مكتبة المبرّةالباحث الذكي
الزهد والعبادة في تراث الآل والأصحابصفحة 45 من النسخة المطبوعة
صفحة 45
حجم النص28
الزهد والعبادة في تراث الآل والأصحابورقة PDF 46 · صفحة مطبوعة 45

عبارة، وأبينِ بيانٍ.

وعن معاذ الحذَّاء قال: سمع عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه رجلًا يسبُّ الدنيا، فقال له: (إنها لدارُ صدقٍ لمَن صدَقها، ودارُ عافيةٍ لمَن فهم عنها، ودارُ غنى لمَن تزَّود منها، ومسجدُ أحبّاءِ اللهِ عز وجل، ومهبطُ وحيِه، ومصلَّى ملائكتِه، ومتجرُ أوليائِه، اكتسَبوا فيها الرحمةَ، وربحوا فيها الجنةَ، فمن ذا يذُمُّ الدنيا، وقد آذنت بفراقِها، ونادت بينها، ونعَتْ نفسَها وأهلَها، فمثَّلتْ ببلائها البلاءَ، وشوَّقت بسرورها إلى السرورِ، فذمَّها قومٌ عند الندامةِ، وحمِدَها آخرون، حدَّثَتْهُم فصدَّقوا، وذكَّرَتْهُم فذكروا، فيا أيها المعتلُّ بالدنيا، المغترُّ بغرورها، متى استهْوَتْك الدنيا، بل متى غرَّتْك؟ ألمضاجعِ آبائِك من الثرى؟ أم بمصارِعِ أمهاتِك من البِلى؟ كم قد قلّبتَ بكفَّيْكَ، ومرضتَ بيديك، تطلبُ له الشفاءَ، وتسألُ له الأطباءَ، لم تَظفَر بحاجتِك، ولم تُسعَف بطلبَتِك، قد مثَّلتْ لك الدنيا بمصرعِه مصرعَك غدًا، يوم لا يغني عنك بكاؤُك، ولا ينفعُك أحبَّاؤُك)(73) .

وهذا من دقيق فهم عليٍّ رضي الله عنه للمعنى الحقيقي للزهد في الدنيا، فليس المعنى هجرها مطلقًا، والإعراض عنها بالكلية، كلّا؛ بل هي دار صدق وعافية وغنى، لمن أحسنَ استغلالها، وتزوَّدَ منها لآخرته، ولم تصدّه عن طاعة ربه تعالى، ولو كان مع ذلك كلِّه من أهل الدُّثور، وأصحاب الأموال والقصور، فلن يضرَّه ذلك، ولذلك ورد عنه رضي الله عنه أنه كان يقول في دعائه: (اللهمَّ إنك جعلتَ الدنيا فتنةً ونكالًا، فاجعلْ حظِّي من جميعِها، ونصيبي من قسمِها، وشرفي من سلطانِها، سُلُوًّا عنها، وعملًا بما ترضى به عني)(74) .

الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في الزهد والعبادة في تراث الآل والأصحاب

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — الزهد والعبادة في تراث الآل والأصحابتمرير رأسي متصل