وفي خطبة أخرى له رضي الله عنه يقول: (أُوصِيكم بتقوى الله، والتَّرْكِ للدنيا التاركةِ لكم، وإن كنتم لا تحبون تركَها، المُبلِيةِ أجسامَكم، وإن كنتم تريدون تجديدَها، فإنما مثلُكم ومثلُها كمثل سَفْر سلكوا طريقًا، فكأنهم قد قطعوه، أو أفضوا إلى عَلَمٍ، فكأنهم قد بلَغوه، وكم عسى أن يجريَ المجرى حتى ينتهيَ إلى الغاية؟ وكم عسى أن يبقى من له يومٌ من الدنيا، وطالبٌ حثيثٌ يطلبُه حتى يفارقَها؟ فلا تجزعوا لبؤسِها وضرَّائِها، فإنه إلى انقطاعٍ، ولا تفرحوا بنعيمِها، فإنه إلى زوالٍ، عجبتُ لطالبِ الدنيا والموتُ يطلبُه، وغافلٍ ليس بمغفولٍ عنه)(75) .
لقد عرف القومُ حقيقةَ الدنيا، فعملوا بذلك العِلم، فلم يكن كلامُهم مواعظَ تُتلى على المسامعِ، ونصائحَ تُوجَّه للآخرين، دون أن يكون لهم نصيبٌ منها، كلّا واللهِ، بل كانوا من أوائل العاملين بما يقولون، الحريصين على تطبيق ما يعِظون، ومن أجلّ الآثار الواردة عن أبي السبطين رضي الله عنهم أجمعين في هذا المقام:
