وعبد الرحمن بن عوف، والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزّهّاد، مع ما كان لهم من الأموال، وغيرهم كثير.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحًا لهن، وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد، مع مال كثير، وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد، وكان له رأس مال يقول: لولا هو لتَمَنْدَل بنا هؤلاء(10) .
وقال أبو الحسين ابن سمعون وقد سأله البرقاني: أيها الشيخ؛ تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا، والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام! فكيف هذا؟! فقال: كلُّ ما يصلحك مع الله فافعله، إذا صلح حالُك مع الله تلبس ليِّن الثياب، وتأكل طيب الطعام، فلا يضرك(11) .
وقد تبين لنا من خلال النقول السابقة أن الزهد في الدنيا لا يعني الفقر، وإخلاء اليد من جميع حطام الدنيا، بل إن الزهد قد يجتمع مع الغنى، وذاك لأن الزهد هو عدم تعلق النفس بما في الدنيا من ملذات وشهوات، والرغبة عنها إلى ما في الآخرة من مرضاة الله تعالى، وهو لا يتنافى مع الغنى وامتلاك المال، إذا لم يشغف الغني بما عنده، وتتعلق نفسه بما ملكه، فإن ذهب مالُه لم يحزن عليه، وإن أتاه غيره لم يفرح به، بل غايته ومهجته رضا الله سبحانه وتعالى، وفي مثل هذا المعنى يقول علي رضي الله عنه: (الزهد
