والاستماع إليه، واغتنام السَّاعات الفاضلة في قيام اللَّيل، ومجاهدة النَّفس على الخشوع والتدبُّر وحضور القلب، فكان ذلك من أعظم القربات إلى الله تعالى، وله آثار عظيمةٌ في تزكية النَّفس، وسموِّ الرُّوح، وترقيتها إلى مقامات الكمال؛ فمن أعظم ما ظفر به الصحابة من آثار الذِّكر والدُّعاء والتِّلاوة، مناجاةُ الله تعالى، وتحقيقهم مقامات العبوديَّة التي تُعلي مكانتهم عند الله تعالى.
وأما الزهد في الدنيا فهو في المحل الأعلى من هذا الدين، ومصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ازْهَدْ في الدُّنْيا يُحِبكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيما فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبكَ النَّاسُ)(3) ، فالزاهد في الدنيا محبوب من الله تعالى، ولكنه ليس بالزهد الذي يقعد به عن العمل، والسعي لجعل هذه الدنيا متعبَّدة لله تعالى، وإنما هو زهد بجمع الأشياء بحقِّها، ووضعها في حقِّها، كما قال ربيعة الرأي(4) رحمه الله.
ولما سئل سفيان الثوري رحمه الله عن الزهد في الدنيا أجاب: (الزهد في الدُّنيا قِصَرُ الأمل، ليس بأكلِ الغليظ، ولا بلبسِ العباء)(5) ، وقال: (كان من دعائهم: اللهم زهِّدنا في الدُّنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تَزْوِها عنّا، فترغِّبنا فيها)(6) .
