ما أشدَّ ورع عمر رضي الله عنه، وما أرخصَ نفسه في ذات الله تعالى، فإنه لم يرضَ أن يركب على المكان الوطيء لكونه أميرَ المؤمنين، لأنه لا يريد أن يكون هذا اللقبُ بذاته جالبًا له التعظيمَ والتبجيلَ، بل إنه يحب أن يُعاملَ كما يُعاملُ أيُّ فردٍ من الرعية، وهو في كل ذلك لا ينظرُ إلى كلامِ الناسِ، وما سوف يقال عنه، بل غايتُه الوحيدةُ أن يكون مقبولًا عند ربه جل وعلا، ولأجل ذلك كلِّه صدقَ فيه وفي صاحبه من قبلُ أبي بكر رضي الله عنه، وعلى رأسهما سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، قولُ ابنِ عمر رضي الله عنهما عندما سمع رجلًا يقول: (أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ قال: فأراه قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، ثم قال: عن هؤلاء تسأل؟)(43) .
وكتب عمرُ بن الخطاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما: (أما بعدُ، فإن القوةَ في العملِ أن لا تُؤخِّروا عملَ اليومِ لغدٍ، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركتْ عليكم الأعمالُ، فلم تدروا أيُّها تأخذون، فأضعتم، فإذا خُيِّرتم بين أمرين أحدهما للدنيا والآخر للآخرةِ، فاختاروا أمرَ الآخرةِ على أمر الدنيا، فإن الدنيا تفنى، وإن الآخرة تبقى، كونوا من اللهِ على وجلٍ، وتعلَّموا كتابَ اللهِ، فإنه ينابيعُ العلمِ، وربيعُ القلوبِ)(44) وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (لبسَ
