بلَّ حجرَه، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيتَه، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرضَ، فجاء بلالٌ يُؤذِنُه بالصلاةِ، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكِ، وقد غفر اللهُ لك ما تقدَّم وما تأخَّر؟ قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ...﴾»، الآية كلها. [آل عمران: 190])(160)
وقد سار الصحابةُ الكرامُ رضوان الله تعالى عليهم على هذا المنهاجِ النبويِّ، فكانوا يبكون من خشية الله تعالى، والأمثلةُ على ذلك أكثرُ من أن تحصر.
فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (وعظَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومًا بعد صلاةِ الغداةِ موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيونُ، ووجلت منها القلوبُ. فقال رجلٌ: إنّ هذه موعظةُ مودِّعٍ، فبماذا تعهدُ إلينا يا رسولَ اللهِ؟ قال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»)(161) .
ومما ورد عنهم في ذلك:
