٌ مُنكَرُ |
|---|
فقال: فهذي ثيابي مكانها، وعليه جبَّةُ خزٍّ، وعمامة خزٍّ، ومطرف خزٍّ، ونعينك على زمنِك المنكَر.
فقال الرجل:
| وأنت كريمُ بني هاشمٍ | وفي البيت منها الذي يذكَرُ |
|---|
فقال عبد الله بن جعفر: يا ابنَ أخي، ذاك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم(412) .
وورد أنَّ رجلًا عرض لعبد الله بن جعفر وقد خرج من باب بني شيبة، فقال: (يا ابنَ الطَّيَّار في الجنَّة، صِلْني بنفقةٍ أتبلَّغ بها إلى أهلي، كرَّم اللهُ وجهَك. قال: فرمى إليه برُمَّانةٍ من ذهبٍ كانت في يده، فوزنها الرجل فإذا فيها ثلاثمائة مثقالٍ)(413) .
وعن الشعبي قال: (كان لعبد الله بن جعفر على رجلٍ من أهل المدينة خمسون ألفًا، فاستعان عليه بعبيد الله بن عباس في ذلك، فقال: قد حططتُ عنه شطرَها وأخَّرتُه بالشطر الآخر إلى ميسورِه. قال: فجزّاه عبيدُ الله خيرًا وانصرف، فأتبعه ابنُ جعفر رسولًا: إنِّي قد طيَّبتُ له النصفَ الآخرَ)(414) .
وعن شهر بن حوشب: (أنَّ رجلًا أتى عبدَ الله بن جعفر فسأله، وبين يدَيْه جاريةٌ له تعاطيه بعضَ حوائجه، فقال عبدُ الله للسائل: خذْ بيدِها فهي لك، فقالت الجارية: أَمَتَّني يا سيدي، قال: ويحكِ وكيف ذاك؟، قالت: وهَبْتَني لرجلٍ بلغت به الحاجةُ إلى المسألة، فقال له عبد الله بن جعفر: بِعْنيها إنْ شئتَ، فقال له الرجل: خُذْها أصلحكَ اللهُ بما أحببتَ، قال: إنَّما
اشتريتُها بمائةِ دينارٍ، فلك مائتا دينارٍ، قال: فهي لك أصلحكَ اللهُ، قال: فأعطاه عبدُ الله مائتي دينارٍ، وقال: إذا نفدت فعُدْ إليَّ، قالت
له الجارية: يا سيدي، عظُمت مؤونتي عليكَ، فقال عبدُ الله: حُرْمَتُكِ أعظم من مؤونتِكِ)(415)
المطلبُ العاشرُ: حجُّ بيتِ اللهِ تعالى
الحجُّ: هو زيارةُ البيت الحرام على وجهٍ مخصوصٍ وبشروطٍ مخصوصةٍ.
وهو من أعظم أركان الإسلام، ومبانيه العِظام، قال الإمام الغزالي رحمه الله: (فإنَّ الحجَّ من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادةُ العمر، وختامُ الأمر، وتمامُ الإسلام، وكمالُ الدين، فيه أنزل اللهُ عز وجل: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وِإنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا)(416) ، فأَعظِم بعبادةٍ يعدم الدِّينُ بفقدِها الكمالَ، ويساوي تاركُها اليهودَ والنصارى في الضلال)(417) .
وقد فرضه اللهُ تعالى على المستطيع، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ﴾ [البقرة: 196]، وقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
والأحاديثُ في فضائل الحجِّ، وما أعدَّ اللهُ تعالى لصاحبه من الأجر
والثواب، كثيرةٌ جدًّا، فمن ذلك:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»)(418) .
وعن ماعزٍ التميمي رضي الله عنه: (أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْجِهَادُ، ثُمَّ حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سَائِرَ الْعَمَلِ، كَمَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا)(419) .
وعن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ بَيْنَهُمَا، تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ، خَبَثَ الْحَدِيدِ»(420) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ»(421) .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، رفعه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَمْعَرَ حَاجٌّ قَطُّ». قِيلَ لِجَابِرٍ: مَا الْإِمْعَارُ؟ قَالَ: «مَا افْتَقَرَ»(422) .
وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِسَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ»(423) .
والأحاديثُ في فضل الحجِّ ومنزلته كثيرةٌ جدًّا، يطول المقامُ بسردها.
والثابتُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه لم يحجَّ بعد هجرته إلى المدينة إلا حجَّةً واحدةً، وهي التي تُعرف بحجَّةِ الوداعِ، والتي علَّم فيها النَّاسَ مناسكَ الحجِّ، وأركانه، وواجباته، وسننه، وغير ذلك، وكان ذلك في السنة العاشرة من الهجرة، ولم يتسَنَّ له صلى الله عليه وسلم تكرارَ الحجِّ لأنَّه قُبض في السنة التي تليها.
أمَّا الصحابة الكرام، والآل الأطهار، فكان للحجِّ نصيبٌ عظيمٌ من طاعاتهم، فكانوا يحرصون عليه، ويبذلون الأموال في سبيله، لعِلمهم بفضله ومنزلته عند الله تعالى، ويتنافسون في ذلك.
ومن الآثار الواردة عنهم في هذا المقام:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أنَّه جمع بَنِيه عند موته، فقال: يا بَنِيَّ لستُ آسَى على شيءٍ كما آسَى أنْ لا أكون حججتُ ماشيًا فحُجًّوا مُشاةً، قالوا: ومِن أين؟ قال: من مكة حتَّى ترجعوا إليها، فإنَّ للراكب بكلِّ قَدَمٍ سبعين حسنة، وللماشي بكلِّ قدمٍ سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قالوا: وما حسناتُ الحرم؟ قال: الحسنةُ بمائة ألف حسنةٍ)(424) .
وفي رواية: (ما آسَى على شيءٍ فاتني إلا أنِّي لم أحجَّ ماشيًا حتَّى أدركني الكِبَر، أَسْمعُ اللهَ تعالى يقول: ﴿يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ﴾ [الحج: 27]، فبدأ بالرجال قبل الرُّكبان)(425) .
وعن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: (إنِّي لأستحي من ربِّي أنْ ألقاه ولم أمشِ إلى بيته. فمشى عشرين مرة من المدينة على رجلَيْه)(426) .
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: (لقد حجَّ الحسنُ بن علي رضي الله عنهما خمسةً وعشرين حجةً ماشيًا، وإنَّ النَّجائبَ(427) خلفه)(428) .
وعن ابن أبي نجيح: (أنَّ الحسنَ بن علي رضي الله عنهما حجَّ ماشيًا، وقسَم مالَه نصفَيْن).
وفي رواية: (أنَّ الحسنَ بن علي رضي الله عنهما قاسم اللهَ عز وجل مالَه مرتَيْن حتَّى تصدَّق بفَرْدِ نعلِهِ).
وفي رواية: (خرج الحسنُ بن علي رضي الله عنهما من مالِه مرتَيْن، وقاسم اللهَ تعالى مالَه ثلاثَ مراتٍ، حتَّى إنْ كان ليُعطي نعلًا، ويُمسِك نعلًا، ويُعطي خُفًّا، ويُمسِك خُفًّا)(429) .
وقد ذكر أهلُ العلم أنَّ الحاملَ لهؤلاء الأفاضل على الحجِّ ماشيًا، والحرص على ذلك، هو ما يفهم من قول الله تعالى: ﴿يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ﴾، والرجال أي المُشاة، فقدَّمهم في الذِّكر، ولأنَّ الأجر على قدرِ النَّصَب، كما صحَّ ذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم(430) .
وقد كان البعضُ منهم يحرص جدًّا على بعض الطاعات التي هي في الأساس من أعمال الحجِّ، كالطواف بالبيت الحرام، واستلام الحجر الأسود، والركن اليماني.
فعن أبي غالب قال: قال لي ابنُ عباس رضي الله عنهما: (أَدْمِن الاختلافَ إلى هذا البيت؛ فإنَّك إنْ أدمنتَ الاختلافَ إلى هذا البيت، لقيتَ اللهَ عز وجل وأنت خفيفَ الظهر)(431) .
وعن نافعٍ قال: (لقد رأيتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما يزاحِم على الركن اليماني حتَّى يَعْيَى وينبهر، ثمَّ يخرج من الطواف فيجلس حتَّى يستريح، ثمَّ يرجع حتَّى يستلمه).
وفي رواية: (كان ابنُ عمر رضي الله عنهما يزاحِم على الركن حتَّى يرعَف، ثمَّ يجيء فيغسله)(432) .
وعن بكرٍ قال: (كنتُ مع ابنِ عمر رضي الله عنهما بمكة، فكان يصلِّي باللَّيل ركعتَيْن ويطوف، كلمَّا صلَّى ركعتَيْن طاف)(433) .
وعن أبي العالية، أنَّ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (استكثِروا من هذا الطوافِ بالبيت قبل أنْ يُحال بينكم وبينه، فإنِّي به أصمع أصعل يعلوها يهدمها بمسحاته)(434) .
قال سفيان: الصَّمَعُ في الآذان، والصَّعَلُ في الرأس: صغر الرأس.
وهذا الذي ذكره عليٌّ رضي الله عنه أنَّه يهدم الكعبةَ هو ذو السُّويقتَيْن الذي ذكره النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ»(435) .
وعن عبد الرحمن البيلماني قال: خرجتُ مع ابن عباس رضي الله عنهما أُريد البيتَ لأطوف، فسأله رجلٌ عن الحجِّ وفضله، فقال: (لَأنْ أطوف بهذا البيت سبعًا أحبُّ إليَّ من أنْ أتصدَّق بثمنِ غلامي هذا، وإنِّي أُعطَى به مائة
دينار فما أبيعُه)(436)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «من طاف بالبيت خمسين أسبوعًا، خرج من الذنوب كيومِ ولدَتْه أمُّه»(437) .
وعن عبد الله بن أبي سليمان، قال: حدثني مولى أبي سعيد الخدري، قال: رأيتُ أبا سعيد يطوف بالبيت وهو متَّكئٌ على غلام له يقال له: طهمان، وهو يقول: «لَأنْ أطوف بهذا البيت أسبوعًا، لا أقول فيه هُجْرًا، وأصلِّي ركعتَيْن، أحبُّ إليَّ من أن أعتق طهمان، وضرب بيده على منكبه»(438) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «مَن طاف بهذا البيت سبعًا، وصلَّى عنده ركعتَيْن، كان له عدلُ عِتقِ رقبةٍ».
وفي رواية: «مَن طاف بالبيت سبعًا لم يتكلَّم فيه إلا بذكر الله تعالى، ثمَّ ركع ركعتَيْن أو أربعًا، كان كمن أعتق أربعَ رقابٍ»(439) .
المطلبُ الحادي عشر: حسنُ الخُلقِ، والحذرُ من سيِّءِ الأخلاقِ
قال الماورديُّ رحمه الله: حسنُ الخُلق أن يكون سهلَ العَريكة، ليِّنَ الجانب، طَلْقَ الوجه، قليلَ النُّفور، طيِّبَ الكلمة(440) .
و(حسنُ الخُلق قسمان: أحدُهما مع اللهِ عز وجل، وهو أن يعلم أنَّ كلَّ ما يكون منك يوجِب عُذرًا، وكلَّ ما يأتي من اللهِ يوجِب شكرًا، فلا تزال شاكرًا له، معتذرًا إليه، سائرًا إليه، بين مطالعة وشهود عيب نفسِك وأعمالِك.
والقسم الثاني: حسنُ الخُلق مع النَّاس، وجِماعُه أمران: بذلُ المعروف قولًا وفعلًا، وكفُّ الأذى قولًا وفعلًا، وهذا إنَّما يقوم على أركانٍ خمسةٍ: العلم، والجود، والصبر، وطيب العود، وصحة الإسلام، أمَّا العلم فلأنَّه يعرف معاني الأخلاق وسفسافها، فيمكنه أن يتَّصف بهذا، ويتحلَّى به، ويترك هذا، ويتخلَّى عنه.
وأمَّا الجود فسماحة نفسه وبذلها وانقيادها لذلك إذا أراده منها.
وأمَّا الصبر فلأنَّه إن لم يصبر على احتمال ذلك، والقيام بأعبائها، لم يتهيأ له.
وأمَّا طيب العود فأن يكون اللهُ تعالى خلَقَه على طبيعةٍ منقادةٍ سهلةِ القِياد، وسريعةِ الاستجابة لداعي الخيرات.
والطبائعُ ثلاثةٌ: طبيعةٌ حجريِّةٌ، صلبةٌ قاسيةٌ، لا تلين ولا تنقاد، وطبيعةٌ مائيةٌ هوائيةٌ، سريعةُ الانقياد، مستجيبةٌ لكلِّ داعٍ، كالغصن أيّ نسيمٍ مرَّ يعصِفُه، وهاتان منحرفتان؛ الأولى لا تَقبُل، والثانية لا تَحفَظ، وطبيعةٌ قد جمعت اللِّينَ والصلابةَ والصفاءَ، فهي تَقبل بلِينِها، وتَحفظ بصلابتِها، وتُدرك حقائقَ الأمور بصفائِها، فهذه الطبيعةُ الكاملةُ التي ينشأ عنها كلُّ خُلقٍ صحيحٍ.
وأمَّا صحة الإسلام فهو جِماع ذلك، والمُصَحِّحُ لكلِّ خُلقٍ حسنٍ، فإنَّه بحسب قوةِ إيمانه وتصديقه بالجزاء، وحسن موعود الله وثوابه، يُسهِّل عليه تحمُّل ذلك له الاتصاف به(441) .
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم المثلَ الأعلى، والقدوةَ الأسمى في حسن الخُلق، ويكفيه فخرًا وشرفًا أنْ زكَّاه ربُّه جل وعلا، وهو العالم بالخفِيَّات، المطلَّع على البواطن، فقال في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [القلم: 4]، ولمَّا سُئلت أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها عن خُلقه صلى الله عليه وسلم، قالت للسائل: «أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟». قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ»(442) .
وكان عليه الصلاة والسلام يحثُّ أصحابَه كثيرًا على حسن الخُلق، ويبيِّن لهم أنَّ
أعظمَهم أجرًا، وأقربَهم منزلةٍ منه يوم القيامة أحاسنُهم أخلاقًا، فعن جابر رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا)(443) بل إنَّ حَسَنَ الخُلق ليُدرِك درجةَ الصائم القائم بحُسْن خُلقه، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)(444) وبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الأخلاقَ قسمةٌ من الله تعالى كالأرزاق، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللهَ عز وجل يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ، فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، قَالُوا: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: غَشْمُهُ وَظُلْمُهُ، وَلَا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ، فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلَا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللهَ عز وجل لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ)(445)
والأحاديثُ في هذا المقام لا حصرَ لها، سواءٌ منها القولي والفعلي والتقريري، والمنطوقة والمفهومة، ويكفي في ذلك ما سبق الإشارةُ إليه،
فليس المقامُ مقامَ تفصيلٍ.
وقد سار على خطى النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب العظيم صحابتُه الكرام، وآلُه الأطهار، فكانوا من أعظمِ النَّاس أخلاقًا، وأكثرِهم لينًا، وأفضلِهم رأفةً ورحمةً، حتَّى إنهم فتحوا البلادَ، وقلوبَ العباد، بتلك الأخلاق السمحة، والمعاملة الحسنة.
فعن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنَّه قال: (مَن أُعطي الخُلق والرفق، فقد أُعطي الخيرَ كلَّه والراحةَ، وحَسُن حالُه في دنياه وآخرته، ومَن حُرِم الرفقَ والخُلقَ، كان ذلك له سبيلًا إلى كلِّ شرٍّ وبليَّةٍ، إلا من عصمه اللهُ تعالى)(446) .
بل ورد عنهم أنَّ حُسن الخُلق سببٌ لسعة الرزق، ولو كان هذا الإنسان من العصاة الفجرة! فعن جعفر بن محمد، عن أبيه رضي الله عنه، قال: (إنَّ أهلَ البيت ليتبارُّون فيُنمِّي اللهُ عز وجل أموالَهم، وإنِّهم لفجرةٌ)(447) .
وحسنُ الخُلق هو الميزانُ الذي كان الصحابةُ يزِنون به الرجلَ، لا بكثرة صلاته وصيامه، فإنَّ ذلك لنفسه، أمَّا هذا فللخلقِ جميعًا، فعن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لا تَغُرَّنُّكم طنطنةُ الرجلِ باللَّيل يعني صلاته فإنَّ الرجلَ كلَّ الرجلِ من أدَّى الأمانةَ إلى من ائتَمَنَه، ومن سلِم
المسلمون من لسانه ويده)(448)
وليس حسنُ الخُلق ترغيبًا للآخرين دون امتثالٍ له في نفسِك، بل أنت أولى النَّاس به قبل غيرك.
فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: (قدِم عيينةُ بن حصن بن حذيفة فنزل على ابنِ أخيه الحرِّ بن قيس، وكان من النَّفر الذين يُدنِيهم عمرُ، وكان القرَّاءُ أصحابَ مجالسِ عمرَ ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبَّانًا، فقال عيينةُ لابن أخيه: يا ابنَ أخي؛ لك وجهٌ عند هذا الأمير، فاستأذِنْ لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عبّاس: فاستأذن الحرُّ لعيينة، فأذن له عمرُ، فلمَّا دخل عليه قال: هِيْ يا ابنَ الخطّاب، فواللهِ ما تُعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل!! فغضب عمرُ حتَّى همَّ به، فقال له الحرُّ: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ اللهَ تعالى قال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وإنَّ هذا من الجاهلين. واللهِ ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله)(449) .
وعن مجاهد قال: (صحبتُ ابنَ عمر رضي الله عنهما وأنا أُريد أن أخدمه، فكان هو الذي يخدمني)(450) .
وعنه قال: (كنَّا عند عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وغلامٌ له يسلخ شاةً، فقال: يا غلام، إذا فرغتَ فابدأ بجارنا اليهودي، حتَّى قالها ثلاثَ مرارٍ، فقال له رجلٌ من القوم: كم تذكر اليهودي؟ فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُوصي بالجارِ حتَّى حسبنا أو رأينا أنه سيورِّثُه)(451) .
وقد ورد عنهم آثارٌ كثيرةٌ في الحثِّ على أخلاق حسنة، أو في التحذير من أخلاق سيئة، أسوق طرفًا منها:
فعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه أنَّه قال: (إيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذب مجانبُ الإيمانِ)(452) .
وعن عمر رضي الله عنه قال: (إنَّ ممَّا يُصفِّي لك ودَّ أخيك ثلاثًا: تبدأه بالسلام إذا لقيتَه، وتدعوه بأحبِّ أسمائه إليه، وتُوسِّع له في المجلس)(453) .
وعن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن جدِّه عليٍّ رضي الله عنه أنَّه قال: (زينُ الحديثِ الصدقُ، وأعظمُ الخطايا عند الله عز وجل اللسانُ الكذوبُ،
المطلبُ الثاني عشر: برُّ الوالدَيْن
في لسان العرب: (وقال شمر في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى البِرِّ)؛ اختلف العلماءُ في تفسير البرِّ، فقال بعضُهم: البرُّ الصلاحُ، وقال بعضُهم: البرُّ الخيرُ. قال: ولا أعلم تفسيرًا أجمع منه؛ لأنَّه يحيط بجميع ما قالوا.
والبرُّ: ضدُّ العقوق. وبرِرتُ والدي، بالكسر، أبَرُّه بِرًّا وقد بَرَّ والدَه يبَرُه ويبِرُه بَرًّا، وهو بَرٌّ به وبارٌّ)(457) .
وبِرُّ الوالدين: التَّوسُّعُ في الإحسان إليهما(458) .
والآياتُ والأحاديثُ الواردةُ في فضل برِّ الوالدَيْن، والحثِّ عليه، والترغيبِ به، والترهيبِ من العقوق، والإساءةِ إليهما، كثيرةٌ جدًّا، أذكر طرفًا منها:
قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا﴾ [البقرة: 83]، وقال أيضًا: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ
ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ [الإسراء: 23 24]، وقال عزَّ من قائلٍ: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ١٤ وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [لقمان: 14 15]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمات.
وأمَّا الأحاديثُ النبويةُ:
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»)(459) .
وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: (هَاجَرَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَجَرْتَ الشِّرْكَ، وَلَكِنَّهُ الْجِهَادُ، هَلْ بِالْيَمَنِ أَبَوَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَذِنَا لَكَ؟» قَالَ: لَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ارْجِعْ إِلَى أَبَوَيْكَ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ فَعَلَا، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا»)(460) .
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «نِمْتُ، فَرَأَيْتُنِي فِي
الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ». وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ(461)
وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بَرُّوا آباءَكُمْ تَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَعِفُّوا تَعِفُّ نِسَاؤُكُمْ»(462) .
قال ابن الجوزي رحمه الله: (غيرُ خافٍ على عاقلٍ لزومُ حقِّ المنعِم، ولا مُنعمَ بعد الحقِّ سبحانه على العبدِ كالوالدَيْن، فقد حملت الأمُّ بحمله أثقالًا كثيرةً، ولقيت وقت وضْعِه مزعجاتٍ مثيرةً، وبالغت في تربيته، وسهرت في مداراته، وأعرضت عن جميع شهواتها لمراداته، وقدَّمَتْهُ على نفسها في كلِّ حالٍ.
وقد ضمَّ الوالدُ إلى تسبُّبِه في إيجاده، ومحبته بعد وجوده، وشفقته في تربيته، الكسبُ له والإنفاقُ عليه، والعاقلُ يعرف حقَّ المحسنِ، ويجتهد في مكافأته.
وجهلُ الإنسانِ بحقوق المنعِم من أخسِّ صفاته، فإذا أضاف إلى جحدِ الحقِّ المقابلةَ بسوءِ الأدبِ، دلَّ على خبثِ الطَّبعِ، ولؤمِ الوضعِ، وسوءِ المنقلبِ، وليعلم البارُّ بالوالدَيْن أنَّه مهما بالغ في برِّهما لم يفِ بشكرهما)(463) .
وقد امتثل سلفُنا الصالحُ رضوان الله تعالى عليهم هذه التوجيهاتِ الربانيةَ، والأوامرَ النبويةَ، فكانوا أحرصَ النَّاسِ على البرِّ بالوالدَيْن، والإحسانِ إليهما، والرفقِ بهما، وبذلِ المعروف لهما، أحياءً وأمواتًا.
والأمثلةُ على هذه العبادة الجليلة أشهرُ من أن تُذكر، وأكثرُ من أن تُحصر، ولكن لا بد من ذِكر طرفٍ منها ليحسن الاقتداءُ بهم، والسيرُ على خطواتهم.
فمن ذلك:
ما ورد عن معاوية بن صالح، قال: (جاء رجلٌ إلى عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أميرَ المؤمنين، أمِّي عجوزٌ كبيرةٌ، أنا مَطِيَّتُها، أَجْعَلُها على ظهري، وأَنْحَني عليها بيدي، وأَلِي منها مثل ما كانت تلِي مني، أوَ أدَّيتُ شكرَها؟ قال: لا، قال: لمَ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: إنَّك تفعل ذلك بها وأنت تدعو اللهَ عز وجل أن يميتَها، وكانت تفعل ذلك بك وهي تدعو اللهَ عز وجل أن يطيلَ عمرَك)(464) .
وهذا من عظيمِ فقهِ الفاروق رضي الله عنه، فالولدُ مهما بلغ به البرُّ بوالدَيْه فإنَّه يفعل ذلك وهو يعلم أنَّه عاجلًا أو آجلًا سينتهي هذا الأمر بموتهما، ولعلَّه
يحدِّث نفسَه بذلك، هذا إنْ لم يكن يفعل ما ذكره عمرُ رضي الله عنه من الدعاءِ عليهما بالموت؛ ليرتاح من هذا الشقاء والبلاء! وهذا وإنْ لم يقُلْهُ بلسان المقال، فقد ينطق به بلسان الحال.
أمَّا الوالدان فإنَّهما يقدِّمان ما يقدِّمان لولدهما، ويبذلان له ما أراد، وإن كانا لا يستطيعانه، ومع ذلك يتكلَّفانِه، وفي المقابل يفعلان ذلك بكاملِ الحبِّ والعطفِ، والإلحاحِ بالدعاءِ أن يطيلَ اللهُ عمرَ هذا الولد، وأن يكبر ويصبح رجلًا يفخران به.
فأين هذا من ذاك؟!!
وعن أبي بردة، قال: (كان ابنُ عمر رضي الله عنهما يطوف بالبيت، فرأى رجلًا يطوف حاملًا أمَّه وهو يقول:
| إنِّي لها بعيرُها المذلَّلُ | إن أذعرت ركابُها لم أذعر |
|---|
| أحملُها وما حملَتْني أكثر |
|---|
أَتُراني يا ابنَ عمر جزَيْتُها؟ قال: لا ولا زفرة واحدة).
وفي رواية: أيّ لُكع، لا واللهِ ولا طلقة واحدة)(465) .
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: (رجلان من أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانا أبرَّ مَن كان في هذه الأمَّة بأمِّهما، فقيل لها: مَن هما؟ قالت: عثمان بن عفان،
وحارثة بن النعمان، فأمَّا عثمان فإنَّه قال: ما قدرتُ أن أتأمَّل أمِّي منذ أسلمتُ، وأمَّا حارثة فإنَّه كان يفلِّي رأسَ أمِّه، ويطعمها بيده، ولم يستَفْهِمْها كلامًا قطُّ تأمر به حتَّى يسأل مَن عندها بعد أن تخرج: ما قالت أمي؟!)(466)
وعن محمد بن سيرين قال: (كانت النخلةُ تبلغ بالمدينة ألفًا، فعمد أسامةُ بن زيد رضي الله عنه إلى نخلةٍ فقطعها من أجل جُمَّارها(467) ، فقيل له في ذلك فقال: إنَّ أمِّي اشتَهَتْهُ علَيَّ، وليس شيءٌ من الدنيا تطلبه أمِّي أقدر عليه إلا فعلتُه)(468) .
وعن عبد الكريم بن رشيد قال: (كان حُجْرُ بن عدي بن الأدبر الكندي رضي الله عنه يلمس فراشَ أمِّه بيده، فيَتَّهِم غِلَظَ يدِه، فيتقلَّبُ عليه على ظهره، فإذا أمِن أن يكون عليه شيءٌ أضجعها)(469) .
وهذه صُوَرُ برٍّ قلَّ أن توجد في زماننا.
بل كان يبلغ البرُّ ببعضهم أن يترك عبادةً من العبادات حتى لا ينقطع عن أمِّه وبرِّه بها.
فعن أبي حازم: (أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يحجَّ حتى ماتت أمُّه)(470) .
ولعلَّ من أعظم البرِّ بالوالدَيْن الخوفُ عليهما من الوقوع في النَّار، ورجاءُ دخولِهما الجنة، وهذا ما كان يتمناه أبو هريرة رضي الله عنه، حتَّى حقَّق اللهُ تعالى له مرادَه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنتُ أدعو أمِّي إلى الإسلام وهي مشركةٌ، فدعوتُها يومًا، فأسمعتني في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما أكرهُ، فأتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأنا أبكي. قلتُ: يا رسول الله إنِّي كنتُ أدعو أمِّي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتُها اليومَ فأسمعَتْني فيك ما أكرهُ، فادعُ اللهَ أن يهديَ أمَّ أبي هريرة، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ»، فخرجتُ مستبشرًا بدعوة نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلما جئتُ فصرتُ إلى البابِ، فإذا هو مجاف(471) فسمعتْ أمِّي خشف قدمَيْ(472) فقالت: مكانَك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضةَ الماء. قال: فاغتسلتْ ولبستْ درعَها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثمَّ قالت: يا أبا هريرة أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. قال: فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأتيتُه وأنا أبكي من الفرح. قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ أَبْشِرْ، قد استجاب اللهُ
دعوتَك، وهدى أمَّ أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا. قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ادعُ الله أن يحبِّبَني أنا وأمِّي إلى عباده المؤمنين، ويحبِّبَهم إلينا. قال: فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا يَعْنِي أَبَا هُرِيْرَةَ وَأُمَّهَ إَلى عِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ»، فما خُلِق مؤمنٌ يسمع بي ولا يراني إلا أحبَّني)(473)
بل جعل بعضُ الصحابة برَّ الوالدَيْن من أعظم القربات إلى الله تعالى التي تكفِّر الذنوبَ وإن عظُمت.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه أتاه رجلٌ فقال: (إنِّي خطبتُ امرأةً فأبَتْ أن تنكِحَني، وخطبها غيري فأحبَّت أن تنكِحَه، فغِرتُ عليها فقتلتُها، فهل لي من توبةٍ؟ قال: أمُّك حيَّةٌ؟ قال: لا، قال: تُبْ إلى اللهِ عز وجل، وتقرَّبْ إليه ما استطعتَ، قال عطاءٌ: فذهبتُ فسألتُ ابنَ عباس: لمَ سألتَه عن حياة أمِّه؟ فقال: إنِّي لا أعلمُ عملًا أقرب إلى اللهِ عز وجل من برِّ الوالدة)(474) .
وعن طيسلة بن مياس قال: (كنتُ مع النَّجدات(475) فأصبتُ ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرتُ ذلك لابنِ عمرَ، فقال: ما هي؟ قلتُ: كذا وكذا، قال: ليست هذه من الكبائر، هنَّ تسعٌ: الإشراكُ بالله، وقَتْلُ نسمةٍ، والفرارُ من الزحف، وقذفُ المحصنة، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم،
وإلحادٌ في المسجد، والذي يستسخر، وبكاءُ الوالدّيْن من العقوق. قال لي ابن عمر: أتفرَق النَّارَ، وتحبُّ أن تدخل الجنَّةَ؟ قلتُ: إي واللهِ، قال: أحيٌّ والدُك؟ قلتُ: عندي أمِّي، قال: فواللهِ لو ألنتَ لها الكلامَ، وأطعمتَها الطعامَ، لتدخلنَّ الجنةَ ما اجتنبتَ الكبائرَ)(476)
قال الإمام أحمد: برُّ الوالدَيْن كفارةُ الكبائر(477) .
ومن صور البرِّ كذلك ما ورد عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: (أنَّ رجلًا من الأعراب لقيَهُ بطريق مكة، فسلَّم عليه عبدُ الله، وحمله على حمارٍ كان يركبه، وأعطاه عمامةً كانت على رأسه. فقال ابنُ دينار: فقلنا له: أصلحَك اللهُ، إنَّهم الأعرابُ، وإنَّهم يرضَوْن باليسير. فقال عبدُ الله: إنَّ أبا هذا كان وُدًّا لعمرَ بن الخطاب، وإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أّبَرَّ الِبِّر صِلَةُ الوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»)(478) .
وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: (ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسبًا إلا فتح اللهُ له بابَيْن (يعني من الجنة)، وإنْ كان واحدًا فواحدٌ، وإنْ أغضب أحدَهما لم يرضَ اللهُ عنه حتَّى يرضى عنه، قيل: وإنْ ظلماه؟ قال: وإنْ ظلماه)(479) .
وعن أبي مُرَّة مولى عقيل: (أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان يستخلفه مروانُ، وكان يكون بذي الحليفة، فكانت أمُّه في بيتٍ وهو في آخر. قال: فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها فقال: السلامُ عليكِ يا أمتاه ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، فتقول: وعليكَ السلامُ يا بُنيَّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، فيقول: رحمَكِ اللهُ كما ربَّيتِني صغيرًا، فتقول: رحمَكَ اللهُ كما بررتَني كبيرًا، ثمَّ إذا أراد أن يدخل صنع مثله)(480) .
وعن عروة بن الزبير: (أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه أبصرَ رجلَيْن، فقال لأحدهما: ما هذا منكَ؟ فقال: أبي، فقال: لا تُسَمِّهِ باسمِه، ولا تمشِ أمامَه، ولا تجلس قبله).
وفي رواية: (فلا تمشِ بين يدَيْه، ولا تجلس حتى يجلس، ولا تَدْعُهُ باسمِه، ولا تستسبَّ له)(481) .
المطلبُ الثالثُ عشر: الدُّعاءُ
قال الطَّيبي: هو إظهارُ غاية التّذلُّل والافتقار إلى الله والاستكانة له(482) .
وقال المناوي: الدعاءُ: لسانُ الافتقار بشرح الاضطرار، وقيل: طلبُ المراد بنعت الفؤاد، وقيل: طلبُ كشف الغمَّة بتطلُّع موضع القسمة(483) .
الدعاءُ شأنُه في الإسلام عظيمٌ، ومكانتُه فيه ساميةٌ، ومنزلتُه منه عاليةٌ، ففي الدعاء يجد الدَّاعي لروحه غذاء، ولنفسه دواء، يدعم كيانها، ويقوى بنيانها، ويجعلها تتغلَّب على كلِّ ما يؤثِّر عليها، فلا يتسرَّب إليها يأسٌ، ولا يتملَّكها ضعفٌ.
الدعاءُ، استعانةٌ من عاجزٍ ضعيفٍ بقويٍّ قادرٍ، واستغاثةٌ من ملهوفٍ بربٍّ رؤوفٍ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [البقرة: 186]، وعن سلمان رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ، فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا، أَوْ قَالَ: خَائِبَتَيْنِ(484) ) .
والدعاءُ عبادةٌ من أجلِّ العبادات، وأعظمِ الطاعات، وأنفعِ القربات، فالداعي إنَّما يدعو اللهَ تعالى وهو عالمٌ يقيناً أنَّه لا أحد يستطيع أن يجلب له خيراً، أو يدفع عنه ضرًّا إلا اللهُ عز وجل، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ)(485) ، وذلك لما فيه من إظهار الخضوع والانقياد للهِ عز وجل، وحلاوةِ المناجاة، وهذا من أعظم مقاصد الشريعة في مشروعية العبادات، قال ابن قدامة رحمه الله: (اعلَمْ أنَّه ليس بعد تلاوةِ القرآن عبادة تُؤدَّى باللسان أفضل من ذِكْرِ اللهَ سبحانه وتعالى، ورفعِ الحوائج بالأدعية الخالصة إليه تعالى)(486) .
ولأهمية الدعاء ومكانته، فلقد أمرنا اللهُ عز وجل أن ندعُوَه ونتضرَّع إليه، ووعدنا أن يستجيب لنا، ويحقِّق لنا سؤلنا، فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: 60]، والقرآنُ الكريمُ فيه الكثيرُ من الآيات التي تحثُّ المؤمنَ على أن يدعُوَ ربَّه في كلِّ شأنٍ من شئونه.
وقد بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مكانةَ الدعاء تسبق كلَّ مكانةٍ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ)(487)
ولذلك كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُرغِّب في التَّضرُّع إلى الله تعالى بالدعاء، ويُكثِر من ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي)(488)
والدعاءُ سلاحُ المؤمن، فعن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)(489) ، قال ابن القيم: (والأدعيةُ والتَّعوُّذاتُ بمنزلة السِّلاح، والسلاحُ بضاربِه، لا بحَدِّه فقط، فمتَّى كان السلاحُ سلاحًا تامًّا لا آفةَ به، والساعدُ ساعدًا قويًّا، والمانعُ مفقودًا، حصلت به النكايةُ في العدوِّ، ومتَّى تخلَّف واحدٌ من هذه الثلاثة تخلَّف التأثيرُ، فإن كان الدعاءُ في نفسه غيرَ صالحٍ، أو الداعي لم يَجمَع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمَّ مانعٌ من الإجابة، لم يحصل الأثرُ)(490) .
والحديثُ عن هذا المقام العظيم يطول، وقد كُتبت فيه مؤلفاتٌ، وحسبُنا من ذلك ما سبقت الإشارةُ إليه.
ومن الأحاديث الواردة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قيامِه بهذه الطاعة العظيمة، والعبادة الجليلة، بل
والحرص عليها في كلِّ أوقاته، والإكثار منها، ما يلي:
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: (إِنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ». قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ»)(491) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: «سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا، عَائِذًا بِاللهِ مِنَ النَّارِ»)(492) .
وعن أُبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ)(493) .
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: (فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»)(494) .
وعن شهر بن حوشب قال: (قُلْتُ لأُمِّ سَلَمَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ
أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لأَكْثَرِ دُعَائِكَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ. فَتَلَا مُعَاذٌ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا﴾)(495)
عن عبدِ العزيز بن صُهَيْبٍ، قال: سأل قتادةُ أنسًا: (أَيُّ دَعْوَةٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ؟ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا يَقُولُ: «اللهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ)(496) .
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ)(497) .
والأحاديثُ في ذلك كثيرةٌ جدًّا، يصعب حصرها.
وأمَّا حالُ الصحابة الأبرار، والآل الأطهار، مع مقام الدعاء، فحالٌ عظيمٌ، فلَهُم في ذلك نوعُ خصوصيةٍ مع هذه العبادة، فقد كانوا كسيِّدِهم
وإمامِهم عليه الصلاة والسلام يحرصون على هذه الطاعة، ويُولُونها الأولويةَ والأهميةَ العظمى، لأنَّها دليلُ ذلٍّ وافتقارٍ من العبد لربِّه جل وعلا، وهذا غايةُ العبادة.
ومما ورد عنهم في ذلك:
عن المطلِّب بن عبد الله: (أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان يقول: اللَّهمَّ اجعل خيرَ عمري آخرَه، وخيرَ عملي خواتمِه، وخيرَ أيَّامي يوم ألقاك. قال: وكان عمرُ رضي الله عنه يقول: اللَّهمَّ اعصِمْني بحبلِك، وارزُقْني من فضلِك، واجعَلْني أحفظُ أمرَك)(498) .
وعن رجلٍ يقال له ميكائيل، شيخٍ من أهل خراسان، قال: (كان عمرُ رضي الله عنه إذا قام من اللَّيل، قال: قد تَرى مقامي، وتعرِف حاجتي، فارْجِعْني من عندِك يا اللهُ بحاجتي، مُفَلَّجًا مُنَجَّحًا مُستجيبًا مُستجابًا لي، قد غفرتَ لي ورحِمْتَني)، فإذا قضى صلاته، قال: اللَّهمَّ لا أرى شيئًا من الدنيا يدوم، ولا أرى حالًا فيها يستقيم، اللَّهمَّ اجْعَلْني أنطقُ فيها بعلمٍ، وأصمت بحكمٍ، اللَّهمَّ لا تُكثِر لي من الدنيا فأطغى، ولا تُقِلَّ لي منها فأنسى، فإنَّه ما قلَّ وكفى، خيرٌ ممَّا كثُر وألهى)(499) .
وعن عليٍّ رضي الله عنه، قال: (مِن أحبِّ الكَلِم إلى اللهِ أن يقول العبدُ وهو ساجدٌ: ظلمتُ نفسي فاغفِرْ لي).
وفي رواية: (ما مِن كلماتٍ أحبُّ إلى اللهِ من أن يقول: لا إلهَ إلا أنت، اللَّهمَّ لا أعبدُ إلا إيَّاك، اللَّهمَّ لا أشركُ بك شيئًا، اللَّهمَّ إنِّي قد ظلمتُ نفسي فاغفِر لي، إنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ)(500) .
وعنه رضي الله عنه أنَّه كان يقول في دعائه: (اللَّهمَّ إنِّي أسألُك برحمتِك التي وسعتَ بها كلَّ شيءٍ، وبجبروتِك التي غلبتَ بها كلَّ شيءٍ، وبعظمتِك التي غلبتَ بها كلَّ شيءٍ، وبسلطانِك الذي ملأتَ به كلَّ شيءٍ، وبقوتِك التي لا يقوم لها شيءٌ، وبنورِك الذي أضاء له كلُّ شيءٍ، وبعلمِك الذي أحاط بكلِّ شيءٍ، وباسمِك الذي تبيد به كلَّ شيءٍ، وبوجهِك الباقي بعد فناء كلِّ شيءٍ، يا نورُ يا قدوسُ، يا نورُ يا قدوسُ، ثلاثًا، يا أولَ الأوَّلين، ويا آخرَ الآخرِين، ويا اللهُ يا رحمنُ يا رحيمُ، اغفِر لي الذنوبَ التي تُنزِل النِّقمَ، واغفِر لي الذنوبَ التي تورِث النَّدمَ، واغفِر لي الذنوبَ التي تحبسُ القسمَ، واغفِر لي الذنوبَ التي تغيِّر النِّعمَ، واغفِر لي الذنوبَ التي تُنزِل البلاءَ، وتُديلَ الأعداءَ، واغفِر لي الذنوبَ التي تحبس غيثَ السماءِ، وتُعجِّل الفناءَ، وتُظلِم الهواءَ، وتردُّ الدعاءَ، واغفِر لي الذنوبَ التي تكشف الغطاءَ)(501) .
وعن حذيفة رضي الله عنه، قال: (لَيأتِينَّ على النَّاس زمانٌ لا ينجو فيه إلا مَن
دعا بدعاءٍ كدعاء الغرق)(502)
والمقصودُ بدعاء الغرق أي دعاء الاضطرار، واللجوء، وشدة الحاجة، فالغريقُ في تلك الحالة يكون غايةً في الإنابة إلى الله تعالى، والتَّذلُّل بين يدَيْه، والتَّضرُّع إليه، بأن ينجيَه من هذا الكرب، فحذيفةُ رضي الله عنه يبيِّن أنَّه سوف يأتي على النَّاس زمانٌ لا ينجيهم ممَّا هم فيه من بلاءٍ، ومصائبَ، إلا أن يدعوَ واحدُهم كدعاءِ مَن هو في حالةِ الغرق.
وعن الحسن، أنَّ أبا الدرداء رضي الله عنه، كان يقول: (جُدُّوا بالدعاءِ، فإنَّه من يُكثِر قرعَ البابِ يُوشك أن يُفتَح له)(503) .
عن أبي هيَّاج، قال: سمعت شيخًا يطوف خلف البيت وفي رواية: ينادي بأعلى صوته ، وهو يقول: (اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرٍّ لا يُخلَط معه غيرُه)، قال: قلتُ: مَن هذا الشيخ؟ قال: أبو الدرداء)(504) .
وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: (يَكفي من الدعاءِ مع البِّر ما يكفي الطعامَ من الملح)(505) .
وعن القاسم بن عبد الرحمن، قال: (كان ابنُ مسعود رضي الله عنه يدعو يقول: اللَّهمَّ يا ذا المنِّ، ولا يُمَنُّ عليكَ، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطَّوْل، لا إلهَ إلا أنت، ظَهْرَ اللاجئين، وجارَ المستجيرين، ومَأْمَنَ الخائفين، إنْ كان في أمِّ الكتاب أنِّي شقيٌّ، فامْحُ من أمِّ الكتاب شقائي، وأَثبِتْني عندَك سعيدًا، وإنْ كان في أمِّ الكتاب أنِّي محرومٌ، مُقتَّرٌ عليَّ من الرزق، فامْحُ من أمِّ الكتاب حِرماني وإقتارِ رزقي، وأَثبِتْني عندَك سعيدًا، مُوفَّقًا في الخير، فإنَّك قلتَ في كتابك المنزَّل على نبيِّك: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد: 39]. قال: فما قالهنَّ عبدٌ قطُّ إلا وسَّع اللهُ عليه في معيشته)(506) .
وعن عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إذا كان العبدُ في صلاته فإنَّه يقرع بابَ الملك، وإنَّه مَن يَدأبُ قرْعَ بابَ الملك يُوشك أن يفتحَ له)(507) .
وعن ثور بن يزيد، قال: (كان معاذٌ رضي الله عنه إذا تهجَّد من اللَّيل قال: اللَّهمَّ قد نامت العيونُ، وغارت النُّجومُ، وأنت حيٌّ قيُّومٌ، اللَّهمَّ طَلَبي للجنَّةِ بطيءٌ، وهَرَبي من النَّار ضعيفٌ، اللَّهمَّ اجعَلْ لي عندَك هدى تردُّه إليَّ يومَ القيامة، إنَّك لا تخلفُ الميعادَ)(508) .
وعن أبي جعفر رضي الله عنه، قال: (كلماتُ الفرجِ: لا إلهَ إلا اللهُ العليُّ
العظيمُ، سبحان اللهِ ربِّ العرشِ الكريمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، اللَّهمَّ اغفِر لي، وارحَمْني، وتجاوَزْ عنِّي، واعفُ عنِّي، فإنَّك غفورٌ رحيمٌ)(509)
وعن جعفر بن محمد، عن أبيه رضي الله عنهما: (أنَّه كان في جوف اللَّيل يقول: أمِرْتَني فلم ائتَمِر، وزجَرْتَني فلم أَزدَجِر، هذا عبدُك بين يدَيْك ولا أَعتذِرُ)(510) .
وعن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه قال: (ما مِن شيءٍ أحبُّ إلى اللهِ عز وجل من أن يُسأل، وما يدفع القضاءَ إلا الدعاءُ، وإنَّ أسرعَ الخير ثوابًا البرُّ، وأسرعَ الشرِّ عقوبةُ البغيِ، وكفى بالمرء عيبًا أن يُبصِرَ من النَّاس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمُرَ النَّاس بما لا يستطيع التَّحوُّل عنه، وأن يؤذيَ جليسَه بما لا يعنيه)(511) .
وعن نصر بن كثير، قال: (دخلتُ أنا وسفيان الثوري على جعفر بن محمد رضي الله عنه، فقلتُ: إنِّي أريد البيتَ الحرامَ، فعلِّمْني شيئًا أدعو به، فقال: إذا بلغتَ البيتَ الحرامَ فضَعْ يدَك على الحائط، ثمَّ قُلْ: يا سابقَ الفَوْت، يا سامعَ الصوت، ويا كاسي العظامَ لحمًا بعد الموت، ثمَّ ادعُ بما شئتَ، فقال له سفيان شيئًا لم أفهَمْهُ، فقال له: يا سفيان، إذا جاءَك ما تحبُّ فأَكثِر من: الحمدُ للهِ، وإذا جاءَك ما تكرهُ فأَكثِر من: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ، وإذا استبطأتَ الرزقَ فأَكثِر من الاستغفارِ)(512) .
المطلبُ الرابعُ عشر: ذِكْرُ اللهِ تعالى
قال الإمامُ ابن القيِّم رحمه الله: (ومِن منازلِ: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾، منزلةُ الذِّكر، وهي منزلةُ القومِ الكبرى التي منها يتزوَّدون، وفيها يتَّجِرون، وإليها دائمًا يتردَّدون.
والذِّكرُ منشورُ الولاية الذي مَن أُعْطِيه اتَّصل، ومَن مُنِعَه عُزل، وهو قوتُ قلوبِ القومِ الذي متى فارقها صارت الأجسادُ لها قبورًا، وعمارةُ ديارِهم التي إذا تعطَّلت عنه صارت بُورًا، وهو سلاحُهم الذي يقاتِلون به قطَّاعَ الطريقِ، وماؤُهم الذي يُطفئُون به التهابَ الحريقِ، ودواءُ أسقامِهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوبُ، والسببُ الواصلُ والعلاقةُ التي كانت بينهم وبين علَّامِ الغيوبِ، به يستدفِعون الآفاتِ، ويستكشفون الكرباتِ، وتُهون عليهم به المصيباتُ، إذا أظلَّهم البلاءُ فإليه ملجؤُهم، وإذا نزلت بهم النوازلُ فإليه مفزعُهم، فهو رياضُ جنَّتِهم التي فيها يتقلَّبون، ورؤوسُ أموالِ سعادتِهم التي بها يتَّجِرون، يدعُ القلبَ الحزينَ ضاحكًا مسرورًا، ويُوصل الذاكرَ إلى المذكورِ، بل يدعُ الذاكرَ مذكورًا.
وفي كلِّ جارحةٍ من الجوارح عبوديةٌ مؤقَّتةٌ، والذِّكرُ عبوديةُ القلبِ واللسانِ وهي غيرُ مؤقَّتةٍ، بل هم مأمورون بذكرِ معبودِهم ومحبوبِهم في كلِّ
حالٍ: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبِهم، فكما أنَّ الجنَّةَ قِيعانٌ وهو غِراسُها، فكذلك القلوبُ بُورٌ وخرابٌ وهو عمارتُها وأساسُها.
وهو جلاءُ القلوبِ وصِقالُها، ودواؤُها إذا غشيها اعتلالُها، وكلمَّا ازداد الذاكرُ في ذكره استغراقًا، ازداد المذكورُ محبةً إلى لقائِه واشتياقًا، وإذا واطأ في ذكرِه قلبه للسانه، نسِي في جنب ذِكره كلَّ شيءٍ، وحفظ اللهُ عليه كلَّ شيءٍ، وكان له عوضًا من كلِّ شيءٍ.
به يزول الوَقرُ عن الأسماع، والبُكمُ عن الألسن، وتنقشع الظلمةُ عن الأبصار، زيَّن اللهُ به ألسنةَ الذاكرين، كما زيَّن بالنور أبصارَ الناظرين، فاللسانُ الغافلُ كالعين العمياء، والأذنِ الصَّمَّاءِ، واليدِ الشَّلَّاءِ، وهو بابُ اللهِ الأعظمُ المفتوحُ بينه وبين عبدِه، ما لم يغلِقْه العبدُ بغفلتِه)(513) .
إنَّ المتأمَّلَ في نصوص الوحيَيْن يلحظ عنايةً فائقةً، ووصيةً مستمرةً بذكرِ اللهِ تعالى؛ كثرةً في النُّصوصِ، وتنوُّعًا في الأسلوبِ، ووفرةً في الثَّوابِ، ولو ذهَبْنا نسوقُ الشواهدَ لطال بنا المقامُ، فننتخبُ منها بعضها:
فمِن كلام ربِّنا جل جلاله:
قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ﴾ [العنكبوت: 45]، وقال عزَّ من قائلٍ: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ [البقرة/152]، وقال جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41، 42]، وقال أيضًا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا
لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]، وقال جلَّ في علاه: ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [الأحزاب: 35].
ومِن أحاديثِ المصطفى صلى الله عليه وسلم:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ». قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ»)(514) .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)(515) .
وعن أبي مالكٍ الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)(516) .
وعن أبي ذرٍّ رضي
الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)(517)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ)(518) .
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)(519) .
وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ). زاد مسلم: (وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)(520) .
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ)(521) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولُ اللهِ قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً» قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»)(522) .
وعن مصعبِ بن سعد، عن أبيه قال: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ، قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ
وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: قُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي)(523)
والأحاديثُ في ذِكرِ اللهِ تعالى، والحثِّ عليه، وبيانِ فضلِه ومنزلتِه عند الله تعالى، وحرصِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عليه، والتزامِه به، كثيرةٌ جدًّا، يطول المقامُ بسردها، وفيما سبقت الإشارة إليه غنيةٌ وكفايةٌ.
وقد امتثل الصحابةُ الكرامُ، والآلُ الأطهارُ، هذه التوجيهاتِ الربانيةَ، والسننَ المصطفويةَ، فكانوا من أحرصِ النَّاس على ذكرِ اللهِ تعالى، في كلِّ أوقاتِهم، وعلى جميع أحوالِهم، كيف لا، وهم يرون سيِّدَهم وقدوتَهم وإمامَهم رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لا يفترُ لسانُه عن ذكرِ اللهِ تعالى، فكانوا خيرَ خلفٍ لخيرِ سلفٍ.
ومما ورد عنهم في ذلك:
عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: (أشدُّ الأعمالِ ثلاثةٌ: إعطاءُ الحقِّ من نفسِك، وذكرُ اللهِ على كلِّ حالٍ، ومواساةُ الأخِ في المالِ)(524) .
وعنه رضي الله عنه: (أنَّ فاطمةَ رضي الله عنها اشتكت ما تَلقى من الرَّحَى في يدِها، وأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فانطلقت، فلم تجِدْه ولقيت عائشةَ، فأخبرَتْها، فلمَّا جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أخبرَتْه عائشةُ بمجيءِ فاطمةَ إليها، فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلينا،
وقد أخَذْنا مضاجعَنا، فذهَبْنا نقوم فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فقعد بيننا حتَّى وجدتُ بَرْدَ قدمِه على صدري، ثمَّ قال: «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَنْ تُكَبِّرَا اللهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».
قال عليٌّ رضي الله عنه: (ما تركتُه منذُ سمعتُه من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قيل له: ولا ليلةَ صفِّين؟ قال: ولا ليلةَ صفِّين)(525) .
وعن ابنِ عباس رضي الله عنهما قال: (مَن قال: بسمِ اللهِ فقد ذكَرَ اللهَ عز وجل، ومَن قال: الحمدُ للهِ فقد شكرَ اللهَ عز وجل، ومن قال: اللهُ أكبرُ فقد عظَّم اللهَ عز وجل، ومن قال: لا إلهَ إلا اللهُ فقد وحَّد اللهَ عز وجل، ومن قال: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله فقد أسلَم واستسلم، وكان له بها كنزٌ في الجنَّةِ)(526) .
وعن أبي جعفر الباقر رضي الله عنه قال: «ما من شيءٍ أحبُّ إليَّ من الشُّكرِ والذِّكرِ»(527) .
وعنه رضي الله عنه قال: (الصواعقُ تصيب المؤمنَ وغيرَ المؤمنِ، ولا تصيبُ الذَّاكرَ)(528) .
قال صاحب تفسير روح البيان: (لعلَّ وجهَه أنَّ الصاعقةَ عذابٌ
عاجلٌ، ولا يصيب إلا الغافلَ، وأمَّا الذَّاكرُ فهو مع اللهِ ورحمتِه، وبين الغضبِ والرحمةِ تباعدٌ)(529)
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: (لَأنْ أُسبِّح مائةَ تسبيحةٍ أحبُّ إليَّ من أنْ أتصدَّق بمائةِ دينارٍ على المساكين)(530) .
وقيل لأبي الدرداء رضي الله عنه: (إنَّ أبا سعد بن منبه جعل في مالِه مائةَ محررَّةٍ(531) ، فقال: إنَّ مائةَ محررَةٍ في مالِ رجلٍ لكثيرٌ، ألا أخبرُكم بأفضل من ذلك، إيمانٌ ملزومٌ باللَّيل والنَّهار، ولا يزال لسانُك رطبًا من ذكرِ اللهِ)(532) .
وعنه رضي الله عنه، قال: (إنَّ الذين لا تزالُ ألسنتُهم رطبةً من ذكرِ اللهِ يدخلون الجنَّةَ وهم يضحكون)(533) .
وكان رضي الله عنه يقول: (طُوبَى لِمِن وجد في صحيفتِه نبذةً من الاستغفارِ)(534) .
وعن راشد بن سعد، قال: (جاء رجلٌ إلى أبي الدرداء رضي الله عنه فقال: أوصِني، فقال أبو الدرداء: اذكُر اللهَ في السَّرَّاءِ، يذكُرك في الضَّرَّاء، وإذا ذكرتَ الموتى فاجعَلْ نفسَك كأحدِهم، وإذا أشرفتْ نفسُك على شيءٍ من أمور الدنيا، فانظر إلى ما تصير إليه)(535) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (لَأن أقولَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بعددَها دنانير).
وفي رواية: (مَن قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، وتباركَ اللهُ، صعد بها ملكٌ أو قال: عرج بها ملكٌ فلا يمرُّ بها على ملأٍ من الملائكةِ إلا استغفَروا له، حتَّى يُحَيِّيَ بها وجهَ ربِّ العالمين)(536) .
وعن عبدِ الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: (لَأن أقولَها، يعني سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، أحبُّ إليَّ من أن أحمِل على عدتِها من خيلٍ بأرسانِها)(537) .
وعنه رضي الله عنهما قال: (ذكرُ اللهِ سبحانه وتعالى بالغُدوِّ والعشِيِّ أفضلُ من حطمِ السيوفُ في سبيلِ
اللهِ، وإعطاءِ المالِ سحًّا)(538)
وعن معاذِ بن جبل رضي الله عنه قال: (لو أنَّ رجلَيْن يحمل أحدُهما على الجيادِ في سبيلِ اللهِ، والآخرُ يذكرُ اللهَ، لكان أفضلَ، أو أعظمَ أجرًا الذاكرُ)(539) .
وعنه رضي الله عنه قال: (ما عمِل آدميٌّ عملًا أنجى له من عذابِ اللهِ من ذكرِ اللهِ، قالوا: يا أبا عبد الرحمن ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ عز وجل؟ قال: ولا أن يضرِبَ بسيفَه حتَّى ينقطِع؛ لأنَّ اللهَ عز وجل يقول في كتابِه: ﴿وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ﴾ [العنكبوت: 45])(540) .
وعن عبادةَ بن الصامت رضي الله عنه قال: (لَأنْ أكونَ في قومٍ يذكرون اللهَ من حين يُصلُّون الغداةَ إلى حين تطلع الشمسُ، أحبُّ إليَّ من أن أكونَ على متونِ الخيلِ، أجاهدُ في سبيلِ اللِه إلى أن تطلع الشمسُ، ولَأنْ أكونَ في قومٍ يذكرون من حين يُصلُّون العصرَ حتَّى تغرب الشمسُ، أحبُّ إليَّ من أنْ أكونَ على متونِ الخيلِ، أجاهدُ في سبيلِ اللهِ حتَّى تغرب الشمسُ)(541) .
وعن أبي برزةَ الأسلمي رضي الله عنه قال: (لو أنَّ رجلَيْن أقبل أحدُهما من السوقِ، في حجرهِ دنانيرُ يعطيها، والآخرُ يذكرُ اللهَ، كان ذاكرُ اللهِ أفضلَ)(542) .
وفيما سبق من آثارٍ تفضيلٌ لذكرِ اللهِ تعالى على غيرِه من الأعمالِ الصالحةِ، كالصدقةِ، وجهادِ النافلةِ، ولعلَّ هذا ممَّا فهمَه الصحابةُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الذي سبق معنا من قوله عليه الصلاة والسلام: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)، قال المباركفوري رحمه الله: (وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ الذِّكرَ أفضلُ عند اللهِ تعالى من جميع الأعمال التي يعملُها العبدُ، وأنَّه أكثرُها نماءً وبركةً، وأرفعُها درجةً، وفي هذا ترغيبٌ عظيمٌ)(543) .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: (وأمَّا ما سألتَ عنه من أفضلِ الأعمال بعد الفرائض؛ فإنَّه يختلفُ باختلافِ النَّاسِ فيما يقدِرون عليه، وما يناسب أوقاتَهم، فلا يمكن فيه جوابٌ جامعٌ مفصَّلٌ لكلِّ أحدٍ، لكنْ ممَّا هو كالإجماع بين العلماءِ باللهِ وأمرِه: أنَّ ملازمةَ ذكرِ اللهِ دائمًا هو أفضلُ ما شَغل العبدُ به نفسَه في الجملةِ)(544) .
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: (إذا كان العبدُ يذكر اللهَ في السَّرَّاء، ويحمده في الرخاء، فأصابه ضرٌّ فدعا اللهَ، قالت الملائكة: صوتٌ معروفٌ من امرئٍ ضعيفٍ، فيشفعون له، وإن كان العبدُ لا يذكر اللهَ في السَّرَّاء، ولا يحمده في الرخاء، فأصابه ضرٌّ فدعا اللهَ، قالت الملائكة: صوتٌ منكرٌ، فلم يشفعوا له)(545) .
وعن الحسن، قال: (اشتكى سلمانُ رضي الله عنه، فدخل عليه سعدٌ يعوده، فبكى سلمانُ، فقال سعدٌ: ما يُبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: واللهِ ما أبكي حبًّا للرجعة إليكم، ولا حرصًا على الدنيا، قالوا: فمه؟ قال: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهدًا، فلم أنتهِ إليه أنا، ولا أنتم، قالوا: وما هو؟ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لِيَكُنْ بَلَاغُكُمْ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ»، فلم أنتهِ إليه أنا ولا أنتم، أمَّا أنت أيُّها الأميرُ فاذكرِ اللهَ عند همِّك، إذا هممتَ، واذكرِ اللهَ عند لسانك إذا حكمتَ، واذكرِ اللهَ عند يدك إذا قسمتَ، قوموا عنِّي).
وفي رواية: (فأنا أخشى أن أكون قد فرَّطتُ).
وفي رواية: قال: (فقلَّبنا أبصارَنا في البيت، فلم نرَ إلا إكافًا وقرطاطًا).
وفي رواية: قال: (وحولي هذه الأساود، وإنَّما حوله وسادةٌ وجفنةٌ ومطهرةٌ).
وفي رواية: قال: (ثمَّ نظرنا فيما ترك، فإذا قيمة ما ترك بضعة
وعشرون درهمًا، أو بضعة وثلاثون درهمًا)(546)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إنِّي لأستغفر اللهَ وأتوب إليه كلَّ يومٍ اثني عشر ألف مرة، وذلك على قدر دِيَتي أو قدر دِيَته)(547) .
وعنه رضي الله عنه: (أنَّه كان له خيطٌ فيه ألفا عقدةٍ، فلا ينام حتَّى يسبِّح به)(548) .
وعن جويرية رضي الله عنها: (أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرةً حين صلَّى الصبحَ، وهي في مسجدها، ثمَّ رجع بعد أن أضحى، وهي جالسةٌ، فقال: «مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟»، قالت: نعم، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ»)(549) .
وفي رواية: (مرَّ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صلاةَ الغداةِ، أو بعدما صلَّى الغداةَ وهي تذكرُ اللهَ، فرجع حين ارتفع النهارُ، أو قال: انتصف النهارُ، وهي كذلك)(550) .
الخاتمة
تبيَّن لنا من خلال هذا التِّطواف في الآثارِ الواردةِ عن الصحابةِ والآلِ في موضوعَيْ: الزهد في الدنيا، والعبادة، ما كان عليه هؤلاء الأفاضل من إقبالٍ على الآخرة، ورغبةٍ فيها، وحرصٍ عليها، وتقديمِها على كلِّ أمرٍ، صغُر أم كبُر، وما يعين على ذلك من الزهد في الدنيا، والتقلُّل منها، والحذر من الاغترار بزخارفها وفتنها، وكلُّ ذلك محمولٌ على أنَّها إذا ألهت عن واجبٍ أو مستحبٍ، أو جرَّت إلى محرمٍ أو مكروهٍ، وما سوى ذلك فقد كانوا يأخذون منها حاجتهم، ويستعملونها في طاعةِ ربهم جل وعلا، فليس الزهد عندهم ترك الدنيا بالكلية، بل الزهد الحقيقي عندهم أن تكون هذه الدنيا كلها خاضعةً لسلطان اللهِ تعالى، سائرةً وفق منهاجه، ولا يكون ذلك إلا بالعمل في هذه الدنيا، والسعي فيها، كما أمر الله تعالى.
أمَّا بابُ عباداتهم رضي الله تعالى عنهم فحدِّث ولا حرج، فقد بلغوا المرتبةَ العليا، والمنزلةَ السامقةَ، في كلِّ أنواعها، كيف لا، وهم يرون النبيَّ صلى الله عليه وسلم الذي غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر يجتهد في العبادةِ غاية الاجتهادِ، ويضرب بذلك أروع الأمثلة؟
نسأل اللهَ تعالى أن يجعلنا خيرَ خلفٍ لخيرِ سلفٍ، وأن نكون ممَّن يقتدي بآثارهم، ويسلك سيبلهم.
المراجع
الإبانة الكبرى: لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري المعروف بابن بطة العكبري (المتوفى: 387ه). الإبهاج في شرح المنهاج: لتقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن حامد بن يحيي السبكي وولده تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب. الناشر: دار الكتب العلمية بيروت 1416ه 1995م. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان البوصيري الكناني الشافعي (المتوفى: 840ه). الآثار: لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري (المتوفى: 182ه). تحقيق: أبو الوفا. الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: لمحمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، التميمي، أبي حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354ه)، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (المتوفى: 739 ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الأولى، 1408 ه 1988 م. الإحكام في أصول الأحكام: لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456ه).. تحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر. قدم له: الأستاذ الدكتور إحسان عباس. الناشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت. أخبار الشيوخ وأخلاقهم: لأحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر المَرُّوْذِيُّ (المتوفى: 275ه). حققه وقدم له وخرج نصوصه: عامر حسن صبري. الناشر: دار البشائر الإسلامية، بيروت. الطبعة: الأولى، 1426 ه 2005 م.
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه: لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي (المتوفى: 272ه). تحقيق: د. عبد الملك عبد الله دهيش. الناشر: دار خضر بيروت، الطبعة: الثانية، 1414. أخلاق أهل القرآن: لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (المتوفى: 360ه). حققه وخرج أحاديثه: الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف، بإشراف المكتب السلفي لتحقيق التراث، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة: الثالثة، 1424 ه 2003 م. الإخوان: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1409 1988. الآداب الشرعية والمنح المرعية: لمحمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبي عبد الله، شمس الدين المقدسي الراميني ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763ه)، الناشر: عالم الكتب. آداب الصحبة: لمحمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري، أبي عبد الرحمن السلمي (المتوفى: 412ه)، تحقيق: مجدي فتحي السيد، الناشر: دار الصحابة للتراث طنطا مصر، الطبعة:
الأولى، 1410 1990. الآداب: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبي بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، اعتنى به وعلق عليه: أبو عبد الله السعيد المندوه، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1408 ه 1988 م. أدب الدنيا والدين: لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450ه)، الناشر: دار مكتبة الحياة، تاريخ النشر: 1986م. أدب المجالسة وحمد اللسان وفضل البيان وذم العي وتعليم الإعراب: لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463ه)، تحقيق: سمير حلبي، الناشر: دار الصحابة للتراث طنطا، الطبعة: الأولى، 1409 1989. الأدب المفرد: لمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبي عبد الله (المتوفى: 256ه)، حققه وقابله على أصوله: سمير بن أمين الزهيري، مستفيدًا من تخريجات وتعليقات العلامة الشيخ المحدث: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، 1419 ه 1998 م. الأدب: لأبي بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235ه)، تحقيق: د. محمد رضا القهوجي، الناشر: دار البشائر الإسلامية لبنان، الطبعة: الأولى، 1420ه 1999م. الأسماء والصفات: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبي بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: عبد الله بن محمد الحاشدي، قدم له: فضيلة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، الناشر: مكتبة السوادي، جدة المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1413 ه 1993 م.
الإشراف في منازل الأشراف: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: د نجم عبد الرحمن خلف، الناشر: مكتبة الرشد الرياض السعودية، الطبعة: الأولى، 1411ه 1990م. اصطناع المعروف: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم، الطبعة: الأولى، 1422ه 2002م. إصلاح المال: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1414ه 1993م. الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: د. نجم عبد الرحمن خلف، الناشر: دار البشير عمان، الطبعة: الأولى، 1413 1993. اعتلال القلوب: لأبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327ه)، تحقيق: حمدي الدمرداش، الناشر: نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة الرياض، الطبعة: الثانية، 1421ه2000م. اقتضاء العلم العمل: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463ه)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الرابعة، 1397.
إكرام الضيف: لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحَرْبي (المتوفى: 285ه)، تحقيق: عبد الله عائض الغرازي، الناشر: مكتبة الصحابة طنطا، الطبعة: الأولى، 1407. أمالي ابن منده رواية ابن حيويه: ليحيى بن عبد الوهاب بن محمد ابن إسحاق بن محمد بن يحيى العبدي الأصبهاني، أبي زكريا، ابن منده (المتوفى: 511ه). الأمالي: لابن سمعون الواعظ، أبي الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس البغدادي (المتوفى: 387ه)، دراسة تحقيق: الدكتور عامر حسن صبري، الناشر: دار البشائر الإسلامية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1423 ه 2002 م. الأمالي: لأبي القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشْران بن محمد بن بشْران بن مهران البغدادي (المتوفى: 430ه)، ضبط نصه: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف العزازي، الناشر: دار الوطن، الرياض، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1997 م. الأمالي: لأبي القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشْران بن محمد بن بشْران بن مهران البغدادي (المتوفى: 430ه)، تحقيق: أحمد بن سليمان، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: الأولى، 1420 ه 1999 م. الأمالي: لأبي عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد بن المبارك اليزيدى (المتوفى: 310ه)، الناشر: مطبعة جمعية دائرة المعارف، حيدر آباد الدكن الهند، الطبعة: الأولى، 1397 ه 1938 م.
الأمالي: لضياء الدين أبي السعادات هبة الله بن علي بن حمزة، المعروف بابن الشجري (المتوفى: 542ه)، تحقيق: الدكتور محمود محمد الطناحي، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1413 ه 1991 م. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: صلاح بن عايض الشلاحي، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، السعودية، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1997 م. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لعبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الجماعيلي الدمشقي الحنبلي، أبي محمد، تقي الدين (المتوفى: 600ه)، تحقيق: سمير بن أمين الزهيري، الناشر: دار السلف، الطبعة: الأولى، 1416ه 1995م. أنساب الأشراف: لأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البَلَاذُري (المتوفى: 279ه)، تحقيق: سهيل زكار، ورياض الزركلي، الناشر: دار الفكر بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 ه 1996 م. الإيمان: لأبي عبد الله محمد بن يحيى ابن أبي عمر العدني (المتوفى: 243ه)، تحقيق: حمد بن حمدي الجابري الحربي، الناشر: الدار السلفية الكويت، الطبعة: الأولى، 1407. البحر المحيط في التفسير: لأبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: 745ه)، تحقيق: صدقي محمد جميل، الناشر: دار الفكر بيروت، الطبعة: 1420 ه. البدع والنهي عنها: لأبي عبد الله محمد بن وضاح بن بزيع المرواني القرطبي (المتوفى: 286ه)، تحقيق ودراسة: عمرو عبد المنعم سليم، الناشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة مصر، مكتبة العلم، جدة السعودية، الطبعة: الأولى، 1416 ه.
البر والصلة: لأبي عبد الله الحسين بن الحسن بن حرب السلمي المروزي (المتوفى: 246ه)، تحقيق: د. محمد سعيد بخاري، الناشر: دار الوطن الرياض، الطبعة: الأولى، 1419. البر والصلة: لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597ه)، تحقيق وتعليق وتقديم: عادل عبد الموجود، وعلي معوض، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1413 ه 1993 م. بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: لأبي محمد الحارث بن محمد بن داهر التميمي البغدادي الخصيب المعروف بابن أبي أسامة (المتوفى: 282ه)، المنتقي: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر الهيثمي (المتوفى: 807 ه).، تحقيق: د. حسين أحمد صالح الباكري، الناشر: مركز خدمة السنة والسيرة النبوية المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1413 1992. بغية الطلب في تاريخ حلب: لعمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة العقيلي، كمال الدين ابن العديم (المتوفى: 660ه)، تحقيق: د. سهيل زكار، الناشر: دار الفكر. بهجة المجالس وأنس المجالس: لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463ه). البيان والتبيين: لعمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبي عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه)، الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت، عام النشر: 1423 ه. تاج العروس من جواهر القاموس: لمحمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبي الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205ه)، تحقيق: مجموعة من المحققين، الناشر: دار الهداية.
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748ه)، تحقيق: الدكتور بشار عوّاد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي، الطبعة: الأولى، 2003 م. التاريخ الكبير المعروف بتاريخ ابن أبي خيثمة: لأبي بكر أحمد بن أبي خيثمة (المتوفى: 279ه)، تحقيق: صلاح بن فتحي هلال، الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر القاهرة، الطبعة: الأولى، 1427 ه 2006 م. التاريخ الكبير: لمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبي عبد الله (المتوفى: 256ه)، الطبعة: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان. تاريخ بغداد: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463ه)، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة: الأولى، 1422ه 2002 م. تاريخ خليفة بن خياط: لأبي عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري البصري (المتوفى: 240ه)، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، الناشر: دار القلم، مؤسسة الرسالة دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، 1397. تاريخ دمشق: لأبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: 571ه)، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415 ه 1995 م. التدوين في أخبار قزوين: لعبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبي القاسم الرافعي القزويني (المتوفى: 623ه)، تحقيق: عزيز الله العطاردي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: 1408ه 1987م.
الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك: لأبي حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب بن أزداذ البغدادي المعروف ب ابن شاهين (المتوفى: 385ه)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1424 ه 2004 م. الترغيب والترهيب: لإسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبي القاسم، الملقب بقوام السنة (المتوفى: 535ه)، تحقيق: أيمن بن صالح بن شعبان، الناشر: دار الحديث القاهرة، الطبعة: الأولى 1414 ه 1993 م. التطفيل وحكايات الطفيليين وأخبارهم ونوادر كلامهم وأشعارهم: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463ه)، بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، الناشر: دار ابن حزم، الجفان والجابي للطباعة والنشر، الطبعة: الأولى، 1420ه 1999 م. التعازي: لعلي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف أبي الحسن المعروف بالمدائني (المتوفى: 224ه)، تحقيق: إبراهيم صالح، الناشر: دار البشائر، الطبعة: الأولى 1424 ه 2003م. التعريفات: لعلي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816ه)، ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة: الأولى 1403ه 1983م. تعظيم قدر الصلاة: لأبي عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المروزي (المتوفى: 294ه)، تحقيق: د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الناشر: مكتبة الدار المدينة المنورة، الطبعة: الأولى،. 1406
تغليق التعليق على صحيح البخاري: لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852ه)، تحقيق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، الناشر: المكتب الإسلامي، دار عمار بيروت، عمان الأردن، الطبعة: الأولى، 1405. تفسير القرآن العظيم: لأبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: 327ه)، تحقيق: أسعد محمد الطيب، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة 1419 ه. تفسير عبد الرزاق: لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: 211ه)، دراسة وتحقيق: د. محمود محمد عبده، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت.، الطبعة: الأولى، سنة 1419ه. تقديم: فضيلة الشيخ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم. تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف أبو تميم ياسر بن إبراهيم. دار النشر: دار الوطن للنشر، الرياض. الطبعة: الأولى، 1420 ه 1999 م. التلخيص في معرفة أسماء الأشياء: لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395ه)، عني بتحقيقه: الدكتور عزة حسن، الناشر: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، الطبعة: الثانية، 1996 م. التنوير شرح الجامع الصغير: لمحمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبي إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه بالأمير
(المتوفى: 1182ه)، تحقيق: د. محمد إسحاق محمد إبراهيم، الناشر: مكتبة دار السلام، الرياض، الطبعة: الأولى، 1432 ه 2011 م. تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار: لمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبي جعفر الطبري (المتوفى: 310ه)، تحقيق: محمود محمد شاكر، الناشر: مطبعة المدني القاهرة. تهذيب اللغة: لمحمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبي منصور (المتوفى: 370ه)، تحقيق: محمد عوض مرعب، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة: الأولى، 2001م. التواضع والخمول: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1409 1989. التوبيخ والتنبيه: لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبي الشيخ الأصبهاني (المتوفى: 369ه)، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم، الناشر: مكتبة الفرقان القاهرة. التيسير بشرح الجامع الصغير: لزين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031ه)، الناشر: مكتبة الإمام الشافعي الرياض، الطبعة: الثالثة، 1408ه 1988م. الجامع (منشور كملحق بمصنف عبد الرزاق): لمعمر بن أبي عمرو راشد الأزدي مولاهم، أبي عروة البصري، نزيل اليمن (المتوفى: 153ه)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي بباكستان، وتوزيع المكتب الإسلامي ببيروت، الطبعة: الثانية، 1403 ه.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن: لمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبي جعفر الطبري (المتوفى: 310ه)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، 1422 ه 2001 م. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم: لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795ه)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط إبراهيم باجس، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: السابعة، 1422ه 2001م. جامع بيان العلم وفضله: لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463ه)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1414 ه 1994 م. الجامع في الحديث: لأبي محمد عبد الله بن وهب بن مسلم المصري القرشي (المتوفى: 197ه)، تحقيق: الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب الدكتور علي عبد الباسط مزيد، الناشر: دار الوفاء، الطبعة: الأولى 1425 ه 2005 م. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463ه)، تحقيق: د. محمود الطحان، الناشر: مكتبة المعارف الرياض. الجزء الثاني من حديث يحيى بن معين الفوائد: لأبي زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن (المتوفى: 233ه)، رواية: أبي بكر المروزي، تحقيق: خالد بن عبد الله السيت، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الاولى، 1419ه 1998م.
جزء علي بن محمد الحميري: لعلي بن محمد بن هارون بن زياد بن عبد الرحمن الحِمْيَري (المتوفى: 323ه)، تحقيق: الدكتور عبد العزيز بن سليمان بن إبراهيم البعيمي، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض، شركة الرياض للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1998 م. جمهرة الأمثال: لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395ه)، الناشر: دار الفكر بيروت. الجهاد: لأبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التركي ثم المرْوزي (المتوفى: 181ه)، تحقيق: د. نزيه حماد، الناشر: الدار التونسية تونس، تاريخ النشر: 1972م. الجوع: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1417 ه 1997 م. حديث محمد بن عبد الله الأنصاري: لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك البصري الأنصاري (المتوفى: 215ه)، تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني، الناشر: أضواء السلف الرياض السعودية، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1998م. حسن الظن بالله: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: مخلص محمد، الناشر: دار طيبة الرياض، الطبعة: الأولى، 1408 1988. الحلم: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، الطبعة: الأولى، 1413. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430ه)، الناشر: السعادة بجوار محافظة مصر، 1394ه 1974م.
الدعاء: لأبي عبد الرحمن محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي مولاهم الكوفي (المتوفى: 195ه)، تحقيق: د عبد العزيز بن سليمان بن إبراهيم البعيمي، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى، 1419ه 1999م. ذكر الأقران وروايتهم عن بعضهم بعضاً: لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبي الشيخ الأصبهاني (المتوفى: 369ه)، تحقيق: مسعد السعدني، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى 1417 ه 1996 م. ذم البغي: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: الدكتور نجم عبد الرحمن خلف، الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض السعودية، الطبعة: الأولى، 1409 ه 1988 م. ذم الدنيا: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة: الأولى، 1414 ه 1993 م. ذم الغيبة والنميمة: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: بشير محمد عيون، الناشر: مكتبة دار البيان، دمشق سورية، مكتبة المؤيد، الرياض السعودية، الطبعة: الأولى، 1413 ه 1992 م. ذم الكذب: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد غسان نصوح عزقول، الناشر: دار السنابل، سوريا دمشق، عام النشر: 1993 ه. ذم الهوى: لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597ه)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، مراجعة: محمد الغزالي.
الرضا عن الله بقضائه: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: ضياء الحسن السلفي، الناشر: الدار السلفية بومباي، الطبعة: الأولى، 1410. الرقة والبكاء: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دار النشر: دار ابن حزم، بيروت لبنان، الطبعة: الثالثة، 1419 ه 1998 م. روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: لمحمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبي حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354ه)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. الزهد والرقائق لابن المبارك (يليه «ما رواه نعيم بن حماد في نسخته زائدًا على ما رواه المروزي عن ابن المبارك في كتاب الزهد»): لأبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التركي ثم المرْوزي (المتوفى: 181ه)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت. الزهد: لأبي السَّرِي هَنَّاد بن السَّرِي بن مصعب بن أبي بكر بن شبر بن صعفوق
بن عمرو بن زرارة بن عدس بن زيد التميمي الدارمي الكوفي (المتوفى: 243ه)، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت، الطبعة: الأولى، 1406. الزهد: لأبي بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني (المتوفى: 287ه)، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، الناشر: دار الريان للتراث القاهرة، الطبعة: الثانية، 1408. الزهد: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، الناشر: دار ابن كثير، دمشق، الطبعة: الأولى، 1420 ه 1999 م. الزهد: لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السَّجِسْتاني (المتوفى: 275ه)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن ابراهيم بن محمد، أبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم، وقدم له وراجعه: فضيلة الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف، الناشر: دار المشكاة للنشر والتوزيع، حلوان، الطبعة: الأولى، 1414 ه 1993 م. الزهد: لأبي سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن سفيان بن الحارث بن عمرو ابن عبيد بن رؤاس الرؤاسي (المتوفى: 197ه)، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الناشر: مكتبة الدار، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1404 ه 1984 م. الزهد: لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241ه)، وضع حواشيه: محمد عبد السلام شاهين، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1420 ه 1999 م.
الزهد: لأبي مسعود المعافى بن عمران بن نفيل بن جابر الأزدي الموصلي (المتوفى: 185ه)، تحقيق: الدكتور عامر حسن صبري، الناشر: دار البشائر الإسلامية بيروت، الطبعة: الأولى، 1420 ه 1999 م. الزهد: لمحمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الرازي (المتوفى: 277ه)، تحقيق: منذر سليم محمود الدومي، الناشر: دار أطلس للنشر والتوزيع، الرياض السعودية، الطبعة: الأولى، 1421 ه 2000 م. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420ه)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، (لمكتبة المعارف). سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة: لأبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420ه)، دار النشر: دار المعارف، الرياض الممكلة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1412 ه 1992 م. السنة: لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخَلَّال البغدادي الحنبلي (المتوفى: 311ه)، تحقيق: د. عطية الزهراني، الناشر: دار الراية الرياض، الطبعة: الأولى، 1410ه 1989م. السنة: لأبي عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: 294ه)، تحقيق: سالم أحمد السلفي، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، الطبعة: الأولى، 1408. سنن ابن ماجه: لأبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (المتوفى: 273ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية فيصل عيسى البابي الحلبي.
سنن أبي داود: لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275ه)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا بيروت. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبي عيسى (المتوفى: 279ه)، تحقيق: بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، سنة النشر: 1998 م. السنن الصغرى للنسائي: لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303ه)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية حلب، الطبعة: الثانية، 1406 1986. السنن الكبرى: لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303ه)، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 ه 2001 م. السنن الكبرى: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبي بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة: الثالثة، 1424 ه 2003 م. السنن المأثورة للشافعي: لإسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبي إبراهيم المزني (المتوفى: 264ه)، تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المعرفة بيروت، الطبعة: الأولى، 1406.
السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها: لعثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبي عمرو الداني (المتوفى: 444ه)، تحقيق: د. رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري، الناشر: دار العاصمة الرياض، الطبعة: الأولى، 1416. سنن سعيد بن منصور: لأبي عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (المتوفى: 227ه)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: الدار السلفية الهند، الطبعة: الأولى، 1403ه 1982م. السير: لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري (المتوفى: 188ه)، تحقيق: فاروق حمادة، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1987. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: لأبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي (المتوفى: 418ه)، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الناشر: دار طيبة السعودية، الطبعة: الثامنة، 1423ه 2003م. شرح السنة: لمحيي السنة، أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، 1403ه 1983م. شرح مشكل الآثار: لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى 1415 ه، 1494 م. الشريعة: لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّي البغدادي (المتوفى: 360ه)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن الرياض السعودية، الطبعة: الثانية، 1420 ه 1999 م.
شعب الإيمان: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبي بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، تحقيق: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة: الأولى، 1423 ه 2003 م. الشكر: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: بدر البدر، الناشر: المكتب الإسلامي الكويت، الطبعة: الثالثة، 1400 1980. الصبر والثواب عليه: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1997 م. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393ه)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين بيروت، الطبعة: الرابعة 1407 ه 1987 م. صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري: حقق أحاديثه وعلق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: دار الصديق للنشر والتوزيع، الطبعة: الرابعة، 1418 ه 1997 م. صحيح البخاري: لمحمد بن إسماعيل أبي عبدالله البخاري الجعفي (المتوفى: 256 ه)، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى، 1422ه.
صحيح الترغيب والترهيب للمنذري: لمحمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420ه)، الناشر: مكتبة المعارف الرياض، الطبعة: الخامسة. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج أبي الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت. صفة الصفوة: لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597ه)، تحقيق: أحمد بن علي، الناشر: دار الحديث، القاهرة، مصر، الطبعة: 1421ه/2000م. صفة النار: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم لبنان بيروت، الطبعة: الأولى، 1417ه 1997م. صفة النفاق وذم المنافقين: لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المُسْتَفاض الفِرْيابِي (المتوفى: 301ه)، تحقيق: أبو عبد الرحمن المصري الأثري، الناشر: دار الصحابة للتراث، مصر، الطبعة: الأولى، 1408 ه 1988 م. صفة النفاق ونعت المنافقين: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430ه)، تحقيق: الدكتور عامر حسن صبري، الناشر: البشائر الإسلامية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1422 ه 2001 م. الصمت وآداب اللسان: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: أبو إسحاق الحويني، الناشر: دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة: الأولى، 1410.
الطبقات الكبرى: لأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (المتوفى: 230ه)، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر بيروت، الطبعة: الأولى، 1968 م. الطهور: لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: 224ه)، تحقيق: مشهور حسن محمود سلمان، الناشر: مكتبة الصحابة، جدة الشرفية، مكتبة التابعين، سليم الأول الزيتون، الطبعة: الأولى، 1414 ه 1994 م. العزلة والانفراد: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني، الناشر: مكتبة الفرقان القاهرة. العزلة: لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388ه)، الناشر: المطبعة السلفية القاهرة، الطبعة: الثانية، 1399 ه. العقد الفريد: لأبي عمر، شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328ه)، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1404 ه. العقوبات: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1416 ه 1996 م. العلم: لأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي (المتوفى: 234ه)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة: الثانية، 1403 1983.
العيال: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: د نجم عبد الرحمن خلف|، الناشر: دار ابن القيم السعودية الدمام، الطبعة: الأولى، 1410ه 1990م. غرر الخصائص الواضحة، وعرر النقائض الفاضحة: لأبي إسحق برهان الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى بن علي المعروف بالوطواط (المتوفى: 718ه)، تحقيق: ابراهيم شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1429 ه 2008 م. غريب الحديث: لإبراهيم بن إسحاق الحربي أبي إسحاق (المتوفى: 285ه)، تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، الناشر: جامعة أم القرى مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، 1405. غريب الحديث: لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388ه)، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، وخرج أحاديثه: عبد القيوم عبد رب النبي، الناشر: دار الفكر، الطبعة: 1402ه 1982م. غريب الحديث: لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: 224ه)، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان، الناشر: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الطبعة: الأولى، 1384 ه 1964 م. غريب الحديث: لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276ه)، تحقيق: د. عبد الله الجبوري، الناشر: مطبعة العاني بغداد، الطبعة: الأولى، 1397.
الفتن: لأبي عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي (المتوفى: 228ه)، تحقيق: سمير أمين الزهيري، الناشر: مكتبة التوحيد القاهرة، الطبعة: الأولى، 1412. الفرج بعد الشدة: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: أبو حذيفة عبيد الله بن عالية، الناشر: دار الريان للتراث، مصر، الطبعة: الثانية، 1408 ه 1988 م. الفروق اللغوية: لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395ه)، تحقيق: محمد إبراهيم سليم، الناشر: دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة مصر. فضائل الصحابة: لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241ه)، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1403 1983. فضائل القرآن وما أنزل من القرآن بمكة وما أنزل بالمدينة: لأبي عبد الله محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس بن يسار الضريس البجلي الرازي (المتوفى: 294ه)، تحقيق: غزوة بدير، الناشر: دار الفكر، دمشق سورية، الطبعة: الأولى، 1408 ه 1987 م. فضائل القرآن: لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المُسْتَفاض الفِرْيابِي (المتوفى: 301ه)، تحقيق: يوسف عثمان فضل الله جبريل، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة: الأولى، 1409 ه 1989 م. فضائل القرآن: لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: 224ه)، تحقيق: مروان العطية، ومحسن خرابة، ووفاء تقي الدين، الناشر: دار ابن كثير (دمشق بيروت)، الطبعة: الأولى، 1415 ه 1995 م. فضيلة الشكر لله على نعمته: لأبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327ه)، تحقيق: محمد مطيع الحافظ، د. عبد الكريم اليافي، الناشر: دار الفكر دمشق، الطبعة: الأولى، 1402.
الفقيه والمتفقه: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463ه)، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، الناشر: دار ابن الجوزي السعودية، الطبعة: الثانية، 1421ه. فوائد أبي علي الصواف: لمحمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق ابن الصواف، أبي علي البغدادي (المتوفى: 359ه)، تحقيق: محمود بن محمد الحداد، الناشر: دار العاصمة الرياض، الطبعة: الأولى، 1408 ه. الفوائد الحسان الصحاح والغرائب: لعلي بن الحسن بن الحسين بن محمد، أبي الحسن الخِلَعي الشافعيّ (المتوفى: 492ه). فوائد منتقاة من حديث أبي شعيب الحراني: لعبد الله بن الحسن أحمد، أبي شعيب الأموي الحراني (المتوفى: 295ه). الفوائد: لأبي القاسم تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد البجلي الرازي ثم الدمشقي (المتوفى: 414ه)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى، 1412. القاموس المحيط: لمجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: 817ه)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، الطبعة: الثامنة، 1426 ه 2005 م.
القبور: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: طارق محمد سكلوع العمود، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، الطبعة: الأولى 1420ه 2000م. قرى الضيف: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، الناشر: أضواء السلف، الرياض السعودية، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1997 م. قصر الأمل: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم لبنان بيروت، الطبعة: الثانية، 1417ه 1997م. قضاء الحوائج: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم، الناشر: مكتبة القرآن القاهرة. القضاء والقدر: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبي بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، تحقيق: محمد بن عبد الله آل عامر، الناشر: مكتبة العبيكان الرياض السعودية، الطبعة: الأولى، 1421ه 2000م. القناعة والتعفف: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1413 ه 1993 م.
كتاب الأمثال في الحديث النبوي: لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني (المتوفى: 369ه)، تحقيق: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، الناشر: الدار السلفية بومباي الهند، الطبعة: الثانية، 1408 1987م. كتاب التوبة: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق وتعليق: مجدي السيد إبراهيم.، دار النشر: مكتبة القرآن، مصر. كتاب الزهد الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبي بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، تحقيق: عامر أحمد حيدر، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، الطبعة: الثالثة، 1996. كتاب العين: لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170ه)، تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال. كتاب الفوائد (الغيلانيات): لأبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدوَيْه البغدادي الشافعي البزَّاز (المتوفى: 354ه)، تحقيق: حلمي كامل أسعد عبد الهادي، الناشر: دار ابن الجوزي السعودية الرياض، الطبعة: الأولى، 1417ه 1997م. كتاب القدر: لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المُسْتَفاض الفِرْيابِي (المتوفى: 301ه)، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، الناشر: أضواء السلف، الطبعة: الأولى 1418 ه 1997م. الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار: لأبي بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235ه)، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى،
1409. الكفاية في علم الرواية: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463ه)، تحقيق: أبو عبدالله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، الناشر: المكتبة العلمية المدينة المنورة. كلام الليالي والأيام: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1997 م. لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث: لعبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتبة المطبوعات الإسلامية، تاريخ النشر: 2008. المتمنين: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1418ه 1997م. المجالسة وجواهر العلم: لأبي بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي (المتوفى: 333ه)، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: جمعية التربية الإسلامية (البحرين أم الحصم)، دار ابن حزم (بيروت لبنان)، تاريخ النشر: 1419ه. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لأبي الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807ه)، تحقيق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة، عام النشر: 1414 ه، 1994 م. مجموع فيه مصنفات أبي العباس الأصم وإسماعيل الصفار: لأبي العباس الأصم محمد بن يعقوب بن يوسف النيسابوري (346 ه)، وإسماعيل الصفار أبي علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل البغدادي (341 ه)، تحقيق: نبيل سعد الدين جرار، الناشر: دار البشائر الإسلامية، الطبعة: الأولى، 1425 ه 2004 م. مجموع فيه مصنفات أبي جعفر ابن البختري: لأبي جعفر محمد بن عمرو بن
البختري بن مدرك بن سليمان البغدادي الرزاز (المتوفى: 339ه)، تحقيق: نبيل سعد الدين جرار، الناشر: دار البشائر الاسلامية لبنان بيروت، الطبعة: الأولى، 1422ه 2001 م. محاسبة النفس: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: المسعتصم بالله أبي هريرة مصطفى بن علي بن عوض، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 ه 1986 م. المحتضرين: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1417ه 1997م. المحكم والمحيط الأعظم: لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (المتوفى: 458ه)، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 ه 2000 م. المحيط في اللغة: لإسماعيل بن عباد بن العباس، أبي القاسم الطالقاني، المشهور بالصاحب بن عباد (المتوفى: 385ه). المخلصيات وأجزاء أخرى: لمحمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا البغدادي المخَلِّص (المتوفى: 393ه)، تحقيق: نبيل سعد الدين جرار، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة قطر، الطبعة: الأولى، 1429 ه 2008 م.
مداراة الناس: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1418ه 1998م. مدح التواضع وذم الكبر: لثقة الدين، أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: 571ه)، تحقيق: محمد عبد الرحمن النابلسي، الناشر: دار السنابل، سورية دمشق، الطبعة: الأولى، 1413ه 1993م. المدخل إلى السنن الكبرى: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبي بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، تحقيق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، الناشر: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت. المروءة: لأبي بكر محمد بن خلف بن المرزبان (المتوفى سنة 309 ه)، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الناشر: دار ابن حزم، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1420 ه 1999 م. مساوئ الأخلاق ومذمومها: لأبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327ه)، تحقيق: مصطفى بن أبو النصر الشلبي، الناشر: مكتبة السوادي للتوزيع، جدة، الطبعة: الأولى، 1413 ه 1993 م. مسائل حرب: لأبي محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الكرماني (المتوفى: 280ه)، إعداد: فايز بن أحمد بن حامد حابس، إشراف: فضيلة الشيخ الدكتور حسين بن خلف الجبوري، الناشر: جامعة أم القرى، عام النشر: 1422 ه. المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: 405ه)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى، 1411 1990. مسند ابن الجعد: لعلي بن الجعد بن عبيد الجوهري البغدادي (المتوفى: 230ه)، تحقيق: عامر أحمد حيدر، الناشر: مؤسسة نادر بيروت، الطبعة: الأولى، 1410 1990.
مسند أبي داود الطيالسي: لأبي داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصرى (المتوفى: 204ه)، تحقيق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر مصر، الطبعة: الأولى، 1419 ه 1999 م. مسند الإمام أحمد بن حنبل: لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241ه)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 ه 2001 م. مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار: لأبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار (المتوفى: 292ه)، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، عادل بن سعد، صبري عبد الخالق الشافعي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، (بدأت 1988م، وانتهت 2009م). مسند الدارمي المعروف بسنن الدارمي: لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد الدارمي، التميمي السمرقندي (المتوفى: 255ه)، تحقيق: نبيل هاشم الغمري، الناشر: دار البشائر (بيروت)، الطبعة: الأولى، 1434ه 2013م. مسند الشاشي: لأبي سعيد الهيثم بن كليب بن سريج بن معقل الشاشي البِنْكَثي (المتوفى: 335ه)، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله، الناشر: مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1410.
مسند الشاميين: لسليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبي القاسم الطبراني (المتوفى: 360ه)، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الأولى، 1405 1984. مسند الشهاب: لأبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون القضاعي المصري (المتوفى: 454ه)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة: الثانية، 1407 1986. مسند سعد بن أبي وقاص: لأبي عبد الله أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم العبدي المعروف ب الدَّوْرَقي (المتوفى: 246ه)، تحقيق: عامر حسن صبري، الناشر: دار البشائر الإسلامية بيروت، الطبعة: الأولى، 1407. المصنف: لأبي بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: 211ه)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي الهند، الطبعة: الثانية، 1403. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852ه)، تحقيق: (17) رسالة علمية قدمت لجامعة الإمام محمد بن سعود، تنسيق: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري، الناشر: دار العاصمة، دار الغيث السعودية، الطبعة: الأولى، 1419ه. معجم ابن الأعرابي: لأبي سعيد بن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الصوفي (المتوفى: 340ه)، تحقيق: عبد المحسن بن إبراهيم بن أحمد الحسيني، الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1418 ه 1997 م.
المعجم الأوسط: لسليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبي القاسم الطبراني (المتوفى: 360ه)، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، الناشر: دار الحرمين القاهرة. معجم البلدان: لشهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (المتوفى: 626ه)، الناشر: دار صادر، بيروت، الطبعة: الثانية، 1995 م. معجم الصحابة: لأبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهنشاه البغوي (المتوفى: 317ه)، تحقيق: محمد الأمين بن محمد الجكني، الناشر: مكتبة دار البيان الكويت، الطبعة: الأولى، 1421 ه 2000 م. المعجم الكبير: لسليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبي القاسم الطبراني (المتوفى: 360ه)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، دار النشر: مكتبة ابن تيمية القاهرة، الطبعة: الثانية. المعجم لابن المقرئ: لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني الخازن، المشهور بابن المقرئ (المتوفى: 381ه)، تحقيق: أبي عبد الرحمن عادل بن سعد، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض، شركة الرياض للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1419 ه 1998 م. معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم: لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911ه)، تحقيق: أ. د محمد إبراهيم عبادة، الناشر: مكتبة الآداب القاهرة مصر، الطبعة: الأولى، 1424ه 2004 م. معجم مقاييس اللغة: لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي،
أبي الحسين (المتوفى: 395ه)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1399ه 1979م. معرفة السنن والآثار: لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبي بكر البيهقي (المتوفى: 458ه)، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشرون: جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي باكستان)، دار قتيبة (دمشق بيروت)، دار الوعي (حلب دمشق)، دار الوفاء (المنصورة القاهرة)، الطبعة: الأولى، 1412ه 1991م. معرفة الصحابة: لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه العبدي (المتوفى: 395ه)، تحقيق: الأستاذ الدكتور عامر حسن صبري، الناشر: مطبوعات جامعة الإمارات العربية المتحدة، الطبعة: الأولى، 1426 ه 2005 م. مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها: لأبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327ه)، تحقيق: أيمن عبد الجابر البحيري، الناشر: دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1419 ه 1999 م. مكارم الأخلاق: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم، الناشر: مكتبة القرآن القاهرة. من فوائد أبي بكر الشاشي: لمحمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبي بكر الشاشي القفال الفارقيّ، الملقب فخر الإسلام، المستظهري الشافعي (المتوفى: 507ه)، تحقيق: أبو الحسن سمير بن حسين ولد سعدي القرشي الهاشمي الحسني، الناشر: مكتبة الرشد الرياض، الطبعة: الأولى، 1418ه 1998م. موضح أوهام الجمع والتفريق: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463ه)، تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المعرفة بيروت، الطبعة: الأولى، 1407. موطأ الإمام مالك: لمالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: 179ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، عام النشر: 1406 ه 1985 م.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال: لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748ه)، تحقيق: علي محمد البجاوي، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، الطبعة: الأولى، 1382 ه 1963 م. نثر الدر في المحاضرات: لمنصور بن الحسين الرازي، أبي سعد الآبي (المتوفى: 421ه)، تحقيق: خالد عبد الغني محفوط، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت /لبنان، الطبعة: الأولى، 1424ه 2004م. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852ه)، تحقيق: نور الدين عتر، الناشر: مطبعة الصباح، دمشق، الطبعة: الثالثة، 1421 ه 2000 م. نسخة أبي مسهر: لأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن أبي ذرمة الغساني الدمشقي (المتوفى: 218ه)، ونُسخ أخرى لغيره من أهل العلم، تحقيق: مجدي فتحي السيد، الناشر: دار الصحابة للتراث طنطا، الطبعة: الأولى، 1410.
النهاية في غريب الحديث والأثر: لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: 606ه)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي محمود محمد الطناحي، الناشر: المكتبة العلمية بيروت، 1399ه 1979م. وصايا العلماء عند حضور الموت: لأبي سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن سليمان بن خالد بن عبد الرحمن بن زبر الربعي (المتوفى: 379ه)، تحقيق: صلاح محمد الخيمي، الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار ابن كثير دمشق بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 1986. اليقين: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)، تحقيق: ياسين محمد السورس، الناشر: دار البشائر الإسلامية.
