عمرُ رضي الله عنه قميصًا جديدًا، ثم دعاني بشفرةٍ، فقال: مدَّ يا بني كُمَّ قميصي، والْزَقْ يديك بأطرافِ أصابعي، ثم اقطعْ ما فضلَ عنها. فقطعتُ من الكُمَّين من جانبيه جميعًا، فصار فمُ الكُمِّ بعضُه فوق بعضٍ، فقلت له: يا أَبَتَه، لو سوَّيتَه بالمقصِّ، فقال: دعْهُ يا بني، هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يفعلُ. فما زال عليه حتى تقطَّعَ، وكان ربما رأيتُ الخيوطَ تسَّاقطُ على قدمِه)(45) وعن أنس رضي الله عنه قال: (تَقَرْقَر بطنُ عمرَ، وكان يأكلُ الزيتَ عامَ الرَّمادةِ، وكان قد حرَّم على نفسه السمنَ، قال: فنقَر بطنَه بأصبعه وقال: تَقَرْقَر، إنه ليس لك عندنا غيرَه حتى يحيا الناسُ)(46) وعن حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنها أنها قالت لأبيها: (يا أميرَ المؤمنين؛ ما عليك لو لبستَ ألْينَ من ثوبك هذا، وأكلتَ أطيبَ من طعامك هذا، قد فتح الله عليك الأرضَ، وأوسع عليك الرزقَ؟ قال: سأخاصمكِ إلى نفسك، أمَا تعلمين ما كان يلقى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من شدةِ العيشِ؟ وجعل يذكِّرها شيئًا مما كان يلقى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى أبكاها، قال: قد قلتُ لكِ إنه كان لي صاحبان سلَكا طريقًا، فإني إن سلكتُ غير طريقِهما، سُلك بي غير طريقهما، فإني واللهِ لأشارِكنَّهما في مثل عيشهما الشديدِ، لعلِّي أدركُ معهما عيشَهما الرَّخِيَّ. يعني بصاحبيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر)(47)
الزهد والعبادة في تراث الآل والأصحابورقة PDF 34 · صفحة مطبوعة 33
